رسالة العلمانيين

رسالة العلمانيين

     لقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن كهنوت العلمانيين وخاصة في أعقاب إثارة موضوع “العلمانيين” في جدول أعمال المجمع المسكوني ودخول بعضهم قاعة المجمع، واعتلى منابر الكنائس وملا أعمدة الصحافة أساقفة وكهنة ومؤمنون ينادون بإسهام العلمانيين أكثر فأكثر في حياة الكنيسة ونشاطها، لا لأنهم أبنائها وأعضاؤها فحسب، بل لكونهم يشتركون في الكهنوت اشتراكا حقيقيا. فالشعب المسيحي، باتحاده المكين بالمسيح، يقدم معه وفيه، إلى الله، حياته الروحية وتسابيحه وتضحياته وعمله ألرسولي بمثابة فعل عبادة حقيقي.

      إن “كهنوت العلمانيين” ليس مفهوما جديدا إضافته كنيسة القرن العشرين إلى تعاليمها بل هو حقيقة تجد أصولها في الكتاب المقدس. فقد أعلن الرسول بطرس للمؤمنين الأولين قائلا: “أما انتم فجيل مختار، كهنوتي ملوكي، امة مقدسة، وشعب مقتنى لتشيدوا بحمد الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب   انتم الذين لم يكونوا من قبل شعبا، وإما ألان فشعب الله (1 بطرس 2: 9 – 1.).

    يدخل المسيحيون في شعب الله ويشتركون في كهنوت ابنه منذ أن يسيل ماء العماد على هاماتهم ويلمع زيت الميرون على جباههم. فلإنسان يحيا ولكن لا ثمن لحياته من دون أهداف تتعدى مقاييس هذا العالم الضمان إلى ما يسمو على متاهاته، فمن يا ترى يرويه سوى الإنجيل؟ ومن ذا الذي يقوده إلى هذا المعين إلا ذاك الذي مسحه عماده مبشرا وشاهدا فأصبحت الرسالة فرضا طبيعيا عليه وضرورة موضوعة على عاتقه كما قال بولس الرسول: “إن التبشير بالإنجيل ضرورة موضوعة علي فالويل لي أن لم ابشر”.

مسؤولية المسيحي تجاه الإنجيل

     كتب سيادة المطران دي سميدت، أسقف بروج في بلجيكا، “كيف تتجاسر جماعتنا الكهنوتية أن تقدم قربانها إذا لم تعمل كل ما بوسعها لإعلان بشرى المسيح للبشرية وتحيا هذه البشرى كي تكون حياتها مرضية من الله”. لا جرم في أن المسيحي لا يستطيع أن يجوب أقاصي الأرض ويمد في أيامه إلى يوم الحشر كي ينشر الإنجيل، إلا أن طموحه لا يجوز أن يكون اقل اتساعا، إذا أن عليه أن يعانق العالم بأسره، لان الذي دعاه لينطق باسمه فتح ذراعيه واسعا على الصليب ليضم شعوب الأرض قاطبة على قلبه. إن الفرد في شعب الله تترتب عليه واجبات تجاه دستور إيمانه، فهذا الإيمان الذي تلقاه في سكون عماده عليه الآن، وهو بالغ  أن يعلنه وينادي به على السطوح، وإلا أمسى عضوا عليلا، إن لم اقل ميتا، في جسم يحتاج إلى كل أعضائه سليمة نشطة. وان هذا الجسم لا يكون سليما إلا بسلامة جميع أعضائه فكذا جسد المسيح السري لا يكون كامل الحيوية إلا إذا كان جميع اعضائه صحيحة حية. ولكي تكون الأعضاء حية لا يكفي إلا تكون سقيمة، بل ينبغي ان تزخر بالنشاط والحركة لتنعش الجسم كله.

حياة المسيحي شهادة وتبشير

     ما أن حل يوم العنصرة حتى انطلق الرسل من مخبئهم ونزلوا إلى الميدان يعلنون قيامة المسيح ويبشرون الجموع الآتية من أقطار الإمبراطورية الرومانية بالعتق والخلاص، ويدعونهم إلى نور الإنجيل الذي بيسوع، فقد طال عليكم السكوت عما عرفوه ورأوه واني للبشير أن يسكت أو للشاهد أن يصمت.

    لازالت هذه رسالة مؤمني كل عصر وجيل إذ ليس للمسيح صوت آخر غير صوتنا ولا كيان غير كياننا ليستمر في حمل بشراه إلى المسكين والمناداة بالتخلية للمأسور، كما قال بيوس الثاني عشر: “اذهبوا يا أولادنا وبناتنا الأعزاء، اذهبوا إلى الوضعاء والفقراء، إلى المتألمين والتعساء والمنبوذين، اذهبوا وانشلوهم من شقائهم، كونوا فداة لهم ومعزين، أعضدوهم وارفعوا عزائمهم في وسط الشبيبة، كونوا معلمين ورفاقا وروادا لتجذبوهم جميعا إلى المسيح، ولكي يشعروا من خلال قلوبكم، بلطف المسيح وقبلته الإلهيين”. إن تراثنا الإنجيلي الذي يبقى جديدا على مر الأيام، وإيماننا المسيحي الذي الهم البطولات واروي الأجيال عدلا وحقا وسلاما، لا زالا اليوم كما في الأمس، الجواب الوحيد لعالم يفتش عن ذاته ويتلمس علة وجوده.

     فمن هذه الأغنام الراتعة في مراع غير مراعي الإنجيل، من هذه الخراف التي هجرت مرابض المسيح وراحت تقتات بإعشاب يابسة وترد أبارا جوفاء ترن في أذاننا أصوات مستحثة تطلب النجدة. اجل، على المسيحي أن يعلن أن المسيح هو الطريق والحق والحياة، ولا يغيبن عن باله أمر يسوع الأخير: “اذهبوا وبشروا وعلموا…”. إن هذا الأمر ليس وقفا على الرسل والكهنة حسب، بل هو إلى جميع المؤمنين لا لقلة الكهنة أو الراهبات، بل لان المعمودية نفسها تدعو كل مسيحي إلى الرسالة. لعمري من الذي بشر بالمسيح أولا؟ أليس هؤلاء العلمانيون المتنصرون حديثا من الجنود الرومانيين ويهود الشتات الذين غرسوا الكنيسة في جنبات العالم المتوسطي؟ أليسوا هم التجار الذين انطلقوا من بلاد مابين النهرين محملوا الدين المسيحي إلى أقصى الشرق فركزوه في الهند والصين؟ على العلماني، إذا، لن يفهم خطورة دعوته. فهو مسؤول أمام المسيح عن كل عتمة وفقر روحيين ينتجان عن إهماله أو تغاضيه.

خطيئة الصمت

    لقد أخطا من قال بان العالم غي مستعد لقبول الرسالة المسيحية، فالواقع هو أننا نحن لسنا مستعدين لإبلاغها إليه.

    إن إيماننا الضعيف وحبنا للراحة بنسيانها أحيانا واجبنا المسيحي الكبير إلا وهو إشراك غيرنا في كنوز عمادنا، كما أن “رفاهيتنا الروحية”، ورتابة ممارساتنا التقوية، التي نحسبها الدين المسيحي كله، تصور لنا الأعلم مقسما إلى فريقين “خراف الحظيرة” فريقنا، وفريق الآخرين المقدر لهم أن يبقوا”في الظلمة البرانية”.

    كم من المسيحيين هذا منطقهم؟ في حين إن ثلثي البشر لا يعرفون المسيح. وحتى من بين الذين تشملهم”لائحة” المسيحيين، كم هو عدد الفاترين واللامبالين والذين لا يعلمون من المسيحية سوى أنها دينهم الرسمي في هوياتهم الشخصية!

    إن أنانية هؤلاء المسيحيين لتشل أيدي العمل المسيحي وتجعل من الإنجيل، لكثير من البشر، كتابا جامدا، ومن المسيح شخصا تاريخيا مضى وانطفأ تعليمه معه، فاندرات بشراه. وينضم الخجل والحياء البشري إلى الأنانية، فهناك من يستحوذ عليه الحياء حين التكلم عن الإنجيل، ويتحاشى إظهار مسيحيته وكأنها شيء مشين، بينما يأتيه الكلام عفوا إذا ما تحدث عن الصواريخ والأقمار والمركبات الفضائية أو الأزياء والسينما ونجومها أو عن هذا أو ذاك من الشخصيات السياسية. لقد غاب عنه ما كتب رسول الأمم إلى تلميذه طيموثاوس: “لا تخجل من تأدية الشهادة لربنا كجندي صالح للمسيح يسوع، فان من تجند لا يرتبك في شؤون الحياة إرضاء للذي جنده”. ليت شعري كيف يسمع غير المؤمنين والمسيحيون الفاترون رسالة الحب والفداء إن لم تعلن لهم!

لقد حان للمسيحيين أن يستفيقوا

   ليسمح لنا أن نورد هنا صفحة من أروع ما كتب الكردينال سواننس، عميد مصف أساقفة بلجيكا واحد شهب المجمع، بشان الرسالة: “إن المسيحي الحقيقي ليس هو من حفظ إيمانه مثل كنز مخفي في الأرض، فالمسيح لم يعطنا الإيمان أنخفيه بل لننشر أريجه لعمري أي معنى لإنجيل لا يبشر به كخبر سار؟ وما هي قيمة كتاب لا يبلغ إلى المرسل إليه. اجل، ما فائدة نار لا تلتهب أو لسان يظل صامتا أبكم”؟

   ” في سبيل اكتشاف المسيح كان الأولون يذهبون مسرعين إلى إخوانهم. كما فعل اندراوس إذ هرع إلى بطرس وقال له “لقد وجدنا المسيح”. وفي عصرنا، لأوال المهتدون يفعلون كذلك، لأنهم لا يفهمون –ويحق لهم ألا يفهموا– كيف أن كنزا كهذا، أي المسيح، يبقى مخفيا! إن ردة الفعل الطبيعية عند المهتدي هي أن يعلن اكتشافه على وجه الدنيا، أما نحن الذين”عتقنا” في المسيحية وأصبح الإيمان لدينا شيئا عاديا فمخطئون، وخطانا لا يغفر. لقد آخذنا نصوغ فلسفات مبسطة لتبرير موقفنا من عدم التدخل، بينما ذهب بعض المؤلفين إلى التخفيف من قوة بعض النصوص الإنجيلية الآمرة بإعلان الحقيقة على السطوح، لأنهم يرون في ذلك قلة ذوق وتدخلا سافرا في حرية الضمائر. إن من يدعو إلى الاكتفاء بواجب الحالة الذي يبتلع أوقاتنا ونشاطنا يتجاهل إن واجب الحالة الأولى لكل مسيحي هو ذاك الذي يمليه عليه عماده، اعني به انه مسؤول عن خلاص قريبه”،.

      هذه الأسطرهي بمثابة صرخة تطلقها الكنيسة، بفهم احد أقطابها،                      إلى جميع أبنائها لينبذوا الحياة الهادئة الرتيبة فيجندوا طاقاتهم ومواهبهم لخدمة”الكلمة”.

مسؤولية المسيحي تجاه المجتمع

     يتحتم أن يكون المسيح حاضرا في جميع مرافق الحياة. فرسالة الكنيسة، وبالتالي رسالة المسيحي، ليست سجينة المعبد: أنها رسالة تربوية، اجتماعية. ودور الكنيسة في المجتمع البشري هو أن تكون “عنصر حياته” و”دم عروقه”. أنها القلب وهو الجسم، لذا يلزم أن لا ينبض هذا القلب إلا بالحياة. وعنصر الحياة هذا لا ينتعش وينعش إلا إذا مد جذوره وازدهر وأثمر ضمن المجتمع الذي يعيش فيه كل فرد مسيحي، فالمسيحي، بحسب دعوته الخاصة، يشرك من حوله بما عنده من الحب، والحب يهتم بغيره لأنه عطاء وبذل. وهذان، أي العطاء والبذل، يبدأن بالعائلة وينتهيان بالمجتمع على اختلاف طبقاته.

العائلة، خلية المجتمع الأولى

      إن المبدأ الكشفي القائل “واجب الكشاف الأول يبدأ في البيت” ينطبق على كل رسول، إذ عليه أن يكون شاهدا وبشيرا بادئ ذي بدء في عائلته. فالعائلة هي الخلية الأولى للكنيسة والمجتمع؛ لو كانت هذه الخلية مشبعة بمائية الإنجيل ومتفتحة على قضايا الكنيسة والعالم لكانت المعركة بين الخير والشر سهلة الخوض.

     إن الزواج المسيحي سبيل قداسة ودعوة إلهية، وكل دعوة تشترط مسؤولية، ومن ذا الذي يستضعف مسؤولية الزوجين المسيحيين تجاه بعضهما وتجاه هذه الأغصان التي تنبت من جذعيهما. إن الأولاد يقراؤون علم الحياة على والدهم اثني عشر شهرا في السنة وعلى ما يرون أمامهم سيشبون ويكبرون ويبنون مستقبلهم. سوف يطبعون على الأخلاق الكريمة والتضحية وحب الواجب إذا ما كان بيتهم مسرحا للحب الحقيقي والتعاون المشترك والاحترام المتبادل.

إذا طرق الرب الباب…

     إن كان جو العائلة جوا مسيحيا، يحاول الأبوان، بحلم ومحبة وفطنة أن يوجها أولادهما إلى التقوى والاقتناع بإيمانهم، بحيث يصبح إيمانا شخصيا، فلا بد لهؤلاء لبنين أن يقتسموا، منذ فتوتهم خبزهم مع الجائع وخميرة إيمانهم مع المحتاجين في رسالة علمانية أو في حياة كهنوتية أو رهبانية. ولكن حذار من أن يقف الأهل عقبة كأداء في وجه النعمة. فالأب الذي مهد لابنه مستقبلا باسما وخصه بدراسة عالية يجب أن يفهم إن الرب أحق به منه، إذا ما دعاه. وإلام التي هيأت لابنتها عريسا “حسب ذوقها” أولى لها أن تسكت إذا طرق المسيح باب قلب ابنتها. كم من ماس تلاقيها نفوس أبية كلفت بحياة كهنوتية أو رهبانية أو “رسوليه علمانية” لتجد فيها منفذا لسخائها، ثم اخمد جذوتها حنان في غير محله أو نصائح هزيلة هبطت بها إلى مستوى الأهداف العادية!

المسيحي، خميرة في عجين العالم

    “ليس غريبا عن قلب الكنيسة، فكل ما هو بشري وأنساني يعنينا. بيننا وبين البشرية اشتراك في الطبيعة، أي في الحياة بجميع هباتها وقضاياها. إن هذه الكلمات التي خطها قداسة البابا بولس السادس في رسالته العامة الأولى هي انعكاس لروح الانجيل المنفتح على كل إنسان. والمسيحي هو ابن هذا الكون وعليه أن يشترك في بنائه بقطرات دمه وعرق جبينه متعاونا مع كل ذوي الإرادات الصالحة فعالم الثقافة وعالم الاقتصاد والصناعة عالمه تماما كما أن عالم الروح موطنه. وهكذا تخترق حرارة جديدة وقيم إنجيلية حقيقية الفكر والعائلة والمصنع، المدرسة والجامعة، الحقل والمختبر، المكتب والنادي اللعب والتسلية وسائر وسائل الراحة دروب الحياة المجتمعية.

      من البديهي إن المسيحي لن يستطيع أن يحول العالم إلى فردوس ارضي، ولكنه ينتظر منه أن يجد في جعله واديا اقل دموعا وعالما يسود العدل والمحبة والسلام حسي أمنية البابا يوحنا الثالث والعشرين الذي قال: “كل واحد مدعو لان يسهم بسخاء في الحياة الثقافية والاقتصادية والحركات والأنظمة السياسية والتشريع وأي مظهر أخر من مظاهر الحياة الاجتماعية وتطورها الدائم”.

المسيحي، أمام مشاكل العالم واحتياجاته

      إن للمسيح كلمته في كل هذه القضايا وهو لا يلفظها إلا بلسان الكنيسة، وبلسان العلمانيين من أبنائها. إن رأي المسيحي في القومية يتصف بطابع الشمول والتضامن دون التنكر للقوميات الأخرى. أما التمييز العنصري فلا وجود لهم في تعليم الانجيل، وعلى المسيحي إن يكون رسول اندماج سلمي وتآخ حقيقي إذ “ليس بعد يوناني ولا يهودي، لا ختان ولا غرلة، لا أعجمي ولا أسكوتي، لا عبد ولا حر، بل المسيح، الذي هو كل شيء وفي كل شيء” حول قول القديس بولس. لن يرى المسيحي في الحرية انفلاتا أو انطلاقا لعنان الجشع وحب السيطرة بل اختيار الأنسب لكماله وتفتحه وخدمته المجتمع دون النيل من حقوق غيره. انه ينشر السلام كمنة من الله ويعمل كل ما في طاقته ليسود البشر، ويمقت الحرب كنقمة ويجاهد قدر استطاعته لإبعاد شبحها. انه ينظر إلى أحداث العالم ومشكله ويحكم إذاك متخذا طرق معالجتها ثم يعمل لإصلاح ذات بينها وإدخال المسيح في حلولها.

       على المسيحي الرسول إن يكون متأهبا لتلبية كل نداء، لا بل إن يسبق النداء ويمد ذراعيه لمساندة الفقير، ويجود بقلبه لمأساة البائس، وبعقله لخدمة الرقي والعلم، وبصوته لإغاثة من لا صوت له يسمع، وبقلمه للدفاع عن الضعيف. عليه إن يجند جميع أساليب الإعلام لخدمة قيمه العليا فيستخدم، لنشر الحق، النشرة السنوية والفصلية، المجلة الشهرية والمصور الأسبوعي، الجريدة والكتاب، الاسطوانة والسينما، الراديو والتلفزيون، المسرح والمنبر، الندوة والفن على اختلاف أشكاله.

  *  *   *

      إن نداء الرسالة موجه إلى الجميع إلا انه يتخذ مداره حول الشبيبة بنوع اخص، حول هذه القلوب السخية العطاء، الزاخرة بالآمال والطاقات. لذا تشعبت المنظمات الرسولية العلمانية، ومعظم أعضائها شباب، تهدف كلها إلى إنزال المسيح في كل ميدان. ولكننا سنكتفي يذكر بعض منها في هذا العدد لتكون بمثابة شهب تنير الدرب تحو التضحية ومهماز يستحث الهمم للشهادة وإعلان بشرى الإنجيل:

العمل المسيحي

   “العمل المسيحي هو تجنيد وإشراك العلمانيين في الرسالة الروحية التي تقوم بها الكنيسة لنشر ملكوت السيد المسيح، وذلك خارجا عن العنعنات والتفرقات السياسية”. بهذه الكلمات الوجيزة حدد البابا بيوس الحادي عشر حركة العمل المسيحي التي منها تشعبت سائر المنظمات الرسولية الآرامية كلها إلى إشعاع فردي وجماعي لقيم الإنجيل في الأوساط العلمية والمهنية والأدبية. فحيث لا يستطيع الكهنة إن يلجوا سليج العلمانيون  ومعهم خميرة الإنجيل، وسيحملون إلى كل الطبقات الاجتماعية ونور المسيح ومحبته. وهذا الإشعاع لا يتم إلا بعد اطلاع واقعي على حاجات البيئة التي ينتمون إليها لذا أنشئت منظمة العمل المسيحي على مبدأ”معالجة البيئة بالبيئة” وجعلت طريقها في العمل على ركائز ثلاث هي النظر أو درس واقع البيئة والحكم عليه على ضوء الإنجيل ثم العمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه. وعلى هذا المبدأ نفسه نسجت المنظمات التالية المنبثقة من روحها.

الشبيبة العاملة المسيحية J. O.C

     كان كاهن شاب من بلجيكا يتألم، منذ سني دراسته الاكليريكية، للهوة التي تفصله عن رفاق البارحة، إذ كان عاملا صغيرا، وفكر فيما عسى إن يفعله لإعادة هؤلاء العمال إلى قلب الكنيسة وانتشالهم من الماركسية التي تستهويهم. وما إن عين مسؤولا عن الحركات الاجتماعية والنقابات المسيحية في بروكسل حتى اخذ يتجول في الأحياء الفقيرة وينتظر العمال على أبواب مصانعهم ليتحدث إليهم ويتعرف إلى مشاكلهم وقبل إرساء أسس المنظمة التي حلم بجهات شرع بجمع بعض فتيات عاملات ليلقنهن أصول القراءة والكتابة ويمرنهن على الرسالة بالتحقيقات التي يجرينها في محيطهن العمالي تمهيدا لإعادته إلى حظيرة الإنجيل. هذه كانت النواة الوضيعة التي منها نشأت سنة 1925 منظمة “الشبيبة العاملة المسيحية” والكاهن الشاب، رائدها، هو جوزيف كاردين، ابن أب محام وأم خادمة، وقد رقي إلى رتبة الكاردينالية في ربيع هذا العام.

     فالشبيبة العاملة المسيحية حركة بين العمال الذين يقدرون دعوتهم المسيحية والإنسانية والشخصية والجماعية، تعمل على إيجاد حلول للمشاكل العمالية وإعادة الكرامة الإنسانية للعامل لئلا يكون عبدا للآلة والاستغلال. وهكذا تصبح عنصرا في بناء مجتمع أفضل يرتكز على العدل والحرية واللام. أنها تحمل رسالة الكنيسة لتحياها في المعمل وتعلنها بلغة العمال والكسبة عملا بتعليم بيوس الحادي عشر القائل: “إن رسل العلمانيين سيكونون من العمال”.

ولقد انتشرت المنظمة في بلدان العالم وباتت الكنيسة تلمس الخير الذي ينتج عنها.

الشبيبة الطالبة المسيحية J. E.C

     ولم تمر سنتان على الشبيبة العاملة وإذا بالشبيبة الطالبة تنطلق عام 1927 نحو المحيط الطلابي بعين الأسلوب وعين الأهداف. وهذه المنظمة هي حركة مختصة من العمل المسيحي تهدف إلى خلق شباب يعون مسؤولياتهم الرسولية في الكنيسة ليحملوا إلى إخوانهم الطلاب نور الإنجيل. وهذه الحركة لا تنتزع الشبيبة من محيطها، إنما تخلق فيها  وعيا بضرورة التعرف على مقومات المحيط في واقعه بما فيه من عقليات ومشاكل وحاجات، فتدفعها إلى استغلال القيم الإنسانية فيه لتجعل منها من ثم قيما مسيحية، وهكذا تعمل على تطوير البيئة وتحريرها من قيودها فتساهم في بناء ملكوت الله.

    إن المنظمة كما يحددها الدليل:” هي جماعة من الشباب من بيئة واحدة وقد وعوا مسؤولياتهم ورضوا برسالتهم وتبنوها. هم شباب يربطهم حب واحد وصداقة واحدة للمسيح، أرادوا إن يشتركوا معا في تهيئة نفوسهم بالصلاة والخدمة والجهاد”. فهي تدعو إذا الطلاب الذين تجد فيهم استعدادا لتلبية نداء المسيح في إن يكونوا رسلا له في محيطهم

      فتخرجهم من جو اللامبالاة وتنمي فيهم روح المسؤولية وتخلق منهم طلابا يعيشون ايمانهم كاملا فيكونون لإخوانهم نورا يضيء وملحا يصلح وخميرة تخمر العجنة، وهكذا تساعد على تغلغل الإنجيل في المحيط الطلابي وتمهد الطريق لدخول المسيح فيه.

    وتتبنى الشبيبة الطالبة أسلوب: انظر، احكم، اعمل. وتحاول إن تحقق أهدافها بواسطة منهج العمل ومراجعة الحياة والتأمل في الإنجيل. ففي كل اجتماع يحاول المجاهدون في المنظمة إن ينكبوا على دراسة لمشكلة من مشاكل الحياة فيسلطون عليها نور الإنجيل ويستخلصون منها مقاصد العمل. وفي مراجعة الحياة يستقون أحداثا من صميم الواقع الذي يعيشونه فيحاولون إن يكتشفوا على ضوء الإنجيل قيمة الأحداث ليتسنى لهم إن يتخذوا منها موقفا مسيحيا. وفي التأمل بالإنجيل يحاولون إن يعكسوا تعاليم المسيح على حياتهم الشخصية وحياة زملائهم.

الشبيبة المزارعة المسيحية J.A.C

    حينما اجتمع العمال في منظمة توجه طاقاتهم الرسولية نحو المحيط العمالي، وحين انشأ الطلبة حركة يجدون فيها منفذا لغيرتهم الرسولية في المحيط الطلابي. كان لابد للشبيبة المزارعة والفلاحية إن تحذو خذوهم وتتكاتف معهم في أفق الفلاحة والزراعة لجعل المسيح محور حياتها اليومية. وهكذا تأسست “منظمة الشبيبة المزارعة المسيحية” سنة 1929 لإعادة جذوة الإيمان وحب المهنة إلى الشباب الفلاحين ومكافحة النزوح إلى المدن.

    “فالشبيبة المزارعة” حركة رسولية تتجه إلى جميع المزارعين من كلا الجنسين، وغايتها تكوين مزارعين مستعدين إن يفهموا ويعيشوا إيمانهم المسيحي وسط المشاكل اليومية، المؤقتة أو المزمنة، في حياتهم الفلاحية، لاشك إن إمكانيات الطلبة أغزر واطلاعهم على احتياجات الكنيسة أوسع إلا إن إخوتهم المزارعين ليسوا اقل متهم سخاء إذا ما اقتنعوا بمسؤولياتهم المسيحية ؛ فهم الرسل الأصليون لزملائهم وهم  وحدهم يتقنون اللغة التي يجب إن تعبر خلالها مبادئ الإنجيل إلى رفاق الحقل والحراثة والحصاد.

    إن هذه الحركة الفلاحية ليست رسولية دينية فحسب، بل تهتم أيضا بثقافة أعضائها المهنية والإنسانية وتمل لزيادة معلوماتهم في سائر المجالات الحياتية وتطوير سبل مهنتهم متخذة الوسائل الفعالة لتستجيب إلى مختلف ميول المزارعين، وهكذا نشأت في حضتها سنة 1962 ثلاثة فروع أخرى تلاؤم اختصاص المنتمين وهي فرع الشبيبة المسيحية لمنتسبي المهن الزراعية وفرع الشبيبة المسيحية للمهن اليدوية والمصالح الصغرى وفرع الشبيبة المسيحية المزارعة للمهن الصناعية.

الليجيو ماريه (الأخوية المريمية)

    حركة رسولية أخرى نبتت في تربة ارلندا سنة 1921 عندما أحاطت نخبة من الشباب بتمثال العذراء وسيطة جميع النعم إحاطة الهالة بالقمر، مستلهمة السماء عما يمكنها فعله لنشر ملك المسيح وإيصال إشعاعه إلى كل حي ومنزل. ومنذ ذلك الحين نشأت بين مريم ومنظماتها رباطات الأمومة وتراصت الصفوف حول “موزعة النعم” وكأنها جيش روحي جرار كلمة سره “مريم والرسالة” وشعاره العمل الحثيث لربح الجموع للمسيح بواسطة أمه القديرة.

    إن اللجيو ماريه منظمة علمانية غايتها وبنيانها روحي محض وهي تدعم القوى الأخرى العاملة في الكنيسة لجعل الإنجيل دستورا لحياة المسيحيين وجعل الإيمان الكنز المتوارث اقتناعا شخصيا مكتسبا، تنعكس أضواءه على الحياة اليومية والعلاقات والتفكير. فالإشعاع المسيحي لا يتم إلا بنسبة هؤلاء “العلمانيين الفضلاء المستنيرين ألثابتي العزم ذوي الإقدام والجرأة الرسولية الحية”. حسب قول البابا بيوس العاشر.

    تمتاز اللجيو ماريه بدقة تنظيمها ومناهج أعمالها الرسولية وتوجب على كل أعضائها، كفريضة جوهرية رئيسية، إن يقوموا كل أسبوع بعمل رسولي نشيط ويؤدوا عنه حسابا في اجتماعهم الأسبوعي. والمشاريع الروحية التي تتبناها الفرق المريمية تختلف باختلاف البيئات فهناك فرقة تعمل في الإنعاش الروحي لمنطقة معينة واخرى تختص بزيارة المرضى والفقراء. هذه تتفانى في سبيل إدخال التعزية والثقة إلى قلوب السجناء وتلك تجاهد لانتشال المغرورين من الحانات والمواخير الليلية، وتلقي بذور الصلاح بنشر الكتب الصالحة، أنها كلها تسعى لرفع المستوى الروحي إلى صعيد من الكمال اسمي وتهدف إثارة الاهتمام الجدي بالمواضيع الدينية، جاهدة إن تحقق الأمنية التي تطلقها حناجر أعضائها كل يوم:” امنحنا يا رب إيمانا جريئا يدفعنا إلى إن نباشر ونحقق بلا تردد أعمالا جليلة لأجل الله وخلاص النفوس”. وينتمي إلى المنظمة المريمية في مختلف أنحاء العالم أكثر من عشرين مليونا.

لجان التعليم المسيحي

    بجانب هذه المنظمات المتجهة صوب الشباب نمت حركات أخرى للاهتمام الديني بالأحداث والفتيان نذكر منها لجان التعليم المسيحي التي نشهد منها في بعض مدننا العربية كبغداد وحلب والموصل وبيروت. إن أعضاء هذه اللجان شباب وفتيات متطوعين يسترقون من أوقات راحتهم وعطلهم الأسبوعية أو الصيفية لتلقين أصول الدين المسيحي للأولاد الذين لم يحظوا بتعليم ديني في مدارسهم وإعدادهم للمناولة الأولى.

    أنها لرسالة جليلة تشيد الأسس لمسيحية واعية. وتتضاعف ضرورتها في بلاد الرسالات حيث الكهنة لا يستطيعون ذلك والمسافات شاسعة.

فرق السيدة للعيال المسيحية FOYERS  N. D.

    تجاه خطر الانكماش وصعوبات الحياة وتجاه التفسخ الذي ينخر في المجتمع نخرا اتحدت بضع  عشرات من العيال منذ سنة 1947، تحت  راية مريم شفيعة كل العوائل  في فرق منظمة كي تعمل متكاتفة لتحيا إيمانها المسيحي.

تتكون كل فرقة من 4 إلى 6 عوائل تختار إحداها كمسؤولة عن الفرقة كلها. وقبل إن تدخل العائلة في صلب الفرق تقضي سنة تمهيدية قبل إبراز وعدها. أما عدد العيال المنتمية إلى هذه الفرق سنة 1965 فهو 12…عائلة منتشرة في 32 بلدا ويديرها مجلس رئاسة مكون من كهنة مرشدين وعوائل. ومن أهم واجبات العوائل المنتمية إلى الفرق القيام برياضة روحية سنوية وتلاوة صلاة مشتركة في العائلة وذلك علاوة على حضور الاجتماع الشهري الذي يستهل عادة بغداء مشترك في إحدى العوائل. وبعد الغداء يتلو المجتمعون صلاة مستقاة أو مستوحاة من المزامير والليتورجيا  على نيات الكنيسة وعلى نياتهم الخاصة  ثم يجلسون لتبادل الآراء على ضوء حياتهم العائلية ومتطلبات إيمانهم المسيحي أو التعمق في روحية الأسرة. ويتطرقون في السنين الثلاث الأولى إلى المواضيع التالية: الزواج المسيحي وهبة الحياة وسبل الاتحاد مع الله. وهكذا تجد العائلة  المسيحية الأبعاد الخلقية بدعوتها السامية وتحقق رسالتها كمركز حرارة واشعاع لمبادئ الإنجيل.

أمنيتنا

    أمنيتنا هي إن نرى مثل هذه الحركات الرسولية وغيرها تنتشر في أوساطنا المسيحية الشرقية. وليسمح لنا إن نوجه إلى شبابنا النداء الذي قاله البابا بيوس الثاني عشر لإحدى فرق الشبيبة: “ولكي تستطيعوا القيام بهذه المهمة – مهمة بث روح المسيح في ميادين الحياة – كونوا انتم أنفسكم متشبعين بهذه الروح وعائشين من مائية حياة يسوع بتقدمكم المتواتر من الأسرار وملازمتكم الصلاة. كونوا راسخين في عقيدتكم وطائعين لكل من أقامه الروح القدس على رعاية كنيسة الله.

    وهكذا تصبحون وسط شبيبة بلادكم هذه الخميرة التي تخمر العجنة كلها باختلاطها الكامل معها.

                                         الأب جرجس القس موسى

Advertisements

صراع مع النعمة

صراع مع النعمة

جوريس كارل ويسمانس

                              (1848 – 1907)

        في صباح 28 أيار 1891 دخل كنيسة مار توما الاكويني، في باريس، رجل طويل القامة، عريض الكتفين، غريب الأطوار، مقطب الجبين وبادر الكاهن قائلا له مع قليل من الدهاء: “جئت أسالك” بياضا “لابيض به نفسي، فهل لك أن تجيب طلبي؟”

       نظر الكاهن إلى هذا العملاق الذي تبدت ملامح الكهولة على وجهه وقرا على محياه قلقا باطنيا عميقا دفعه إلى اتخاذ هذه الخطوة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على رغبة ملحة في الإيمان.

السنون الأولى

    من هو هذا الرجل الذي أتى ملتمسا عطف الكاهن في مثل هذه الساعة المبكرة، بعد القداس الإلهي؟

–         انه جوريس كارل ويسمانس.

       ولد في باريس في 5 شباط 1848 من أب فنان، هولندي المنشا والجنسية، اسمه كودفروا ويسمانس كان قد نزح إلى عاصمة الفن والجمال ليلتحق بزوجته الفرنسية مالفينا بادين، حفيدة فنان بارع آخر نال جائزة روما للنحت. فلا عجب، والحالة هذه، وان ورث الصبي من والديه محبة الجمال بكل مظاهره وألقى بنفسه المرهفة بين أحضان الفن.

     ولقد ورث جوريس من والده شيئا آخر لازمه طيلة حياته، هو التشاؤم. وكان قد بلغ هذا التشاؤم حدا كبيرا عند كودفروا بحيث اعل صحته واقعدة عن العمل، فسبب ذلك متاعب جديدة للعائلة إذ أمست بلا معيل، ونشبت بين الزوجين التعيسين سلسلة من المشاجرات انتهت بموت كودفروا.

     كان لذلك الموت المبكر الذي طوى رجلا عاش يائسا ومات يائسا، أسوأ الوقع على قلب فتى أمسى بين عشية وضحاها فريسة أهواء أم قاسية، ومما زاد في الطين بلة هو زواج ثان عقدته الارملة المتعطشة إلى الحنان، بعد بضعة أشهر فقط من وفاة زوجها الأول، فكظم الصبي ألمه وعاش منكمشا على ذاته مبتعدا عن صخب اقرأنه في المدرسة.

      بعد الدراسة الابتدائية دخل جوريس معهد لويس الكبير ليتلقى علومه الإعدادية هناك. وعلى أمل الشهادة التي ستمكنه من خوض معركة الحياة   انكب على كتبه يلتهمها بنهم وهمه الوحيد أن ينال قصب السبق بين أقرانه. ولقد تفوق عليهم، لا في ترؤسه الصلوات حسب، بل في دروسه كلها أيضا وخاصة الشعر، فكان يحفظ على ظهر قلبه عشرات القصائد ويتلوها بحماس أمام أساتذته الأمر الذي جلب عليه نقمة بعض الطلبة واستهزاء البعض الآخر، كيف لا وهم يرون أنفسهم لوطا منزلة من هذا اليتيم المعدم الذي لم يتسن له أن يلبس بدلة جديدة، بل كان يرتدي ثياب أخواله التي هجروها، ولا أحذية سوى المرقعة.

     بعد ذلك الجهد تزود الطالب الذكي بشهادة البكلوريا وبدء حياته العملية في إحدى دوائر وزارة الداخلية الفرنسية. ولكن سرعان ما ناداه العلم المثلث الألوان في تموز 187.، فانضم إلى قوات بلاده في الحرب الألمانية – الفرنسية.

 أديب وفنان

     غادر جوريس ويسمانس ساحة الحرب بعد أن ترك تقهقر جيشه جرحا بليغا في جبين عزته الوطنية، وانصرف إلى الفن مقتفيا خطوات أبيه وجده في هذا المضمار، فكان يتنقل من متحف إلى متحف ليبحث عن نماذجه، وكانت لوحته الرمزية تعكس أسلوبه الأدبي الزاخر بالألوان الشعرية الجريئة.

      إن من قراء كتب ويسمانس، وخاصة الأولى منها، لا يسعه إلا أن يتذكر اميل زولا الكاتب الماجن، الذي ذهب في تصويره دقائق الأشياء إلى أقصى حدود الواقعية العارية من كل ظلال، لا جرم في ذلك  فان ويسمانس تلميذ لزولا، وفضلا عن ذلك فان قلبا سريع التأثر كقلب ويسمانس كان المأوى الأمثل لرومانطيقية القرن التاسع عشر.

يقظة الضمير

      ولكن ويسمانس مل هذه الواقعية السافرة واستيقظ من أحلامه الخيالية، فوجد نفسه جريحا يتخبط في حماة الأهواء وقد سقط في مزالق اللحم والدم، فهتف من عمق ليلة الدامس في الكتاب الذي نشره سنة 1884 بعنوان “رأسا على عقب”: “يا رب ارحم مسيحيا يتردد في إيمانه، ارحم جاحدا يروم العودة إلى الإيمان، ارحم محكوما عليه بالإشغال الشاقة يبحر وحيدا في دجنة ليلة حالكة، تحت سماء كالحة، انطفأت عنها منارات الرجاء. “ومن ذلك اليوم هجر مدرسة زولا” لان لم يعد يطيق السير في الدرب الملطخ بأبشع أنواع الأهواء البشرية التي يرتشفها روادها بطمأنينة، لا يبكتهم ضمير ولا يردعهم رادع”.

     في هذا الكتاب الذي كان دليلا واضحا على يقظة ضمير الرجل، ينجلي لنا يأسه من الحياة التي خدعته وهوت به إلى حضيض المادة “فألقى نفسه ظمآن إلى اللامحدود في مجتمع لم يعد يؤمن إلا بالمحدود” حسب قول صديقه باربي دورقيلي الذي وصف كتاب ويسمانس “رأسا على عقب” “بحقل محصور لم يبق فيه إلا جذور الصليب”.

     إن هذه الجذور نبت”.أورقت عندما وجدت مياه النعمة إليها مسلكا، تماما كما تمتد أغصان الكرمة يانعة متمايلة بعد أن ينقضي نصف عمرها وكأنها عيدان مبعثرة لا خير فيها يرتجى.

    “يائس يجهل ذاته”. أنها الكلمة الوحيدة التي تنطبق على واقع ويسمانس آنذاك، فقد كان بالحقيقة يجهل نفسه ويجهل أين بلغ به طريق الحياة لان البصيص الذي اكتحلت به عيناه لم يدعه يرى سوى الأوحال التي اكتنفته منة كل جانب.

إن النار الخامدة ما أن تلفحها أنفاس لهواء حتى يشعر أوارها، ما حدث ليسمانس، فانه بعد أن خمدت جذوة إيمانه سنسن طويلة استيقظت نفسه ظمأة إلى الحياة وبهرتها أنوار المسيحية” لأنه تعشق جوها المعبق بالبخور وأخذت حبات فؤاده بمزاميرها وترانيمها.

     ولكن الكنيسة وان استهوته، إلا أنها أرعدت فرائصه أيضا في آن واحد: استهوته لأنه رأى فيها الدواء الوحيد لإسقامه والملجأ الحصين لهمومه والمعقل الآمن ضد هجمات العدو. ولكنه هابها من اجل الصراع الذي تتطلبه من قلب أن يستقر بين أحضانها، لان ويسمانس لم يكن ليرضى بالحلول الوسط. انه يتوق إلى الإيمان بيد أن هذا الإيمان يدعوه إلى إجراء تغيرات جذرية في حياته، فقد قال في كتابه “على الدرب” الذي ضمه قصة اهتدائه: “لو أمنت واعتنقت الكثلكة لا يمكنني أن ارضي بإيمان فاتر وسطحي لا تدفئه سوى أنفاس غير زائفة. إن الحلول الوسط والمهادنات لا تروق لي ويا لتعسي لو اسمررت انتقل من المجون إلى التناول ومن فترات دعارة إلى لحظات تقوى، اجل على أما أن اقلب حياتي رأسا على عقب أو ابقي لا أحرك ساكنا”.

متهتك تائب يتعشق الليتورجيا

     في مساء ذات يوم   بعد نهار قضاه ويسمانس بالتسكع في الشوارع لقتل الوقت وإبعاد الكرب عن نفسه المتعبة، دخل منهوك القوى إلى كنيسة سان لويس الشهيرة لينال قسطا من الراحة ويصلي بصمت، بعيدا عن ضوضاء باريس ومغرياتها، فجلس في زاوية معتمة ينصت إلى مزمور المساء “من الأعماق صرخت إليك يا رب” فإذا به يسمع نفسه تئن مع ذلك “اللحن البطيء الذي تتناوبه أصوات تحت قباب المعبد الشاحب”.

     في غضون سنة 1892 كان دورتال وهو الاسم الذي انتحله لنفسه في كتابه “على الدرب” يرتاد عددا كبيرا من كنائس باريس ويقضي فيها ساعات طويلة واجما يصلي ويشترك من بعيد في الحفلات الطقسية فيتذوق عذوبة الليتورجيا التي يشبهها “بعكاز سحري تتوكأ عليه نفسه”. إننا لا نعجب من ذلك فان شخصا أولع بالفن كويسمانس لا يمكنه أن يمر أمام الهياكل التي تتحدى الأجيال، دون أن يعير اهتماما لما تحويه بين ثناياها من ضروب النحت والتصوير والهندسة، ولابد لنفسه المتعطشة إلى غذاء روحي دسم أن تقتات من”موائد الليتورجيا”.

     وقد خص ويسمانس إحدى هذه المعابد بمحبته وهو معبد الراهبات البندكتيات في شارع “مسيو” حيث شعر لأول مرة بشوق إلى التناول عندما رأى أمامه صفوف الراهبات يتقدمن ويتقبلن خبز الحياة، فقال في نفسه:” لو أكلت أنا أيضا من هذا الخبز لعدت إلى الحياة!”.

صراع هائل

    تحولت حياة ويسمانس إلى صراع مستميت بين النعمة والشيطان، بين قوى الخير والشر. انه يكافح بلا هوادة” ليهدم حصن الخطيئة” الذي يقف عقبة كأداء في مسيرته نحو المسيح ولكن أني للمسكين أن يخرج بمجرد رغبات ومقاصد من الديجور الذي يتخبط في ظلماته منذ صباه. عليه أن يجابه العدو بقبضة المصارع ويتدرع بإرادة فولاذية لئلا يباغته المارد من حيث لا يدري.

    في العراك الهائل كم من مرة هوى ويسمانس إلى الحضيض مثخنا بجراحات دامية، لان أهواءه العارمة كانت تراوده في كل مكان وتعيد إليه لذة لياليه الفاجرة، فتقوده قدماه، من دون مقاومة، إلى بيوت النساء اللواتي  لعبن بقلبه وعبثن بحياته، ولكن سرعان ما تتخمه كاس إغرائهن فيعود أدراجه تنتابه سهام الندم إلى أن يأتيه النعاس فتتقاذفه الأحلام مرعبة… ويستيقظ الرجل الحائر ليقضي من جديد بضع ساعات في الكنائس يناجي ربه بقلب منكسر ويسترحمه على حياته الخاطئة ساردا وقائع ليله السابق أمام ساكن القربان ليقبل توبته ويدفئه بنظرة من حبه. إلا انه ما أن يودع الكنيسة حتى تتبخر مقاصده كما صرح هو نفسه: “إني اضطرم حماسا في الكنيسة ولكن عزيمتي تفتر حين خروجي إلى رواقها لتتجمد عند مغادرتي إياها”.

    كانت عوامل اليأس والرجاء تتناوب ويسمانس في تلك الفترة المضطربة من حيته، فينتقل من الكنيسة إلى الأرصفة ومن خلوة المعابد إلى صخب العاصمة اللاهية   يهيم على وجهه في شوارعها الطويلة مدة ساعات، ولكنه كان من وقت إلى آخر، يلقي نظرة حنان وثقة بنوية على مريم أم الرحمة وملجأ التائبين فيدعوها بعينين دامعتين: “يا من لم تقومي بمعجزة واحدة في حياتك الأرضية، ما أغزر عجائبك اليوم. أنت ضياء الصلاح الذي لا تدركه الظلمة، أنت ملجأ لمنكسري القلب، يا مريم أم الرحمة والشفقة”.

خطوة جريئة

     إن العذراء لا تخيب أمل قاصديها ولم يسمع قط أنها نبذت من التجأ إليها، لذا أصبحت لحياة ويسمانس نجمة هادية وإما ساهرة تقود خطواته المتعثرة، فألهمته أن يتجه إلى كاهن يرشده وينير دربه الوعر هو الأب مونييه P.Mugnier، والأب مونييه كاهن فاضل ذو حياة روحية عميقة “ووجه متزهد ونفس اقرب إلى السماء منها إلى الأرض” حسبما تخيله ويسمانس في اللقاء الأول.

    بعد مدة طويلة عن لويسمانس أن يعود إلى صديقه الكاهن، فسار بخطى بطيئة قاصدا منزلة وهو يتساءل في ذهنه عما سيقول له الرجل تجاه ما تراكم على ضميره، هو المتحرر الطليق الذي لم يلجم عنان حواسه وثورة جسده الملتهب. أيخضع لأفكار شخص لا يعرف منه سوى عينين صارمتين وابتسامة داهية تسبر عمق كيانه؟ توقف الكهل المارد ورفع قبضته ليطرق بابا عتيقا نبت على جوانحه الطحلب، ولكن دقات قاله تسارعت ولم تطاوعه يده فعاد القهقرى كالفارس المغلوب.

    على إن النعمة لم تتركه ينزلق مرة أخرى في ظلماته الحالكة، فخيل له إن عيني الكاهن تحدجانه وقرا فيهما التأنيب تارة والرقة والحنان طورا. وبعد صراع داخلي مرير كانت الكلمة الأخيرة لعنصر الخير الكامن في هذه الإرادة التي زعزعت كيانها هجمات العدو المتكررة. وعاد أدراجه وقد أعياه التعب. وبينما هو في الطريق تزاحمت عليه الأفكار ثانية واخذ يحوك الحجج تلو الحجج لتبرير عودته إلى الكاهن بعد هجر طال أمده.

    وتوقف فجأة أمام منزل الكاهن وأقصى عنه مخاوفه وقال في نفسه: “علي أن أكون صريحا، فذلك أولى. سأقول له دون تردد: “هوذا سبب مجيئي: إني أتيتك مسترشدا، إلا إني لست عازما على إتباع إرشاداتك. إني بحاجة ماسة إلى التحدث إلى غيري وإطلاق العنان لنفسي، ولذا استحلفك أن تتصدق علي بساعة من وقتك”    عندئذ قرع الباب قرعات خفيفة وكأني به لا يريد إشعار الأب مونييه لئلا تلتقي عيناه بعيني الكاهن الفاحصتين، وبلمح البصر ظهر شبح الشيخ الوقور على الباب واستقبل التائب ببشاشة ولطف. وبعد الاستماع إليه طويلا ناوله رزمة من الكنب الروحية كغذاء لنفسه الظمأى وأشار عليه بمعالجة أسقامه وتصوراته الشائنة بالصلاة كل صباح وكل مساء وأوعز إليه أن لا يكف عن التردد إلى الكنائس، وخص بالذكر منها مزار سيدو الانتصارات الواقع في قلب الحي التجاري، لان هذه الكنيسة تعج بالمصلين فور فتح أبوابها وتظل غاصة بالمؤمنين إلى حين إغلاقها. ومثل هذا الجو، حيث مشعل الإيمان لا ينطفئ ودموع الشموع لا تنفك تسيل مع عبرات الخطاة الباكين على آثامهم، لا بد له من أن يلين في صلاة خاشعة أكثر القلوب صلابة.

     وقبل أن يودع الكاهن زائره القلق، وعده بان يطلب من اجله صلوات راهبات محصنات كي يساعدنه على حمل صليبه الثقيل وغادر ويسمانس الدار وهو يردد في ذهنه كلمات الكاهن الأخيرة التي قالها وهو يوصد الباب قبل أن يعود إلى خلوته: “اذهب بسلام وقلل من عدد خطاياك”.

إلى دار الاستراحة

     تكررت زيارات ويسمانس للكاهن الذي اخذ نفسه بحكمة ودراية، وقد تم التجاوب بينهما. وبعد مدة طويلة رأى الأب مونييه إن الوقت قد حان ليرسل ويسمانس إلى مصح روحي ليرحض في نفسه الملوثة ويلبس ثوب البرارة خلعه منذ أمد بعيد، فكتب إلى رئيس دير سيدة اتري للرهبان السكوتيين يطلب إليه السماح لويسمانس في قضاء رياضة تستغرق أسبوعا في ديره. والمعروف إن أديرة السكوتيين تخصص جناحا كاملا للمرتاضين كهنة كانوا أم علمانيين.

    وفي انتظار الجواب، اخذ ويسمانس يتذرع بحجج واهية لدعم موقفه السلبي من عرض الأب مونييه: “إني لا استطيع مطلقا أن أعيش في الدير حيث لا ياكل ساكنوه إلا بقولا مطبوخة بالزيت أو بالحليب”. ثم أثار المجرب في مخيلته شبح الدخان الذي قد لا يسمح له أن يصعده في فضاء الدير. وارتعدت فرائصه بغتة حين تصور ذاته جاثيا أمام الكاهن ليعترف بخطاياه، لأنه لم يشك قط في أن نية الأب في إرساله إلى الدير هي أن يعترف ويتناول. أن يرى الحماة التي هو فيها غائص، فكيف يمكنه أن يقدم على هذه الخطوة، أيتقدم من سر المحبة والطهارة وهو الذي لم يترك مستنقعا إلا وألقى بنفسه فيه؟

    بيد أن الأب الوقور كان يشجع التائب ويقدم له امثولات عن رحمة الله ومحبة المسيح للخطاة التائبين فسرد له قصة المجدلية الخاطئة وقصة بطرس هامة الرسل ودعاه إلى الاعتصام بالله الذي هو احن الآباء وارحمهم وقال له بأنه هو نفسه يشعر بوهنه وعدم استحقاقه عند ارتقاء المذبح كل صباح ليقدم الحمل الطاهر محرقة إلى أبيه السماوي. وأشهر ويسمانس آخر سهم في جعبته، فبادر الأب قائلا بأنه لا يملك ذرة من حب الله فكيف له أن يختلي في دير لا هم لساكنيه سوى حب الله. فأجابه الأب بهدوء ورقة: “ولكنك أنت أيضا تملك هذا الحب بمجرد رغبتك في اقتنائه واسفك على أن لم تمتلكه بعد. انك تحب الرب لكونك تريد أن تحبه”.

     وجاء جواب رئيس الدير مرحبا بالمرتاض. فحزم ويسمانس حقائبه وتزود بعشرات الكتب الروحية والتصوفية   ثم توجه إلى خزانة الثياب ليختار له منها ما يكفي سفر سنة كاملة! ووضع في جيوب سراويله وبطانة ثيابه علبا من السكر والحلويات المتنوعة والسكاير وأعواد الثقاب وأشياء أخرى كثيرة، وأخفى الكل تحت رزم من الأوراق خوفا من أن تفتش حقائبه لدى دخوله الدير.

     واقبل المساء الأخير. وقبل أن يغلب النعاس أجفانه ركع ويسمانس أمام سريره وتمتم صلاة حارة أخرجها من أعماق فؤاده وقال مخاطبا المسيح: “إن نفسي ارض صلدة ومستنقع نتن. أنها لم تتعشق حتى الآن سوى الفساد، وقد أرغمت جسدي التعس على دفع الجزية لقاء متعها الموبوءة وأفراحها المحرمة. إن قيمتها الضئيلة حقا، لا بل ليس لها قيمة تذكر. ولكنك يا رب، إن ساعدتني هناك – في الدير – فانا موقن باني سأذللها، أما إذا كان جسدي عليلا، فلا يسعني أن أرغمه على طاعني! لأنك يارب إن لم تعضدني أنت فانا اعزل، انظر إلى ضعفي يارب… فاني إن كنت لا املك حبا خليقا بك فاني أقدم لك هذا الضعف، لأني عالم بأنه البرهان الوحيد الذي استطيع أن أقدمه لك دليلا على رغبتي وإيماني ورجائي فيك… فاعضدني إذا يارب!”.

    وفي اليوم التالي –وكان ذلك في تموز 1892- ركب ويسمانس القطار باكرا جدا وما هي إلا سويعات حتى وجد نفسه أمام باب الدير فقرعه، بعد أن تردد، بيد مرتجفة وانتظر هنيهة ظنها دهرا، وإذا بوقع أقدام تقترب من الداخل ببطء وانفرجت زاوية صغيرة من الباب، فرحب بالمرتاض الجديد وجه باش، أضفت اللحية الكثيفة على تجاعيده هيبة ووقارا. فتبعه ويسمانس في تلك الأروقة الطويلة بصمت وهو يكاد لا يصدق بأنه في دير السكوتيين بالذات. وقاده الأب إلى الغرفة التي أعدت له وهي عبارة عن قلاية حقيرة ذات سقف عال على هيئة “فوهة مدفع” حسب تعبيره، يتوسطها باب واطئ وكوة تسمح لخط من نور الشمس أن يضيء منضدة متواضعة القيت  عليها لائحة مغبرة وقد كتب عليها منهاج أيام الرياضة.

     ولما أتى المساء خرج ويسمانس إلى إحدى شرفات الدير ليطلع إلى القمر المتهادي فوق رأسه، فشعر بسلام عميق يغمر كيانه كله، فخال نفسه في “دار استراحة” روحية  وفي “ارض مقدسة”. إن كل ما في هذه “الواحة” يدعوه إلى التفكير بالله والتأمل بجماله الذي ينعكس في النجوم المتألقة وصداح الطيور الليلية المتعششه على ذرى الأشجار الباسقة، وفي هذا الصليب الضخم الذي يتموج ظله في البركة الهادئة. انه يرتفع عاليا ليضم إليه الدير وساكنيه بذراعيه المفتوحتين.

     وبعد ساعة عاد إلى غرفته وألقى بنفسه على مركعة وفاضت دموع الندم والحب من مآقيه، سكبها أمام المصلوب وهو يقول له بصوت خافت متقطع: “أيها الأب، إني قد طردت أعداء نفسي الذين كانوا يشبهون صغار الخنازير بضراوتهم فوطئوني بأرجلهم ولطخوني بأوساخهم. ألطف بي يارب، لأني عائد من بعيد، ارحم يارب شريدا يلتمس مأوى! إني دخلت بيتك فلا تطردني بل أحسن وفادتي واغسلني!”.

أنا اعترف…

     وأخيرا اقبل يوم الاعتراف المرهوب فاخذ ويسمانس كتابا صغيرا ليتعلم فيه كيف يعترف. وانتصبت أمام مخيلته وقائع حياته الماضية بماسيها، بأهوالها وأوحالها، واستعاد شريط شبابه التعيس وكهولته النتنة وكاد يغمى عليه من شدة الهول.

    كيف يقص كل هذا على الكاهن؟

   أو يمكنه أن يسرد حوادث حياته الأثيمة على رجل غريب؟

    وبكى المسكين وقال بصوت تخنقه العبرات: “يأرب، يارب، إن جرائمي لكثيرة حقا!”

    وعاد ثانية ليفكر فيما تراكم على ضميره منذ اعترافه الأول، وهالته الهوة التي سقط فيها، فجف ريقه وسال عرقه مدرارا. ونظر إلى ساعته فعلم انه لم يبقى سوى خمس دقائق لموعد مجيء الأب المعرف، فتوجه إلى الغرفة المعينة وهو يترنح ذات اليمين وذات اليسار وكأنه ثمل، وألقى بنفسه على كرسي ثم استقام فجأة كبهيمة طريدة اكتشف مخبأها وساورته تجربة الهرب ففكر في حزم أمتعته والوثوب إلى القطار. وبينما هو على هذه الحال، دخل عليه رجل حليق ترتسم الرزانة على خطوط وجهه المتزهد، وتمنى ويسمانس لو وافته المنية قبل أن يبوح بشيء له. ولكنه بالرغم من تخوفه جثا إزاءه، إلا انه ظل صامتا لا ينبس ببنت شفة.  وأخيرا حل عشيء،سانه فقال متلعثما: “إني ارتكبت كل القبائح… قد فعلت كل شيء، كل شيء!”. وانفجرت عيناه بالدموع وصمت.

ولما رأى الكاهن ذلك، أشفق على التائب المسكين وقال له:

“إن نفسك تعبة الآن ولا أود إعياءها أكثر. اذهب وعد غدا”.

وعاد ويسمانس في اليوم التالي.

    وشرع يسرد خطاياه للكاهن مبتدئا بالصغيرة كالنميمة والدينونة الباطلة والكذب والغضب. واستطرد يقول بنبرة آسفة تنم عن ندامة حقيقية بأنه ترك كل ممارسة وهجر الكنيسة وجحد الإيمان بالله منذ تناوله الأول. ثم توقف بغتة كمن يريد تجنب صفعة لأنه، بعد أن انتهى من الجهر بخطاياه العادية، انتصبت أمامه خطايا الجسد. وكانت الدموع أقوى منه فانهارت أعصابه ثانية وسكت. فهرع الكاهن إلى نجدته وساعده على متابعة قصة حياته.

     وبعد ساعة صمت على ويسمانس، شرع المعرف يرشده قائلا: “انك كنت مريضا، وكانت علتك من الأزمات بحيث وجب أن يقال عن نفسك ما قالته مرتا لعازر: “انه قد انتن”. ولكن المسيح قد اقامك الآن بعد أن دفنت حياتك السالفة”. وواصل الأب كلامه محرضا إياه إلى الاستمرار في الحرب ضد حواسه، لأنه ما زال في دور النقاهة ولم يشف بعد تماما. وحين خرج ويسمانس من منبر الاعتراف أحس براحة لم يشعر بها قط من قبل، وقضى ما تبقى من نهاره في الاستعداد للتناول وملاقاة فاديه، بعد غياب طويل في سر الاوخارستيا، سر المحبة والاتحاد، سر الغفران والرحمة.

العودة إلى العالم

    سرت قوة الاوخارستيا في عروق ويسمانس، وأولته إرادة فولاذية وسط عواصف التجربة ولم يعد النكوص أو التراجع ممكنا لان الرب نفسه اخذ قيادة سفينته: “وكان هدوء عظيم”. وبعد انقضاء الرياضة، عانق ويسمانس الأب المضيف وغادر الحصن عائدا إلى العالم وقد خلع إنسانه العتيق واخذ يعيش في ذكريات الدير.  وظلت كلمات الأب الرئيس الأخيرة عالقة في ذهنه، في مكتبة ومع أصدقاءه الأدباء والفنانين: “إن العالم ر يعتقد بان تقشفات الأديرة تفيده شيئا لأنه يجهل نمام الجهل عقيدة التعويض السري. ولا يمكنه أن يتصور بان تضحية البريء عن مجرم يستحق العقاب، هي أمر ضروري؛ فأنى له أن يفهم الرهبان الذين يتألمون من اجل غيرهم يوقفون غضب السماء ويقيمون ميثاقا ضد اتحاد قوى الشر. ما أعظم الويلات التي تهدد العالم اللاهي لو تلاشى هذا التوازن باختفاء مفاجئ لجميع الأديرة”.

     وبين أعماله الأدبية وفي الكنائس، حيث كان يقضي ويسمانس معظم أوقاته بعد رجوعه من الدير، كانت تتجدد في مخيلته صورة راهب هرم، اسمه سمعان، تقوس ظهره في العناية بماشية الدير وملاطفتها رغم أوساخها، وكان يستعيد في ذاكرته تجاعيد ذلك الوجه النسكي الذي طالما رآه مخطوفا في صلاة صامتة وعيناه عالقتان بيت القربان، فيردد ويسمانس في قلبه: “آه يارب، ما أسعدني لو عشت تحت ظل صلوات الأخ المتواضع سمعان!”.

ولي من أولياء الله يموت

     عاد ويسمانس إلى باريس لينكب من جديد على التأليف والنشر، فجند طاقاته لخدمة الكنيسة المقدسة وأصبح مسيحيا مثاليا ونبراسا هاديا لجميع أصدقائه الذين نال إعجابهم، وقربهم مثل حياته القشفة، من الإيمان الذي فقدوه. ولكن الأمراض والأسقام لم تمهله كثيرا، فقد انتابت جسمه قروح مميتة وأوجاع قاسية، احتملها بصبر وصمت مقتفيا آثار سيده على قمة الصليب. وعلى فراش الألم تذكر مقطعا من كتاب قراه إبان رياضته في الدير: “أيها الإنسان الخاطئ، انك ستموت، فكن مستعدا، اسهر وصل دوما ولا تنس العواقب الأربع الأخيرة:

“الموت الذي هو باب الأبدية،

“والدينونة التي توجهك نحو الأبدية،

“والجحيم، موطن التعاسة الأبدية،

“والفردوس، مقر السعادة الأبدية”

    لم يكن لويسمانس في نهاية حياته التي قضاها متنقلا من مصح إلى مصح، سوى أن يستعد لدخول هذه الأبدية التي ارتسمت أمامه  في الأفق، ورأى في مرضه الأخير يد الله تزين نفسه بجمال النعمة، وترصع ناج مجده السماوي بجواهر الصبر والاحتمال، حتى دهش أصدقاءه ومعارفه أنفسهم من استسلامه المطلق لإرادة الله، ورأوا فيه وليا من أوليائه.

    وفي سنة 1905 أصيب ويسمانس بالعمى، وذلك على اثر داء عضال جديد شوه جسده بالبثور. إلا أن ذلك لم يكن ليفيء الشعلة الوهاجة التي ألهبتها النعمة في نفسه، حين عادت بها من عتمة الشك والإثم إلى ضياء اليقين والفضيلة. فقد كان يردد لمن يأسف الحالة: “لعلي حاصل جمع لعملية حسابية. فمن يدري لأجل من اتالم؟” ثم يستطرد وقلبه طافح بالسرور لدى تفكيره بالقيمة الفدائية التي يملكها الألم: “إن هذا المرض وسيلة لاستحقاق النعمة”.

    ومكث ويسمانس يتألم من العمى فوق ما انتابه من الأوجاع المبرحة طيلة سنتين كاملتين، واحتمل ذلك بثقة بنوية تامة  ليعوض عن تهورات الشباب ويميت الحواس التي عبثت به يوما. وفي مستهل عام 1907 بلغ المرض أوجه واخذ الانحلال يدب في جسمه فتهرأت شفتاه ولم يقوى عللا ابتلاع الطعام مطلقا لما صار إليه الفم من تشويه، وقطع كل أمل من شفائه. وبعد أسابيع من تلك الحالة المؤلمة تزود بالأسرار الأخيرة لتسنده في سفره الطويل، وفي إحدى أمسيات الشتاء القارس من سنة 1907 اسلم ويسمانس نفسه بيد خالقها بثبات وثقة.

    بموت جوريس كارل ويسمانس، توارى وجه نير من جوقة ابناء النعمة بعد أن صار مثالا رائعا للتائبين وصوتا يشدو بمراحم الله ورغبته في خلاص الخطاة، فكم من نفس قلقة وجدت السلام في قراءة كتبه، وكم من خاطئ، أوشك أن ييئس من رحمة الرب، اهتدى بنور حياته وسار على خطاه نحو ينبوع الرحمة ومعين المحبة

                                     الأب جرجس القس موسى

لوثر وحركة الإصلاح

        لوثر وحركة الإصلاح

إن الحوادث التاريخية، مهما كان مقياس أهميتها، لا تقع فجأة كما تقع النيازك من السماء، بل هناك أسباب بعيدة أو قريبة تهيؤ دخولها مسرح الوجود، ومعرفة الظروف المعاصرة أو المحيط الذي فيه نمت فكرة أو حركة تلقي أنوارا كشافة لفهم الأحداث فهما واقعيا موضوعيا لا تحيز فيه.

ذلك هو الواجب أن نسير عليه في بحثنا لنهتدي إلى الأسباب الموجبة “لحركة الإصلاح” التي وسمت كلا التاريخين الديني والمدني بطابع جديد. وبما أن البروتستنت – ومعنى الكلمة “المحتجون” على الأوضاع القائمة – ظهروا أول الأمر في ألمانيا، نرى لزاما علينا معرفة جو هذا البلد في تلك الحقبة دينيا وسياسيا واجتماعيا، لأنه لم يكن إلا صورة تعكس ما كانت عليه سائر دول أوربا.

امة في فوضى…

كادت عجلة التاريخ تطوي القرن الخامس عشر ووضع ألمانيا السياسي والاجتماعي يرثى له: امة بلا رأس مدبر تنازعها مطامع الأمراء الإقطاعيين الجشعة وتتقاذفها أمواج الفوضى، الطبقة العاملة تغلي كالبركان ضد أسيادها من ذوي ألقاب الدوق والكونت وقد أمسى الشعب الألماني بأسره. والحق يقال، جماعة من الثوار الحاقدين خوذهم على رؤسهم ومطارقهم بأيديهم ليحطموا الأمراء والأساقفة والكهنة وشعارهم قوة الفتك التي تقول: ” اليوم أقوياء وغدا أشلاء”.

هكذا أصبح الجميع، وخاصة المفكرون والفنانون، تهزهم رغائب جديدة ويتوقون إلى دساتير وأنظمة  للحياة أكثر ملائمة مع روح النهضة الحديثة التي اتسمت بطابع الوثنية: فعشق الناس للجمال الوثني وانزلوا الإيمان عن عرشه ليتوجوا العقل عوضه. وذهب يعظهم إلى القول بان الوحي أمر يستسمجه العقل السليم وان الكنيسة مؤسسة عاتية لم يعد لها حق في الحياة. واخذوا يسخرون من الكهنة والرهبان وجعلوهم أضحوكة في كتبهم وموضوع مزاح في محادثاتهم.

غيوم قاتمة في سماء الكنيسة

لازال الإيمان راسخا – وان سطحيا – ونسخ الكتاب المقدس في رواج، الكنائس تزدحم بالجماهير الغفيرة لسماع المواعظ والمياتم والمستشفيات تعج بالمنبوذين وذوي الأسقام.

 بجانب هذه الأنوار الخابية كانت ظلمات قاتمة تحجب وجه الكنيسة الصحيح وتلقي عليه غشاوة من الفساد والرجعية فقد كان سواد الشعب يجهل ابسط الحقائق المسيحية ويلقي بنفسه في عالم السحر والشعوذة فكانت الاعتقادات الخرافية تلقي سوقا رائجة بين مختلف طبقات المجتمع وتزاحم العبادة لا بل تمتزج بها لا سيما فيما يتعلق بإكرام القديسين وذخائرهم وكان الفلاحون يئنون من استغلال بعض رجال الكنيسة لاسيما الأساقفة الذين كانت ممتلكاتهم الواسعة تدر عليهم الأموال الطائل فيعيشون في صروحهم عيشة البذخ واللامبالاة.

إن هذا الانحلال كان بأمس الحاجة إلى زعيم محبوت ومحترم يصلحه ويضمن للمجتمع النضوج والاستقرار في الحقلين الديني والسياسي. إلا أن المسيحية حرمت ذلك الزعيم في تلك البرهة الحاسمة. فلا الإمبراطور استطاع أن يفرض كلمته لان سلطته لم تكن سوى اسمية منذ أن تجزأت ألمانيا إلى دويلات على اثر النزاع الطويل بين الإمبراطورية والبابوية، ولا البابا قدر أن يحرك ساكنا لأنه لم يعد محبوبا كاب إذا قام أعضاء الاكليروس انسهم ينافسون سلطة الكنيسة. هذا وان كرسي بطرس يحمل باباوات بعيدين كل البعد عما أراده السيد المسيح من خلفائه. فكان منهم من تاجر بالوظائف الكنسية طمعا في حليف أو خشية من منافس، والانكى أن الانحطاط الخلقي كان قد اسر بعضهم.

 الثورة الدينية ولوثر

كانت الثورة الإصلاحية تنتظر فرصة لتندلع، وكانت الفرصة السانحة في 31 تشرين الأول 1517 في مدينة ويتنبرغ حيث كان المؤمنون يتوافدون للتبرك بمجموعة من ذخائر القديسين ولربح الغفرانات الطويلة الأمد المتعلقة بتكريمها. استفاق الناس صباح ذلك اليوم وشاهدوا على باب معبد قصر ويتنبرغ لائحة ب 95 بندا وقعها لوثر تندد بتعليم الكنيسة عن الغفرانات. وكان هذا بمثابة نداء إلى المبارزة وإعلان الحرب ليس على استغلال رجال الكنيسة لسذاجة الشعب وحسي بل على مبدأ سلطة الكنيسة بالذات.

صكوك الغفران

كثيرون يتكلمون عن صكوك الغفران وابتسامة السخرية على شفاههم لأنهم لا يذكرون سوء استعمال المبدأ من قبل بعض الرهبان والوعاظ الذين كانوا يوهمون الناس بان الخلاص صفقة تجارية. وقد تفاقم الشر عندما أرسل البابا لاون العاشر رهبانا أشهرهم الدومنيكي يوحنا تتز لجمع التبرعات لمواصلة بناء كنيسة القديس بطرس في روما لقاء غفرانات تمنح لمن يساهم في المشروع. إن الغفرانات في الحقيقة هي تخفيف العقوبات المطهرية المترتبة على الخطايا المغفورة يربحها يقوم أو يعمل من أعمال البر والإحسان بروح التوبة والانسحاق. إن رئيس الكنيسة أراد إن يكافئ المتبرعين بشيء من كنوز واستحقاقات المسيح الروحية   وليس من فائدة لتلك الغفرانات الممنوحة إن لم تلق نفسا تائبة ومستحقة. فلا العذاب الأبدي، إذا، ولا الزمني يزول بالدراهم، وليس هناك أراض تباع في الجنة بالذراع أو المتر. والبابا يمنحه الغفرانات للمتبرعين كان يحثهم أيضا على إصلاح السيرة والرجوع إلى الله بندامة صادقة، وبهذا لم يقم بعمل مناف للدين أو لتعليم إباء الكنيسة.

إنني لا أخال لوثر نسي ذلك إلا أن واقع ناشري الغفرانات كان يدعو إلى الاشمئزاز وهذا هو ما حدا به إلى إنكار حق البابا بمنح الغفرانات رغبة منهفي استئصال حبل المبالغات وتحرير المؤمنين من نير روما كما كان يعظ: ” لماذا لا يبني البابا كنيسته بدراهم خزينته التي تفوق بغناها أكير الأثرياء”. إن لوثر كان قد رأى شيئا من بذخ البابوية لدى زيارته روما كحاج متواضع. أما بخصوص التبرير فكان يقول: ” إذا ندم المسيحي ندامة حقيقية على خطاياه فله الحق أن ينال مغفرتها دون اللجوء إلى صك الغفران”. لو توقف لوثر هنا لكان خير مصلح لأخطاء العصر إلا انه تعدى ذلك إلى القول ببطلان الأعمال الشخصية وأنكر مبدأ الثواب.

 راهب شاب يتقد ذكاء وحماسا

قبل أن نبحث تطور لوثر الديني علينا أن ندرس مراحل حياته وصراعه النفسي مع ذاته.

ولد مارتن لوثر في 1. تشرين الثاني 1483 في مدينة آيسلبن من أبويين نشيطين وتقيين. وبعد أن أكمل دراسته الابتدائية بتفوق درس الحقوق في جامعة ارفرت فبرز بين اقرأنه بنبوغه وتقواه ومرحه. إلا إن حادثا فجائيا غير مجرى حياته: ذلك انه بينما كان عائدا من مدرسته إذا بصاعقة تسقط على مقربة منه فصاح مذعورا:” إذا نجتني القديسة حنة أصير راهبا”. وأنجز نذره بعد 15 يوما ودخل رهبنة الاوغسطينيين ورسم كاهنا سنة 15.7 فكان الراهب المثالي والكاهن التقي الذي تنتابه القشعريرة عند تقدمه من المذبح ليحمل على كفيه جسد ودم المسيح. وقد قال هو عن نفسه:” خلال عشرين عاما كنت راهبا تقيا أضنني جسدي بالاصوام والصلوات”. وبعد نيله درجة الدكتوراه اسند اليه تعليم الكتاب المقدس في جامعة ويتنبرغ. وكانت مواعظه ومحاضراته تجذب زرافات من المؤمنين والطلاب فأمسى، وهو بعد في التاسعة والعشرين من عمره، احد أعلام رهبنته”.

نفس قلقة تبحث…

ولكن تلك النفس الملتهبة كانت تنتابها عواصف داخلية عنيفة. وكان حلم حياة لوثر الرهبانية إن يبلغ الكمال ويحطم فيه الأهواء الثائرة. انه كان من طينة هؤلاء الرجال الذين يودون التوفيق بين إيمانهم وحياتهم. إلا أن اصوامه الكثيرة وصلواته الطويلة لم تغير طبيعته البشرية التي وصمتها الخطيئة الأصلية بجذور الأهواء والكبرياء فاستولى عليه الاضطراب بسبب تمكن “الأفكار السمجة من ذهنه والحقد على الله والكفر واليأس من خلاص نفسه” ما شد هو نفسه، وأصبح يتصور إن الحكم النهائي بالهلاك يهوي عليه في كل ساعة. وهنت أعصابه واخذ يشك شيئا فشيئا في حرية الإنسان ويعتبره مسيرا عاجزا عن أي عمل أدبي صالح وان من المحال ألا يقع في الخطيئة لأنه مسوق إليها حتما ولذا فلا ذنب له فيها لأنه دفع إلى ارتكابها دفعا.

وظل لوثر تتلاطمه الهواجس والشك من الخلاص إلى أن اهتدى إلى رسالة القديس بولس إلى أهل رومية (1: 17): “البار بالإيمان يحيا”. عملت تلك الآية عمل السحر في نفسه القلقة ولكنه تنكر لتعليم مار يعقوب القائل بان “الإيمان من دون أعمال ميت” وأعلن: “اجل لقد ولد الإنسان خاطئا بطبيعته لكن الله يبرره دون أن يقوم هو بعمل ما ويكفيه أن يؤمن فقط”.

من الاحتجاج إلى القطيعة

وصلت إنباء لوثر إلى أذني البابا لاون العاشر فأرسل يدعو أستاذ ويتنبرغ إلى التمسك بالعقيدة الكاثوليكية فأجاب لوثر باحترام: “لك أن توافق أو ألا توافق فسأعتبر صوتك صوت المسيح  وان استحققت الموت فلن ابطىء في قبوله”. كان لوثر مقتنعا من انه على حق ولم تكن رغبته في بادئ الأمر أن ينشق عن الكنيسة ولكن الأمور تعقدت فرأى نفسه بين معسكرين، معسكر يتسع يوما فيوما ويقتات من مقاطعات وأمراء وأساتذة يدينون بآرائه ويدفعونه إلى القطيعة مع روما، ومعسكر يكن له العداء ويكيد له المكائد لكونه يناهض العقيدة الموروثة. وبعد تردد طويل أعلن لوثر: “لقد ألقيت القرعة ولم يعد لي رغبة مطلقا في المصالحة مع روما إلى الابد”. واصدر بعده ثلاثة كتب تبسط تعاليمه في حرية فهم الكتاب المقدس والمطالبة بزواج الكهنة وبطلان الغفرانات. وقال أيضا بان الإنسان مسير غير مخير وخلاصه منوط بأمانه  فقط  لا بأفعاله أيضا فليقرا الكتاب المقدس لأنه الأساس المتين الوحيد لكل الحقائق، وليتبع الهام الروح القدس مباشرة دون التقيد بتعليم ما يسمى الكنيسة أو التقليد، ومن ثم، بما أن علاقة الإنسان بالله هي مباشرة، فلا مبرر للأسرار التي يعتبرها  اللاهوت الكاثوليكي اقنية النعمة. وعلم بكفاية سر العماد  وحده. أما التشفع بوالدة الله والقديسين أو تكريم صورهم فأمر مشين.

اثر ذلك دعاه البابا مرة أخرى عن العدول عن أرائه فأجاب البابا بحرق براءته أمام جمهور غفير. وحينئذ أتاه الحرم النهائي في 3 كانون الثاني 1521 وتوسع الخرق بين لوثر والكنيسة الكاثوليكية وانتشر أنصاره يدعون إلى خلع البابا ويدعون إلى ديانة فردية متحررة. أما هو فاستمر يكتب وينشر ترجمته الألمانية للكتاب المقدس وفق ما يدعم به تعليمه. وكان تلاميذه يدعونه  “رسول الحقيقة وبوق الإنجيل وبولس زمانه”. لا عجب من تلك التسميات فان لوثر كان ذا سلطة كبيرة وجاذبية كلامية وطبيعية ممتزجتين بعبقرية فذة وإرادة صلبة وحاقدة أحيانا. ووقع انشقاقه عن الكنيسة رسميا عندما خلع ثوب الرهبنة سنة 1524 ليتزوج بعد عام براهبة هجرت ديرها لتلتحق به وتنجب له ستة أولاد.

نتائج الثورة الدينية

                                                               حرب الفلاحين

إن فوضى الأفكار والمبادئ تحولت إلى فوضى مسلحة عندما نشبت “حرب الفلاحون” ضد الإقطاعيين واستبداد الملاكين. اخذ الفلاحون يعيثون خرابا في ألمانيا وينبذون كل سلطة روحية وزمنية واجتاحوا المدن وهدموا ألف قصر ودير إلا أن افتقارهم إلى زعماء أشداء مكن منهم الأمراء فنكلوا بهم وارووا سيوفهم من دمائهم. وكان لوثر يحرض على تلك المذابح في خطبه قائلا: “ألا هبوا أيها الأمراء الأعزاء وأنقذونا. أبيدوا واذبحوا”.

                                                     بعد لوثر لوثرون كثيرون

مات لوثر فجر يوم 18 شباط 1546 بعد ليلة قلقة قضاها بين اليأس والرجاء ولفظ أنفاسه الأخيرة وسط الآم مبرحة تتخللها متناقضات من الثقة بصلاح الله والحقد على أعدائه فكانت كلماته الأخيرة مسبات لشخص البابا تتناوب مع اية القديس يوحنا يرددها بصوت أجش: “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يلك كل من يؤمن به بل  تكون له الحياة الأبدية”.

ولكن لوثر لم يبق زعيم البروتستنتية الوحيد إذ تبنى مبادئه تلاميذ كثيرون وأضافوا إليها ما ألهمهم “الحكم الحر” فتعددت المعتقدات ليس في ألمانيا فقط بل في أوربا بأسرها. ونخص بالذكر من هؤلاء ميلينكتون الذي نظم البروتستنتية الألمانية ووضع أسس إدارتها وزوينكل الذي نشرها في سويسرا بعد أن خلع ثوب الكهنوت وتزوج.

                                                        كالفن في فرنسا

تغلغلت البروتستنتية في فرنسا بمساعي ارستقراطي متبحر في علوم زمانه اسمه يوحنا كالفن وضمن مبادئه في كتاب “قواعد الدين المسيحي” تلك المبادئ التي حاول تطبيقها في جنيف بسويسرا حين أصبح واليها الصارم الأحكام، لا أن الكاثوليك الفرنسيين قاوموا بكل ما أوتوا من قوة تسرب أراء كالفن ولم يفلحوا تماما فكان التخريب والقتل والتعذيب وكانت الجماجم تتكدس من كلا الطرفين. وخلفت تلك الإحداث صفحات قاتمة من أبشع صفحات الحروب الدينية. وكفانا مثالا ما دعي “بمجزرة سان برتلمي” التي أمرت بها الملكة كاترين أم ملك فرنسا شارل التاسع مساء عيد مار برتلماوس سنة 1572(1) وسقط فيها ما يقارب الألفي بروتستنتي. ولم تكن هذه المجزرة إلا جوابا غريبا على” مذبحة ما ميخائيل”. التي دبرها من قبل لتباع كالفن ضد مئات من الرهبان والراهبات والكهنة وأحرقت فيها الكنائس ونهبت الأديرة.

                                                  وهنري الثامن في انكلترا

ظهرت البروتستنتية في ألمانيا كحركة إصلاح وكذا الأمر في فرنسا، أما في انكلترا فقد كان ظهورها المباشر نتيجة لمطامع ملك أراد أن يشغل الكرسي ألرسولي. كان هنري الثمن “حامي الإيمان” ابنا خضوعا للكنيسة إلا انه تقلب في أمره عندما رفض البابا السماح له بان يطلق امرأته الشرعية ليتزوج وصيفتها فشق عصا الطاعة عليه وأرغم مجلس العموم البريطاني على الإقرار بان”الملك هو الرئيس الأعلى لكنيسة انكلترا” و” لا سلطة لأسقف روما على مملكة الانكليز”.

لكن هنري لم يمس العقيدة  بشيء، في البدء، بل اقتصر على تدمير الأديرة وقتل مناوئيه وأشهرهم المطران الطوباوي فيشر ووزير عدليته القديس توما مور. بعد موته ظلت الكثلكة بين مد وجزر إلى أن استولت على العرش ابنته اليزابيت (1558 – 16.3) فعزمت بإدارة صلبة على توطيد البروتستنتية واستئصال الكثلكة على الرغم مما لاقت من مقاومة ولم تنج من تلك الحملة إلا ايرلندا التي بقيت كاثوليكية.

     هكذا توسعت البروتستنتية على سواعد الملوك الأمراء وبسرعة هائلة انسلخت بلاد برمتها عن الكنيسة بمجرد أن ملكها بروتستنتي، وذلك عملا بمبدأ “الأمم على دين ملوكها”.

إصلاح الإصلاح

أخذت الكنيسة درسا قاسيا من الحدث البروتستنتي ودفعت ثمنه باهضا. وإذا بها تستفيق جريحة، مستنزفة الدماء وبأمس الحاجة إلى إصلاح يقيها شر هجمات جديدة. واتخذت تدابير حازمة ورشيدة لعقد مجمع مسكوني يصلح ما فسد ويضع الأسس المتينة لربيع مقبل ونهضة شاملة “وعودة إلى الينابيع” كما يقال اليوم. وعقد المجمع في مدينة تورنتو في ايطاليا  وسمي بالمجمع التريدنتيني. استمر هذا المجمع 17 سنة مواصلا عمل جمع غفير من الأساقفة الذين كانوا قبل انعقاده بغير قليل قد باشروا تجديد نظم كنائسهم. ووجدت سفينة بطرس ربان في شخص البابا بولس الثااليوم. التجديد يجب أن يبدأ من الداخل، من روما قلب الكثلكة، فشن حربا إصلاحية حقيقية على بلاطه أولا ثم شكل “لجان الإصلاح”(2) وبذلك تيسر للمجمع أن يعمم النهضة الدينية على أسس عقائدية وكتابية متينة. ولا زالت مقررات هذا المجمع نافذة المفعول حتى اليوم.

                                                         النهضة الخلقية والنظامية

تمخض المجمع التريدنتيني  من الناحية العملية عن إصلاحات جمة منها انه حدد مسؤوليات الأساقفة وذكرهم بأنهم رعاة مؤتمنون على قطيع المسيح وعليهم أن يتفانوا في خدمته تاركين جانبا السياسة وحب المال وفرض عليهم الوعظ وزيارة رعاياهم والإقامة في مراكز أبرشياتهم. كما أمر المجمع بفتح مدارس اكليريكية لإعداد الكهنة بالعلوم الدينية والفلسفية والطبيعية وبهذا أجاب إلى إحدى أمنيات كالفن. وأوصى الكهنة، شركاء الأساقفة في حفظ وديعة الإيمان، أن يشرحوا التعليم المسيحي للمؤمنين مستندين على الكتاب المقدس والأسرار والليتورجيا. وعمت هذه النهضة الرهبانيات التقليدية التي كانت أحوج ما يكون إلى تجدي. ولمعت في سماء الكنيسة نجوم شهب قادت الحركة الإصلاحية بحكمة منهم البابا القديس بيوس الخامس منفذ قرارات المجمع التريدنتيني، والقديسة ترازيا الكبيرة والقديس يوحنا الصليبي مجددا الكرمل ومنشطا الحياة التأملية. أما  أهم الرهبنات التي انبثقت عن تلك النهضة فهي التي أسسها القديس اغناطيوس دي لويولا  باسم الرهبنة اليسوعية وغايتها رفع مستوى المسيحيين الديني والتبشير بالإنجيل في البلاد النائية أسوة برهبنة الدومنيكيين والفرنسيسكان. ولا زال اليسوعيين إلى اليوم في طلائع متطوعي الإنجيل تأوي معاهدهم وجامعاتهم المنتشرة في اغلب أقطار العالم بضعة ألاف  من خيرة الشباب الذين يصبحون، بفضل أساتذتهم، رواد بلادهم دينيا واجتماعيا وعلميا.

كلمة لا بد منها

قد توخينا في هذا البحث الأمانة التامة للواقع التاريخي فذكرنا، دونما تحيز، الأخطاء التي ارتكبها الكاثوليك والبروتستنت على حد سواء، ولمسنا أن المحبة التي جعلها المسيح وصيته العظمى والأخيرة ثلمها كلا الطرفين وكلاهما اشتركا في تمزيق ثوب المسيح: البعض بصلابتهم  وعدم تفهمهم والبعض الآخر بجهلهم وتماديهم، ويضاف إلى هذه العوامل عوامل غيرها كان للسياسة والمطامع الشخصية وسوء الإدارة قسط وافر جدا فيها. والكنيسة الكاثوليكية، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تشعر بهذا الألم وتعترف بتوزيع المسؤوليات. وبهذا تفتح عهدا مسكونيا فريدا دعائمه المحبة والصفح ونسيان الماضي، لان ما مضى قد مضى وعلينا الآن أن نبني للمستقبل كما قال مار بولس: “لننسى ما ورائنا، ولنمتد إلى ما أمامنا، ساعين إلى الهدف، لأجل الجعالة التي دعانا الله لإحرازها في المسيح يسوع (فيليبي 3: 13 – 14).

إن كلمة البابا بولس السادس للمراقبين في المجمع الفاتيكاني الحالي أجلى برهان على ما تقول:” إننا نستمد المغفرة من الله بتواضع عن الأخطاء التي تنسب ألينا في هذا الانقسام ونتلمس الصفح من الإخوة الذين يشعرون بننا أسانا إليهم. ونحن مستعدون أن نصفح عن الاهانات التي احتملتها الكنيسة الكاثوليكية”.

اجل، لو كان بولس السادس ذو البصيرة الثاقبة أو يوحنا الثالث والعشرون ذو القلب الكبير يدير دفة الكنيسة، عوض المتردد لاون العاشر، لما صار ما صار. لو تحقق الإصلاح التريدنتيني قبل وقوع الكارثة لما تمزقت المسيحية الغربية إلى شطرين. ولو جعل لوثر ذكاءه وكالفن مواهبه في خدمة إصلاح سلمي لا ينال من العقيدة لكنا بغنى عن هذا التجزؤ الأليم في قطيع يسوع.

ولكن لا نياس لان المحبة اقوي من الحقد والحنين إلى الوحدة سيتغلب على القطيعة لا محالة. فحركة إعادة الوحدة المسيحية قائمة منذ قرن أو نيف، والجو المسكوني المعاصر هو”فرصة التاريخ” و”علامة الأزمنة” ولا سبيل   من ثم، إلى التراجع لأنها إرادة المسيح أن يكون جميع المؤمنين به واحدا.

                                                    الأب جرجس القس موسى

(1)  يزعم البعض إن البابا هنا الملكة على هذه المجزرة أما الواقع فهو انه هنأها بنجاتها من مؤامرة بروتستنتية. ولما اطلع على جلية الأمر أرسل يؤنبها على هذه المظالم.

(2)  أما”محاكم التفتيش” فنشأت لترسيخ الإيمان الكاثوليكي إلا أن السلطة المدنية استخدمتها أحيانا لأغراضها الدنيئة رغم إرادة الكنيسة.


ليكونوا واحدا

 ليكونوا  واحدا

ليكونوا  واحدا

بمناسبة أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين 18 – 25 كانون الثاني 1964

منذ أن أعلن قداسة الراحل العظيم البابا يوحنا الثالث والعشرين نيته على عقد مجمع مسكوني، اجتاحت المسيحية، من أقصاها إلى أقصاها، موجة عارمة من النشاط المسكوني بعثت في القلوب الهاجعة تيارا هزها لتستفيق من غفوتها التي طال أمدها ولتسعى متضافرة لتحقيق أمنية يسوع الأخيرة في جمع شمل العائلة المسيحية الكبرى ضمن بيت واحد، وانبرت الأقلام والحناجر تبشر بفجر جديد يقارب بين القلوب المتباعدة ويمحو الترسبات التي خلفتها الأجيال.

وقد قفزت الآمال إلى الذروة حين أعلن قداسة البابا بولس السادس عزمه على زيارة الأراضي المقدسة، في مستهل العام الجديد، للصلاة من اجل الوحدة المسيحية، والاجتماع بأقطاب الكنائس المسيحية للتباحث معا في أنجع الوسائل لاستعادة الوحدة. ولكي يمسنا هذا التيار المسكوني، لنلق نظرة على هذا الجو من التآخي والتقارب الذي تعيشه المسيحية اليوم.

رسول المصالحة

في 8 آذار سنة 194. انطفأت حياة رائد من رواد الوحدة المسيحية هو (الأب بول وتسن) مؤسس أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين الذي أضرم في كنيسة الله مشعلا وحدويا وهاجا انتقل لهيبه من قارة إلى قارة حتى عم العالم المسيحي بأسره.

ولد الأب بول وتسن في 16 كانون الثاني 1863 في مدينة ميتينكتون في الولايات المتحدة الأميركية وقد كان أبوه راعيا انكليكانيا تقيا من أنصار حركة أكسفورد الوحدوية. وحين كبر الفتى بول دخل المدرسة الاكليريكية ورسم “قسيسا” على الكنيسة الأسقفية عام 1886 وأسندت إليه إحدى رعايا نيويورك فاظهر الأب في خدمتها كل غيرة وتفان داعيا المؤمنين إلى سماع “القداس” واقتتال “الاوخارستيا” بتواتر ومزاولة “الاعتراف” لرسوخ اعتقاده آنذاك إن “لكنيسة المسيح” فروع ثلاثة هي الكنيسة الانكليكانية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية إلا أن الشك دب إلى نفسه حين اكتشف تباعد العقيدة عن الفئات الثلاث، فشرع يدرس بإخلاص ونزاهة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية وتقاليدها، وتمخضت أبحاثه عن هذه النتيجة: “انه لغنى عن البرهان، إن المؤسس الإلهي للدين المسيحي لم يشأ أن يؤسس فرقا بروتستنتية عديدة بل كنيسة واحدة جامعة”. ومن ذلك الحين بدأت مرحلة مضطربة من حياة بول وتسن تخللتها اكتشافات جديدة عن طبيعة الكنيسة وضرورة اتحاد المسيحيين وفي تلك الفترة كان الأب وتسن على اتصال بالمراسلة مع راهبة انكليكانية تشاركه رغبته بالعمل من اجل الوحدة المسيحية، فتعاقدا على إنشاء رهبنة يكون يكون شفيعها القديس فرنسيس الاسيزي وهدفها العمل على تحقيق الوحدة المسيحية الشاملة. وهكذا نشأت رهبنة المصالحة بفرعيها النسوي (تشرين الأول 1899) والرجالي (25 كانون الثاني 19..) “لتصحيح الفجوات التي أحدثتها الانقسامات بين المسيحيين” وانبرى الأب وتسن يرفع صوته عاليا في شوارع نيويورك داعيا إلى ملء الثغرة القائمة بين كنيسة انكلترا والكنيسة الكاثوليكية، بعد أن حذر عليه اعتلاء المنابر الانكليكانية.

وكان إشعاع مجلته الجديدة المصباح يتعدى حدود أميركا فكانت تحمل دعوة ملحة إلى مد القناطر بين الفئات المسيحية المختلفة، واخذ يكثر اتصالاته مع الشخصيات البروتستنتية والكاثوليكية في أميركا وفي الشرق.

وبع سنين طويلة من الجهاد الوحدوي دخل الأب بول وتسن والأم لورانا، رئيسة راهبات المصالحة مع 15 أخا وأختا في حظيرة الكنيسة الكاثوليكية. وفي 16 حزيران 191. اقتتل المجاهد الكبير الرسامة الكهنوتية وواصل جهوده المسكونية من دون كلل أو ملل بالرغم مما لاقاه من الانتقاد اللاذع والمعاكسات العنيفة.

نشأة أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين

لم يكتف الأب بول وتسن بنشاطه الفردي وجهود رهبانيته الفتية لتعجيل الوحدة بل أراد أن يجند لهذه القضية اكبر عدد ممكن من المسيحيين فأطلق سنة 19.8 نداء إلى صفحات المصباح دعا فيه جميع المسيحيين إلى تخصيص أسبوع في مستهل كل عام لرفع الصلوات إلى الله كي حقق رغبة ابنه الأخيرة في أن يكون من يؤمن به واحدا. وجعل الأب وتسون هذا الأسبوع بين ذكرى جلوس القديس بطرس على كرسي روما (18 كانون الثاني) وذكرى اهتداء القديس بولس(25 كانون الثاني). وما عتم  ذلك النداء أن لاقى أصداء مشجعة من مختلف الأوساط، فكتب إليه رئيس أساقفة بوسطن الكردينال اوكونيل قائلا: “اوكد لك بأنني أنا وكهنتي وأبناء شعبي سنقرن صلواتنا مع صلواتكم من اجل النية التي تعرضونها علينا”.

وقد راجعت هذه الحركة بنوع مدهش، ليس بين البروتستنت فحسب، بل عمت الكنيسة جمعاء، وهكذا اخذ المسيحيون يبدؤون عامهم الجديد باجتماعات وصلوات مشتركة لأجل الوحدة المسيحية. وقد ظهرت بوادر تآخ حقيقي في بلدان عديدة حيث يحتفل المسيحيون، على مختلف طوائفهم ومللهم، بهذا الأسبوع، كل يوم في إحدى الكنائس حيث يجتمع الكل باسم المسيح ليندموا على خطيئة الانفصال.

نماذج

عن أسبوع الصلاة لأجل الوحدة المسيحية

الإسكندرية 

منذ 1959 تشترك جميع الطوائف المسيحية في الإسكندرية بهذا الأسبوع بنوع خاص. ونكتفي هنا بنقل وقائع الاحتفال الختامي لعام 1963:

التام الرؤساء الروحيون والمؤمنون في كنيسة سيدة البشارة لليونان الأرثوذكس وافتتح الاحتفال بقراءات كتابية بلغات مختلفة عقبتها صلاة طقسية بيزنطية انشدها الكاثوليك والأرثوذكس معا. ثم تكلم عدد من ممثلي الطوائف في “ضرورة الثقة بالله” (لآتين) وفي “ضرورة طهارة القلب والتواضع” (أرمن أرثوذكس). وبعد ذلك دوت الصلاة  الربية منطلقة من ألف حنجرة تناشد ألآب لكي يحقق رغبة المسيح. وانصرف الجميع فيما الجوقة الارمنية الأرثوذكسية تنشد الأناشيد الكنسية بخشوع. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

القاهرة

اشتركت ست مدارس كاثوليكية في احتفال فريد من نوعه في كنيسة القديس مرقس: دخل الطلاب وهم ينشدون “أيها السيد  اجمع في كنيستك كل أمم الأرض”. وبعد أن استقروا في محلاتهم تليت عليهم قراءة من سفر أعمال الرسل عن ألفة المسيحيين الأولين. وبينما هم كذلك إذا برهط من الشباب مؤلف من 25 شابا و 25 فتاة  يدخلون الكنيسة وينقسمون إلى ست فرق رمزا إلى انقسامات المسيحيين، فوجه إليهم الأب رئيس الاحتفال كلمات الرسول بولس إلى أهل كورنثس بخصوص الخصومات، فقاطعته جوقة بقولها: “أنا لبولس” وانطلقت أصوات أخرى هاتفة: “وانأ لأبولس” فرددت جوقة ثالثة بحنق وصخب: “وأنا للمسيح” فرفع موجه الاحتفال يديه يهدي الأحقاد الثائرة: “العل المسيح قد تجزأ؟ العل بولس قد صلب لأجلكم؟”. وكأني بالمتخاصمين قد أذعنوا لدعوة الرسول إلى السلام فشرعوا ينشدون بصوت واحد متلاحم الأنغام: “نؤمن بكنيسة واحدة، جامعة، مقدسة، رسولية” وفي نشوة من الفرح صعدت القلوب والأفواه  نشيد النصر “نحن لك يا مخلص…” مظهرين بذلك رغبتهم في أن يكونوا واحدا في المسيح.

صيدا

في العام المنصرم اشتركت الجمعيات المسيحية كالشبيبة الدارسة المسيحية والليجو مارية وفرسان المسيح بتنظيم ساعات سجود وصلوات وقراءات من الكتاب المقدس في العوائل.

اسطنبول

احتفل المعهد الاكليريكي الأرثوذكسي في خلكي بأسبوع الوحدة للمرة الأولى في سنة 1963، فكانت تفتتح صلاة المساء بدعاء “لأجل سلام العالم وثبات كنائس الله المقدسة واتحاد الجميع”. ثم كان يتلو احد الشمامسة قراءة حول نية الصلاة المعينة كل نهار ويلي ذلك تأمل صامت يختتم بالصلاة الربية باليونانية، ويعيد تلاوتها كل بلغة بلاده، وبالانكليزية والعربية والفرنسية والحبشية والأوغندية. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

الوحدة دعامة الكنيسة

كل مسيحي يشعر بضرورة وحدة الصف المسيحي لان الانقسامات شاهد على إن رغبة الرب الأخيرة لم تتم بعد. وشوق المسيحيين إلى استعادة الوحدة التي تمتعت بها الكنيسة في الأجيال الأولى ولا تستند على مرامي بشرية بل تجد أصولها في الإيمان بالمسيح وفي الأمانة للإنجيل. فان كنا مخلصين للمسيح ولضميرنا لا يمكننا أن نرضى بالانقسام كواقع لابد منه، تلك خيانة عظمى لذلك الذي أراد أن تكون كنيسته مكملة في الوحدة: “أيها الأب القدوس أحفظ باسمك الذين أعطيتهم لي ليكونوا واحدا كما نحن واحد” (يوحنا 17: 11). إن الوحدة، إذن، من مقومات الكنيسة ودعامة من دعائم ثباتها، فالرغبة الملحة التي تجتاحها هي رغبة يمليها الروح القدس وتجد جذورها في صلاة يسوع الأخيرة وليس في تكتلات الدول المعاصرة. فاتحادات الدول ضمن معاهدات واتفاقيات، اتحادات واهية غالبا ما تبطل مفاعيلها  بغياب موقعيها من مسرح السلطة أو الحياة. أما الاتحاد الذي نصبوا إليه فهو مرتكز على طبيعة انتمائنا إلى المسيح كما شهد بذلك مرارا، الرسول بولس: “اجتهدوا في حفظ وحدة الروح برباط السلام: فان الجسد واحد، والروح واحد، كما إنكم بدعوتكم، قد دعيتم إلى الرجاء الواحد. وان الرب واحد والإيمان واحد، والمعمودية واحدة، والإله واحد، والأب واحد للجميع، وهو فوق الجميع وخلال الجميع وفي الجميع”.(افسس 4: 3- 6).

إن الرسول بولس، إذ يشبه الكنيسة بالجسم، يريد أن يفهمنا بأنه كما أن الجسم واحد مع تعدد الأعضاء كذلك الكنيسة يجب أن تكون واحدة بالرغم مما تحويه في حضنها من مختلف الجنسيات واللغات والقوميات، فالفوارق الاجتماعية، والتقاليد التاريخية، والتيارات الروحانية، والطاقات التي ينفرد بها كل شعب أو طقس لا تتعارض مع طبيعة الوحدة التي ننشدها. إن كنيسة المسيح ليست سجينة تقاليد أو لغات معينة لان كل الأعضاء والمواهب تنسجم في وحدة الجسم الواحد. فالكنائس المسيحية، وفي مقدمتها الكنيسة الكاثوليكية، لا ولن ترغب من دعوتها إلى الوحدة الشاملة تكتلا سياسيا أو صهر كنيسة في أخرى فذلك مناف لروح المسيح. وقد أشار إلى ذلك قداسة البابا بولس السادس في الكلمة التي وجهها إلى المراقبين غير الكاثوليك في المجمع الفاتيكاني، لدى زيارتهم له في 17 تشرين الأول 1963: “إننا نؤكد لكم احترامنا وتقديرنا ورغبتنا بالرب في أن نعقد معكم أطيب العلاقات. وكونوا على ثقة من أن رغبتنا هذه لا تبطن أي كمين ولا تنوي أن تتجاهل العقبات التي ستسبق الاتفاق النهائي”.

وعورة الطريق

اجل أن الوحدة ستتحقق لا محالة، لأنها أمنية المخلص، بيد انه لا يجوز للعاطفة أو التفاؤل أن يحجبا عن أعيننا العقبات الكثيرة التي تقف حيال الهدف الذي نصبو إليه بكل جوانحنا. قال الأب بول وتسن: “إن آكاما من الصعوبات تنتصب في طريق “المصالحة” ولا بد من إيمان سام جدا ومحبة كبيرة لقلع هذه العوائق وزجها في البحر. ولكن الله قادر على كل شيء، فصبرا،لان الصبر سيحوك لابن الله ثوبا وحدويا لا مثيل لجماله”   (مجلة المصباح، شباط 19.3).

إن قضية الوحدة، بالرغم من الحنين الذي توقضه في قلوب المسيحيين قاطبة، تبدو للباحث المتنبه مشكلة خطيرة لما تداخل فيها من العوامل اللاهوتية والنفسية والتاريخية، فعلينا إلا نغض النظر عن ذلك لان أي اتفاق ارتجالي يتجاهل العوائق، نتيجته العقم.

العامل اللاهوتي

كان العامل اللاهوتي اثر كبير في قضية الانقسام، فمعظم المجامع المسكونية التأمت لتحديد عقائد إيمانية ولرشق البعض بالهرطقة والحياد عن المعتقد القويم فنتجت عن ذلك انقسامات وتحزبات منا ضحيتها ولا زلنا نتحمل عواقبها. إن كنيسة القرون الأولى لم تكن كذلك. فقد بقي الشرق والغرب متحدين أجيالا وقد اشتركا معا بأساقفتهما وبطاركتهما في المجامع التي حددت أهم العقائد الإيمانية وأننا لا نغالي إذا ما قلنا بان الحرص على سلامة هذه العقائد لولد الفلسفات المختلفة والطرائق المتباينة لعرض الحقيقة فكان التصادم في الآراء والإفراط في إضاءة وجه منها على حساب الوجه الأخر. وقد وصل التصلب المذهبي في بعض الأحيان إلى نكران عقائد لم تفهم على حقيقتها ولو فهمت لما أنكرها  ناكروها!.

إن هذا التصدع الذي الم الكنيسة طيلة قرون لا يمكن إصلاحه من دون التفاهم والحوار بشان تلك المشاحنات اللاهوتية التي ورثنا حنظلها. وما الاتصالات المسكونية في عصرنا إلا محاولة لفتح باب هذا الحوار اللاهوتي الذي هو عنصر لابد منه لإعادة وحدة الكيان المسيحي. فمن حق البروتستنت أن يدعوا إخوتهم الأرثوذكس إلى محادثات عقائدية ضمن هيئة عالمية، ولا احد يستنكر رغبة الكنيسة الكاثوليكية في إقامة حوار مع الكنيسة الأرثوذكسية. إن قداسة البابا بولس السادس، رأس الكنيسة الكاثوليكية نفسه، أنجز خطوة كبرى في طريق الحوار حين عزم  أن يزور الشرق بعد أن دعا إلى هذا الحوار في دير “كروتا فيراتا” لليونان الكاثوليك في 18 / 8 / 1963: “هلموا ولنحطم الحواجز التي تفصلنا. لنتباحث في القضايا الايمانية التي نختلف فيها، لنعمل متكافئين لتوحيد قانون إيماننا وإعطائه شكلا متناسقا، ولنجد في تحقيق اتحادنا الرئاسي”. أما قداسة البطريرك المسكوني أثينا غوراس فكان قد صرح من قبل: “إننا ننتمي إلى كنيسة واحدة ونعتقد بحقائق واحدة وبمبادئ واحدة وإيمان واحد. إننا نؤمن سوية بيسوع والثالوث الأقدس والعذراء مريم. إننا إخوة فلماذا نحن منفصلون؟”.

العامل السيكولوجي

في هذا التقارب المسكوني علينا أن لا ننسى العامل التاريخي والسيكولوجي، فالبناء الذي هدمته أجيال لا يعاد رونقه بأيام. ولعل ساءلا يقول: “والمجمع المسكوني، ألن يوقع صك الوحدة؟” – كلا، لان المجمع الفاتيكاني لا يستطيع أن يوقع صك الوحدة بمعزل عن الكنائس المسيحية الأخرى. إن رسالته هي إن يفتح أفاقا جديدة لتحقيق ما نصبو إليه، وليس هذا بالشيء اليسير. وقد لمس ذلك المجلس المسكوني للكنائس، وهو هيئة عالمية تضم (201) كنيسة أرثوذكسية وبروتستنتية تعمل متكاتفة لأجل الوحدة، حين أعلن بان المجمع الفاتيكاني الثاني فتح أبوابا ونوافذ جديدة لحوار أساسه الوحي الواحد الذي أتانا من الله بواسطة المسيح الواحد.

إن ابلغ مثال لذلك “النوافذ الجديدة” التي فتحها المجمع هو موقف التواضع الذي أبداه قداسة البابا بولس السادس نحو الكنائس غير الكاثوليكية في خطابه الافتتاحي للدورة المجمعية الثانية، حين اتجهت أنظاره نحو المراقبين قائلا: “إننا نستمد المغفرة من الله بتواضع عن الأخطاء التي تنسب ألينا في هذا الانقسام، ونلتمس الصفح من الإخوة الذين قد يشعرون بأننا أسأنا إليهم. ونحن مستعدون أن نصفح عن الاهانات التي احتملتها الكنيسة الكاثوليكية، وننسى الآلام التي قاستها في سلسلة الجدالات والانقسامات الطويلة”.

 قد أصبح لزاما على المسيحيين أن يبدؤوا بإزالة أحقاد الماضي وترك المعاتبات والادعاءات التقليدية جانبا  متحلين بالمحبة التي على أساسها يمكن للوحدة أن تتحقق وتثبت. وتبعة الانفصال تقع على المسيحيين قاطبة  فان أخطا هذا ضد الحقيقة فقد أخطا ذاك ضد المحبة. إن الماضي قد مضى وليس لنا فيه طريق العودة إنما علينا الآن أن نفتح صفحة جديدة من تاريخ علاقتنا فنمد أيدينا إلى إخواننا ونسير معا نحو المسيح الذي باسمه اعتمدنا كلنا. وهذا التسامح وتلك المحبة يجب أن يتعديا العواطف والمجاملات والتصريحات الرسمية ليظهرا من ثم، في العلاقات اليومية والأحاديث والزيارات. يجب على الأرثوذكسي أن يتعود النظر إلى أخيه الكاثوليكي نظرة محبة وإخلاص، وكذلك يترتب على الكاثوليكي أن يبتعد عن كل طعن أو تقليل من شان الإخوة غير الكاثوليك. لنوسع آفاقنا إلى البعيد ولنخرج من دائرة محيطنا الضيق الذي عودنا منذ الصغر أن ننظر إلى من لا يقاسمنا كنيستنا أو طائفتنا أو تقاليدنا كأنه هرطوقي ممقوت ومنشق عن الإنجيل، فنقول: “هذا أرثوذكسي فما صلتي به؟” ونرشق الآخر بعبارة هزئ وتحقير ونقول: “انه كاثوليكي، فلا علاقة لي به”. إن عبارات كهذه يستنشق منها رائحة التعصب وهي تثلم المحبة وتترك جرحا لا يلتئم.

التسامح والمحبة يخدمان قضية الوحدة إن اقترنا بالصلاة والتضحية، فعلى كل مسيحي، إذا، – أن يطلب إلى الروح القدس ليلهم جميع المسؤولين الطرق اللازمة لتسوية الخلافات. ليصل المسيحيون بعضهم لبعض على أنهم إخوة منفصلون، وليضرعوا إلى المسيح أن يضمهم في حظيرة واحدة.

آمال مشرقة

إن تباشير الأفق المسيحي تنبئ بانبثاق عهد وحدوي جديد، والطريق التي نحن فيها سائرون لابد من أن تلقينا بين أحضان الأب الواحد، إنما علينا أن نسير بفطنة ومحبة ولا ندع كلمة منا أو تصرفا يعكر صفو الجو المسكوني الذي نحيا فيه.

لقد حقق هذا الجو المؤاتي، بفعل الروح القدس، حركات ومراكز وحدوية في جميع الأوساط المسيحية. وفي ختام بحثنا نود أن نردد بعض أصداء تنطق بهذه البوادر التي تعد بمثابة قناطر أمل ورجاء في طريق الوحدة المسيحية الشاملة:

قال قداسة بولس السادس في افتتاح الدورة الثانية للمجمع: “إننا نتوجه باحترام بليغ إلى ممثلي الجماعات المسيحية المنفصلة عن الكنيسة الكاثوليكية، ونحييهم من عميق فؤادنا، ونشكركم على حضوركم، ونبعث بواسطتهم تحياتنا الابوية والأخوية إلى الجماعات المسيحية الموقرة التي يمثلونها. إن وجودهم بقربنا اليوم يبعث فينا قوة خارقة وأمالا عذبة لان الحواجز التي تفصلنا لا زالت قائمة وهي تؤلمنا حقا”. (29 أيلول 1963)

صرح نيافة الكاردينال جبرائيل تبوني بطريرك السريان الكاثوليك: “إن

أسباب الانفصال لا تحصر في الخلافات العقائدية، فان فيه للملابسات الكلامية حول العقيدة والمداخلات السياسية شانا كبيرا… إن الأساقفة السريان يأتون إلى المجمع بأمنيات خاصة: أن يخفف من صرامة نظام “الاشتراك في القدسيات” مع إخوتنا الأرثوذكس الذين عندهم كل الأسرار كما عندنا”. (من مقابلة مع نيافته في روما 2. ت2 1962).

جاء في رسالة للأخ ماكس توريان، نائب رئيس جمعية تيزي الرهبانية

البروتستنتية: “إن أعظم شك للذين يجهلون المسيح هو أن يكون المسيحيون، الذين يدعون بأنهم يعيشون في المحبة، منقسمين على ذواتهم وبعيدين عن هذه الشركة الواحدة التي طالما  تمناها ربنا نفسه. فرسالة المسيحيين لا تثمر في عالم اليوم من دون أن تتوق الفرق المسيحية المختلفة إلى العودة إلى هذه الوحدة…”.

جاء  في حديث لسيادة المطران كاسيانوس مدير معهد القديس سرجيوس في باريس واحد المراقبين الروس المقيمين في المهجر، الذي دعي لحضور المجمع المسكوني: “ستتم الوحدة عندما يكون الحوار بين اللاهوتيين قد مهد السبيل لالتقاء الأساقفة. وعندما تكون الطريق قد حررت من هذه العوائق اللاهوتية وغيرها من الصعوبات، يمكن أن تتلاقى القلوب وتتفق الأفكار وتتحد الأيدي وتتفتح الأذرع للعناق الأخوي”. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

هذه بعض خيوط الأمل التي ترصع أفق الكنيسة وتبشر بأننا في طريق الوحدة سائرون. فهذا يعمل بالكلام والآخر بالحوار، هذا يتبادل الزيارات وذاك بعقد المؤتمرات، هذا يكتب والآخر يعظ والكل يصلي، وهكذا يضع الجميع حجرتهم في تكميل بناء جسد المسيح السري. وكما قال قداسة البابا بولس السادس: “سنستمر، بالرغم من الصعوبات والعقبات، نثق ونصلي ونحب إلى أن تتم الوحدة المنشودة”

                             الأب جرجس القس موسى

سلسلة الفكر المسيحي

سلسلة الفكر المسيحي

سلسلة الفكر المسيحي العدد الاول

سلسلة الفكر المسيحي

سلسلة الفكر المسيحي 19641970

ت

المقال

العدد

الشهر

السنة

1

 ليكونوا  واحدا       

2

سلسلة

1964

2

 لوثر وحركة الإصلاح     

6

سلسلة

1964

3

      صراع مع النعمة   

12

سلسلة

1965

4

 رسالة العلمانيين  

18

سلسلة

1965

5

أما العملة فقليلون   

25

سلسلة

1966

6

كيف تقرأ الكتاب المقدس 

32

سلسلة

1967

7

 عقيدة وحياة         

42

سلسلة

1968

8

 المسيحي والوطن    

55

سلسلة

1970

9

الاشتراك في القداس   

60

سلسلة

1970