ليكونوا واحدا

 ليكونوا  واحدا

ليكونوا  واحدا

بمناسبة أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين 18 – 25 كانون الثاني 1964

منذ أن أعلن قداسة الراحل العظيم البابا يوحنا الثالث والعشرين نيته على عقد مجمع مسكوني، اجتاحت المسيحية، من أقصاها إلى أقصاها، موجة عارمة من النشاط المسكوني بعثت في القلوب الهاجعة تيارا هزها لتستفيق من غفوتها التي طال أمدها ولتسعى متضافرة لتحقيق أمنية يسوع الأخيرة في جمع شمل العائلة المسيحية الكبرى ضمن بيت واحد، وانبرت الأقلام والحناجر تبشر بفجر جديد يقارب بين القلوب المتباعدة ويمحو الترسبات التي خلفتها الأجيال.

وقد قفزت الآمال إلى الذروة حين أعلن قداسة البابا بولس السادس عزمه على زيارة الأراضي المقدسة، في مستهل العام الجديد، للصلاة من اجل الوحدة المسيحية، والاجتماع بأقطاب الكنائس المسيحية للتباحث معا في أنجع الوسائل لاستعادة الوحدة. ولكي يمسنا هذا التيار المسكوني، لنلق نظرة على هذا الجو من التآخي والتقارب الذي تعيشه المسيحية اليوم.

رسول المصالحة

في 8 آذار سنة 194. انطفأت حياة رائد من رواد الوحدة المسيحية هو (الأب بول وتسن) مؤسس أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين الذي أضرم في كنيسة الله مشعلا وحدويا وهاجا انتقل لهيبه من قارة إلى قارة حتى عم العالم المسيحي بأسره.

ولد الأب بول وتسن في 16 كانون الثاني 1863 في مدينة ميتينكتون في الولايات المتحدة الأميركية وقد كان أبوه راعيا انكليكانيا تقيا من أنصار حركة أكسفورد الوحدوية. وحين كبر الفتى بول دخل المدرسة الاكليريكية ورسم “قسيسا” على الكنيسة الأسقفية عام 1886 وأسندت إليه إحدى رعايا نيويورك فاظهر الأب في خدمتها كل غيرة وتفان داعيا المؤمنين إلى سماع “القداس” واقتتال “الاوخارستيا” بتواتر ومزاولة “الاعتراف” لرسوخ اعتقاده آنذاك إن “لكنيسة المسيح” فروع ثلاثة هي الكنيسة الانكليكانية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية إلا أن الشك دب إلى نفسه حين اكتشف تباعد العقيدة عن الفئات الثلاث، فشرع يدرس بإخلاص ونزاهة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية وتقاليدها، وتمخضت أبحاثه عن هذه النتيجة: “انه لغنى عن البرهان، إن المؤسس الإلهي للدين المسيحي لم يشأ أن يؤسس فرقا بروتستنتية عديدة بل كنيسة واحدة جامعة”. ومن ذلك الحين بدأت مرحلة مضطربة من حياة بول وتسن تخللتها اكتشافات جديدة عن طبيعة الكنيسة وضرورة اتحاد المسيحيين وفي تلك الفترة كان الأب وتسن على اتصال بالمراسلة مع راهبة انكليكانية تشاركه رغبته بالعمل من اجل الوحدة المسيحية، فتعاقدا على إنشاء رهبنة يكون يكون شفيعها القديس فرنسيس الاسيزي وهدفها العمل على تحقيق الوحدة المسيحية الشاملة. وهكذا نشأت رهبنة المصالحة بفرعيها النسوي (تشرين الأول 1899) والرجالي (25 كانون الثاني 19..) “لتصحيح الفجوات التي أحدثتها الانقسامات بين المسيحيين” وانبرى الأب وتسن يرفع صوته عاليا في شوارع نيويورك داعيا إلى ملء الثغرة القائمة بين كنيسة انكلترا والكنيسة الكاثوليكية، بعد أن حذر عليه اعتلاء المنابر الانكليكانية.

وكان إشعاع مجلته الجديدة المصباح يتعدى حدود أميركا فكانت تحمل دعوة ملحة إلى مد القناطر بين الفئات المسيحية المختلفة، واخذ يكثر اتصالاته مع الشخصيات البروتستنتية والكاثوليكية في أميركا وفي الشرق.

وبع سنين طويلة من الجهاد الوحدوي دخل الأب بول وتسن والأم لورانا، رئيسة راهبات المصالحة مع 15 أخا وأختا في حظيرة الكنيسة الكاثوليكية. وفي 16 حزيران 191. اقتتل المجاهد الكبير الرسامة الكهنوتية وواصل جهوده المسكونية من دون كلل أو ملل بالرغم مما لاقاه من الانتقاد اللاذع والمعاكسات العنيفة.

نشأة أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين

لم يكتف الأب بول وتسن بنشاطه الفردي وجهود رهبانيته الفتية لتعجيل الوحدة بل أراد أن يجند لهذه القضية اكبر عدد ممكن من المسيحيين فأطلق سنة 19.8 نداء إلى صفحات المصباح دعا فيه جميع المسيحيين إلى تخصيص أسبوع في مستهل كل عام لرفع الصلوات إلى الله كي حقق رغبة ابنه الأخيرة في أن يكون من يؤمن به واحدا. وجعل الأب وتسون هذا الأسبوع بين ذكرى جلوس القديس بطرس على كرسي روما (18 كانون الثاني) وذكرى اهتداء القديس بولس(25 كانون الثاني). وما عتم  ذلك النداء أن لاقى أصداء مشجعة من مختلف الأوساط، فكتب إليه رئيس أساقفة بوسطن الكردينال اوكونيل قائلا: “اوكد لك بأنني أنا وكهنتي وأبناء شعبي سنقرن صلواتنا مع صلواتكم من اجل النية التي تعرضونها علينا”.

وقد راجعت هذه الحركة بنوع مدهش، ليس بين البروتستنت فحسب، بل عمت الكنيسة جمعاء، وهكذا اخذ المسيحيون يبدؤون عامهم الجديد باجتماعات وصلوات مشتركة لأجل الوحدة المسيحية. وقد ظهرت بوادر تآخ حقيقي في بلدان عديدة حيث يحتفل المسيحيون، على مختلف طوائفهم ومللهم، بهذا الأسبوع، كل يوم في إحدى الكنائس حيث يجتمع الكل باسم المسيح ليندموا على خطيئة الانفصال.

نماذج

عن أسبوع الصلاة لأجل الوحدة المسيحية

الإسكندرية 

منذ 1959 تشترك جميع الطوائف المسيحية في الإسكندرية بهذا الأسبوع بنوع خاص. ونكتفي هنا بنقل وقائع الاحتفال الختامي لعام 1963:

التام الرؤساء الروحيون والمؤمنون في كنيسة سيدة البشارة لليونان الأرثوذكس وافتتح الاحتفال بقراءات كتابية بلغات مختلفة عقبتها صلاة طقسية بيزنطية انشدها الكاثوليك والأرثوذكس معا. ثم تكلم عدد من ممثلي الطوائف في “ضرورة الثقة بالله” (لآتين) وفي “ضرورة طهارة القلب والتواضع” (أرمن أرثوذكس). وبعد ذلك دوت الصلاة  الربية منطلقة من ألف حنجرة تناشد ألآب لكي يحقق رغبة المسيح. وانصرف الجميع فيما الجوقة الارمنية الأرثوذكسية تنشد الأناشيد الكنسية بخشوع. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

القاهرة

اشتركت ست مدارس كاثوليكية في احتفال فريد من نوعه في كنيسة القديس مرقس: دخل الطلاب وهم ينشدون “أيها السيد  اجمع في كنيستك كل أمم الأرض”. وبعد أن استقروا في محلاتهم تليت عليهم قراءة من سفر أعمال الرسل عن ألفة المسيحيين الأولين. وبينما هم كذلك إذا برهط من الشباب مؤلف من 25 شابا و 25 فتاة  يدخلون الكنيسة وينقسمون إلى ست فرق رمزا إلى انقسامات المسيحيين، فوجه إليهم الأب رئيس الاحتفال كلمات الرسول بولس إلى أهل كورنثس بخصوص الخصومات، فقاطعته جوقة بقولها: “أنا لبولس” وانطلقت أصوات أخرى هاتفة: “وانأ لأبولس” فرددت جوقة ثالثة بحنق وصخب: “وأنا للمسيح” فرفع موجه الاحتفال يديه يهدي الأحقاد الثائرة: “العل المسيح قد تجزأ؟ العل بولس قد صلب لأجلكم؟”. وكأني بالمتخاصمين قد أذعنوا لدعوة الرسول إلى السلام فشرعوا ينشدون بصوت واحد متلاحم الأنغام: “نؤمن بكنيسة واحدة، جامعة، مقدسة، رسولية” وفي نشوة من الفرح صعدت القلوب والأفواه  نشيد النصر “نحن لك يا مخلص…” مظهرين بذلك رغبتهم في أن يكونوا واحدا في المسيح.

صيدا

في العام المنصرم اشتركت الجمعيات المسيحية كالشبيبة الدارسة المسيحية والليجو مارية وفرسان المسيح بتنظيم ساعات سجود وصلوات وقراءات من الكتاب المقدس في العوائل.

اسطنبول

احتفل المعهد الاكليريكي الأرثوذكسي في خلكي بأسبوع الوحدة للمرة الأولى في سنة 1963، فكانت تفتتح صلاة المساء بدعاء “لأجل سلام العالم وثبات كنائس الله المقدسة واتحاد الجميع”. ثم كان يتلو احد الشمامسة قراءة حول نية الصلاة المعينة كل نهار ويلي ذلك تأمل صامت يختتم بالصلاة الربية باليونانية، ويعيد تلاوتها كل بلغة بلاده، وبالانكليزية والعربية والفرنسية والحبشية والأوغندية. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

الوحدة دعامة الكنيسة

كل مسيحي يشعر بضرورة وحدة الصف المسيحي لان الانقسامات شاهد على إن رغبة الرب الأخيرة لم تتم بعد. وشوق المسيحيين إلى استعادة الوحدة التي تمتعت بها الكنيسة في الأجيال الأولى ولا تستند على مرامي بشرية بل تجد أصولها في الإيمان بالمسيح وفي الأمانة للإنجيل. فان كنا مخلصين للمسيح ولضميرنا لا يمكننا أن نرضى بالانقسام كواقع لابد منه، تلك خيانة عظمى لذلك الذي أراد أن تكون كنيسته مكملة في الوحدة: “أيها الأب القدوس أحفظ باسمك الذين أعطيتهم لي ليكونوا واحدا كما نحن واحد” (يوحنا 17: 11). إن الوحدة، إذن، من مقومات الكنيسة ودعامة من دعائم ثباتها، فالرغبة الملحة التي تجتاحها هي رغبة يمليها الروح القدس وتجد جذورها في صلاة يسوع الأخيرة وليس في تكتلات الدول المعاصرة. فاتحادات الدول ضمن معاهدات واتفاقيات، اتحادات واهية غالبا ما تبطل مفاعيلها  بغياب موقعيها من مسرح السلطة أو الحياة. أما الاتحاد الذي نصبوا إليه فهو مرتكز على طبيعة انتمائنا إلى المسيح كما شهد بذلك مرارا، الرسول بولس: “اجتهدوا في حفظ وحدة الروح برباط السلام: فان الجسد واحد، والروح واحد، كما إنكم بدعوتكم، قد دعيتم إلى الرجاء الواحد. وان الرب واحد والإيمان واحد، والمعمودية واحدة، والإله واحد، والأب واحد للجميع، وهو فوق الجميع وخلال الجميع وفي الجميع”.(افسس 4: 3- 6).

إن الرسول بولس، إذ يشبه الكنيسة بالجسم، يريد أن يفهمنا بأنه كما أن الجسم واحد مع تعدد الأعضاء كذلك الكنيسة يجب أن تكون واحدة بالرغم مما تحويه في حضنها من مختلف الجنسيات واللغات والقوميات، فالفوارق الاجتماعية، والتقاليد التاريخية، والتيارات الروحانية، والطاقات التي ينفرد بها كل شعب أو طقس لا تتعارض مع طبيعة الوحدة التي ننشدها. إن كنيسة المسيح ليست سجينة تقاليد أو لغات معينة لان كل الأعضاء والمواهب تنسجم في وحدة الجسم الواحد. فالكنائس المسيحية، وفي مقدمتها الكنيسة الكاثوليكية، لا ولن ترغب من دعوتها إلى الوحدة الشاملة تكتلا سياسيا أو صهر كنيسة في أخرى فذلك مناف لروح المسيح. وقد أشار إلى ذلك قداسة البابا بولس السادس في الكلمة التي وجهها إلى المراقبين غير الكاثوليك في المجمع الفاتيكاني، لدى زيارتهم له في 17 تشرين الأول 1963: “إننا نؤكد لكم احترامنا وتقديرنا ورغبتنا بالرب في أن نعقد معكم أطيب العلاقات. وكونوا على ثقة من أن رغبتنا هذه لا تبطن أي كمين ولا تنوي أن تتجاهل العقبات التي ستسبق الاتفاق النهائي”.

وعورة الطريق

اجل أن الوحدة ستتحقق لا محالة، لأنها أمنية المخلص، بيد انه لا يجوز للعاطفة أو التفاؤل أن يحجبا عن أعيننا العقبات الكثيرة التي تقف حيال الهدف الذي نصبو إليه بكل جوانحنا. قال الأب بول وتسن: “إن آكاما من الصعوبات تنتصب في طريق “المصالحة” ولا بد من إيمان سام جدا ومحبة كبيرة لقلع هذه العوائق وزجها في البحر. ولكن الله قادر على كل شيء، فصبرا،لان الصبر سيحوك لابن الله ثوبا وحدويا لا مثيل لجماله”   (مجلة المصباح، شباط 19.3).

إن قضية الوحدة، بالرغم من الحنين الذي توقضه في قلوب المسيحيين قاطبة، تبدو للباحث المتنبه مشكلة خطيرة لما تداخل فيها من العوامل اللاهوتية والنفسية والتاريخية، فعلينا إلا نغض النظر عن ذلك لان أي اتفاق ارتجالي يتجاهل العوائق، نتيجته العقم.

العامل اللاهوتي

كان العامل اللاهوتي اثر كبير في قضية الانقسام، فمعظم المجامع المسكونية التأمت لتحديد عقائد إيمانية ولرشق البعض بالهرطقة والحياد عن المعتقد القويم فنتجت عن ذلك انقسامات وتحزبات منا ضحيتها ولا زلنا نتحمل عواقبها. إن كنيسة القرون الأولى لم تكن كذلك. فقد بقي الشرق والغرب متحدين أجيالا وقد اشتركا معا بأساقفتهما وبطاركتهما في المجامع التي حددت أهم العقائد الإيمانية وأننا لا نغالي إذا ما قلنا بان الحرص على سلامة هذه العقائد لولد الفلسفات المختلفة والطرائق المتباينة لعرض الحقيقة فكان التصادم في الآراء والإفراط في إضاءة وجه منها على حساب الوجه الأخر. وقد وصل التصلب المذهبي في بعض الأحيان إلى نكران عقائد لم تفهم على حقيقتها ولو فهمت لما أنكرها  ناكروها!.

إن هذا التصدع الذي الم الكنيسة طيلة قرون لا يمكن إصلاحه من دون التفاهم والحوار بشان تلك المشاحنات اللاهوتية التي ورثنا حنظلها. وما الاتصالات المسكونية في عصرنا إلا محاولة لفتح باب هذا الحوار اللاهوتي الذي هو عنصر لابد منه لإعادة وحدة الكيان المسيحي. فمن حق البروتستنت أن يدعوا إخوتهم الأرثوذكس إلى محادثات عقائدية ضمن هيئة عالمية، ولا احد يستنكر رغبة الكنيسة الكاثوليكية في إقامة حوار مع الكنيسة الأرثوذكسية. إن قداسة البابا بولس السادس، رأس الكنيسة الكاثوليكية نفسه، أنجز خطوة كبرى في طريق الحوار حين عزم  أن يزور الشرق بعد أن دعا إلى هذا الحوار في دير “كروتا فيراتا” لليونان الكاثوليك في 18 / 8 / 1963: “هلموا ولنحطم الحواجز التي تفصلنا. لنتباحث في القضايا الايمانية التي نختلف فيها، لنعمل متكافئين لتوحيد قانون إيماننا وإعطائه شكلا متناسقا، ولنجد في تحقيق اتحادنا الرئاسي”. أما قداسة البطريرك المسكوني أثينا غوراس فكان قد صرح من قبل: “إننا ننتمي إلى كنيسة واحدة ونعتقد بحقائق واحدة وبمبادئ واحدة وإيمان واحد. إننا نؤمن سوية بيسوع والثالوث الأقدس والعذراء مريم. إننا إخوة فلماذا نحن منفصلون؟”.

العامل السيكولوجي

في هذا التقارب المسكوني علينا أن لا ننسى العامل التاريخي والسيكولوجي، فالبناء الذي هدمته أجيال لا يعاد رونقه بأيام. ولعل ساءلا يقول: “والمجمع المسكوني، ألن يوقع صك الوحدة؟” – كلا، لان المجمع الفاتيكاني لا يستطيع أن يوقع صك الوحدة بمعزل عن الكنائس المسيحية الأخرى. إن رسالته هي إن يفتح أفاقا جديدة لتحقيق ما نصبو إليه، وليس هذا بالشيء اليسير. وقد لمس ذلك المجلس المسكوني للكنائس، وهو هيئة عالمية تضم (201) كنيسة أرثوذكسية وبروتستنتية تعمل متكاتفة لأجل الوحدة، حين أعلن بان المجمع الفاتيكاني الثاني فتح أبوابا ونوافذ جديدة لحوار أساسه الوحي الواحد الذي أتانا من الله بواسطة المسيح الواحد.

إن ابلغ مثال لذلك “النوافذ الجديدة” التي فتحها المجمع هو موقف التواضع الذي أبداه قداسة البابا بولس السادس نحو الكنائس غير الكاثوليكية في خطابه الافتتاحي للدورة المجمعية الثانية، حين اتجهت أنظاره نحو المراقبين قائلا: “إننا نستمد المغفرة من الله بتواضع عن الأخطاء التي تنسب ألينا في هذا الانقسام، ونلتمس الصفح من الإخوة الذين قد يشعرون بأننا أسأنا إليهم. ونحن مستعدون أن نصفح عن الاهانات التي احتملتها الكنيسة الكاثوليكية، وننسى الآلام التي قاستها في سلسلة الجدالات والانقسامات الطويلة”.

 قد أصبح لزاما على المسيحيين أن يبدؤوا بإزالة أحقاد الماضي وترك المعاتبات والادعاءات التقليدية جانبا  متحلين بالمحبة التي على أساسها يمكن للوحدة أن تتحقق وتثبت. وتبعة الانفصال تقع على المسيحيين قاطبة  فان أخطا هذا ضد الحقيقة فقد أخطا ذاك ضد المحبة. إن الماضي قد مضى وليس لنا فيه طريق العودة إنما علينا الآن أن نفتح صفحة جديدة من تاريخ علاقتنا فنمد أيدينا إلى إخواننا ونسير معا نحو المسيح الذي باسمه اعتمدنا كلنا. وهذا التسامح وتلك المحبة يجب أن يتعديا العواطف والمجاملات والتصريحات الرسمية ليظهرا من ثم، في العلاقات اليومية والأحاديث والزيارات. يجب على الأرثوذكسي أن يتعود النظر إلى أخيه الكاثوليكي نظرة محبة وإخلاص، وكذلك يترتب على الكاثوليكي أن يبتعد عن كل طعن أو تقليل من شان الإخوة غير الكاثوليك. لنوسع آفاقنا إلى البعيد ولنخرج من دائرة محيطنا الضيق الذي عودنا منذ الصغر أن ننظر إلى من لا يقاسمنا كنيستنا أو طائفتنا أو تقاليدنا كأنه هرطوقي ممقوت ومنشق عن الإنجيل، فنقول: “هذا أرثوذكسي فما صلتي به؟” ونرشق الآخر بعبارة هزئ وتحقير ونقول: “انه كاثوليكي، فلا علاقة لي به”. إن عبارات كهذه يستنشق منها رائحة التعصب وهي تثلم المحبة وتترك جرحا لا يلتئم.

التسامح والمحبة يخدمان قضية الوحدة إن اقترنا بالصلاة والتضحية، فعلى كل مسيحي، إذا، – أن يطلب إلى الروح القدس ليلهم جميع المسؤولين الطرق اللازمة لتسوية الخلافات. ليصل المسيحيون بعضهم لبعض على أنهم إخوة منفصلون، وليضرعوا إلى المسيح أن يضمهم في حظيرة واحدة.

آمال مشرقة

إن تباشير الأفق المسيحي تنبئ بانبثاق عهد وحدوي جديد، والطريق التي نحن فيها سائرون لابد من أن تلقينا بين أحضان الأب الواحد، إنما علينا أن نسير بفطنة ومحبة ولا ندع كلمة منا أو تصرفا يعكر صفو الجو المسكوني الذي نحيا فيه.

لقد حقق هذا الجو المؤاتي، بفعل الروح القدس، حركات ومراكز وحدوية في جميع الأوساط المسيحية. وفي ختام بحثنا نود أن نردد بعض أصداء تنطق بهذه البوادر التي تعد بمثابة قناطر أمل ورجاء في طريق الوحدة المسيحية الشاملة:

قال قداسة بولس السادس في افتتاح الدورة الثانية للمجمع: “إننا نتوجه باحترام بليغ إلى ممثلي الجماعات المسيحية المنفصلة عن الكنيسة الكاثوليكية، ونحييهم من عميق فؤادنا، ونشكركم على حضوركم، ونبعث بواسطتهم تحياتنا الابوية والأخوية إلى الجماعات المسيحية الموقرة التي يمثلونها. إن وجودهم بقربنا اليوم يبعث فينا قوة خارقة وأمالا عذبة لان الحواجز التي تفصلنا لا زالت قائمة وهي تؤلمنا حقا”. (29 أيلول 1963)

صرح نيافة الكاردينال جبرائيل تبوني بطريرك السريان الكاثوليك: “إن

أسباب الانفصال لا تحصر في الخلافات العقائدية، فان فيه للملابسات الكلامية حول العقيدة والمداخلات السياسية شانا كبيرا… إن الأساقفة السريان يأتون إلى المجمع بأمنيات خاصة: أن يخفف من صرامة نظام “الاشتراك في القدسيات” مع إخوتنا الأرثوذكس الذين عندهم كل الأسرار كما عندنا”. (من مقابلة مع نيافته في روما 2. ت2 1962).

جاء في رسالة للأخ ماكس توريان، نائب رئيس جمعية تيزي الرهبانية

البروتستنتية: “إن أعظم شك للذين يجهلون المسيح هو أن يكون المسيحيون، الذين يدعون بأنهم يعيشون في المحبة، منقسمين على ذواتهم وبعيدين عن هذه الشركة الواحدة التي طالما  تمناها ربنا نفسه. فرسالة المسيحيين لا تثمر في عالم اليوم من دون أن تتوق الفرق المسيحية المختلفة إلى العودة إلى هذه الوحدة…”.

جاء  في حديث لسيادة المطران كاسيانوس مدير معهد القديس سرجيوس في باريس واحد المراقبين الروس المقيمين في المهجر، الذي دعي لحضور المجمع المسكوني: “ستتم الوحدة عندما يكون الحوار بين اللاهوتيين قد مهد السبيل لالتقاء الأساقفة. وعندما تكون الطريق قد حررت من هذه العوائق اللاهوتية وغيرها من الصعوبات، يمكن أن تتلاقى القلوب وتتفق الأفكار وتتحد الأيدي وتتفتح الأذرع للعناق الأخوي”. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

هذه بعض خيوط الأمل التي ترصع أفق الكنيسة وتبشر بأننا في طريق الوحدة سائرون. فهذا يعمل بالكلام والآخر بالحوار، هذا يتبادل الزيارات وذاك بعقد المؤتمرات، هذا يكتب والآخر يعظ والكل يصلي، وهكذا يضع الجميع حجرتهم في تكميل بناء جسد المسيح السري. وكما قال قداسة البابا بولس السادس: “سنستمر، بالرغم من الصعوبات والعقبات، نثق ونصلي ونحب إلى أن تتم الوحدة المنشودة”

                             الأب جرجس القس موسى

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s