رسالة العلمانيين

رسالة العلمانيين

     لقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن كهنوت العلمانيين وخاصة في أعقاب إثارة موضوع “العلمانيين” في جدول أعمال المجمع المسكوني ودخول بعضهم قاعة المجمع، واعتلى منابر الكنائس وملا أعمدة الصحافة أساقفة وكهنة ومؤمنون ينادون بإسهام العلمانيين أكثر فأكثر في حياة الكنيسة ونشاطها، لا لأنهم أبنائها وأعضاؤها فحسب، بل لكونهم يشتركون في الكهنوت اشتراكا حقيقيا. فالشعب المسيحي، باتحاده المكين بالمسيح، يقدم معه وفيه، إلى الله، حياته الروحية وتسابيحه وتضحياته وعمله ألرسولي بمثابة فعل عبادة حقيقي.

      إن “كهنوت العلمانيين” ليس مفهوما جديدا إضافته كنيسة القرن العشرين إلى تعاليمها بل هو حقيقة تجد أصولها في الكتاب المقدس. فقد أعلن الرسول بطرس للمؤمنين الأولين قائلا: “أما انتم فجيل مختار، كهنوتي ملوكي، امة مقدسة، وشعب مقتنى لتشيدوا بحمد الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب   انتم الذين لم يكونوا من قبل شعبا، وإما ألان فشعب الله (1 بطرس 2: 9 – 1.).

    يدخل المسيحيون في شعب الله ويشتركون في كهنوت ابنه منذ أن يسيل ماء العماد على هاماتهم ويلمع زيت الميرون على جباههم. فلإنسان يحيا ولكن لا ثمن لحياته من دون أهداف تتعدى مقاييس هذا العالم الضمان إلى ما يسمو على متاهاته، فمن يا ترى يرويه سوى الإنجيل؟ ومن ذا الذي يقوده إلى هذا المعين إلا ذاك الذي مسحه عماده مبشرا وشاهدا فأصبحت الرسالة فرضا طبيعيا عليه وضرورة موضوعة على عاتقه كما قال بولس الرسول: “إن التبشير بالإنجيل ضرورة موضوعة علي فالويل لي أن لم ابشر”.

مسؤولية المسيحي تجاه الإنجيل

     كتب سيادة المطران دي سميدت، أسقف بروج في بلجيكا، “كيف تتجاسر جماعتنا الكهنوتية أن تقدم قربانها إذا لم تعمل كل ما بوسعها لإعلان بشرى المسيح للبشرية وتحيا هذه البشرى كي تكون حياتها مرضية من الله”. لا جرم في أن المسيحي لا يستطيع أن يجوب أقاصي الأرض ويمد في أيامه إلى يوم الحشر كي ينشر الإنجيل، إلا أن طموحه لا يجوز أن يكون اقل اتساعا، إذا أن عليه أن يعانق العالم بأسره، لان الذي دعاه لينطق باسمه فتح ذراعيه واسعا على الصليب ليضم شعوب الأرض قاطبة على قلبه. إن الفرد في شعب الله تترتب عليه واجبات تجاه دستور إيمانه، فهذا الإيمان الذي تلقاه في سكون عماده عليه الآن، وهو بالغ  أن يعلنه وينادي به على السطوح، وإلا أمسى عضوا عليلا، إن لم اقل ميتا، في جسم يحتاج إلى كل أعضائه سليمة نشطة. وان هذا الجسم لا يكون سليما إلا بسلامة جميع أعضائه فكذا جسد المسيح السري لا يكون كامل الحيوية إلا إذا كان جميع اعضائه صحيحة حية. ولكي تكون الأعضاء حية لا يكفي إلا تكون سقيمة، بل ينبغي ان تزخر بالنشاط والحركة لتنعش الجسم كله.

حياة المسيحي شهادة وتبشير

     ما أن حل يوم العنصرة حتى انطلق الرسل من مخبئهم ونزلوا إلى الميدان يعلنون قيامة المسيح ويبشرون الجموع الآتية من أقطار الإمبراطورية الرومانية بالعتق والخلاص، ويدعونهم إلى نور الإنجيل الذي بيسوع، فقد طال عليكم السكوت عما عرفوه ورأوه واني للبشير أن يسكت أو للشاهد أن يصمت.

    لازالت هذه رسالة مؤمني كل عصر وجيل إذ ليس للمسيح صوت آخر غير صوتنا ولا كيان غير كياننا ليستمر في حمل بشراه إلى المسكين والمناداة بالتخلية للمأسور، كما قال بيوس الثاني عشر: “اذهبوا يا أولادنا وبناتنا الأعزاء، اذهبوا إلى الوضعاء والفقراء، إلى المتألمين والتعساء والمنبوذين، اذهبوا وانشلوهم من شقائهم، كونوا فداة لهم ومعزين، أعضدوهم وارفعوا عزائمهم في وسط الشبيبة، كونوا معلمين ورفاقا وروادا لتجذبوهم جميعا إلى المسيح، ولكي يشعروا من خلال قلوبكم، بلطف المسيح وقبلته الإلهيين”. إن تراثنا الإنجيلي الذي يبقى جديدا على مر الأيام، وإيماننا المسيحي الذي الهم البطولات واروي الأجيال عدلا وحقا وسلاما، لا زالا اليوم كما في الأمس، الجواب الوحيد لعالم يفتش عن ذاته ويتلمس علة وجوده.

     فمن هذه الأغنام الراتعة في مراع غير مراعي الإنجيل، من هذه الخراف التي هجرت مرابض المسيح وراحت تقتات بإعشاب يابسة وترد أبارا جوفاء ترن في أذاننا أصوات مستحثة تطلب النجدة. اجل، على المسيحي أن يعلن أن المسيح هو الطريق والحق والحياة، ولا يغيبن عن باله أمر يسوع الأخير: “اذهبوا وبشروا وعلموا…”. إن هذا الأمر ليس وقفا على الرسل والكهنة حسب، بل هو إلى جميع المؤمنين لا لقلة الكهنة أو الراهبات، بل لان المعمودية نفسها تدعو كل مسيحي إلى الرسالة. لعمري من الذي بشر بالمسيح أولا؟ أليس هؤلاء العلمانيون المتنصرون حديثا من الجنود الرومانيين ويهود الشتات الذين غرسوا الكنيسة في جنبات العالم المتوسطي؟ أليسوا هم التجار الذين انطلقوا من بلاد مابين النهرين محملوا الدين المسيحي إلى أقصى الشرق فركزوه في الهند والصين؟ على العلماني، إذا، لن يفهم خطورة دعوته. فهو مسؤول أمام المسيح عن كل عتمة وفقر روحيين ينتجان عن إهماله أو تغاضيه.

خطيئة الصمت

    لقد أخطا من قال بان العالم غي مستعد لقبول الرسالة المسيحية، فالواقع هو أننا نحن لسنا مستعدين لإبلاغها إليه.

    إن إيماننا الضعيف وحبنا للراحة بنسيانها أحيانا واجبنا المسيحي الكبير إلا وهو إشراك غيرنا في كنوز عمادنا، كما أن “رفاهيتنا الروحية”، ورتابة ممارساتنا التقوية، التي نحسبها الدين المسيحي كله، تصور لنا الأعلم مقسما إلى فريقين “خراف الحظيرة” فريقنا، وفريق الآخرين المقدر لهم أن يبقوا”في الظلمة البرانية”.

    كم من المسيحيين هذا منطقهم؟ في حين إن ثلثي البشر لا يعرفون المسيح. وحتى من بين الذين تشملهم”لائحة” المسيحيين، كم هو عدد الفاترين واللامبالين والذين لا يعلمون من المسيحية سوى أنها دينهم الرسمي في هوياتهم الشخصية!

    إن أنانية هؤلاء المسيحيين لتشل أيدي العمل المسيحي وتجعل من الإنجيل، لكثير من البشر، كتابا جامدا، ومن المسيح شخصا تاريخيا مضى وانطفأ تعليمه معه، فاندرات بشراه. وينضم الخجل والحياء البشري إلى الأنانية، فهناك من يستحوذ عليه الحياء حين التكلم عن الإنجيل، ويتحاشى إظهار مسيحيته وكأنها شيء مشين، بينما يأتيه الكلام عفوا إذا ما تحدث عن الصواريخ والأقمار والمركبات الفضائية أو الأزياء والسينما ونجومها أو عن هذا أو ذاك من الشخصيات السياسية. لقد غاب عنه ما كتب رسول الأمم إلى تلميذه طيموثاوس: “لا تخجل من تأدية الشهادة لربنا كجندي صالح للمسيح يسوع، فان من تجند لا يرتبك في شؤون الحياة إرضاء للذي جنده”. ليت شعري كيف يسمع غير المؤمنين والمسيحيون الفاترون رسالة الحب والفداء إن لم تعلن لهم!

لقد حان للمسيحيين أن يستفيقوا

   ليسمح لنا أن نورد هنا صفحة من أروع ما كتب الكردينال سواننس، عميد مصف أساقفة بلجيكا واحد شهب المجمع، بشان الرسالة: “إن المسيحي الحقيقي ليس هو من حفظ إيمانه مثل كنز مخفي في الأرض، فالمسيح لم يعطنا الإيمان أنخفيه بل لننشر أريجه لعمري أي معنى لإنجيل لا يبشر به كخبر سار؟ وما هي قيمة كتاب لا يبلغ إلى المرسل إليه. اجل، ما فائدة نار لا تلتهب أو لسان يظل صامتا أبكم”؟

   ” في سبيل اكتشاف المسيح كان الأولون يذهبون مسرعين إلى إخوانهم. كما فعل اندراوس إذ هرع إلى بطرس وقال له “لقد وجدنا المسيح”. وفي عصرنا، لأوال المهتدون يفعلون كذلك، لأنهم لا يفهمون –ويحق لهم ألا يفهموا– كيف أن كنزا كهذا، أي المسيح، يبقى مخفيا! إن ردة الفعل الطبيعية عند المهتدي هي أن يعلن اكتشافه على وجه الدنيا، أما نحن الذين”عتقنا” في المسيحية وأصبح الإيمان لدينا شيئا عاديا فمخطئون، وخطانا لا يغفر. لقد آخذنا نصوغ فلسفات مبسطة لتبرير موقفنا من عدم التدخل، بينما ذهب بعض المؤلفين إلى التخفيف من قوة بعض النصوص الإنجيلية الآمرة بإعلان الحقيقة على السطوح، لأنهم يرون في ذلك قلة ذوق وتدخلا سافرا في حرية الضمائر. إن من يدعو إلى الاكتفاء بواجب الحالة الذي يبتلع أوقاتنا ونشاطنا يتجاهل إن واجب الحالة الأولى لكل مسيحي هو ذاك الذي يمليه عليه عماده، اعني به انه مسؤول عن خلاص قريبه”،.

      هذه الأسطرهي بمثابة صرخة تطلقها الكنيسة، بفهم احد أقطابها،                      إلى جميع أبنائها لينبذوا الحياة الهادئة الرتيبة فيجندوا طاقاتهم ومواهبهم لخدمة”الكلمة”.

مسؤولية المسيحي تجاه المجتمع

     يتحتم أن يكون المسيح حاضرا في جميع مرافق الحياة. فرسالة الكنيسة، وبالتالي رسالة المسيحي، ليست سجينة المعبد: أنها رسالة تربوية، اجتماعية. ودور الكنيسة في المجتمع البشري هو أن تكون “عنصر حياته” و”دم عروقه”. أنها القلب وهو الجسم، لذا يلزم أن لا ينبض هذا القلب إلا بالحياة. وعنصر الحياة هذا لا ينتعش وينعش إلا إذا مد جذوره وازدهر وأثمر ضمن المجتمع الذي يعيش فيه كل فرد مسيحي، فالمسيحي، بحسب دعوته الخاصة، يشرك من حوله بما عنده من الحب، والحب يهتم بغيره لأنه عطاء وبذل. وهذان، أي العطاء والبذل، يبدأن بالعائلة وينتهيان بالمجتمع على اختلاف طبقاته.

العائلة، خلية المجتمع الأولى

      إن المبدأ الكشفي القائل “واجب الكشاف الأول يبدأ في البيت” ينطبق على كل رسول، إذ عليه أن يكون شاهدا وبشيرا بادئ ذي بدء في عائلته. فالعائلة هي الخلية الأولى للكنيسة والمجتمع؛ لو كانت هذه الخلية مشبعة بمائية الإنجيل ومتفتحة على قضايا الكنيسة والعالم لكانت المعركة بين الخير والشر سهلة الخوض.

     إن الزواج المسيحي سبيل قداسة ودعوة إلهية، وكل دعوة تشترط مسؤولية، ومن ذا الذي يستضعف مسؤولية الزوجين المسيحيين تجاه بعضهما وتجاه هذه الأغصان التي تنبت من جذعيهما. إن الأولاد يقراؤون علم الحياة على والدهم اثني عشر شهرا في السنة وعلى ما يرون أمامهم سيشبون ويكبرون ويبنون مستقبلهم. سوف يطبعون على الأخلاق الكريمة والتضحية وحب الواجب إذا ما كان بيتهم مسرحا للحب الحقيقي والتعاون المشترك والاحترام المتبادل.

إذا طرق الرب الباب…

     إن كان جو العائلة جوا مسيحيا، يحاول الأبوان، بحلم ومحبة وفطنة أن يوجها أولادهما إلى التقوى والاقتناع بإيمانهم، بحيث يصبح إيمانا شخصيا، فلا بد لهؤلاء لبنين أن يقتسموا، منذ فتوتهم خبزهم مع الجائع وخميرة إيمانهم مع المحتاجين في رسالة علمانية أو في حياة كهنوتية أو رهبانية. ولكن حذار من أن يقف الأهل عقبة كأداء في وجه النعمة. فالأب الذي مهد لابنه مستقبلا باسما وخصه بدراسة عالية يجب أن يفهم إن الرب أحق به منه، إذا ما دعاه. وإلام التي هيأت لابنتها عريسا “حسب ذوقها” أولى لها أن تسكت إذا طرق المسيح باب قلب ابنتها. كم من ماس تلاقيها نفوس أبية كلفت بحياة كهنوتية أو رهبانية أو “رسوليه علمانية” لتجد فيها منفذا لسخائها، ثم اخمد جذوتها حنان في غير محله أو نصائح هزيلة هبطت بها إلى مستوى الأهداف العادية!

المسيحي، خميرة في عجين العالم

    “ليس غريبا عن قلب الكنيسة، فكل ما هو بشري وأنساني يعنينا. بيننا وبين البشرية اشتراك في الطبيعة، أي في الحياة بجميع هباتها وقضاياها. إن هذه الكلمات التي خطها قداسة البابا بولس السادس في رسالته العامة الأولى هي انعكاس لروح الانجيل المنفتح على كل إنسان. والمسيحي هو ابن هذا الكون وعليه أن يشترك في بنائه بقطرات دمه وعرق جبينه متعاونا مع كل ذوي الإرادات الصالحة فعالم الثقافة وعالم الاقتصاد والصناعة عالمه تماما كما أن عالم الروح موطنه. وهكذا تخترق حرارة جديدة وقيم إنجيلية حقيقية الفكر والعائلة والمصنع، المدرسة والجامعة، الحقل والمختبر، المكتب والنادي اللعب والتسلية وسائر وسائل الراحة دروب الحياة المجتمعية.

      من البديهي إن المسيحي لن يستطيع أن يحول العالم إلى فردوس ارضي، ولكنه ينتظر منه أن يجد في جعله واديا اقل دموعا وعالما يسود العدل والمحبة والسلام حسي أمنية البابا يوحنا الثالث والعشرين الذي قال: “كل واحد مدعو لان يسهم بسخاء في الحياة الثقافية والاقتصادية والحركات والأنظمة السياسية والتشريع وأي مظهر أخر من مظاهر الحياة الاجتماعية وتطورها الدائم”.

المسيحي، أمام مشاكل العالم واحتياجاته

      إن للمسيح كلمته في كل هذه القضايا وهو لا يلفظها إلا بلسان الكنيسة، وبلسان العلمانيين من أبنائها. إن رأي المسيحي في القومية يتصف بطابع الشمول والتضامن دون التنكر للقوميات الأخرى. أما التمييز العنصري فلا وجود لهم في تعليم الانجيل، وعلى المسيحي إن يكون رسول اندماج سلمي وتآخ حقيقي إذ “ليس بعد يوناني ولا يهودي، لا ختان ولا غرلة، لا أعجمي ولا أسكوتي، لا عبد ولا حر، بل المسيح، الذي هو كل شيء وفي كل شيء” حول قول القديس بولس. لن يرى المسيحي في الحرية انفلاتا أو انطلاقا لعنان الجشع وحب السيطرة بل اختيار الأنسب لكماله وتفتحه وخدمته المجتمع دون النيل من حقوق غيره. انه ينشر السلام كمنة من الله ويعمل كل ما في طاقته ليسود البشر، ويمقت الحرب كنقمة ويجاهد قدر استطاعته لإبعاد شبحها. انه ينظر إلى أحداث العالم ومشكله ويحكم إذاك متخذا طرق معالجتها ثم يعمل لإصلاح ذات بينها وإدخال المسيح في حلولها.

       على المسيحي الرسول إن يكون متأهبا لتلبية كل نداء، لا بل إن يسبق النداء ويمد ذراعيه لمساندة الفقير، ويجود بقلبه لمأساة البائس، وبعقله لخدمة الرقي والعلم، وبصوته لإغاثة من لا صوت له يسمع، وبقلمه للدفاع عن الضعيف. عليه إن يجند جميع أساليب الإعلام لخدمة قيمه العليا فيستخدم، لنشر الحق، النشرة السنوية والفصلية، المجلة الشهرية والمصور الأسبوعي، الجريدة والكتاب، الاسطوانة والسينما، الراديو والتلفزيون، المسرح والمنبر، الندوة والفن على اختلاف أشكاله.

  *  *   *

      إن نداء الرسالة موجه إلى الجميع إلا انه يتخذ مداره حول الشبيبة بنوع اخص، حول هذه القلوب السخية العطاء، الزاخرة بالآمال والطاقات. لذا تشعبت المنظمات الرسولية العلمانية، ومعظم أعضائها شباب، تهدف كلها إلى إنزال المسيح في كل ميدان. ولكننا سنكتفي يذكر بعض منها في هذا العدد لتكون بمثابة شهب تنير الدرب تحو التضحية ومهماز يستحث الهمم للشهادة وإعلان بشرى الإنجيل:

العمل المسيحي

   “العمل المسيحي هو تجنيد وإشراك العلمانيين في الرسالة الروحية التي تقوم بها الكنيسة لنشر ملكوت السيد المسيح، وذلك خارجا عن العنعنات والتفرقات السياسية”. بهذه الكلمات الوجيزة حدد البابا بيوس الحادي عشر حركة العمل المسيحي التي منها تشعبت سائر المنظمات الرسولية الآرامية كلها إلى إشعاع فردي وجماعي لقيم الإنجيل في الأوساط العلمية والمهنية والأدبية. فحيث لا يستطيع الكهنة إن يلجوا سليج العلمانيون  ومعهم خميرة الإنجيل، وسيحملون إلى كل الطبقات الاجتماعية ونور المسيح ومحبته. وهذا الإشعاع لا يتم إلا بعد اطلاع واقعي على حاجات البيئة التي ينتمون إليها لذا أنشئت منظمة العمل المسيحي على مبدأ”معالجة البيئة بالبيئة” وجعلت طريقها في العمل على ركائز ثلاث هي النظر أو درس واقع البيئة والحكم عليه على ضوء الإنجيل ثم العمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه. وعلى هذا المبدأ نفسه نسجت المنظمات التالية المنبثقة من روحها.

الشبيبة العاملة المسيحية J. O.C

     كان كاهن شاب من بلجيكا يتألم، منذ سني دراسته الاكليريكية، للهوة التي تفصله عن رفاق البارحة، إذ كان عاملا صغيرا، وفكر فيما عسى إن يفعله لإعادة هؤلاء العمال إلى قلب الكنيسة وانتشالهم من الماركسية التي تستهويهم. وما إن عين مسؤولا عن الحركات الاجتماعية والنقابات المسيحية في بروكسل حتى اخذ يتجول في الأحياء الفقيرة وينتظر العمال على أبواب مصانعهم ليتحدث إليهم ويتعرف إلى مشاكلهم وقبل إرساء أسس المنظمة التي حلم بجهات شرع بجمع بعض فتيات عاملات ليلقنهن أصول القراءة والكتابة ويمرنهن على الرسالة بالتحقيقات التي يجرينها في محيطهن العمالي تمهيدا لإعادته إلى حظيرة الإنجيل. هذه كانت النواة الوضيعة التي منها نشأت سنة 1925 منظمة “الشبيبة العاملة المسيحية” والكاهن الشاب، رائدها، هو جوزيف كاردين، ابن أب محام وأم خادمة، وقد رقي إلى رتبة الكاردينالية في ربيع هذا العام.

     فالشبيبة العاملة المسيحية حركة بين العمال الذين يقدرون دعوتهم المسيحية والإنسانية والشخصية والجماعية، تعمل على إيجاد حلول للمشاكل العمالية وإعادة الكرامة الإنسانية للعامل لئلا يكون عبدا للآلة والاستغلال. وهكذا تصبح عنصرا في بناء مجتمع أفضل يرتكز على العدل والحرية واللام. أنها تحمل رسالة الكنيسة لتحياها في المعمل وتعلنها بلغة العمال والكسبة عملا بتعليم بيوس الحادي عشر القائل: “إن رسل العلمانيين سيكونون من العمال”.

ولقد انتشرت المنظمة في بلدان العالم وباتت الكنيسة تلمس الخير الذي ينتج عنها.

الشبيبة الطالبة المسيحية J. E.C

     ولم تمر سنتان على الشبيبة العاملة وإذا بالشبيبة الطالبة تنطلق عام 1927 نحو المحيط الطلابي بعين الأسلوب وعين الأهداف. وهذه المنظمة هي حركة مختصة من العمل المسيحي تهدف إلى خلق شباب يعون مسؤولياتهم الرسولية في الكنيسة ليحملوا إلى إخوانهم الطلاب نور الإنجيل. وهذه الحركة لا تنتزع الشبيبة من محيطها، إنما تخلق فيها  وعيا بضرورة التعرف على مقومات المحيط في واقعه بما فيه من عقليات ومشاكل وحاجات، فتدفعها إلى استغلال القيم الإنسانية فيه لتجعل منها من ثم قيما مسيحية، وهكذا تعمل على تطوير البيئة وتحريرها من قيودها فتساهم في بناء ملكوت الله.

    إن المنظمة كما يحددها الدليل:” هي جماعة من الشباب من بيئة واحدة وقد وعوا مسؤولياتهم ورضوا برسالتهم وتبنوها. هم شباب يربطهم حب واحد وصداقة واحدة للمسيح، أرادوا إن يشتركوا معا في تهيئة نفوسهم بالصلاة والخدمة والجهاد”. فهي تدعو إذا الطلاب الذين تجد فيهم استعدادا لتلبية نداء المسيح في إن يكونوا رسلا له في محيطهم

      فتخرجهم من جو اللامبالاة وتنمي فيهم روح المسؤولية وتخلق منهم طلابا يعيشون ايمانهم كاملا فيكونون لإخوانهم نورا يضيء وملحا يصلح وخميرة تخمر العجنة، وهكذا تساعد على تغلغل الإنجيل في المحيط الطلابي وتمهد الطريق لدخول المسيح فيه.

    وتتبنى الشبيبة الطالبة أسلوب: انظر، احكم، اعمل. وتحاول إن تحقق أهدافها بواسطة منهج العمل ومراجعة الحياة والتأمل في الإنجيل. ففي كل اجتماع يحاول المجاهدون في المنظمة إن ينكبوا على دراسة لمشكلة من مشاكل الحياة فيسلطون عليها نور الإنجيل ويستخلصون منها مقاصد العمل. وفي مراجعة الحياة يستقون أحداثا من صميم الواقع الذي يعيشونه فيحاولون إن يكتشفوا على ضوء الإنجيل قيمة الأحداث ليتسنى لهم إن يتخذوا منها موقفا مسيحيا. وفي التأمل بالإنجيل يحاولون إن يعكسوا تعاليم المسيح على حياتهم الشخصية وحياة زملائهم.

الشبيبة المزارعة المسيحية J.A.C

    حينما اجتمع العمال في منظمة توجه طاقاتهم الرسولية نحو المحيط العمالي، وحين انشأ الطلبة حركة يجدون فيها منفذا لغيرتهم الرسولية في المحيط الطلابي. كان لابد للشبيبة المزارعة والفلاحية إن تحذو خذوهم وتتكاتف معهم في أفق الفلاحة والزراعة لجعل المسيح محور حياتها اليومية. وهكذا تأسست “منظمة الشبيبة المزارعة المسيحية” سنة 1929 لإعادة جذوة الإيمان وحب المهنة إلى الشباب الفلاحين ومكافحة النزوح إلى المدن.

    “فالشبيبة المزارعة” حركة رسولية تتجه إلى جميع المزارعين من كلا الجنسين، وغايتها تكوين مزارعين مستعدين إن يفهموا ويعيشوا إيمانهم المسيحي وسط المشاكل اليومية، المؤقتة أو المزمنة، في حياتهم الفلاحية، لاشك إن إمكانيات الطلبة أغزر واطلاعهم على احتياجات الكنيسة أوسع إلا إن إخوتهم المزارعين ليسوا اقل متهم سخاء إذا ما اقتنعوا بمسؤولياتهم المسيحية ؛ فهم الرسل الأصليون لزملائهم وهم  وحدهم يتقنون اللغة التي يجب إن تعبر خلالها مبادئ الإنجيل إلى رفاق الحقل والحراثة والحصاد.

    إن هذه الحركة الفلاحية ليست رسولية دينية فحسب، بل تهتم أيضا بثقافة أعضائها المهنية والإنسانية وتمل لزيادة معلوماتهم في سائر المجالات الحياتية وتطوير سبل مهنتهم متخذة الوسائل الفعالة لتستجيب إلى مختلف ميول المزارعين، وهكذا نشأت في حضتها سنة 1962 ثلاثة فروع أخرى تلاؤم اختصاص المنتمين وهي فرع الشبيبة المسيحية لمنتسبي المهن الزراعية وفرع الشبيبة المسيحية للمهن اليدوية والمصالح الصغرى وفرع الشبيبة المسيحية المزارعة للمهن الصناعية.

الليجيو ماريه (الأخوية المريمية)

    حركة رسولية أخرى نبتت في تربة ارلندا سنة 1921 عندما أحاطت نخبة من الشباب بتمثال العذراء وسيطة جميع النعم إحاطة الهالة بالقمر، مستلهمة السماء عما يمكنها فعله لنشر ملك المسيح وإيصال إشعاعه إلى كل حي ومنزل. ومنذ ذلك الحين نشأت بين مريم ومنظماتها رباطات الأمومة وتراصت الصفوف حول “موزعة النعم” وكأنها جيش روحي جرار كلمة سره “مريم والرسالة” وشعاره العمل الحثيث لربح الجموع للمسيح بواسطة أمه القديرة.

    إن اللجيو ماريه منظمة علمانية غايتها وبنيانها روحي محض وهي تدعم القوى الأخرى العاملة في الكنيسة لجعل الإنجيل دستورا لحياة المسيحيين وجعل الإيمان الكنز المتوارث اقتناعا شخصيا مكتسبا، تنعكس أضواءه على الحياة اليومية والعلاقات والتفكير. فالإشعاع المسيحي لا يتم إلا بنسبة هؤلاء “العلمانيين الفضلاء المستنيرين ألثابتي العزم ذوي الإقدام والجرأة الرسولية الحية”. حسب قول البابا بيوس العاشر.

    تمتاز اللجيو ماريه بدقة تنظيمها ومناهج أعمالها الرسولية وتوجب على كل أعضائها، كفريضة جوهرية رئيسية، إن يقوموا كل أسبوع بعمل رسولي نشيط ويؤدوا عنه حسابا في اجتماعهم الأسبوعي. والمشاريع الروحية التي تتبناها الفرق المريمية تختلف باختلاف البيئات فهناك فرقة تعمل في الإنعاش الروحي لمنطقة معينة واخرى تختص بزيارة المرضى والفقراء. هذه تتفانى في سبيل إدخال التعزية والثقة إلى قلوب السجناء وتلك تجاهد لانتشال المغرورين من الحانات والمواخير الليلية، وتلقي بذور الصلاح بنشر الكتب الصالحة، أنها كلها تسعى لرفع المستوى الروحي إلى صعيد من الكمال اسمي وتهدف إثارة الاهتمام الجدي بالمواضيع الدينية، جاهدة إن تحقق الأمنية التي تطلقها حناجر أعضائها كل يوم:” امنحنا يا رب إيمانا جريئا يدفعنا إلى إن نباشر ونحقق بلا تردد أعمالا جليلة لأجل الله وخلاص النفوس”. وينتمي إلى المنظمة المريمية في مختلف أنحاء العالم أكثر من عشرين مليونا.

لجان التعليم المسيحي

    بجانب هذه المنظمات المتجهة صوب الشباب نمت حركات أخرى للاهتمام الديني بالأحداث والفتيان نذكر منها لجان التعليم المسيحي التي نشهد منها في بعض مدننا العربية كبغداد وحلب والموصل وبيروت. إن أعضاء هذه اللجان شباب وفتيات متطوعين يسترقون من أوقات راحتهم وعطلهم الأسبوعية أو الصيفية لتلقين أصول الدين المسيحي للأولاد الذين لم يحظوا بتعليم ديني في مدارسهم وإعدادهم للمناولة الأولى.

    أنها لرسالة جليلة تشيد الأسس لمسيحية واعية. وتتضاعف ضرورتها في بلاد الرسالات حيث الكهنة لا يستطيعون ذلك والمسافات شاسعة.

فرق السيدة للعيال المسيحية FOYERS  N. D.

    تجاه خطر الانكماش وصعوبات الحياة وتجاه التفسخ الذي ينخر في المجتمع نخرا اتحدت بضع  عشرات من العيال منذ سنة 1947، تحت  راية مريم شفيعة كل العوائل  في فرق منظمة كي تعمل متكاتفة لتحيا إيمانها المسيحي.

تتكون كل فرقة من 4 إلى 6 عوائل تختار إحداها كمسؤولة عن الفرقة كلها. وقبل إن تدخل العائلة في صلب الفرق تقضي سنة تمهيدية قبل إبراز وعدها. أما عدد العيال المنتمية إلى هذه الفرق سنة 1965 فهو 12…عائلة منتشرة في 32 بلدا ويديرها مجلس رئاسة مكون من كهنة مرشدين وعوائل. ومن أهم واجبات العوائل المنتمية إلى الفرق القيام برياضة روحية سنوية وتلاوة صلاة مشتركة في العائلة وذلك علاوة على حضور الاجتماع الشهري الذي يستهل عادة بغداء مشترك في إحدى العوائل. وبعد الغداء يتلو المجتمعون صلاة مستقاة أو مستوحاة من المزامير والليتورجيا  على نيات الكنيسة وعلى نياتهم الخاصة  ثم يجلسون لتبادل الآراء على ضوء حياتهم العائلية ومتطلبات إيمانهم المسيحي أو التعمق في روحية الأسرة. ويتطرقون في السنين الثلاث الأولى إلى المواضيع التالية: الزواج المسيحي وهبة الحياة وسبل الاتحاد مع الله. وهكذا تجد العائلة  المسيحية الأبعاد الخلقية بدعوتها السامية وتحقق رسالتها كمركز حرارة واشعاع لمبادئ الإنجيل.

أمنيتنا

    أمنيتنا هي إن نرى مثل هذه الحركات الرسولية وغيرها تنتشر في أوساطنا المسيحية الشرقية. وليسمح لنا إن نوجه إلى شبابنا النداء الذي قاله البابا بيوس الثاني عشر لإحدى فرق الشبيبة: “ولكي تستطيعوا القيام بهذه المهمة – مهمة بث روح المسيح في ميادين الحياة – كونوا انتم أنفسكم متشبعين بهذه الروح وعائشين من مائية حياة يسوع بتقدمكم المتواتر من الأسرار وملازمتكم الصلاة. كونوا راسخين في عقيدتكم وطائعين لكل من أقامه الروح القدس على رعاية كنيسة الله.

    وهكذا تصبحون وسط شبيبة بلادكم هذه الخميرة التي تخمر العجنة كلها باختلاطها الكامل معها.

                                         الأب جرجس القس موسى

Advertisements