صراع مع النعمة

صراع مع النعمة

جوريس كارل ويسمانس

                              (1848 – 1907)

        في صباح 28 أيار 1891 دخل كنيسة مار توما الاكويني، في باريس، رجل طويل القامة، عريض الكتفين، غريب الأطوار، مقطب الجبين وبادر الكاهن قائلا له مع قليل من الدهاء: “جئت أسالك” بياضا “لابيض به نفسي، فهل لك أن تجيب طلبي؟”

       نظر الكاهن إلى هذا العملاق الذي تبدت ملامح الكهولة على وجهه وقرا على محياه قلقا باطنيا عميقا دفعه إلى اتخاذ هذه الخطوة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على رغبة ملحة في الإيمان.

السنون الأولى

    من هو هذا الرجل الذي أتى ملتمسا عطف الكاهن في مثل هذه الساعة المبكرة، بعد القداس الإلهي؟

–         انه جوريس كارل ويسمانس.

       ولد في باريس في 5 شباط 1848 من أب فنان، هولندي المنشا والجنسية، اسمه كودفروا ويسمانس كان قد نزح إلى عاصمة الفن والجمال ليلتحق بزوجته الفرنسية مالفينا بادين، حفيدة فنان بارع آخر نال جائزة روما للنحت. فلا عجب، والحالة هذه، وان ورث الصبي من والديه محبة الجمال بكل مظاهره وألقى بنفسه المرهفة بين أحضان الفن.

     ولقد ورث جوريس من والده شيئا آخر لازمه طيلة حياته، هو التشاؤم. وكان قد بلغ هذا التشاؤم حدا كبيرا عند كودفروا بحيث اعل صحته واقعدة عن العمل، فسبب ذلك متاعب جديدة للعائلة إذ أمست بلا معيل، ونشبت بين الزوجين التعيسين سلسلة من المشاجرات انتهت بموت كودفروا.

     كان لذلك الموت المبكر الذي طوى رجلا عاش يائسا ومات يائسا، أسوأ الوقع على قلب فتى أمسى بين عشية وضحاها فريسة أهواء أم قاسية، ومما زاد في الطين بلة هو زواج ثان عقدته الارملة المتعطشة إلى الحنان، بعد بضعة أشهر فقط من وفاة زوجها الأول، فكظم الصبي ألمه وعاش منكمشا على ذاته مبتعدا عن صخب اقرأنه في المدرسة.

      بعد الدراسة الابتدائية دخل جوريس معهد لويس الكبير ليتلقى علومه الإعدادية هناك. وعلى أمل الشهادة التي ستمكنه من خوض معركة الحياة   انكب على كتبه يلتهمها بنهم وهمه الوحيد أن ينال قصب السبق بين أقرانه. ولقد تفوق عليهم، لا في ترؤسه الصلوات حسب، بل في دروسه كلها أيضا وخاصة الشعر، فكان يحفظ على ظهر قلبه عشرات القصائد ويتلوها بحماس أمام أساتذته الأمر الذي جلب عليه نقمة بعض الطلبة واستهزاء البعض الآخر، كيف لا وهم يرون أنفسهم لوطا منزلة من هذا اليتيم المعدم الذي لم يتسن له أن يلبس بدلة جديدة، بل كان يرتدي ثياب أخواله التي هجروها، ولا أحذية سوى المرقعة.

     بعد ذلك الجهد تزود الطالب الذكي بشهادة البكلوريا وبدء حياته العملية في إحدى دوائر وزارة الداخلية الفرنسية. ولكن سرعان ما ناداه العلم المثلث الألوان في تموز 187.، فانضم إلى قوات بلاده في الحرب الألمانية – الفرنسية.

 أديب وفنان

     غادر جوريس ويسمانس ساحة الحرب بعد أن ترك تقهقر جيشه جرحا بليغا في جبين عزته الوطنية، وانصرف إلى الفن مقتفيا خطوات أبيه وجده في هذا المضمار، فكان يتنقل من متحف إلى متحف ليبحث عن نماذجه، وكانت لوحته الرمزية تعكس أسلوبه الأدبي الزاخر بالألوان الشعرية الجريئة.

      إن من قراء كتب ويسمانس، وخاصة الأولى منها، لا يسعه إلا أن يتذكر اميل زولا الكاتب الماجن، الذي ذهب في تصويره دقائق الأشياء إلى أقصى حدود الواقعية العارية من كل ظلال، لا جرم في ذلك  فان ويسمانس تلميذ لزولا، وفضلا عن ذلك فان قلبا سريع التأثر كقلب ويسمانس كان المأوى الأمثل لرومانطيقية القرن التاسع عشر.

يقظة الضمير

      ولكن ويسمانس مل هذه الواقعية السافرة واستيقظ من أحلامه الخيالية، فوجد نفسه جريحا يتخبط في حماة الأهواء وقد سقط في مزالق اللحم والدم، فهتف من عمق ليلة الدامس في الكتاب الذي نشره سنة 1884 بعنوان “رأسا على عقب”: “يا رب ارحم مسيحيا يتردد في إيمانه، ارحم جاحدا يروم العودة إلى الإيمان، ارحم محكوما عليه بالإشغال الشاقة يبحر وحيدا في دجنة ليلة حالكة، تحت سماء كالحة، انطفأت عنها منارات الرجاء. “ومن ذلك اليوم هجر مدرسة زولا” لان لم يعد يطيق السير في الدرب الملطخ بأبشع أنواع الأهواء البشرية التي يرتشفها روادها بطمأنينة، لا يبكتهم ضمير ولا يردعهم رادع”.

     في هذا الكتاب الذي كان دليلا واضحا على يقظة ضمير الرجل، ينجلي لنا يأسه من الحياة التي خدعته وهوت به إلى حضيض المادة “فألقى نفسه ظمآن إلى اللامحدود في مجتمع لم يعد يؤمن إلا بالمحدود” حسب قول صديقه باربي دورقيلي الذي وصف كتاب ويسمانس “رأسا على عقب” “بحقل محصور لم يبق فيه إلا جذور الصليب”.

     إن هذه الجذور نبت”.أورقت عندما وجدت مياه النعمة إليها مسلكا، تماما كما تمتد أغصان الكرمة يانعة متمايلة بعد أن ينقضي نصف عمرها وكأنها عيدان مبعثرة لا خير فيها يرتجى.

    “يائس يجهل ذاته”. أنها الكلمة الوحيدة التي تنطبق على واقع ويسمانس آنذاك، فقد كان بالحقيقة يجهل نفسه ويجهل أين بلغ به طريق الحياة لان البصيص الذي اكتحلت به عيناه لم يدعه يرى سوى الأوحال التي اكتنفته منة كل جانب.

إن النار الخامدة ما أن تلفحها أنفاس لهواء حتى يشعر أوارها، ما حدث ليسمانس، فانه بعد أن خمدت جذوة إيمانه سنسن طويلة استيقظت نفسه ظمأة إلى الحياة وبهرتها أنوار المسيحية” لأنه تعشق جوها المعبق بالبخور وأخذت حبات فؤاده بمزاميرها وترانيمها.

     ولكن الكنيسة وان استهوته، إلا أنها أرعدت فرائصه أيضا في آن واحد: استهوته لأنه رأى فيها الدواء الوحيد لإسقامه والملجأ الحصين لهمومه والمعقل الآمن ضد هجمات العدو. ولكنه هابها من اجل الصراع الذي تتطلبه من قلب أن يستقر بين أحضانها، لان ويسمانس لم يكن ليرضى بالحلول الوسط. انه يتوق إلى الإيمان بيد أن هذا الإيمان يدعوه إلى إجراء تغيرات جذرية في حياته، فقد قال في كتابه “على الدرب” الذي ضمه قصة اهتدائه: “لو أمنت واعتنقت الكثلكة لا يمكنني أن ارضي بإيمان فاتر وسطحي لا تدفئه سوى أنفاس غير زائفة. إن الحلول الوسط والمهادنات لا تروق لي ويا لتعسي لو اسمررت انتقل من المجون إلى التناول ومن فترات دعارة إلى لحظات تقوى، اجل على أما أن اقلب حياتي رأسا على عقب أو ابقي لا أحرك ساكنا”.

متهتك تائب يتعشق الليتورجيا

     في مساء ذات يوم   بعد نهار قضاه ويسمانس بالتسكع في الشوارع لقتل الوقت وإبعاد الكرب عن نفسه المتعبة، دخل منهوك القوى إلى كنيسة سان لويس الشهيرة لينال قسطا من الراحة ويصلي بصمت، بعيدا عن ضوضاء باريس ومغرياتها، فجلس في زاوية معتمة ينصت إلى مزمور المساء “من الأعماق صرخت إليك يا رب” فإذا به يسمع نفسه تئن مع ذلك “اللحن البطيء الذي تتناوبه أصوات تحت قباب المعبد الشاحب”.

     في غضون سنة 1892 كان دورتال وهو الاسم الذي انتحله لنفسه في كتابه “على الدرب” يرتاد عددا كبيرا من كنائس باريس ويقضي فيها ساعات طويلة واجما يصلي ويشترك من بعيد في الحفلات الطقسية فيتذوق عذوبة الليتورجيا التي يشبهها “بعكاز سحري تتوكأ عليه نفسه”. إننا لا نعجب من ذلك فان شخصا أولع بالفن كويسمانس لا يمكنه أن يمر أمام الهياكل التي تتحدى الأجيال، دون أن يعير اهتماما لما تحويه بين ثناياها من ضروب النحت والتصوير والهندسة، ولابد لنفسه المتعطشة إلى غذاء روحي دسم أن تقتات من”موائد الليتورجيا”.

     وقد خص ويسمانس إحدى هذه المعابد بمحبته وهو معبد الراهبات البندكتيات في شارع “مسيو” حيث شعر لأول مرة بشوق إلى التناول عندما رأى أمامه صفوف الراهبات يتقدمن ويتقبلن خبز الحياة، فقال في نفسه:” لو أكلت أنا أيضا من هذا الخبز لعدت إلى الحياة!”.

صراع هائل

    تحولت حياة ويسمانس إلى صراع مستميت بين النعمة والشيطان، بين قوى الخير والشر. انه يكافح بلا هوادة” ليهدم حصن الخطيئة” الذي يقف عقبة كأداء في مسيرته نحو المسيح ولكن أني للمسكين أن يخرج بمجرد رغبات ومقاصد من الديجور الذي يتخبط في ظلماته منذ صباه. عليه أن يجابه العدو بقبضة المصارع ويتدرع بإرادة فولاذية لئلا يباغته المارد من حيث لا يدري.

    في العراك الهائل كم من مرة هوى ويسمانس إلى الحضيض مثخنا بجراحات دامية، لان أهواءه العارمة كانت تراوده في كل مكان وتعيد إليه لذة لياليه الفاجرة، فتقوده قدماه، من دون مقاومة، إلى بيوت النساء اللواتي  لعبن بقلبه وعبثن بحياته، ولكن سرعان ما تتخمه كاس إغرائهن فيعود أدراجه تنتابه سهام الندم إلى أن يأتيه النعاس فتتقاذفه الأحلام مرعبة… ويستيقظ الرجل الحائر ليقضي من جديد بضع ساعات في الكنائس يناجي ربه بقلب منكسر ويسترحمه على حياته الخاطئة ساردا وقائع ليله السابق أمام ساكن القربان ليقبل توبته ويدفئه بنظرة من حبه. إلا انه ما أن يودع الكنيسة حتى تتبخر مقاصده كما صرح هو نفسه: “إني اضطرم حماسا في الكنيسة ولكن عزيمتي تفتر حين خروجي إلى رواقها لتتجمد عند مغادرتي إياها”.

    كانت عوامل اليأس والرجاء تتناوب ويسمانس في تلك الفترة المضطربة من حيته، فينتقل من الكنيسة إلى الأرصفة ومن خلوة المعابد إلى صخب العاصمة اللاهية   يهيم على وجهه في شوارعها الطويلة مدة ساعات، ولكنه كان من وقت إلى آخر، يلقي نظرة حنان وثقة بنوية على مريم أم الرحمة وملجأ التائبين فيدعوها بعينين دامعتين: “يا من لم تقومي بمعجزة واحدة في حياتك الأرضية، ما أغزر عجائبك اليوم. أنت ضياء الصلاح الذي لا تدركه الظلمة، أنت ملجأ لمنكسري القلب، يا مريم أم الرحمة والشفقة”.

خطوة جريئة

     إن العذراء لا تخيب أمل قاصديها ولم يسمع قط أنها نبذت من التجأ إليها، لذا أصبحت لحياة ويسمانس نجمة هادية وإما ساهرة تقود خطواته المتعثرة، فألهمته أن يتجه إلى كاهن يرشده وينير دربه الوعر هو الأب مونييه P.Mugnier، والأب مونييه كاهن فاضل ذو حياة روحية عميقة “ووجه متزهد ونفس اقرب إلى السماء منها إلى الأرض” حسبما تخيله ويسمانس في اللقاء الأول.

    بعد مدة طويلة عن لويسمانس أن يعود إلى صديقه الكاهن، فسار بخطى بطيئة قاصدا منزلة وهو يتساءل في ذهنه عما سيقول له الرجل تجاه ما تراكم على ضميره، هو المتحرر الطليق الذي لم يلجم عنان حواسه وثورة جسده الملتهب. أيخضع لأفكار شخص لا يعرف منه سوى عينين صارمتين وابتسامة داهية تسبر عمق كيانه؟ توقف الكهل المارد ورفع قبضته ليطرق بابا عتيقا نبت على جوانحه الطحلب، ولكن دقات قاله تسارعت ولم تطاوعه يده فعاد القهقرى كالفارس المغلوب.

    على إن النعمة لم تتركه ينزلق مرة أخرى في ظلماته الحالكة، فخيل له إن عيني الكاهن تحدجانه وقرا فيهما التأنيب تارة والرقة والحنان طورا. وبعد صراع داخلي مرير كانت الكلمة الأخيرة لعنصر الخير الكامن في هذه الإرادة التي زعزعت كيانها هجمات العدو المتكررة. وعاد أدراجه وقد أعياه التعب. وبينما هو في الطريق تزاحمت عليه الأفكار ثانية واخذ يحوك الحجج تلو الحجج لتبرير عودته إلى الكاهن بعد هجر طال أمده.

    وتوقف فجأة أمام منزل الكاهن وأقصى عنه مخاوفه وقال في نفسه: “علي أن أكون صريحا، فذلك أولى. سأقول له دون تردد: “هوذا سبب مجيئي: إني أتيتك مسترشدا، إلا إني لست عازما على إتباع إرشاداتك. إني بحاجة ماسة إلى التحدث إلى غيري وإطلاق العنان لنفسي، ولذا استحلفك أن تتصدق علي بساعة من وقتك”    عندئذ قرع الباب قرعات خفيفة وكأني به لا يريد إشعار الأب مونييه لئلا تلتقي عيناه بعيني الكاهن الفاحصتين، وبلمح البصر ظهر شبح الشيخ الوقور على الباب واستقبل التائب ببشاشة ولطف. وبعد الاستماع إليه طويلا ناوله رزمة من الكنب الروحية كغذاء لنفسه الظمأى وأشار عليه بمعالجة أسقامه وتصوراته الشائنة بالصلاة كل صباح وكل مساء وأوعز إليه أن لا يكف عن التردد إلى الكنائس، وخص بالذكر منها مزار سيدو الانتصارات الواقع في قلب الحي التجاري، لان هذه الكنيسة تعج بالمصلين فور فتح أبوابها وتظل غاصة بالمؤمنين إلى حين إغلاقها. ومثل هذا الجو، حيث مشعل الإيمان لا ينطفئ ودموع الشموع لا تنفك تسيل مع عبرات الخطاة الباكين على آثامهم، لا بد له من أن يلين في صلاة خاشعة أكثر القلوب صلابة.

     وقبل أن يودع الكاهن زائره القلق، وعده بان يطلب من اجله صلوات راهبات محصنات كي يساعدنه على حمل صليبه الثقيل وغادر ويسمانس الدار وهو يردد في ذهنه كلمات الكاهن الأخيرة التي قالها وهو يوصد الباب قبل أن يعود إلى خلوته: “اذهب بسلام وقلل من عدد خطاياك”.

إلى دار الاستراحة

     تكررت زيارات ويسمانس للكاهن الذي اخذ نفسه بحكمة ودراية، وقد تم التجاوب بينهما. وبعد مدة طويلة رأى الأب مونييه إن الوقت قد حان ليرسل ويسمانس إلى مصح روحي ليرحض في نفسه الملوثة ويلبس ثوب البرارة خلعه منذ أمد بعيد، فكتب إلى رئيس دير سيدة اتري للرهبان السكوتيين يطلب إليه السماح لويسمانس في قضاء رياضة تستغرق أسبوعا في ديره. والمعروف إن أديرة السكوتيين تخصص جناحا كاملا للمرتاضين كهنة كانوا أم علمانيين.

    وفي انتظار الجواب، اخذ ويسمانس يتذرع بحجج واهية لدعم موقفه السلبي من عرض الأب مونييه: “إني لا استطيع مطلقا أن أعيش في الدير حيث لا ياكل ساكنوه إلا بقولا مطبوخة بالزيت أو بالحليب”. ثم أثار المجرب في مخيلته شبح الدخان الذي قد لا يسمح له أن يصعده في فضاء الدير. وارتعدت فرائصه بغتة حين تصور ذاته جاثيا أمام الكاهن ليعترف بخطاياه، لأنه لم يشك قط في أن نية الأب في إرساله إلى الدير هي أن يعترف ويتناول. أن يرى الحماة التي هو فيها غائص، فكيف يمكنه أن يقدم على هذه الخطوة، أيتقدم من سر المحبة والطهارة وهو الذي لم يترك مستنقعا إلا وألقى بنفسه فيه؟

    بيد أن الأب الوقور كان يشجع التائب ويقدم له امثولات عن رحمة الله ومحبة المسيح للخطاة التائبين فسرد له قصة المجدلية الخاطئة وقصة بطرس هامة الرسل ودعاه إلى الاعتصام بالله الذي هو احن الآباء وارحمهم وقال له بأنه هو نفسه يشعر بوهنه وعدم استحقاقه عند ارتقاء المذبح كل صباح ليقدم الحمل الطاهر محرقة إلى أبيه السماوي. وأشهر ويسمانس آخر سهم في جعبته، فبادر الأب قائلا بأنه لا يملك ذرة من حب الله فكيف له أن يختلي في دير لا هم لساكنيه سوى حب الله. فأجابه الأب بهدوء ورقة: “ولكنك أنت أيضا تملك هذا الحب بمجرد رغبتك في اقتنائه واسفك على أن لم تمتلكه بعد. انك تحب الرب لكونك تريد أن تحبه”.

     وجاء جواب رئيس الدير مرحبا بالمرتاض. فحزم ويسمانس حقائبه وتزود بعشرات الكتب الروحية والتصوفية   ثم توجه إلى خزانة الثياب ليختار له منها ما يكفي سفر سنة كاملة! ووضع في جيوب سراويله وبطانة ثيابه علبا من السكر والحلويات المتنوعة والسكاير وأعواد الثقاب وأشياء أخرى كثيرة، وأخفى الكل تحت رزم من الأوراق خوفا من أن تفتش حقائبه لدى دخوله الدير.

     واقبل المساء الأخير. وقبل أن يغلب النعاس أجفانه ركع ويسمانس أمام سريره وتمتم صلاة حارة أخرجها من أعماق فؤاده وقال مخاطبا المسيح: “إن نفسي ارض صلدة ومستنقع نتن. أنها لم تتعشق حتى الآن سوى الفساد، وقد أرغمت جسدي التعس على دفع الجزية لقاء متعها الموبوءة وأفراحها المحرمة. إن قيمتها الضئيلة حقا، لا بل ليس لها قيمة تذكر. ولكنك يا رب، إن ساعدتني هناك – في الدير – فانا موقن باني سأذللها، أما إذا كان جسدي عليلا، فلا يسعني أن أرغمه على طاعني! لأنك يارب إن لم تعضدني أنت فانا اعزل، انظر إلى ضعفي يارب… فاني إن كنت لا املك حبا خليقا بك فاني أقدم لك هذا الضعف، لأني عالم بأنه البرهان الوحيد الذي استطيع أن أقدمه لك دليلا على رغبتي وإيماني ورجائي فيك… فاعضدني إذا يارب!”.

    وفي اليوم التالي –وكان ذلك في تموز 1892- ركب ويسمانس القطار باكرا جدا وما هي إلا سويعات حتى وجد نفسه أمام باب الدير فقرعه، بعد أن تردد، بيد مرتجفة وانتظر هنيهة ظنها دهرا، وإذا بوقع أقدام تقترب من الداخل ببطء وانفرجت زاوية صغيرة من الباب، فرحب بالمرتاض الجديد وجه باش، أضفت اللحية الكثيفة على تجاعيده هيبة ووقارا. فتبعه ويسمانس في تلك الأروقة الطويلة بصمت وهو يكاد لا يصدق بأنه في دير السكوتيين بالذات. وقاده الأب إلى الغرفة التي أعدت له وهي عبارة عن قلاية حقيرة ذات سقف عال على هيئة “فوهة مدفع” حسب تعبيره، يتوسطها باب واطئ وكوة تسمح لخط من نور الشمس أن يضيء منضدة متواضعة القيت  عليها لائحة مغبرة وقد كتب عليها منهاج أيام الرياضة.

     ولما أتى المساء خرج ويسمانس إلى إحدى شرفات الدير ليطلع إلى القمر المتهادي فوق رأسه، فشعر بسلام عميق يغمر كيانه كله، فخال نفسه في “دار استراحة” روحية  وفي “ارض مقدسة”. إن كل ما في هذه “الواحة” يدعوه إلى التفكير بالله والتأمل بجماله الذي ينعكس في النجوم المتألقة وصداح الطيور الليلية المتعششه على ذرى الأشجار الباسقة، وفي هذا الصليب الضخم الذي يتموج ظله في البركة الهادئة. انه يرتفع عاليا ليضم إليه الدير وساكنيه بذراعيه المفتوحتين.

     وبعد ساعة عاد إلى غرفته وألقى بنفسه على مركعة وفاضت دموع الندم والحب من مآقيه، سكبها أمام المصلوب وهو يقول له بصوت خافت متقطع: “أيها الأب، إني قد طردت أعداء نفسي الذين كانوا يشبهون صغار الخنازير بضراوتهم فوطئوني بأرجلهم ولطخوني بأوساخهم. ألطف بي يارب، لأني عائد من بعيد، ارحم يارب شريدا يلتمس مأوى! إني دخلت بيتك فلا تطردني بل أحسن وفادتي واغسلني!”.

أنا اعترف…

     وأخيرا اقبل يوم الاعتراف المرهوب فاخذ ويسمانس كتابا صغيرا ليتعلم فيه كيف يعترف. وانتصبت أمام مخيلته وقائع حياته الماضية بماسيها، بأهوالها وأوحالها، واستعاد شريط شبابه التعيس وكهولته النتنة وكاد يغمى عليه من شدة الهول.

    كيف يقص كل هذا على الكاهن؟

   أو يمكنه أن يسرد حوادث حياته الأثيمة على رجل غريب؟

    وبكى المسكين وقال بصوت تخنقه العبرات: “يأرب، يارب، إن جرائمي لكثيرة حقا!”

    وعاد ثانية ليفكر فيما تراكم على ضميره منذ اعترافه الأول، وهالته الهوة التي سقط فيها، فجف ريقه وسال عرقه مدرارا. ونظر إلى ساعته فعلم انه لم يبقى سوى خمس دقائق لموعد مجيء الأب المعرف، فتوجه إلى الغرفة المعينة وهو يترنح ذات اليمين وذات اليسار وكأنه ثمل، وألقى بنفسه على كرسي ثم استقام فجأة كبهيمة طريدة اكتشف مخبأها وساورته تجربة الهرب ففكر في حزم أمتعته والوثوب إلى القطار. وبينما هو على هذه الحال، دخل عليه رجل حليق ترتسم الرزانة على خطوط وجهه المتزهد، وتمنى ويسمانس لو وافته المنية قبل أن يبوح بشيء له. ولكنه بالرغم من تخوفه جثا إزاءه، إلا انه ظل صامتا لا ينبس ببنت شفة.  وأخيرا حل عشيء،سانه فقال متلعثما: “إني ارتكبت كل القبائح… قد فعلت كل شيء، كل شيء!”. وانفجرت عيناه بالدموع وصمت.

ولما رأى الكاهن ذلك، أشفق على التائب المسكين وقال له:

“إن نفسك تعبة الآن ولا أود إعياءها أكثر. اذهب وعد غدا”.

وعاد ويسمانس في اليوم التالي.

    وشرع يسرد خطاياه للكاهن مبتدئا بالصغيرة كالنميمة والدينونة الباطلة والكذب والغضب. واستطرد يقول بنبرة آسفة تنم عن ندامة حقيقية بأنه ترك كل ممارسة وهجر الكنيسة وجحد الإيمان بالله منذ تناوله الأول. ثم توقف بغتة كمن يريد تجنب صفعة لأنه، بعد أن انتهى من الجهر بخطاياه العادية، انتصبت أمامه خطايا الجسد. وكانت الدموع أقوى منه فانهارت أعصابه ثانية وسكت. فهرع الكاهن إلى نجدته وساعده على متابعة قصة حياته.

     وبعد ساعة صمت على ويسمانس، شرع المعرف يرشده قائلا: “انك كنت مريضا، وكانت علتك من الأزمات بحيث وجب أن يقال عن نفسك ما قالته مرتا لعازر: “انه قد انتن”. ولكن المسيح قد اقامك الآن بعد أن دفنت حياتك السالفة”. وواصل الأب كلامه محرضا إياه إلى الاستمرار في الحرب ضد حواسه، لأنه ما زال في دور النقاهة ولم يشف بعد تماما. وحين خرج ويسمانس من منبر الاعتراف أحس براحة لم يشعر بها قط من قبل، وقضى ما تبقى من نهاره في الاستعداد للتناول وملاقاة فاديه، بعد غياب طويل في سر الاوخارستيا، سر المحبة والاتحاد، سر الغفران والرحمة.

العودة إلى العالم

    سرت قوة الاوخارستيا في عروق ويسمانس، وأولته إرادة فولاذية وسط عواصف التجربة ولم يعد النكوص أو التراجع ممكنا لان الرب نفسه اخذ قيادة سفينته: “وكان هدوء عظيم”. وبعد انقضاء الرياضة، عانق ويسمانس الأب المضيف وغادر الحصن عائدا إلى العالم وقد خلع إنسانه العتيق واخذ يعيش في ذكريات الدير.  وظلت كلمات الأب الرئيس الأخيرة عالقة في ذهنه، في مكتبة ومع أصدقاءه الأدباء والفنانين: “إن العالم ر يعتقد بان تقشفات الأديرة تفيده شيئا لأنه يجهل نمام الجهل عقيدة التعويض السري. ولا يمكنه أن يتصور بان تضحية البريء عن مجرم يستحق العقاب، هي أمر ضروري؛ فأنى له أن يفهم الرهبان الذين يتألمون من اجل غيرهم يوقفون غضب السماء ويقيمون ميثاقا ضد اتحاد قوى الشر. ما أعظم الويلات التي تهدد العالم اللاهي لو تلاشى هذا التوازن باختفاء مفاجئ لجميع الأديرة”.

     وبين أعماله الأدبية وفي الكنائس، حيث كان يقضي ويسمانس معظم أوقاته بعد رجوعه من الدير، كانت تتجدد في مخيلته صورة راهب هرم، اسمه سمعان، تقوس ظهره في العناية بماشية الدير وملاطفتها رغم أوساخها، وكان يستعيد في ذاكرته تجاعيد ذلك الوجه النسكي الذي طالما رآه مخطوفا في صلاة صامتة وعيناه عالقتان بيت القربان، فيردد ويسمانس في قلبه: “آه يارب، ما أسعدني لو عشت تحت ظل صلوات الأخ المتواضع سمعان!”.

ولي من أولياء الله يموت

     عاد ويسمانس إلى باريس لينكب من جديد على التأليف والنشر، فجند طاقاته لخدمة الكنيسة المقدسة وأصبح مسيحيا مثاليا ونبراسا هاديا لجميع أصدقائه الذين نال إعجابهم، وقربهم مثل حياته القشفة، من الإيمان الذي فقدوه. ولكن الأمراض والأسقام لم تمهله كثيرا، فقد انتابت جسمه قروح مميتة وأوجاع قاسية، احتملها بصبر وصمت مقتفيا آثار سيده على قمة الصليب. وعلى فراش الألم تذكر مقطعا من كتاب قراه إبان رياضته في الدير: “أيها الإنسان الخاطئ، انك ستموت، فكن مستعدا، اسهر وصل دوما ولا تنس العواقب الأربع الأخيرة:

“الموت الذي هو باب الأبدية،

“والدينونة التي توجهك نحو الأبدية،

“والجحيم، موطن التعاسة الأبدية،

“والفردوس، مقر السعادة الأبدية”

    لم يكن لويسمانس في نهاية حياته التي قضاها متنقلا من مصح إلى مصح، سوى أن يستعد لدخول هذه الأبدية التي ارتسمت أمامه  في الأفق، ورأى في مرضه الأخير يد الله تزين نفسه بجمال النعمة، وترصع ناج مجده السماوي بجواهر الصبر والاحتمال، حتى دهش أصدقاءه ومعارفه أنفسهم من استسلامه المطلق لإرادة الله، ورأوا فيه وليا من أوليائه.

    وفي سنة 1905 أصيب ويسمانس بالعمى، وذلك على اثر داء عضال جديد شوه جسده بالبثور. إلا أن ذلك لم يكن ليفيء الشعلة الوهاجة التي ألهبتها النعمة في نفسه، حين عادت بها من عتمة الشك والإثم إلى ضياء اليقين والفضيلة. فقد كان يردد لمن يأسف الحالة: “لعلي حاصل جمع لعملية حسابية. فمن يدري لأجل من اتالم؟” ثم يستطرد وقلبه طافح بالسرور لدى تفكيره بالقيمة الفدائية التي يملكها الألم: “إن هذا المرض وسيلة لاستحقاق النعمة”.

    ومكث ويسمانس يتألم من العمى فوق ما انتابه من الأوجاع المبرحة طيلة سنتين كاملتين، واحتمل ذلك بثقة بنوية تامة  ليعوض عن تهورات الشباب ويميت الحواس التي عبثت به يوما. وفي مستهل عام 1907 بلغ المرض أوجه واخذ الانحلال يدب في جسمه فتهرأت شفتاه ولم يقوى عللا ابتلاع الطعام مطلقا لما صار إليه الفم من تشويه، وقطع كل أمل من شفائه. وبعد أسابيع من تلك الحالة المؤلمة تزود بالأسرار الأخيرة لتسنده في سفره الطويل، وفي إحدى أمسيات الشتاء القارس من سنة 1907 اسلم ويسمانس نفسه بيد خالقها بثبات وثقة.

    بموت جوريس كارل ويسمانس، توارى وجه نير من جوقة ابناء النعمة بعد أن صار مثالا رائعا للتائبين وصوتا يشدو بمراحم الله ورغبته في خلاص الخطاة، فكم من نفس قلقة وجدت السلام في قراءة كتبه، وكم من خاطئ، أوشك أن ييئس من رحمة الرب، اهتدى بنور حياته وسار على خطاه نحو ينبوع الرحمة ومعين المحبة

                                     الأب جرجس القس موسى

Advertisements