لوثر وحركة الإصلاح

        لوثر وحركة الإصلاح

إن الحوادث التاريخية، مهما كان مقياس أهميتها، لا تقع فجأة كما تقع النيازك من السماء، بل هناك أسباب بعيدة أو قريبة تهيؤ دخولها مسرح الوجود، ومعرفة الظروف المعاصرة أو المحيط الذي فيه نمت فكرة أو حركة تلقي أنوارا كشافة لفهم الأحداث فهما واقعيا موضوعيا لا تحيز فيه.

ذلك هو الواجب أن نسير عليه في بحثنا لنهتدي إلى الأسباب الموجبة “لحركة الإصلاح” التي وسمت كلا التاريخين الديني والمدني بطابع جديد. وبما أن البروتستنت – ومعنى الكلمة “المحتجون” على الأوضاع القائمة – ظهروا أول الأمر في ألمانيا، نرى لزاما علينا معرفة جو هذا البلد في تلك الحقبة دينيا وسياسيا واجتماعيا، لأنه لم يكن إلا صورة تعكس ما كانت عليه سائر دول أوربا.

امة في فوضى…

كادت عجلة التاريخ تطوي القرن الخامس عشر ووضع ألمانيا السياسي والاجتماعي يرثى له: امة بلا رأس مدبر تنازعها مطامع الأمراء الإقطاعيين الجشعة وتتقاذفها أمواج الفوضى، الطبقة العاملة تغلي كالبركان ضد أسيادها من ذوي ألقاب الدوق والكونت وقد أمسى الشعب الألماني بأسره. والحق يقال، جماعة من الثوار الحاقدين خوذهم على رؤسهم ومطارقهم بأيديهم ليحطموا الأمراء والأساقفة والكهنة وشعارهم قوة الفتك التي تقول: ” اليوم أقوياء وغدا أشلاء”.

هكذا أصبح الجميع، وخاصة المفكرون والفنانون، تهزهم رغائب جديدة ويتوقون إلى دساتير وأنظمة  للحياة أكثر ملائمة مع روح النهضة الحديثة التي اتسمت بطابع الوثنية: فعشق الناس للجمال الوثني وانزلوا الإيمان عن عرشه ليتوجوا العقل عوضه. وذهب يعظهم إلى القول بان الوحي أمر يستسمجه العقل السليم وان الكنيسة مؤسسة عاتية لم يعد لها حق في الحياة. واخذوا يسخرون من الكهنة والرهبان وجعلوهم أضحوكة في كتبهم وموضوع مزاح في محادثاتهم.

غيوم قاتمة في سماء الكنيسة

لازال الإيمان راسخا – وان سطحيا – ونسخ الكتاب المقدس في رواج، الكنائس تزدحم بالجماهير الغفيرة لسماع المواعظ والمياتم والمستشفيات تعج بالمنبوذين وذوي الأسقام.

 بجانب هذه الأنوار الخابية كانت ظلمات قاتمة تحجب وجه الكنيسة الصحيح وتلقي عليه غشاوة من الفساد والرجعية فقد كان سواد الشعب يجهل ابسط الحقائق المسيحية ويلقي بنفسه في عالم السحر والشعوذة فكانت الاعتقادات الخرافية تلقي سوقا رائجة بين مختلف طبقات المجتمع وتزاحم العبادة لا بل تمتزج بها لا سيما فيما يتعلق بإكرام القديسين وذخائرهم وكان الفلاحون يئنون من استغلال بعض رجال الكنيسة لاسيما الأساقفة الذين كانت ممتلكاتهم الواسعة تدر عليهم الأموال الطائل فيعيشون في صروحهم عيشة البذخ واللامبالاة.

إن هذا الانحلال كان بأمس الحاجة إلى زعيم محبوت ومحترم يصلحه ويضمن للمجتمع النضوج والاستقرار في الحقلين الديني والسياسي. إلا أن المسيحية حرمت ذلك الزعيم في تلك البرهة الحاسمة. فلا الإمبراطور استطاع أن يفرض كلمته لان سلطته لم تكن سوى اسمية منذ أن تجزأت ألمانيا إلى دويلات على اثر النزاع الطويل بين الإمبراطورية والبابوية، ولا البابا قدر أن يحرك ساكنا لأنه لم يعد محبوبا كاب إذا قام أعضاء الاكليروس انسهم ينافسون سلطة الكنيسة. هذا وان كرسي بطرس يحمل باباوات بعيدين كل البعد عما أراده السيد المسيح من خلفائه. فكان منهم من تاجر بالوظائف الكنسية طمعا في حليف أو خشية من منافس، والانكى أن الانحطاط الخلقي كان قد اسر بعضهم.

 الثورة الدينية ولوثر

كانت الثورة الإصلاحية تنتظر فرصة لتندلع، وكانت الفرصة السانحة في 31 تشرين الأول 1517 في مدينة ويتنبرغ حيث كان المؤمنون يتوافدون للتبرك بمجموعة من ذخائر القديسين ولربح الغفرانات الطويلة الأمد المتعلقة بتكريمها. استفاق الناس صباح ذلك اليوم وشاهدوا على باب معبد قصر ويتنبرغ لائحة ب 95 بندا وقعها لوثر تندد بتعليم الكنيسة عن الغفرانات. وكان هذا بمثابة نداء إلى المبارزة وإعلان الحرب ليس على استغلال رجال الكنيسة لسذاجة الشعب وحسي بل على مبدأ سلطة الكنيسة بالذات.

صكوك الغفران

كثيرون يتكلمون عن صكوك الغفران وابتسامة السخرية على شفاههم لأنهم لا يذكرون سوء استعمال المبدأ من قبل بعض الرهبان والوعاظ الذين كانوا يوهمون الناس بان الخلاص صفقة تجارية. وقد تفاقم الشر عندما أرسل البابا لاون العاشر رهبانا أشهرهم الدومنيكي يوحنا تتز لجمع التبرعات لمواصلة بناء كنيسة القديس بطرس في روما لقاء غفرانات تمنح لمن يساهم في المشروع. إن الغفرانات في الحقيقة هي تخفيف العقوبات المطهرية المترتبة على الخطايا المغفورة يربحها يقوم أو يعمل من أعمال البر والإحسان بروح التوبة والانسحاق. إن رئيس الكنيسة أراد إن يكافئ المتبرعين بشيء من كنوز واستحقاقات المسيح الروحية   وليس من فائدة لتلك الغفرانات الممنوحة إن لم تلق نفسا تائبة ومستحقة. فلا العذاب الأبدي، إذا، ولا الزمني يزول بالدراهم، وليس هناك أراض تباع في الجنة بالذراع أو المتر. والبابا يمنحه الغفرانات للمتبرعين كان يحثهم أيضا على إصلاح السيرة والرجوع إلى الله بندامة صادقة، وبهذا لم يقم بعمل مناف للدين أو لتعليم إباء الكنيسة.

إنني لا أخال لوثر نسي ذلك إلا أن واقع ناشري الغفرانات كان يدعو إلى الاشمئزاز وهذا هو ما حدا به إلى إنكار حق البابا بمنح الغفرانات رغبة منهفي استئصال حبل المبالغات وتحرير المؤمنين من نير روما كما كان يعظ: ” لماذا لا يبني البابا كنيسته بدراهم خزينته التي تفوق بغناها أكير الأثرياء”. إن لوثر كان قد رأى شيئا من بذخ البابوية لدى زيارته روما كحاج متواضع. أما بخصوص التبرير فكان يقول: ” إذا ندم المسيحي ندامة حقيقية على خطاياه فله الحق أن ينال مغفرتها دون اللجوء إلى صك الغفران”. لو توقف لوثر هنا لكان خير مصلح لأخطاء العصر إلا انه تعدى ذلك إلى القول ببطلان الأعمال الشخصية وأنكر مبدأ الثواب.

 راهب شاب يتقد ذكاء وحماسا

قبل أن نبحث تطور لوثر الديني علينا أن ندرس مراحل حياته وصراعه النفسي مع ذاته.

ولد مارتن لوثر في 1. تشرين الثاني 1483 في مدينة آيسلبن من أبويين نشيطين وتقيين. وبعد أن أكمل دراسته الابتدائية بتفوق درس الحقوق في جامعة ارفرت فبرز بين اقرأنه بنبوغه وتقواه ومرحه. إلا إن حادثا فجائيا غير مجرى حياته: ذلك انه بينما كان عائدا من مدرسته إذا بصاعقة تسقط على مقربة منه فصاح مذعورا:” إذا نجتني القديسة حنة أصير راهبا”. وأنجز نذره بعد 15 يوما ودخل رهبنة الاوغسطينيين ورسم كاهنا سنة 15.7 فكان الراهب المثالي والكاهن التقي الذي تنتابه القشعريرة عند تقدمه من المذبح ليحمل على كفيه جسد ودم المسيح. وقد قال هو عن نفسه:” خلال عشرين عاما كنت راهبا تقيا أضنني جسدي بالاصوام والصلوات”. وبعد نيله درجة الدكتوراه اسند اليه تعليم الكتاب المقدس في جامعة ويتنبرغ. وكانت مواعظه ومحاضراته تجذب زرافات من المؤمنين والطلاب فأمسى، وهو بعد في التاسعة والعشرين من عمره، احد أعلام رهبنته”.

نفس قلقة تبحث…

ولكن تلك النفس الملتهبة كانت تنتابها عواصف داخلية عنيفة. وكان حلم حياة لوثر الرهبانية إن يبلغ الكمال ويحطم فيه الأهواء الثائرة. انه كان من طينة هؤلاء الرجال الذين يودون التوفيق بين إيمانهم وحياتهم. إلا أن اصوامه الكثيرة وصلواته الطويلة لم تغير طبيعته البشرية التي وصمتها الخطيئة الأصلية بجذور الأهواء والكبرياء فاستولى عليه الاضطراب بسبب تمكن “الأفكار السمجة من ذهنه والحقد على الله والكفر واليأس من خلاص نفسه” ما شد هو نفسه، وأصبح يتصور إن الحكم النهائي بالهلاك يهوي عليه في كل ساعة. وهنت أعصابه واخذ يشك شيئا فشيئا في حرية الإنسان ويعتبره مسيرا عاجزا عن أي عمل أدبي صالح وان من المحال ألا يقع في الخطيئة لأنه مسوق إليها حتما ولذا فلا ذنب له فيها لأنه دفع إلى ارتكابها دفعا.

وظل لوثر تتلاطمه الهواجس والشك من الخلاص إلى أن اهتدى إلى رسالة القديس بولس إلى أهل رومية (1: 17): “البار بالإيمان يحيا”. عملت تلك الآية عمل السحر في نفسه القلقة ولكنه تنكر لتعليم مار يعقوب القائل بان “الإيمان من دون أعمال ميت” وأعلن: “اجل لقد ولد الإنسان خاطئا بطبيعته لكن الله يبرره دون أن يقوم هو بعمل ما ويكفيه أن يؤمن فقط”.

من الاحتجاج إلى القطيعة

وصلت إنباء لوثر إلى أذني البابا لاون العاشر فأرسل يدعو أستاذ ويتنبرغ إلى التمسك بالعقيدة الكاثوليكية فأجاب لوثر باحترام: “لك أن توافق أو ألا توافق فسأعتبر صوتك صوت المسيح  وان استحققت الموت فلن ابطىء في قبوله”. كان لوثر مقتنعا من انه على حق ولم تكن رغبته في بادئ الأمر أن ينشق عن الكنيسة ولكن الأمور تعقدت فرأى نفسه بين معسكرين، معسكر يتسع يوما فيوما ويقتات من مقاطعات وأمراء وأساتذة يدينون بآرائه ويدفعونه إلى القطيعة مع روما، ومعسكر يكن له العداء ويكيد له المكائد لكونه يناهض العقيدة الموروثة. وبعد تردد طويل أعلن لوثر: “لقد ألقيت القرعة ولم يعد لي رغبة مطلقا في المصالحة مع روما إلى الابد”. واصدر بعده ثلاثة كتب تبسط تعاليمه في حرية فهم الكتاب المقدس والمطالبة بزواج الكهنة وبطلان الغفرانات. وقال أيضا بان الإنسان مسير غير مخير وخلاصه منوط بأمانه  فقط  لا بأفعاله أيضا فليقرا الكتاب المقدس لأنه الأساس المتين الوحيد لكل الحقائق، وليتبع الهام الروح القدس مباشرة دون التقيد بتعليم ما يسمى الكنيسة أو التقليد، ومن ثم، بما أن علاقة الإنسان بالله هي مباشرة، فلا مبرر للأسرار التي يعتبرها  اللاهوت الكاثوليكي اقنية النعمة. وعلم بكفاية سر العماد  وحده. أما التشفع بوالدة الله والقديسين أو تكريم صورهم فأمر مشين.

اثر ذلك دعاه البابا مرة أخرى عن العدول عن أرائه فأجاب البابا بحرق براءته أمام جمهور غفير. وحينئذ أتاه الحرم النهائي في 3 كانون الثاني 1521 وتوسع الخرق بين لوثر والكنيسة الكاثوليكية وانتشر أنصاره يدعون إلى خلع البابا ويدعون إلى ديانة فردية متحررة. أما هو فاستمر يكتب وينشر ترجمته الألمانية للكتاب المقدس وفق ما يدعم به تعليمه. وكان تلاميذه يدعونه  “رسول الحقيقة وبوق الإنجيل وبولس زمانه”. لا عجب من تلك التسميات فان لوثر كان ذا سلطة كبيرة وجاذبية كلامية وطبيعية ممتزجتين بعبقرية فذة وإرادة صلبة وحاقدة أحيانا. ووقع انشقاقه عن الكنيسة رسميا عندما خلع ثوب الرهبنة سنة 1524 ليتزوج بعد عام براهبة هجرت ديرها لتلتحق به وتنجب له ستة أولاد.

نتائج الثورة الدينية

                                                               حرب الفلاحين

إن فوضى الأفكار والمبادئ تحولت إلى فوضى مسلحة عندما نشبت “حرب الفلاحون” ضد الإقطاعيين واستبداد الملاكين. اخذ الفلاحون يعيثون خرابا في ألمانيا وينبذون كل سلطة روحية وزمنية واجتاحوا المدن وهدموا ألف قصر ودير إلا أن افتقارهم إلى زعماء أشداء مكن منهم الأمراء فنكلوا بهم وارووا سيوفهم من دمائهم. وكان لوثر يحرض على تلك المذابح في خطبه قائلا: “ألا هبوا أيها الأمراء الأعزاء وأنقذونا. أبيدوا واذبحوا”.

                                                     بعد لوثر لوثرون كثيرون

مات لوثر فجر يوم 18 شباط 1546 بعد ليلة قلقة قضاها بين اليأس والرجاء ولفظ أنفاسه الأخيرة وسط الآم مبرحة تتخللها متناقضات من الثقة بصلاح الله والحقد على أعدائه فكانت كلماته الأخيرة مسبات لشخص البابا تتناوب مع اية القديس يوحنا يرددها بصوت أجش: “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يلك كل من يؤمن به بل  تكون له الحياة الأبدية”.

ولكن لوثر لم يبق زعيم البروتستنتية الوحيد إذ تبنى مبادئه تلاميذ كثيرون وأضافوا إليها ما ألهمهم “الحكم الحر” فتعددت المعتقدات ليس في ألمانيا فقط بل في أوربا بأسرها. ونخص بالذكر من هؤلاء ميلينكتون الذي نظم البروتستنتية الألمانية ووضع أسس إدارتها وزوينكل الذي نشرها في سويسرا بعد أن خلع ثوب الكهنوت وتزوج.

                                                        كالفن في فرنسا

تغلغلت البروتستنتية في فرنسا بمساعي ارستقراطي متبحر في علوم زمانه اسمه يوحنا كالفن وضمن مبادئه في كتاب “قواعد الدين المسيحي” تلك المبادئ التي حاول تطبيقها في جنيف بسويسرا حين أصبح واليها الصارم الأحكام، لا أن الكاثوليك الفرنسيين قاوموا بكل ما أوتوا من قوة تسرب أراء كالفن ولم يفلحوا تماما فكان التخريب والقتل والتعذيب وكانت الجماجم تتكدس من كلا الطرفين. وخلفت تلك الإحداث صفحات قاتمة من أبشع صفحات الحروب الدينية. وكفانا مثالا ما دعي “بمجزرة سان برتلمي” التي أمرت بها الملكة كاترين أم ملك فرنسا شارل التاسع مساء عيد مار برتلماوس سنة 1572(1) وسقط فيها ما يقارب الألفي بروتستنتي. ولم تكن هذه المجزرة إلا جوابا غريبا على” مذبحة ما ميخائيل”. التي دبرها من قبل لتباع كالفن ضد مئات من الرهبان والراهبات والكهنة وأحرقت فيها الكنائس ونهبت الأديرة.

                                                  وهنري الثامن في انكلترا

ظهرت البروتستنتية في ألمانيا كحركة إصلاح وكذا الأمر في فرنسا، أما في انكلترا فقد كان ظهورها المباشر نتيجة لمطامع ملك أراد أن يشغل الكرسي ألرسولي. كان هنري الثمن “حامي الإيمان” ابنا خضوعا للكنيسة إلا انه تقلب في أمره عندما رفض البابا السماح له بان يطلق امرأته الشرعية ليتزوج وصيفتها فشق عصا الطاعة عليه وأرغم مجلس العموم البريطاني على الإقرار بان”الملك هو الرئيس الأعلى لكنيسة انكلترا” و” لا سلطة لأسقف روما على مملكة الانكليز”.

لكن هنري لم يمس العقيدة  بشيء، في البدء، بل اقتصر على تدمير الأديرة وقتل مناوئيه وأشهرهم المطران الطوباوي فيشر ووزير عدليته القديس توما مور. بعد موته ظلت الكثلكة بين مد وجزر إلى أن استولت على العرش ابنته اليزابيت (1558 – 16.3) فعزمت بإدارة صلبة على توطيد البروتستنتية واستئصال الكثلكة على الرغم مما لاقت من مقاومة ولم تنج من تلك الحملة إلا ايرلندا التي بقيت كاثوليكية.

     هكذا توسعت البروتستنتية على سواعد الملوك الأمراء وبسرعة هائلة انسلخت بلاد برمتها عن الكنيسة بمجرد أن ملكها بروتستنتي، وذلك عملا بمبدأ “الأمم على دين ملوكها”.

إصلاح الإصلاح

أخذت الكنيسة درسا قاسيا من الحدث البروتستنتي ودفعت ثمنه باهضا. وإذا بها تستفيق جريحة، مستنزفة الدماء وبأمس الحاجة إلى إصلاح يقيها شر هجمات جديدة. واتخذت تدابير حازمة ورشيدة لعقد مجمع مسكوني يصلح ما فسد ويضع الأسس المتينة لربيع مقبل ونهضة شاملة “وعودة إلى الينابيع” كما يقال اليوم. وعقد المجمع في مدينة تورنتو في ايطاليا  وسمي بالمجمع التريدنتيني. استمر هذا المجمع 17 سنة مواصلا عمل جمع غفير من الأساقفة الذين كانوا قبل انعقاده بغير قليل قد باشروا تجديد نظم كنائسهم. ووجدت سفينة بطرس ربان في شخص البابا بولس الثااليوم. التجديد يجب أن يبدأ من الداخل، من روما قلب الكثلكة، فشن حربا إصلاحية حقيقية على بلاطه أولا ثم شكل “لجان الإصلاح”(2) وبذلك تيسر للمجمع أن يعمم النهضة الدينية على أسس عقائدية وكتابية متينة. ولا زالت مقررات هذا المجمع نافذة المفعول حتى اليوم.

                                                         النهضة الخلقية والنظامية

تمخض المجمع التريدنتيني  من الناحية العملية عن إصلاحات جمة منها انه حدد مسؤوليات الأساقفة وذكرهم بأنهم رعاة مؤتمنون على قطيع المسيح وعليهم أن يتفانوا في خدمته تاركين جانبا السياسة وحب المال وفرض عليهم الوعظ وزيارة رعاياهم والإقامة في مراكز أبرشياتهم. كما أمر المجمع بفتح مدارس اكليريكية لإعداد الكهنة بالعلوم الدينية والفلسفية والطبيعية وبهذا أجاب إلى إحدى أمنيات كالفن. وأوصى الكهنة، شركاء الأساقفة في حفظ وديعة الإيمان، أن يشرحوا التعليم المسيحي للمؤمنين مستندين على الكتاب المقدس والأسرار والليتورجيا. وعمت هذه النهضة الرهبانيات التقليدية التي كانت أحوج ما يكون إلى تجدي. ولمعت في سماء الكنيسة نجوم شهب قادت الحركة الإصلاحية بحكمة منهم البابا القديس بيوس الخامس منفذ قرارات المجمع التريدنتيني، والقديسة ترازيا الكبيرة والقديس يوحنا الصليبي مجددا الكرمل ومنشطا الحياة التأملية. أما  أهم الرهبنات التي انبثقت عن تلك النهضة فهي التي أسسها القديس اغناطيوس دي لويولا  باسم الرهبنة اليسوعية وغايتها رفع مستوى المسيحيين الديني والتبشير بالإنجيل في البلاد النائية أسوة برهبنة الدومنيكيين والفرنسيسكان. ولا زال اليسوعيين إلى اليوم في طلائع متطوعي الإنجيل تأوي معاهدهم وجامعاتهم المنتشرة في اغلب أقطار العالم بضعة ألاف  من خيرة الشباب الذين يصبحون، بفضل أساتذتهم، رواد بلادهم دينيا واجتماعيا وعلميا.

كلمة لا بد منها

قد توخينا في هذا البحث الأمانة التامة للواقع التاريخي فذكرنا، دونما تحيز، الأخطاء التي ارتكبها الكاثوليك والبروتستنت على حد سواء، ولمسنا أن المحبة التي جعلها المسيح وصيته العظمى والأخيرة ثلمها كلا الطرفين وكلاهما اشتركا في تمزيق ثوب المسيح: البعض بصلابتهم  وعدم تفهمهم والبعض الآخر بجهلهم وتماديهم، ويضاف إلى هذه العوامل عوامل غيرها كان للسياسة والمطامع الشخصية وسوء الإدارة قسط وافر جدا فيها. والكنيسة الكاثوليكية، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تشعر بهذا الألم وتعترف بتوزيع المسؤوليات. وبهذا تفتح عهدا مسكونيا فريدا دعائمه المحبة والصفح ونسيان الماضي، لان ما مضى قد مضى وعلينا الآن أن نبني للمستقبل كما قال مار بولس: “لننسى ما ورائنا، ولنمتد إلى ما أمامنا، ساعين إلى الهدف، لأجل الجعالة التي دعانا الله لإحرازها في المسيح يسوع (فيليبي 3: 13 – 14).

إن كلمة البابا بولس السادس للمراقبين في المجمع الفاتيكاني الحالي أجلى برهان على ما تقول:” إننا نستمد المغفرة من الله بتواضع عن الأخطاء التي تنسب ألينا في هذا الانقسام ونتلمس الصفح من الإخوة الذين يشعرون بننا أسانا إليهم. ونحن مستعدون أن نصفح عن الاهانات التي احتملتها الكنيسة الكاثوليكية”.

اجل، لو كان بولس السادس ذو البصيرة الثاقبة أو يوحنا الثالث والعشرون ذو القلب الكبير يدير دفة الكنيسة، عوض المتردد لاون العاشر، لما صار ما صار. لو تحقق الإصلاح التريدنتيني قبل وقوع الكارثة لما تمزقت المسيحية الغربية إلى شطرين. ولو جعل لوثر ذكاءه وكالفن مواهبه في خدمة إصلاح سلمي لا ينال من العقيدة لكنا بغنى عن هذا التجزؤ الأليم في قطيع يسوع.

ولكن لا نياس لان المحبة اقوي من الحقد والحنين إلى الوحدة سيتغلب على القطيعة لا محالة. فحركة إعادة الوحدة المسيحية قائمة منذ قرن أو نيف، والجو المسكوني المعاصر هو”فرصة التاريخ” و”علامة الأزمنة” ولا سبيل   من ثم، إلى التراجع لأنها إرادة المسيح أن يكون جميع المؤمنين به واحدا.

                                                    الأب جرجس القس موسى

(1)  يزعم البعض إن البابا هنا الملكة على هذه المجزرة أما الواقع فهو انه هنأها بنجاتها من مؤامرة بروتستنتية. ولما اطلع على جلية الأمر أرسل يؤنبها على هذه المظالم.

(2)  أما”محاكم التفتيش” فنشأت لترسيخ الإيمان الكاثوليكي إلا أن السلطة المدنية استخدمتها أحيانا لأغراضها الدنيئة رغم إرادة الكنيسة.


Advertisements