اما العملة فقليلون

…اما العملة فقليلون

…اما العملة فقليلون

الدعوات الكهنوتية والرهبانية

       لابد ان نسهر هذه الليلة في دار هذا اللعين ونشرب تخب نجاحه! وتناقلت الايدي الجريدة بلهفة للاطلاع على نتائج الامتحانات وتعالت ضحكات الفرح في غرفة عادل الصغيرة،وارتسمت بسمات عريضة على الثغور وتشابكت الايدي مصافحة مهنئة.

        كان ذلك عصر يوم احد من ايام تموز المحرقة، عندما تجمهرت قبضة من الشباب بعد صدور النتائج الوزارية المكتوب لها ان تخط مستقبلهم وتكون قاعدة الوثوب للطامحين منهم.

        وكما تواعدوا هكذا اجتمعوا مساء في منزل زميلهم يوسف. واخذوا يتجاذبون اطراف الحديث، ويكشفون النقاب عما صمموه هم او ذووهم لمستقبلهم، فقال عادل وهو يناول سيكارة لوالده الذي رافقه الى السهرة:

 -سادخل انا، كلية الصنائع العسكرية، وان لم لقبل فيها فسوف اتجه شطر كلية الزراعة.

وقال ناصر، وهو تلميذ ذكي: -اما انا فسوف اكمل دراستي في كلية الهندسة.

واستمر الطلاب يسجلون انفسهم، وهم جلوس، في كليات الطب والحقوق والاداب، ومنهم من اكتفى بمنبر التعليم الابتدائي. وظل يوسف وحده صامتا لايعلن عن عزمه الى ان سئل فاجاب مبتسما:

-اما انا، فلقد كشفت لوالدي عن الرغبة التي تراودني منذ سنوات في ان اصير كاهنا، واني ذاهب غدا لمقابلة مدير الاكليريكية. وعلت الدهشة جميع الوجوه الا وجهه هو. فقال له عادل:

-اانت جاد فيما تقول ام مازح كعادتك؟ فاجاب

– كل الجد. ثم اضاف مبتسما: -انا الذي سوف ازوجكم واعمد اولادكم!

فضحك البعض وتاسف البعض الاخر على الذكاء والشباب اللذين سيطمرهما يوسف تحت الثوب الاسود، وكاني بهم يوجهون عتابا الى الله لكونه دعا الى خدمته زميلهم النشط، ولم يطرق باب هذا او ذاك من رفاقهم القليلي الذكاء!

                                                       ماذا يقول الناس عن الكاهن؟

        هكذا يفكر الكثيرون ويعتبرون ان السعادة في التهافت على المال والرخاء او هي في التربع على اريكة احدى الوظائف في الدولة او في نيل كاس السبق في مباراة او مصارعة. فينظرون الى الكاهن نظرتهم الى شخص خدعه ذووه عندما كان فتى، وادخلوه في سلك يعيش المنتمون اليه على حساب الغير، ويرون فيه شابا اخفق في الحب فاسودت الدنيا في عينيه، ويحكمون عليه بانه قليل الذكاء اراد ان يخفي قلة ذكائه وراء جبته السوداء!

وغالبا ما يتندر المسيحيون على حساب الكاهن، ويستعرضون شريط نقائصه وعيوبه على شاشة سينما سكوبية من دون رحمة او انصاف. يرون فيه عميلا للاغنياء ومداهنا لذوي الجاه، او موظفا يتقاضى ثمن خدمته، ويجعلون منه مثال الجشع والطمع، ويتهمونه بان  امر رعيته لايهمه الا بقدر ماتزود جيوبه من المال. وان اختلط بالشبيبة وكيف مباديء الانجيل بمقتضى العصر، او ان قام بسفرة تريحه من اتعابه الرسولية  انتقدوه واستنكروا عله تطرفه واندفاعه، واذا مال الى التزهد والبساطة في عيشة قالوا انه “درويش” يصلح للصومعة لا لعصر التقدم.

                                                                   الكاهن في نظر الايمان

        ان الكاهن في نظر الايمان هو “مسيح اخر” لانه يواصل عمل المسيح في العالم،  وقد انتدبه المسيح لحمل رسالته الى كل البشر.فكهنوته امتداد لكهنوت المسيح.

         ان الكاهن يعمل على مثال الرسل من اجل بناء ملكوت الله في النفوس وتوطيده فيها. وهو بفض كهنوته يوزع على البشر نعم الخلاص التي تفجرت من قمة الصليب فهو يلدهم للحياة االالهية بواسطة المعمودية،  وهو الذي يقوي ايمانهم ويدخلهم في حلبة الجهاد بالروح القدي الذي يمنحه لهم في سر التثبيت. واذا فقدوا صداقة الله يعيدهم اليها بواسطة سر التوبة، ويغذيهم بجسد المسيح في سر الاوخارستيا. وهو الذي يبارك اتحادهم في سر الزواج ويدهنهم بزيت القوة ليعدهم للسفر الاخير ويرافقهم الى باب الابدية ليلجوه بسلام وطانينة. 

       فما اعظم الكاهن وما اسمى درجته انه ذلك الوسيط بين الله والبشر، يرفع الى الله بتفويض سماوي دعاء البشرية  واشواقها وينزل عليها نعمة والاءه فهو كليم كموسى يستشفع الله عوضا عن الشعب الموكل اليه ويرفع الى عزته صراخه ومطاليبه.

          وهو مبشر كبولسيخبر اخوته بانجيل السلام ويعلن للجميع بشارة الخلاص.  انه مؤتمن على كنوز الله وخادم لها، اقيم لترتفع يداه ابدا نحو السماء فتحمل، مع البرشانة البيضاء، البشرية بامالها والامها، بطموحها وضعفها، بانتصارها واخفائها.

                                                                الكاهن بعد القداس…

        لا تقتصر مهمة الكاهن على اقامة القداس وان كان القداس اسمى اعماله، ولا تنحسر رسالته بين جدران الكنيسة وان كانت الكنيسة منطلق نشاطاته. فان خيل الينا بان الكاهن موظف يجلس كل يوم لتسجيل الزيجات  والوفيات ولمنح شهادات عماذ، لكن رسالته تمتد الى كل ميادين الحياة المسيحية، فهو لا يني يلقن الصبية مباديء الديانة وينقش على صدورهم فضائل الانجيل ويغرس في قلوبهم الايمان  ويقود شبابهم في نموهم وتفتحهم   ويقيهم المخاطر التي يتمخض بها عمرهم ويعضدهم في محاولاتهم من اجل التوفيق بين ايمانهم وثقافتهم. ويستحث هممهم للانضمام الى حركات رسولية، ويدعوهم الى التضحية في سبيل مشاريع اجتماعية.

وهو بالنسبة الى رعيته ذلك الاب الذي يتفقد رعاياه ويتفهم مشاكلهم ويحاول ان يعطي لها الحلول الشافية. انه ذلك الراعي الذي يحمل التعزية الى كل من نكبته المصضائب فيبعث فيه الامل والرجاء، ويزور الفقراء ليعضدهم في بؤسهم، ويتفقد المرضى ليبعث في نفوسهم  العزاء وكان لسان حاله كلمات الرسول بولس:” من يمرض ولا امرض انا. من يتالم ولا احترق انا”.

                                                 ماذا يقول الناس عن الراهب والراهبة؟

         هناك كثير من الناس استولت المادة على تفكيرهم واخذت كل اهتمامهم فلم يعودوا يشعرون باهمية القيم الروحية، فينظرون الى الراهب والراهبة نظرة اشفاق ان لم نقل نظرة احتقار. انهم يتوهمون ان ذلك الراهب لم يدخل الدير الا لان طرق المعيشة قد سدت في وجهه، او لانه لم يوفق في مهنة او تجارة، او لان صدمة عاطفية حدثت له واخفق في الحب فاتجه شطر الدير ليدفن فيه شقاؤه! ويرون في تلك الراهبة فتاة لم يمد اليها شاب يدا فطرقت باب الدير لتطمر فيه شبابها، او فتاة منطوية على ذاتها ابت ان تتحمل مسؤوليات الزواج فانعزلت عن العالم تهربا من الحياة، او غبية غشها اهلها ليتخلصوا من اعالتها! ويابى مثل هؤلاء ان يروا في الحياة الرهبانية دعوة الى الكمال تلبيها النفوس السخية.

      وقد يفهم البعض المعنى من حياة رهبانية اذا كانت هذه الرهبانية تحمل رهبانها او راهباتها الى العمل الرسولي والى عمل من اعمال الرحمة كتثقيف الشبيبة العلمي والمهني والعناية بالمستشفيات  ومعالجة البرص والاهتمام بالعميان والبكم والصم.. ولكنهم لا يفهمون المعنى من حياة كلها صلاة وصمت كالسكوتين والكرمليات، ويابون ان يروا في هذا النوع من الحياة دعوى الى البطولة تحمل النفوس الكبيرة الى تخصيص حياتها كلها لله مدفوعة بمحبة وسخاء لا يعرف الحدود.

                                                                     الدعوة…                                     

     في احدى جولات يسوع الاولى على شاطيء بحيرة جناشار، راى سفنا راسية، فتوجه نحوها وطلب الى احد الملاحين ان يعيره سفينة ليصعد ويعلم الشعب. وكان ينظر الى هذه النفوس الماخوذة بسح كلماته، وراى فيها قطيعا بلا راع فاشفق عليها واحبها. ولما فرغ من الكلام توجه بطرس الصياد واشار اليه ان يلقي شبكته في البحر، فالقاها رغم تعبه ومحاولاته الفاشلة طوال الليل قائلا: “بكلمتك القي الشبكة”، فامتلات سمكا من كل نوع. فلوح الصياد الى زميله يعقوب ويوحنا فاسرعا الى نجدته وقد اخذنهما الدهشة. هينئذ هتف بطرس:

–تباعد عني يارب فاني رجل خاطيء.

    لكن المسيح ربت على كتف الصياد ونظر في عينيه فاحصا. وقال:

          –سمعان،  لاخف. انت منذ الان صياد للناس. اتبعتي.

          ولما بلغ الشركاء الثلاثة بسفنهم الى البر، تركوا كل شيء وتبعوه، مازال يسوع، منذ الفي سنة، يجوب السواحل والحقول والقرى والمدن باحثا عمن يتبعه ليجعل منه صادا بل رسولا الى العالم و “قائما باعمال البشر” لدى الله! الا ان صوته، مذ ارتفع الى السماء،  مازال يرن في القلوب ومازال الكثيرون يسمعون صداه في اعماقهم، من بويس الذي سمعه على طريق دمشق الى الالاف من النفوس السخية التي تسمعه كل يوم فتذهب ملببية من دون ان تنظر الى الوراء. ان معظم الدعوات تنشا  هكذا، وليست من اقلها رسوخا كما تنبيء هذه الشهادة الصادرة عن راهبة شابة: “ان الدعوة الرهبانية صوت داخلي،ناعم نادرا ما ندرك كنهه ونتاكد منه لاول وهلة. غير انه يجعل في القلب قوة لا سبيل الى مقاومتها. فكثيرل ما تتردد في قلبنا وعلى شفاها هذه العبارة: “اريد ان اكون راهبة” انها جملة لسيطة تختلج في اعماقنا من دون ان نشعر بمعناها الحقيقي. بيد انها تكون شيئا فشيئا، بامتزاجها بالنعم التي نجهلها، قوة جبارة في نفوسنا  تدور حولها حياتنا، ومنها ينبعث شةقنا الى الكمال.  هذا ما حدث لي بعدما نضجت في قلبي جملة “اريد ان اكون راهبة”.

                                                         …الى حياة مخصصة بالله

في هذا العالم الذي يتهافت فيه الناس على اللذات تهافتا لا احد له، والذي فيه طغى سلطان المال على القلوب بحيث نسي الناس القيم العالية، وما زال صوت المسيح يدوي في النفوس الابية ليرتفع بها شطر البطولة ويدعوها الى حياة الفضيلة والكمال:”كونوا كاملين كما ان ابائكم كامل”. ومازال الالوف من الشباب  والشابات يجيبون على نداء المعلم ياقدام لايعرف التراجع  وعطاء لايعرف البخل وسخاء ى يقف عند حد، تدفعهم محبة كبيرة لتخصيص ذواتهم كلها بذاك الذي احبهم الى الغاية، زاهدين في العالم وافراحه.  

          ان صوت المسيح يجلجل في اعماق تلك النفوس الفنية المتدفقة بالطاقات،     وهاهي تلبي ندائه، موقفة حياتها له، ومجندة طاقاتها في سبيله وفي سبيل نشر ملكه على الارض من خلال حياتها التي تريدها شبيهة بحياة المسيح. فهذه النفوس الكبيرة التي ضحت بكل شيء هي شاهدة الانجيل وسط العالم، وما حيتها الا استنكار ام في العالم من انحراف وانحطاط، واعلاء لاخلاقية الانجيل وللفظائل السامية التي يدعو اليها.

                                                     المناخ الذي تنمو فيه الدعوة

        ليست الدعوة دوما نداء مدويا يوحهه الروح القدس، ولا كلاما سحريا يسبي سامعه، انما هي في الغالب رغبة دفينة تخضع للتاثيرات الخارجية فيلزمها ومن ثم، لكي تتفتح، مناخ مؤات. ولا شك ان العائلة المسيحية هي منبع الدعوات، وفي وسع الوالدين ان يخلقا جوا عائليا يتاح فيه للدعوة ان تنبت وتنمو وتتوطد. وتدل الاحصائيات بان اغلبية الدعوات نبتت من تربة العوائل المسيحية المتدينة. وقد تنشا الدعوى في الفتى اوالفتاة على اثر كلمة عابرة او موعظة مؤثرة او على اثر حادث او سؤال فجائي كهذا: هل تريد ان تكون كاهنا؟ او هل تريدين ان تصبحي راهبة؟. ولاشك ان لمثال كاهن غيور متفان اشد الاثر في نفس الفتى، وات لتفاني راهبة في خدمة ما ابلغ الاثر في قلب الفتاة.

        ولا زلنا نذكر حادثا جرى مع الاكليريكي نظم رياضة روحية لفرق الاخوية المريمية في قريته خلال العطلة الصيفية، وهو ان فتى في الثانية عشر من عمره لحق به، اثر احدى محاضرات الرياضة وبادره قائلا:”مالذي علي ان اصنعه لاصير كاهنا؟” هذا ما يدل على ان المثال الذي يقدمه الكاهن او الاكليريكي هو ابلغ نداء الى الكهنوت.

                                                                     علاماتها الفارقة

       لاشك ان الظروف التربوية والنفسية دورها الكبير في توجيه فتى الى الكهنوت او الى الحية الرهبانية، الا انها لا تكفي للتاكد من صحة دعوة ما، فهناك علامات ثلاث يجب ان تتوفر فيمن يتقدم من الكهنوت او من الحياة الرهبانية، وهي الرغبة الصادقة والنية المستقيمة والمؤهلات.

        الرغبة هي الشرط الاول  والاساسي لكل دعوة، ويجب ان تكون وليدة اختيار حر، الا انه لا يمكن البتة زج احد قسرل ىفي حياة لايميل اليها، فلا معنى لامنية ام نذرت ابنها او ابنتها للكهنوت او للرهبتة مادام هما لا يرغبان فيهما، وليس من الضروري ان تكون هذه الرغبة عارمة، بل يكفي ان تظهر كميل، وان طفيفا، نحو الكهنوت او نحو احد انواع الحياة الرهبانية.

ولكن الرغبة لاتكون علامة الدعوة الاكيدة ان لم تقترن بالنية المتقيمة. فليس الكهنوت او الرهبنة اداة لنيل منصب او نفوذ ولا وسيلة سهلة للرزق والعيش او ملجا للنفوس الضعيفة او المتهربة نت الحياة. بل ينبغي ان تدفع الراغبين الى هذه الحياة غاية فائقة الطبيعة في تخصيص الذات لخدمة الله وخدمة النفوس. ومن البديهي ان تشوب هذه الرغبة، في باديء الامر، اعتبارات بشرية، الا ان سني التجربة خليقة بان تنقى هذه الرغبةمن الشوائب، وتضفي عليها مسحة من الصفاء والاستقامة وتكشف عن عمق الدعوة وثباتها.

اما المقصود بالمؤهلات فهو الاستعداد العقلي الذي يتيح للمنخرطين في سلك الكهنوت او الرهبنة ان يحصلوا على دراسة جدية فلسفية ولاهوتية تؤهلهم لرسالتهم في المستقبل. لذا يجب على الراغب او الراغبة ان يتحليا بذكاء وسط، يمكنها من الحصول على قسط وافر من الثقافة. وهناك ايضا الاستعداد الادبي، وقوامه في ان يكون الراغب او الراغبة على مستوى عال من الاخلاق وحين السيرة، ويجب ان تتوفر فيهما صفات البذل والخدمة والغيرة والنشاط وقوة الارادة، وغني عن القول ان هذه الصفاة لا تتوفر كلها منذ البدء انما تكتسب شيئا فشيئا. وينبغي للراغبين في الحياة الكهنوتية او الرهبانية ان يتمتعوا بصحة جيدة تمكنهم من اداء رسالتهم، كما ينبغي ان يكونوا خالين من العاهات الجسمية.

                                                       عندما يطرق الرب ابواب بيوتكم

       لو اجرينا استفتاء بين العئلات المسيحية فيما لو تتمنى ان يكون احد ابنائها كاهنا او احدى بناتها راهبة،  لاتتنا اجوبة ايجابية كثيرة. ولو سالناه ما الذي تعمله لذلك، لهبطت النسبة الى ما يدهش اذ ان موقفها احيانا كثيرة هو الحياء خوفا منها، كما تزعم، في الا تسلب حرية اولادها. اننا لاندعو  الاهل الى اكراه اولادهم الى اعتناق الحياة الكهنوتية او الرهبانية، انما نتمنى ان يسهموا في اعداد اولادهم اليها  اذ ما لمسوا فيهم رغبة تدفعهم الى اختيار الكهنوت او الرهبنة، فعليهم حيتذاك ان يتعهدوا هذه العوة الفتية ويحرصوا على نموها ورسوخها من دون ان يعماوا شيئا لقتلها وهي بعد في مهدها. وعليهم ان يتركوا لهم فيما بعد حرية الاختيار النهائي الذي يقرر مستقبلهم. كما ينبغي على الاهل ان يوقظوا الدعوة في نفوس اولادهم وذلك باطلاعهم على حاجة الكنيسة الى كهنة، وخاصتا البلاد البعيدة الى رسل والمدارس الى راهبات. وعليهم ان يعودوا اولادهم على الصلاة من اجل الدعوات، كي يمنح المسيح كنيسته كهنة وراهبات، فقد تكون هذه الصلاة فرصة لايقاظ رغبة اولادهم في تخصيص ذواتهم للمسيح.

                                                             حذار من ان…

ورب اب يعترض قائلا: “وما ادرى صبيا في الثانية عسر نت عمره بمتطلبات الكهنوت؟.وما ادرى فتاه صغيرة بابعاد الحياة الرهبانية؟”. اننا لا ننكر اهمية دعوات البالغين وجزيل قيمتها، بل نتمناها  وندعو الى السعي في ايقاظها، انما لا يجوز الاستهانة بدعوات الفتيان ومنعهم من اتباعها، ففي ذلك بالذات اكراه وخنق للحرية. ان الصبي هو عمر النقاوة  وتفتح الشخصية على معالم الحياة الخيرة. فحذار من ان تحبط عزائمهم في غمرة اندفاعها.

          ولكن هناك اجراما يرتكبه الاهل بحق اولادهم حين يقفون عقبة كاداؤ في سبيل دعوتهم، ويحولون دون رغبتهم في تلبية نداء الرب. فنرى ذاك الاب يتصلب في رفضه طلب ابنه ان يصير كاهنا، ونرى تلك الام تتنمر لدى سماعها بان ابنتها يممت شطر الرهبنة، لاسيما اذا كانت البكر او كانت على شيء من الذكاء او الجمال او حائزة على شهادة ما، وكاني بها ترى مبالغة من قبل الرب في خطبة ابنتها الجميلة والمثقفة، وكان الاحرى ب هان يدعوا تلك الفتاة العانس التي لم يتقم احد للاقتران بها!

       ان هؤلاء الاهل يقدرون غيرة الكهنة وتفاني الراهبات والمرسلين، لكن لا يودون ان يطرق هذا التفاني ابوابهم. فكم من ماسي ذاقتها نفوس  ابية كلفت بحياة كهنوتية او رهبانية لتجد فيها منفذا لسخائها، ثم اخمد جذوتها حنان في غير محله او نصائح هزيلة هبطت بها الى مستوى الاهداف العادية. فليست الدعوات في عصرنا اقل مما في السابق، انما هناك دعوات كثيرة تقتل وهي بعد في مهدها، ولا يفطن اولئك الاهل بانهم بذلك يتحدون حرية اولادهم ويجرمون الى الكنيسة، لانهم يحرمونها من خير كبير.

                                                                            في سني التجربة

        ان الدعوة الكهنوتية تجدد في الاكليريكية تربة صالحة تنموا فيها، وكذلك تجد الدعوة الرهبانية في الدير جوا تتفتح فيه، وكلاهما يتيحان للمدعوين الى الحياة الكهنوتية او الرهبانية ان يختبروا دعوتهم ويعملوا على نموها وترسيخها في نفوسهم. فليست الاكليريكية”قالبا” يصوغ الداخلين فيها كهنة حتما، كما ان سني الابتداء لاتصبغ الداخلين فيه رهبانا وراهبات لا محالة! فالحياة الاكليريكية التي يعيشها الفتى مدة سنين طوال، هي زمن تجربة، يبحث فيها بمساعدة مرشدين خبيرين عن مدى جذور تلك الرغبة التي ساقته الى هذا المسلك، فكما اتى الاكليريكية حرا يمكث فقيها حرا وفي وسعه ان يتركها بملء حريته. وكذلك الحياة الرهبانية التي يعيشها الراهب او الراهبة هي بالنسبة لهما زمن تجربة، يكتشفان خلالها عمق دعوتهما وما تتطلبه منهما من تضحيات وما تفرضه عليها من التزامات، الى ان ياتي اوان النذور المؤبدة. فلا يحق ان نهزا بمن تركو  الدير او الاكليريكية بعد ان اكتشفوا ان دعوتهم ليست هناك وانهم لم يخلقوا لها. انما ننكر على اولئك اللذين جاءو على اثر رغبة انية   وبعد ان علموا ان دعوتهم ليست هناك، لم يجراوا على اتخاذ موقف حازم، وراحوا يجرون اذيالهم وراء القافلة في حياة لم يدعوا اليها!

                                                                     ازمة القلب

                لا ينبغي ان نعجب اذا ما تفتحت  طاقات الفتى والفتاة في سني المراهقة

 فمن الطبيعي ان ينعطف قلب الفتى الى هذه او تلك من الفتيات، ومن الطبيعي ايضا ان تبتسم للفتاة احلام السعادة: فليس في وسع الاكليريكية او الدير ان يوقفا تدفق هذه الطاقات الكامنة في القلوب الفتية: وليس في الامر ما يقلق، امها ازمة القلب التي لابد ان يمر فيها كل فتى وفتاة، ولا بد للدعوة ان تدخل في هذه التجربة لنخرج منها وقد اكتيبت مناعة  وازدادت رسوخا، انما ينبغي ان يصمد ازاء التجربة، ويقوما بعد كل كبوة اكثر اقداما، محاواين ان يملا قابهما من حب المسيح الذي في وسعه ان يروي عطشهما. فاذا عرفا ان يقاوما التجربة بعزم وشجاعة سارا في طريق النصر    اما اذا لم يلجما  انعطاف قلبهما فالاحرى بهما حينذاك ان يتجها الى طريق اخر.

        ان للكاهن والراهبة قلب ينبض بالحب ويدرك كل معاني الحب.لكنهما جعلا المسيح موضوع حبهما الوحيد،وارادا ان يصبا من فيض هذا الحب على البشر الذين ينصرفان الى خدمتهم بكل سخاء وتضحية. لقد اقدما على هذه الخطوة الجريئة مضحين بشرعية الافراح العائلية وعذوبة الحياة الزوجية، وعالمين انك فاحمها سيكون مستمرا، وانهما سيشعران في بعض الايام بالحاجة الى ايداع افراحهما ومشاكلهما قابا اخر، لكنهما ضحيا بكل ذلكعا قابهما لحب المسيح، وفي المسيح البشرية جمعاء. فكلاهما يدركان جيدا بانهما تخليا عن شيء عظيم لشيء اعظم، وانهما زهدا في العالم ليكونا بكليتهما للعالم.

                                                                    نداء الى الضمائر

    فيما كان يسوع يطوف القرى والمدن، هالة منظر الجموع المقبلة من بعيد لتسمع كلامه وكانوا “مثل غنم لا راعي لهما” فقال: ان الحصاد كثير وما العملة فقليلون. مازال هذا المنظر المؤلم قائما اليوم. فبينما نرى دعاة الشر يطوفون في كل مكان، نشاهد ضالة تلاميذ المسيح وقلة المؤمنين به. انه لامر يبعث الالم في قلوبنا عندما نفكر ان ثلثي البشر مازالوا حتى الان يجهلون المسيح، وان هناك مساحات شاسعة في اسيا وافريقيا لم تحمل اليها بشارة الانجيل، لا لشيء الا لقلة الفعلة!

      وان الكنيسة لاتشكو من هذا النقص في الكهنة بالنسبة الى غير المؤمنين حسب، انما تعانيه في عقر دارها. ففي الفلبين حيث 21 مليون كاثوليكي، يحصل كل ستة الاف مؤمن على كاهن واحد. وفي ميندانا احدى جزرها، لا يوجد لخدمة 7.. الف مؤمن سوى 3. كاهنا. اما في اوغندا بافريقيا فيحصل كل 11 الف مؤمن على كاهن واحد، وفي اميركا اللاتينية كلها حيث ثلث كاثوليك العالم، يحصل كل 5 الاف مؤمن على كاهن واحد!

    فالكنيسة بحاجة الى كهنة ورهبان وراهبات، لكي يحملوا رسالة المسيح في العالم، ويعملوا على انعاش الحياة المسيحية في كل الاماكن التي هي بحاجة الى حركات ومشاريع رسولية واجتماعية.

                                                             المسيح ينتظر الجواب منكم ايها الوالدون ينتظر المسيح ان تجيبوا الى ندائه، بالسخاء باولادكم لخدمة الانجيل: منكم ايها الشباب والشابات ينتظر المسيح ان تجيبوا الى ندائه، بتضحية حياتكم في سبيل نشر ملكه على العالم. ان العالم بحاجة الى رواد يرشدونه الى ميناء الحقيقة والسلام، الا تبحثون في قلوبكم عن متسع لمحبة المسيح ومحبة النفوس. الا تشعرون بفقر الكنيسة فتسدوه بتضحيتكم، وبجوع النفوس فتشبعوه بتفانيكم، وبهطش العالم فترووه بمحبتكم. ان سهولنا وجبالنا وقرانا ومدننا تصرخ اليكم صراخ الاستنجاد: الا انقذونا،  وتردد على مسامعكم كلمات المسيح:

                     الحصاد كثير واما العملة فقليلون.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s