كيف تقرأ الكتاب المقدس

كيف تقرأ الكتاب المقدس

دخلت عليه ذات مساء ممطر فرايته مقوسا فوق مجلد ضخم وضعه على ركبتيه بإجلال، وأحاطه بقماشة قرمزية وهو ماض في مطالعة خشوعية ألهته عن مرح الصبية الذين كانوا يثرثرون في الطرف الآخر من الغرفة. ووقفت بتهيب أمام هذا المشهد أتأمل القنديل النفطي يرسم أشباحا على تجاعيد وجه الشماس إبراهيم وينير درب أعينه على صفحات الكتاب. انه كان مهيبا في جلسته، وقورا قي شاربيه الكثين العاجيين وكان هذا  دأبه كل مساء بعد العشاء إذ يمتطي كرسيا ليأخذ مجلده الحبيب من على رف في زاوية الغرفة ويجلس القرفصاء مع سفرة وكأنه يقوم برتبة طقسية.

     فبادرته بالتحية وانأ أكاد ألوم نفسي على انتشالي إياه من خلوته. وجلست بجانبه معتذرا أتطلع إلى هيئته باستغراب. فحد جني من وراء نظارتيه البيضويتين وقال لي بنبرة تشبه العتاب 

ألا يستحق الكتاب كل هذا؟

                                                        قاعدة المدنية

  الحق  كل الحق مع الشماس إبراهيم. فالكتاب المقدس الذي أصبح عمر أسفاره الأولى أربعة آلاف سنة، وكان أول كتاب طبعه غوتنبرغ مخترع الطباعة وأول ما تشرفت بطبعه الحروف العربية، ناهيك  عن عدد لا يحصى من الترجمات والمجلات والكتب التي تفسره وتعلق عليه وتحلله وتقارنه وتدرسه. كتاب كان ولا يزال شرعة حياة ملايين من البشر من كل لون وارض، ومورد لا ينضب يستلهمه الشعراء في ملجماتهم، ومنه من يغرق الرسامون والنحاتون أصل روائعهم ويعتمد عليه عباقرة عظام. كتاب كهذا هو، بلا منازع، قاعدة المدنية وفنار البشرية ولولاه لما كان التاريخ  ما هو.

وفيما يلي نرسم بعض خطوط تعيننا على فهمه.

                                                        كتاب نودي به

إن معظم أجزاء الكتاب المقدس أعلنت شفهيا، قبل أن تدون كتابة، وتناقلها الآباء عن الجدود في صيغة تقاليد قبلية أو عائلية موروثة نثرا أو شعرا، كقصة أيوب (ايوب1: 1). ونبوءات ارميا التي ذاعت طيلة 22 سنة قبل أن يسجلها تلميذه باروك  (ارميا 36: 1 – 4). وهكذا القول عن نبوءات كثيرة ومعظم المزامير والقطع الشعرية التي تليت قبل أن تدون. ولنا مثال جلي عن ذلك في العهد الجديد في مقدمة إنجيل لوقا (1: 3 – 4).

                                                         …قبل أن يدون

ليس لدينا براهين جازمة تبت في متى تم إنشاء أجزاء الكتاب المقدس بصورته الحالية. ألا إننا نرى إسفارا مستقلة متفرقة متداولة منذ عهد حزقيا  الذي ملك في أورشليم سنة 716 ق م حسب شهادة سفر الأخبار:

       “وبقية أخبار حزقيا وإحسانه  مكتوبة في رؤيا اشعيا بن أموص النبي وفي سفر ملوك يهوذا” (2 أخبار 31: 32). وقد جمعت هذه الوثائق الخطية إلى غيرها شفوية من الجنوب إلى الشمال. وبعد اكتشاف سفر تثنية الاشتراع في عهد الملك يوشيا، وضعت النسخة الجامعة الأولى من التوراة اعني الأسفار الخمسة الاولى. إلا أن العمل لم يظهر بأكمله إلا بعد العودة من الجلاء على يد عزرا الكاتب الحكيم في منتصف القرن الخامس ق م، واشتمل على الأجزاء المدونة سابقا والمصادر المتوارثة، وأضيفت إليها النبوءات اللاحقة وسفر الحكمة الذي كتب في منتصف القرن الأول ق م. فأمسى عددها 46 سفرا يضاف إليها 27 سفرا التي تكون العهد الجديد.

     ودون الكتاب المقدس بثلاث لغات هي العبرية، لغة الشعب الأصلية، وفيها كتب معظم الأسفار؛ والآرامية وكتبت فيها أجزاء من أسفار عزرا ودانيال وارميا بالإضافة إلى إنجيل متى؛ واليونانية وكتب فيها سفر المقابيين الثاني وسفر الحكمة وأسفار العهد الجديد جملة.

                                                                     كتاب أعمال الله

الكتاب المقدس رواية أعمال الله وموجز تاريخ الكون منذ الخلقة (تكوين 1: 1- 3) وحتى الدينونة الأخيرة( رؤيا 22: 2.) مرورا بالحدث العظيم محور الطرفين: التجسد (يوحنا 1: 14). وأعمال الله أخذت تظهر منذ أن أعلن الله إرادته لإبراهيم فمنذ ذلك الحين أمسى إبراهيم خليل الله ؛ وابرم معه الله، وبه مع ذريته، عهدا ليس الكتاب المقدس سوى تتميمه المنطقي.

    والله في تدخلاته المتتابعة في حياة الشعب لا يشترط سوى الأمانة. وقد وضع هو نفسه أسس هذه الأمانة برسمه الشريعة (يشوع23:4-5). وما الأنبياء إلا أبواقه الغضبى أحيانا كثيرة حيال خيانات العهد، وصوته المعلن البشائر الذي اعد القلوب لتتميم الموعد بالمسيح.

والكتاب المقدس إذ ينقل ألينا وجوها لم تكن دوما قدوة يحتذى بها – كيعقوب في احتياله على أخيه (تكوين 27: 19) وإخوة يوسف الحساد، وشاول الناقم،وداود في خطيئته مع امرأة قائده اوريا (2ملوك 11) – لا يجعل من هؤلاء كلهم قديسين: أنهم أناس ضعفاء اختارهم الله لتتميم مخططه ويتحتم على نعمته أن تسندهم وتقومهم.

   فالكتاب المقدس يبقى كتابا يشهد عن عمل اله يحدب على البشر ويقيس عمله معهم بمقياس ضعفهم (متى19:8). فليس بالغريب أن نجد في أخلاق هذا الشعب وعاداته أمورا مستهجنة تصدمنا وتشككنا بل يجب أن تولد فينا مطالعتنا الكتاب شعورا بان شيئا ما لابد منه بعد، وبأننا معه في سير مطرد نحو أخلاقية الكمال التي أتى بها إنجيل التطويبات.

                                                        … كتب بوحي والهام منه

    إذا كان الكتاب المقدس  كتاب أعمال الله، فهو أيضا كتاب يحوي كلامه وإرادته التي أملاها على البشر ألهمهم بنور روحه القدوس أن يدونوا، أو سندهم في تدوين ما أوحي به إليهم من حقائق خفية تتصل بذاته أو بعلاقاته مع الإنسان من خلال حياة الشعب. وان كان تقليد الكنيسة وتعليمها يدعواننا إلى التمسك بهذا المعتقد، فلأنهما يبنيان دعوتهما هذه على تعليم الأنبياء والرسل والتقليد الإسرائيلي بأكمله:

    إننا نرى في مفتتح سفر ارميا هذه العبارة: “كلام ارميا الذي كانت إليه كلمة الرب:” ثم مد الرب ولمس فمي وقال لي الرب هاأنذا قد جعلت كلامي في فمك” (1: 2- 9). فهذا تعبير رمزي واضح يشير إلى تدخل الرب وإملائه ارادتة باطنيا على النبي. فالمسيح لا يعلمنا غير ذلك: “فأجابهم يسوع: أفما قرأتم في سفر موسى كيف خاطبه الله قائلا…: (مرقس 12:26). ورسوله بولص يقول “بأنواع كثيرة وطرق شتى كلم الله آباءنا على السن الأنبياء قديما ؛ وفي هذه الأيام الأخيرة كلمنا بابنه” (عبرانيين 1: 1).

   والوحي كما حدده البابا لاون الثالث عشر في رسالته “العناية الإلهية”: حركة فائقة الطبيعة، بها الروح القدس أثار ودفع مؤلفي الكتب المقدسة وأعانهم بينما كانوا يكتبون” بنوع أنهم كانوا يفكرون بدقة، ويريدون أن ينقلوا بأمانة، ويبينوا بتعبيرهم، بصدق معصوم عن الخطاء، كل ما كان الله  يأمرهم بكتابته، دون سواه”.

    إننا نستنتج من هذا التحديد إن الوحي ليس ضربا من الإنزال وان الكتاب المقدس ليس نسخة أمليت عن مصحف سماوي، بل هو في آن واحد عمل الله والإنسان ؛ فالله يظهر إرادته بصورة باطنية للمؤمنين دون أن يسلبهم حريتهم، فهو لا يمسك القلم عوضهم ولا يحرك أيديهم إنما ينير أذهانهم، فكلاهما مشتركان: الله كمؤلف رئيسي والإنسان كمنفذ عاقل حر يشعر بان السفر له وقد سنده اللهفيه من الشطط كما يقول بطرس الرسول: “لم تأت نبوة قط عن إرادة بشر، بل إنما بالهام الروح القدس” (2بطرس1: 21). وبناء على هذا العمل المشترك احتفظ كل كاتب مقدس بشخصيته واستخدم مواهبه وطاقاته التعبيرية واهتم، مستنيرا بنور الوحي، في إيجاد صيغة بشرية لرسالته فاستفاد مما خلفه له الأسلاف من كتابات ومصادر وتقاليد، كما يذكر سفر المقابيين الثاني: “لم يكن تكلفنا لهذا الاختصار أمرا سهلا وإنما تم بالعرق والسهر (2: 25،27).

     ولا بد أن العرق والسهر ذاقهما مؤلف سفر التكوين عندما كان أمام مصادر عديدة وتقاليد متجانسة، فجمع الكل وصهره في سفر واحد ونتج عن ذلك نصان عن الخلقة (ف 1 – 2:4) و (ف2: 4 – 3: 24) ونصان متداخلان عن قصة الطوفان (ف6 – 8) وغير ذلك من ضروب التكرار.

                                                             …فهو معصوم

بما أن الله  نفسه هو الهم الكتاب المقدس إذ اثأر أذهان مؤلفيه، فالنتيجة هي انه منزه عن الغلط إذ لا يمكن لله أن يلهم ما ليس فيه حق وحاشاه أن يغشنا. وقد عبر عن ذلك العلامة الكتابي الأب بنوا بقوه” إن الله إذا دفع أنسانا إلى أن يكتب باسمه لا يمكنه أن يسمح بان يعلم الغلط. فمن المحتم إذا أن تقترن هبة الوحي بإنعام العصمة من الخطأ”. والمسيح نفسه يؤكد ضمنا هذا الاستنتاج المنطقي كل مرة يستشهد بالكتاب (متى 22: 31، 41 – 44) وكذلك الرسل (أعمال 2: 16 – 36) وقد كتب بولس:” إن الكتاب كله قد أوحى به الله، وهو مفيد للتعليم والحجاج والتقويم والتهذيب في البر لكي يكون رجل الله كاملا” (2 طيمثوس 3: 16 – 17). فهل يعقل أن يهذب في البر والكمال كتاب يعلم الخطاء؟ وهذه العصمة تشمل النص الأصلي بجميع أجزائه التي تسلمتها وأقرتها الكنيسة. لا الترجمات مهما دقت.

   وإذ نقول ذلك لا نقصد الخطاء العلمي أو الفلكي ولا التاريخي أيضا، إنما نقصد التعليم الديني والعقائدي والأخلاقي والتوجيه الروحي الذي يعلمه أو ينقله الكتاب إلى البشرية من خلال العلاقات الفائقة الطبيعة التي تربط الإنسان والكون والخالق.

                                                                إنشاؤه ومؤلفوه

إن أقلاما عدة  ومن أجيال متفاوتة وثقافات مختلفة عملت في إنشاء الكتاب المقدس. والعديد من مجهولي الهوية أضافوا إلى أسفاره، تحت نور الوحي الإلهي، نتاج تفكيرهم وحصيلة حوارهم الباطني مع الله، ففيهم العبقري الجريء كالنبي اشعيا  والشاعر الجياش بالعاطفة الدينية كداود والمجنح الخيال كمؤلف سفر نشيد الاناشيد. فيهم المفكر الفيلسوف كمؤلف سفر أيوب، والحكيم كابن سيراخ، وحامل الرسالة الذي لا يلوي ولا ينثني كا رميا وبولس، إن هؤلاء وغيرهم من أرباب الأدب الكتابي تتجلى شخصياتهم من وراء كتاباتهم حتى وان لم يشأ التاريخ  أن يبلغنا أسمائهم بأسرهم.

    ومؤلفو الكتاب المقدس، إذ يكتبون لإبلاغ رسالة أو تعليم أو لنقل خبر أو لإنذار ملك جانح أو للتبشير بمجيء”المشيح” الموعود به، يفعلون ذلك كأنبياء حقيقيين لجيلهم متأثرين بعقلية زمانهم وبيئاتهم التاريخية والجغرافية والاجتماعية وحتى العائلية. فارميا الكاهن يعبر عن أفكاره بغير أسلوب ميخا الذي كان ريفيا رأى في المدينة بؤرة الفساد. وكذا القول عن اشعيا ذي الثقافة والحس المرهفين وعاموص البقار. وبولس إذ يكتب إلى القورنثيين المولعين بالألعاب الرياضية يشبه المسيحي بعداء يركض لنيل قصب السبق:” أما تعلمون أن الساعين في الميدان كلهم يسعون. ولكن واحد ينال الجائزة، فاسعوا هكذا حتى تفوزوا” (1قورنثية 9: 24) ويعقوب الشاهد على ظلم الأغنياء في أورشليم يخاطبهم بلسان يفهمونه:”ها إن أجرة الحصاد ين الذين حصدوا حقولكم، تلك التي بخستموهم إياها تصرخ”(5: 4).

     وقد استقوا معلوماتهم أيضا من التيارات الفكرية المعاصرة لهم واستخدموا المصادر المتوارثة لدى قومهم أو لدى جيرانهم. فعزرا مثلا استخدم وثائق فارسية (عزرا6:1-2)وسفر الأمثال ينقل حكما مصرية جارية (امثال23:23) وبولس استلهم شعراء اليونان… كما قال احد شعرائكم:” إنا نحن ذريته..” (اعمال17: 28). ولوقا، قبل أن يكتب إنجيله بحث وسال واستقصى (1: 1 – 3).

                                                         علاقته بالتاريخ العام 

إن الكتاب المقدس يسرد لنا قصة شعب امتزج تاريخه بتاريخ الشعوب المجاورة فقد كانت الأرض التي يسكنها ملتقى طرق لا بل موطئ قدم لكل الشعوب القديمة من مصريين وأشوريين وللدانيين وفينيقيين وفرس ويونانيين. لذا فان للدروس التاريخية والتنقيبات أهمية كبرى في استقراء غوامض الكتاب المقدس، ووضعه في إطاره الطبيعي، ما ينير دربنا في فهمه. فقد كشفت لنا حفريات أور وبابل ونينوى كنوزا عن حياة الشعوب المعاصرة لشعب الكتاب وعلاقاتهم به. كالمسلة السوداء التي اكتشفت التي اكتشفت في أشور سنة 1847 وهي تمثل الملك الإسرائيلي الياهو ساجدا أمام الملك الأشوري شلمنصر الثالث (859 ق م). او   ق.م)قصة الاحتفال بتدشين قصره، ويذكر منسى، ملك يهوذا من المدعوين. والأمثلة كثيرة على تناغم معطيات الكتاب المقدس والتاريخ العام.

                                                                       ولكن…

ولكن هناك، رغم هذا التناغم، أخطاء تاريخية وردت في الكتاب المقدس وقد كشفت عنها المصادر البابلية والأشورية والمصرية. فسفر يهوديت مثلا يذكر أن نبوكد نصر” كان مالكا على نينوى المدينة العظيمة” (1: 5) بينما لم يضع رجله قط فيها. وسفر يونان يتكلم عن اهتداء هذه المدينة بينما لا نجد كلمة واحدة عنه في المخلفات الأشورية.

   ولكن مهما كان من أمر، فكلمة”تاريخ”ليس لها المفهوم ذاته اليوم وفي تلك العصور الغابرة. وطريقة كتابة التاريخ لدى شعب الكتاب كانت غير تلك التي دون فيها الأشوريون والمصريون أخبار انتصاراتهم. كان هؤلاء محور مسلاتهم التذكارية، بينما محور الحوادث التي ينقلها الكتاب المقدس هو الله نفسه. اجل إن الكتاب مؤسس على حقائق تاريخية، ولكن دقة الحوادث كما جرت ليست دوما غاية الكاتب. ولم تكن غايته كتابة تاريخ إمبراطوريات زمانه بذهنية زماننا نحن، بل سرد الوقائع على ضوء علاقة شعب الكتاب بالله.

    وكذا القول عما ينسب إلى الكتاب المقدس من أخطاء علمية كإيقاف يشوع بن نون الشمس ودورانها حول الأرض. إن الكتاب المقدس ليس كتاب فيزياء أو كيمياء ولا هو دليل رصد النجوم. انه يعلمنا كما قال الكاردينال بارونيوس” كيف نذهب إلى السماء وليس كيف حال السماء”. فمن البديهي أن يكتشف رواد الفضاء العصريون سذاجة المعلومات الكتابية عن الفلك ويبتسم الجيولوجيون من حكاية تنظيم الكون أو الخلقة. ولكن لنعلم أن قصة الخلقة كتبت لشعب طفل يحتاج، كي يفهم، إلى صور محسوسة، فهي ليست شرحا علميا لتكوين الإنسان واصل الخلقة ولا هي مقال في التاريخ الطبيعي. إنما غاية المؤلف أن يعبر بأسلوب صوري عن حقيقة لاهوتية وهي علاقة الإنسان بالله ودوره في الكون المنظم وسموه على سائر الموجودات.

                                                                الأساليب الأدبية

 إن معرفة البيئة التي كتب فيها الكتاب المقدس مهمة لفهم النص الإلهي، وما لا يقل عناه أهمية هو الاطلاع على الأساليب الأدبية التي استخدمها المؤلف في سياق إنشائه. وقد حرض البابا بيوس الثاني عشر في رسالته”الجنس البشري” بوجوب الأخذ بها. فأسلوب النبوة غير أسلوب التاريخ، ومن كتب شعرا لا يستخدم أصول النثر وان عبرا عن حقيقة واحدة، وقد تتداخل وتتزاحم هذه الأساليب في نص واحد. واهم هذه الأساليب هي:

الأسلوب التاريخي

ويعانق معظم أجزاء الأسفار المسماة بالأسفار التاريخية. وهو نفسه لا يتسم بطابع واحد. فهناك تاريخ شعبي بدائي في الفصول الأولى من سفر التكوين. وتاريخ تشريعي قانوني في سفر الأحبار والعدد وتثنية الاشتراع. وتروي هذه الأسفار مع سفر الخروج حوادث وتقاليد متتالية عن أصل الحياة والموت وقصص الآباء والتشريع وتكوين الأمة على يد موسى، والكل يتمازج في إطار تاريخي قبلي لا يهتم فيه المؤلف كثيرا بربطه بالتاريخ العام، إلا انه يتوقف في كل عطفه ليشير إلى إصبع الله التي تسير الأمور، وهو لا يعير كبير اهتمام الأسباب الثانوية.

  وهناك في سفر يشوع وسفر القضاة وسفري صموئيل تاريخ رجال عظام عرفوا بشجاعتهم وتدينهم من أمثال دبوره وجدعون ويفتاح وشمشون وصموئيل، وفي سفري صموئيل يبرز وجه داود الملك النبي القديس (1 – 17:32). وما سفر الملوك إلا تتمة لهذين الكتابين. فيبدأ الأول بشخصية سليمان باني الهيكل (8: 17 – 2.)وينتهي الثاني في سقوط أورشليم سنة 586 ق م على يد نبو كد نصر ملك بابل (25: 1 – 21). ويجب أن نقرا هذه الأسفار قراءتنا لكتاب يحوي تاريخ الفداء حيث يصطدم التصميم الإلهي بخيانات الملوك أو الشعب المتتالية. إلا أن”بقية” صغيرة مكثت أمينة”للعهد” الذي أراد الله تتميمه في نسل داود، لذا ينتهي السفر بوميض رجاء عندما ينقل خبر العطف على ملك يهوذا في منفاه ببابل (25:27 – 3.). والى هذا القسم ينتمي سفر المقابيين اللذان ينقلان ألينا حالة الشعب تحت الحكم السلوقي (166ق م).

     وتحمل أسفار الأخبار وعزرا ونحميا طابع تاريخ دفاعي يذكر الشعب بان كيانه المفقود رهين بأمانته لله وتجديد هيكله.

 وهناك أسفار امتزج فيها الأسلوب التاريخي بالأسلوب الأخلاقي، لان الغاية منها هو استخلاص عبر للحياة، كسفر راعوث وطوبيا ويهوديت واستير: فان فيها نواة تاريخية نسجت حولها قصص ذات مغزى.

الأسلوب الشعري الغنائي والحك

        نجد أقدم آثار الشعر الغنائي عن الحرب (1صموئيل18: 7) وعن الرثاء في (2صموئيل1: 17 – 27) وعن الحب في اشعيا (33: 16) إلا انه بلغ أوجه في سفر نشيد الأناشيد، هذا الشعر الرفيع عن الحب العذري رمز حب الله لشعبه ومن ثم للنفس المؤمنة، وفي سفر مزامير داود الذي هو شبه مغناة تتفاعل فيها جميع الإحساسات البشرية من حب وثقة وفرح…

      ونجد آثار الأسلوب الحكمي على شبه أمثال شائعة منذ (صموئيل 1.: 12)أو الغاز (قضاة 14: 12) ولكنه بلغ القمة في أسفار الأمثال وابن سيراخ والحكمة والجامعة، وهي كلها حصيلة تفكير أجيال تعكس حكمة الشعوب وخبرة الشيوخ ولكن في إطار حياة مشبعة بروح الشريعة والتدين لإله واحد مصدر كل شيء (حكمة1.).

الأسلوب النبوي

وينفرد هذا الأسلوب بغناه الشعري والنثري الزاخر بالألوان.

ويستخدم مختلف سبل التعبير كالتحضيض (اشعيا44: 21 – 22) والقصة الرمزية (حزقيال4: 1-13) والمثل(حزقيال15) والرؤيا(اشعيا6: 1 – 1.) والحوار(ارميا1:4-14) والحكمة( باروك3: 9 – 19) والرثاء(مراثي) والصلاة(ميخا7: 18 -2.) والاعتراف(ارميا15: 1. – 21)والرسالة(باروك)5:1.والانشودة(اشعيا 48: 2-21) والترجمة(هوشع)والوصف(زكريا9)  

       ونجد هذا الأسلوب حيثما أتى ذكر نبوة  في الكتاب وخاصة لدى الأنبياء الذين خلفوا أسفارا وهم عاموص نبي العدل الإلهي، وهوشع بشير حب الله، وميخا نبي الحكم على إسرائيل وصديق الفقراء، واشعيا نذير الإيمان ونبي المسيح”عمانوئيل” وصفنيا المخبر بيوم الرب، وناحوم معلن خراب نينوى، وحبقوق معلن الحياة للصديق والموت للأثيم، وارميا الذي شهد إبادة أمته، نبي الديانة القلبية والاتكاء على الرب وحده، وباروك نبي الجلاء، وحزقيال الكاهن المنفي ونبي عظمة الله وبوق العودة، وحجاي الحاث على تجديد الهيكل، وزكريا منذر التجدد المسيحاني، وملاخي وعوبديا الداعيان إلى التوبة، ويوئيل نبي العبادة ومعلن نهاية العالم.

       هذا ولا يخلو احد منهم من النبوءات والرؤى المسيحانية.

أسلوب الرؤيا

وهو أسلوب نبوي راج في القرنين السابقين للمسيح، ويرتكز على الرموز والإيحاءات المتزاحمة من دون تجانس ولا تقيد بحدود الزمان والمكان. وقد شق هذا الطريق حزقيال وزكريا، إلا أن سفر دانيال ورؤيا يوحنا نبغا فيه، هذا في رؤى الحمل وذاك في رؤى ابن البشر، وكلاهما كناية إلى المسيح. 

الأسلوب التهذيبي التعليمي

وهو نوع من المد راش أي تأمل ديني في حدث أو تقليد لدعم حقيقة إيمانية أو تعليم. وازدهر خاصة في سفر يونان الذي يعظ امة وثنية بالتوبة ويبشرها بالغفران، وفي سفر أيوب الذي يعالج مشكلة الألم المجسدة في رجل ادومي تناقلت الألسن خبره منذ عهد الآباء. وفي السفرين انفتاحية متعمدة على غير بني إبراهيم.

                                                                   العهدان

        بين العهدين تقارب وتكامل وامتداد، ولا مبرر للقديم  من دون الجديد إذ حقق نبوءاته وأكمل ما كان يتوق إليه بمؤرخيه وأنبيائه وشعبه:”لم آت لانقض الناموس أو الأنبياء بل لأكمل،(متى5: 17). فالعهد القديم منذ فقراته الأولى حيث يعد الله بالمخلص (تكوين3:15)إلى آخر نبوة نطق بها آخر سفر (ملاخي4:5 – 6) يحن إلى المسيح المحرر الحقيقي لإسرائيل (لوقا24:21)؛ فهو محور الكتاب (يوحنا1:45) وحجة الوعود (لوقا 1: 68 – 75) ومنتظر الشعوب (تكوين49:1.)ومتمم النبوءات(متى 26:56) ومفسر الكتب (لوقا24: 27)ووريث عرش داود(لوقا 1: 32)والملك اللاتي باسم الرب (يوحنا12:13– 16) والزعيم الموعود به(أعمال 7:37)وحية النحاس الفدائية( يوحنا3:14– 15)هذا غيض من فيض.

                                                    الجوع لاستماع كلمة الله

لا يلج عتبة الكتاب المقدس إلا من يؤمن حقا بأنه كلمة الله الموجه إلى البشرية، ويقترب منه كما إلى”ارض مقدسة” (خروج 3: 5) بروح التواضع والصلاة. فيرقى بنفسه المتجردة إلى القيم الرفيعة التي يدعونا إليها الكتاب، كمحبة الله لنا والدعوة إلى الارتباط به ومخطط حبه في البشرية وفينا. والعهد الجديد والأنبياء أخصب حقل لذلك.

     ويلقننا أيضا روح الصلاة الحقيقي اعني به الاتجاه بكليتنا إلى الله مصدر

كل شيء (يوحنا 1:16 – 17). هذا علاوة على صلوات مدهشة يقدمها لنا الكتاب في السجود والتوبة والشكر… والمزامير جنينه نجد فيها كل ذلك وأكثر. والكنيسة، منذ ولادتها، جعلت من الأسفار المقدسة مائدة لبنيها بجانب مائة المذبح، فزخرت طقوسها وتعاليم أبائها بروح الكتاب ونصوصه.

 لذا ندعو وبإلحاح إلى مطالعة الكتاب المقدس بشغف وإيمان، لاسيما العهد الجديد، وجعله مرجع العائلة في سهراتها، فيتغذى بتعاليمه الشيخ والشاب، وليكن اعز كتاب على المسيحي يضعه في اعز موضع من منزله، كصديقنا الشماس إبراهيم.

  

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s