Posted by: abu faadii | 2013/08/01

المسيحي والوطن

المسيحي والوطن 

       إن بذرة محبة الوطن هي في محبة الأسرة، فالعائلة وطن صغير في الوطن الأكبر، إنها وطن الذكريات، وطن الأرواح والقلوب. فإذا ما طاب لنا هواء وطننا، فلأننا تنشقناه أول مرة في بيوت آبائنا ؛ وان غزت علينا شمس بلادنا، فلأننا أبصرنا نورها أول الأمر ونحن في أحضان أمهاتنا الدافئة، فمن حارب العائلة أو أراد بناء وطنية أو نظام، مهما كان اتجاهه، خارجا عنها هدم ما أراد بنيانه. 

الوطن ارض ودم وتاريخ 

      فالوطن، إذن، ارض ودم وتاريخ وبناء. ارض تجمع أفرادا تشدهم إلى بعضهم البعض مصالح مشتركة وتسوسهم قوانين عامة ترعى حقوقهم وتصون حرياتهم، وتشكل هذه الأرض ضمانا لحياة الأفراد ضمن المجموع لا خارجا عنه، مما لا يتم الإنسان في العزلة. والأرض لا تكون وطنا إلا إذا عاد إليها الأفراد كما إلى دارهم الخاصة، وفلحوها كما يفلحون حقلهم الخاص، ونظروا إليها نظرة الحنان التي يعانقون بها عش أحلامهم وأمانيهم. الأرض وطن إذا ما استطاعت تربيتها أن تخلق في الأفراد وشائج مجتمع يؤمن  بحتمية وحدته، ويرى في هذه التربة إطارا قدسيا يشهد جهاده، وكيانا غاليا تنمو فيه حياته، كما في أسرة كبيرة.

لقد كانت المجتمعات البدائية عبارة عن مجتمعات عشائرية، ومع طبيعة الإنسان النازعة إلى الاختلاط والتعاون تحالفت القرى والمدن المجاورة للذود عن أراضيها أو توسيعها وتحسين أحوالها، فولدت الأقاليم المختلفة من شعوب تجمعها وحدة الدم والقرابة، ثم انصهرت فيها قوميات أخرى مختلفة تحركها عوامل متباينة كالدين أو الجوار أو اللغة أو الفتوحات أو المصالح المشتركة.

      والوطن والتاريخ جاهدت في تسطيره على ألواح الزمن أجيال من الرجال والنساء سقوا تربة الوطن بعرق جباههم وبدمائهم، فنبتت حضارات، وازدهرت شعوب نحن ثمارها الباقيات. فوحدة التاريخ هي من اقوي العوامل التي تكون الوطن وتبني وحدته.

      وقولنا إن الوطن بناء معناه أن الوطنية السليمة ليست تباهيا بملاحم الجدود بقر ما هي تخطيط وتصميم لغد أفضل. بعبارة أخرى الوطن تاريخ لم ينته تحريره، وعلى كل جيل أن يضيف إليه جهاده وانتصاراته وعزيمته وتضافر جهود أبنائه. به1ذا التآزر والعزم الوطيد على بناء المستقبل، من جميع النواحي الحضارية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والدولية، يتم الشرط الأخير من شروط قيام الوطن. 

هل المسيحية تؤمن بالوطن 

      الإنسان كائن تمتد جذور بنوته إلى ابعد من أسرته اللحمية: انه ابن تربة ومناخ معينين وبيئة مجتمعية خاصة ساهمت مساهمة أبوية في تكوين شخصيته التي صقلتها تقاليد وعادات اجتماعية  عريقة ؛  وطبعتها بختم سري                لا يمحى، ثقافة فطرية وتربية دينية تقولب الضمائر ولنفوس عبر شرائعها ومؤسساتها ؛ وكرستها، في معظم الأحيان، لغة ليست مجرد طريقة للتفاهم والتعبير، وإنما هي قناة وصل لطرائق معينة من التفكير والتصوير والثقافة، وهي بذلك تقدم للمواطن فلسفة معينة في الحياة، إن هذه الجذور اعرق وامتن من أن تتنكر لها المسيحية، بل أنها تعترف بفضلها، وقد امتزجت بها هي نفسها عبر الأجيال ورفعت من شانها.

      قد يخال لبعض البسطاء إن المسيحية ديانة روحانية لا تمت بصلة إلى المنظورات والمحسوسات لأنها تبحث في خلاص الفرد وآخرته. يقولون أنها كشف للحقيقة المطلقة، فكيف تكون ذات علاقة بقضايا يلفها زمان مائل كالظل وتأخذ شكلا ولونا يختلفان تحت مل سماء؟ صحيح إن المسيحية نداء وطريق للإنسان إلى الوطن الثابت مع الله الذي هو الحقيقة الأزلية   ورجاء يرفعه إلى مستوى المحبة الإلهية التي تجمع الكل في وحدتها،” غير أن هذه المحبة الإلهية نفسها، كما جاء في صورة الاعتراف بالإيمان التي جاهر بها البابا بولس السادس باسم الكنيسة، بمناسبة اختتام سنة الإيمان (1968)، هي التي تدفع الكنيسة إلى الاهتمام دوما بصالح البشر الأرضي. وإذا لا تني تذكر أبناءها أن ليس لهم ههنا مدينة باقية، فهي تحثهم أيضا بالإسهام في صالح المجتمع الذي ينتمون إليه”.

      لقد كان للمسيح وطن ارضي، ولقد أحب المسيح هذا الوطن محبة عظيمة، فرأى صورة أبيه الناصعة في زنابق حقوله وينابيعه وعفر رجليه بتراب طرقاته، وطالما أوى إلى جباله وناجى أباه في صمت لياليه المقمرة، ولا زالت سفوح جباله ورباه وأمواج بحيراته  وسواحل  أردنه تردد صدى صوت العذب. لقد أحبه وعز عليه أن تدوس القدم الهمجية عاصمته المقدسة فذرف الدموع السخين على مصيرها  

       والمسيحي هو أيضا متصل بالأرض التي أنجبته اتصال الجذور بالتربة، ومغمور بسماء بلاده وخيرات وطنه، فهو لذلك مواطن في بلد معين، بكل ما تحمله هذه الكلمة من مقومات وتثير أحاسيس  وتوحي من ربط والتزامات اجتماعية  وقومية  وحضارية، فالمسيحي الصالح هو مواطن صالح. المسيحية تؤمن، إذن، إيمانا راسخا بالوطن، وتعتبر محبة الوطن فضيلة تتصل بمحبة الوالدين وبالتقوى لله. فمن اخلص لله اخلص لأسرته، ومن اخلص لأسرته اخلص لأقربائه ولجيرانه ولأبناء قريته او مدينته، ثم تتسع دائرة عاطفته فتشمل بلاده التي هي امتداد لأسرته.

دعائم المواطنة الصالحة 

إن المواطنة الصالحة ترتكز على دعائم ايجابية أربع وهي:

الإخلاص

والتضحية

والشعور بالمسؤولية

واحترام السلطة.

      إن الإخلاص في العمل وفي الخدمة العامة هو أول ركيزة من ركائز الوطنية الحقة، ومن دونه يصبح كل ادعاء بالوطنية والمصلحة العامة ضرب من ذر التراب في العيون. ويتناول هذا الإخلاص أول ما يتناول العمل الفردي الخاص، فحين يتقن المواطن واجبه ويحسن القيام بخدمته، فانه بذلك يخدم نفسه ووطنه معا، إذ يعمل لمصلحته الخاصة وينهض بأعباء ذويه ويساهم في زيادة الثروة الوطنية وتحسينها. وهذا الإخلاص ضروري وأكثر قدسية في القطاع العام حيث يتسلم فرد من ابناء الشعب مسؤولية باسم الدولة والشعب  ليخدم مصالح المواطنين أو يؤدي نصيبه في إنماء الدخل القومي، لا ليروي جشعه أو ليسخر وظيفته لمآربه الشخصية، فالفلاح الذي يكد بكل طاقاته لاستثمار أرضه وإخصاب تربتها، والموظف الذي يستقبل المواطنين بلطف ويقضي إشغالهم بسرعة ومساواة، والمعلم الذي يعلم النشء الجديد.. هؤلاء وكل مواطن   إن اخلصوا في واجباتهم، خدموا وطنهم اجل خدمة ونهضوا ببلادهم إلى مستوى الأمم الراقية.

     والمسيحي إذ يخلص لبلده يعرف انه يخلص لدينه الذي يأمره بالأمانة. فالتقصير في واجبه، أو خيانة ثقة أولته إياها دولته هي أمور لا يجد ران تطاوع ضميره البتة، كثيرا ما يضرب المثل بأمانة المسيحيين وإخلاصهم، فينبغي علينا أن نحرص كل الحرص على هذا الاسم موقنين بأننا بذلك نؤدي شهادة فريدة لسمو مبادئ إنجيلنا ونبرهن على صدق وطنيتنا. 

      والوطنية الصادقة تقود حتما إلى التضحية لأنها في طبيعتها إيثار الخير العام على المصلحة الخاصة. والتضحية عنصر جوهري وشرط أساسي لكل ما يراد له النجاح ؛ فمن كان هدفه نهضة البلاد  وكان همه المساهمة في رقي أمته، لا بد له أن يقبل بالتضحية مقياسا لصدق نواياه، والتضحية معناها نكران الذات وهي بذل وعطاء

       قد يضطر المواطن إلى حمل السلاح والدفاع عن الوطن ضد كل طامع أو معتد وخوض حرب قد تؤدي بحياته، وتفرض نفقاتها  تضحيات حقيقية على كافة المواطنين، ولكننا إذ لا نبغي هنا دراسة حدث الحرب، هل هي عادلة أم لا، إنما نصرح بان كل حرب دفاعية هي مشروعة، لأنها جاءت دفاعا عن النفس، ولكن ضميرنا الإنساني والمسيحي يأبى إلا يشجب الحرب التي هي إحدى ويلات البشرية الكبرى، وذلك لأنه يؤمن بالطرق السلمية للتفاوض والحوار سبيلا إلى فض المشاكل الدولية والخلافات الإقليمية، وليس له أمنية أغلى من أن تقلص الدول من ميزانياتها الحربية وتكرس جهودها بالأحرى للإنماء والبناء، كما دعي إلى ذلك البابا بولس السادس في بومباي وفي خطابه الشهير في هيئة الأمم المتحدة بنيويورك. ويجدر بنا أيضا أن نذكر قول ابن أبي طالب في هذا الصدد:” إن في الصلح أمنا للبلاد، ويئس العدوان على العباد، من زرع العدوان  حصد الخسران، والغالب بالشر مغلوب”.

      ولكن الإخلاص والتضحية لا يبلغان أبعادهما الحقيقية إلا إذا تشبعا بالشعور بروح المسؤولية. ما أحوجنا إلى هذا الشعور في بلادنا! فالوطنية الصادقة لا تقتصر على العواطف مهما بلغ عمقها، وبالرغم من كون العاطفة عنصرا هاما في الوعي الوطني ؛ فليست الوطنية خطابات وهتافات، فقد لا تشكل هذه المظاهر سوى أقنعة مموهة للروح الوطنية الأصيلة.كما أنها ليست في تأوهات التماسيح التي يطلقها قوم متباكون على جهل مواطنيهم أسس المواطنة الصالحة، وهم لا ينون يتنكرون لقيم بلادهم وإمكاناته ويتقلبون كل ما يأتيهم من خارج الحدود وكأنة الكتاب المنزل، أو ينظرون كل شيء من الدولة، إن هذين الداءين العضالين، اعني يهما الأنانية والاتكالية هما ألد أعداء الوطنية  الحقة  لأنهما يوحيان بالجمود ويجهضان كل طموح.

      إن الروح الوطنية الصحيحة هي إذن في التروي والاتزان والتعاون مع كافة المواطنين لاختيار أفضل السبل لخدمة الوطن. وعليه لا يمكن أن تنشكثيرين.فوس مثل هذه الروح الصادقة ما لم تتغلب على النزعة الأنانية وروح التهرب ومنطق أل” آني ياهو مالتي؟” الذي يجري في عروق كثيرين.  إن كل مواطن، مهما كانت مكانته الاجتماعية، مشؤول عن جزء من التركة الوطنية ومدعو لان يسخر كل قواه وإمكاناته المادية والمنوية لاستثمار هذه التركة التي هي أمانة برقابنا، فتقلص بذلك من اتكالنا على الأجنبي   ونسير بأمتنا نحو مجتمع الاكتفاء  لنذكر قول جون كندي المأثور:” لا تنتظر ما تقدمه لك الأمة   بل ما تقدمه أنت للأمة”.

      ولا جرم أن رسالة التوعية بروح المسؤولية الوطنية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الأدباء والمحررين والفنانين والمربين ؛ فهم بحكم دعوتهم القيادية   يوجهون المواطنين ويوقظون انتباههم على طاقات بلدهم وتراث شعبهم الروحي والحضاري.وللصحافة دور فريد في تأدية رسالة التوعية   فبحق نعتوها بصاحبة الجلالة لأنها تتبرع على عرش الرأي العام وهي لسان الأمة الهادر ومرآة طموحها.

أما الركيزة الرابعة للوطنية فهي احترام السلطة التي تمثل البلاد وترعى مصالح المواطنين وتشرع القوانين والأنظمة لخدمة الخير العام ونشر لواء المساواة ومعاقبة العابثين.

      إن الكنيسة تعتبر السلطة الشرعية مؤسسة تستحق كل الاحترام وكل الطاعة  وتهيب بأبنائها أن يخضعوا للسلطة القائمة في كل شيء ما خلا ما يضاد الإيمان والضمير مباشرة. وقد رسم القديس بولس معلم هو الطاعة في رسالته إلى مسيحي روما:” ليخضع كل واحد للسلطات المنصبة ؛ فانه لا سلطان إلا من الله  والسلطات الكائنة إنما رتبها الله  فادوا أن للجميع حقوقهم ؛ الجزية لمن له الجزية  والجباية لمن له الجباية  والمهابة لمن له المهابة  والكرامة لمن له الكرامة”. (رومية 13: 1  7). 

العراق وطني وارض آبائي 

       إن الإرث الوطني عزيز علي وبمهجتي افديه لأنني فيه أجد آثار آبائي وإصبع أجدادي ودروب أمتي. العراق أحبه  ولا يلومني احد بهواه، لأنه تربتي وارض حرثتها أنامل أبي واخصبتها لآليء جبينه. انه يثير في مشاعر عارمة، وكل شيء فيه يحرك أوتار قلبي: نضاره مروجه في الربيع، عيونه الرقراقة، انهاره المتدفقة، أعماق وديانه وشموخ جباله، اتساع سهوله، جمال قراه في ليالي أيلول المقمرة، وروعة أعياد مواسمه…

      وإخلاصنا ومحبتنا لوطننا الأم يدفعاننا في التيار نفسه إلى توسيع اهتمامنا وإخلاصنا للبلدان الشقيقة، لتنسيق الجهود الرامية إلى وحدة الصف والكلمة، أن النزعة الوحدوية التي تشغل الإنسان العربي اليوم ليست مجرد نزعة دفاعية، وإنما هي وليدة عوامل كيلنية تربط أجزاء هده الرقعة من العالم، بغض النضر عن المعتقدات والقوميات التي تحتضنها، واهم هده العوامل هي رابطة التاريخ المشترك الذي وحد شعوب  هذه البلاد منذ القديم في مسيرة واحدة ومصير واحد ؛ ورابطة اللغة العربية التي أمست منذ الفتح العربي أداة تفاهم وإطار للتفكير واهم عامل وحدوي، بالرغم من وجود لغات عريقة ولهجات أخرى يتداولها السكان ؛ ورابطة المصالح المشتركة. وأخيرا، وليس اقلها شانا، الرابطة الجغرافية التي ساهمت مع ما سبق في خلق شخصية عربية مميزة. 

… وسائر الأوطان 

     ليس غريبا على طبيعة البشر أن تختلف وجهات النمطلقا.م، أو أن تظهر حدود ومصالح، إنما المؤسف حقا هو أن تعالج هذه المشاكل وذلك التباين بالعنف والاستعلاء وحب السيطرة، فالاستعمار ما نشا إلا على هذه الأسس منساقا وراء مصالحه، وجريمة هتلر الكبرى، في نظرنا، لم تكن في استفزاز أوربا وإشعال نار الفتة الكونية الثانية، بل في كبريائه القومية المفرطة التي أنجبت النازية ونادت بتفوق العرق الألماني، واعتبرت الإنسان الألماني”إنسانا فوق البشر”.

    إن التطرف وحب السيطرة لم يخدما قضية الوطنية مطلقا. فحب الوطن، إن كان صادقا، لا يعني التنكر لسائر البلدان، وحب القومية والتفاني في سبيلها لا يدعو إلى ابتلاع القوميات الأخرى، بل إلى التعاون والانفتاح والسير معا، لاسيما إذا صهرها تاريخ واحد ومبادئ سماوية واحدة.

     إن حروبا عنصرية عديدة وتحركات أنانية محمومة تجتاح بلداننا عدة اليوم، وهي ليست بشيء صالح المحبة اللاهية ولا لخير البشرية فالكنيسة مدعوة في هذه الظروف، أكثر من أي وقت مضى، لإعلان قوة المحبة على قلوب البشر، غير أن هذه القوة لن تعتلن إلا إذا جد كل مسيحي، وكل ذي إرادة صالحة، عن وعي  وسخاء، في تحرير قلبه ونفسيته من كل تقصير ضد الحق والتسامح.  إن العالم ينتظر من المسيحيين أن يبعثوا من جديد قيم الصداقة بين جميع الناس، ويساهموا في اجتثاث الخلافات القائمة بين البشر، والجهاد لاقتلاع كل أصناف البغضاء. إن الكرامة لن تنجب السلم أبدا، و”مغنم” كل حرب هو أنها تخلق جوا ملائما كل الملائمة لتفجر أحقادا جديدة ونزاعات جديدة، وصراع الطبقات لا يشد عن هذه القاعدة. فيجب علينا أن نتطلع، وسط الصراع، إلى إقامة علاقات بشرية تتيح للناس أن يتوحدوا في الحب، فالغاية من الأوطان ما هي إلا خدمة المواطنين والحفاظ على كرامة الإنسان. 

الشخص البشري  ركن الوطن 

       اجل، إن كرامة الشخص البشري هي فوق كل الخيور، فلا يجوز لأية سلطة أو فلسفة اجتماعية أو مبدأ اقتصادي أن يستعبد الإنسان أو ينظر إليه كمجرد أداة إنتاج. فالعقيدة المسيحية، مع تقديسها للوطن ودعوتها إلى خدمته حتى الدم، تعلن أن ليس الإنسان من اجل الوطن، بل الوطن من اجل الإنسان، والوطن الحق هو الذي يتيح لابناءه أن يحققوا الخير العام عن طريق تفتح كامل لشخصيتهم الخاصة. فقد جاء في الرسالة العامة”السلام على الأرض” للبابا يوحنا الثالث والعشرين:

” إن الإنسان من حيث هو إنسان، ليس هو موضوع الحياة الاجتماعية وعنصر انفعال فيها، بل هو، ويجب أن يضل كذلك، الأساس والغاية منها، وهنا حق أساسي آخر وهو حماية القانون لحقوق الشخصية حماية فعالة”.  وتشمل هذه الحماية حقوق الإنسان الكامل اعني حقوقه المدنية والثقافية والدينية والاجتماعية. 

مساواة وعدل في الحقوق والواجبات 

      لذا فان وحدة شعب لا تتحقق في وطن معين إلا إذا استندت إلى حكومة واحدة تنظر إلى جميع المواطنين بعين واحدة وازن الكل بكيل واحد. وهذا يقودنا إلى التصريح بان كل نعرة طائفية أو قبلية أو طبقية وكل نزعة أنانية أو انطوائية هي معول تنسف وحدة التربة وتفكك أوصال الأسرة الوطنية، وكل تمييز عنصري أو ديني إسفين قاتل لكل محاولة في بناء الوطنية الحقة: فقد قال شاعرنا الكبير معروف الرصافي في هذا الباب:

                إذا جمعتنا وحدة وطنية            فما علينا إن تعدد الأديان؟   

    فالدولة إنما انبثقت من إرادة الشعب ورضاه لا لفئة معينة بل لخدمة جميع المواطنين. ومن أقدس واجباتها الحفاظ على النظام وضمان حرية الفرد ضمن القانون، فكما أن الجميع متساوون في الواجبات فكذلك ينبغي ران يشتركوا في الحقوق وتحمل مسؤوليات الوطن وإدارته، كل وفق طاقاته وكفاءاته، فالكل سواسية أمام الدستور.

المسيحيون والمسلمون إخوة في وطن واحد 

        تاريخنا، نحن مسيحيي ومسلمي الشرق العربي متداخل، ولنا ما لنا من عقائد مشتركة ومرامي روحية واحدة، ومنذ فجر الإسلام امتزجت دماؤنا، كلانا، بتربة بلادنا الواحدة للذود عنها. فعلى غرار التسامح والتعاون اللذين نسج عليها الأقدمون في دمشق وبغداد علينا نحن أن نسير. ففي سوريا الأمويين كان اختلاط المسيحيين والمسلمين كذا متينا حتى أدوا الصلاة تباعا في كنيسة واحدة، وسيخلد التاريخ اسم يوحنا الدمشقي (676 – 749) وزير معاوية الأول. والأخطل، الشاعر النصراني الكبير، (64. – 71.) لم تمنعه نصرانيته من أن يلقب” بشاعر بني أمية” و” وشاعر أمير المؤمنين”. 

      وكذلك الأمر في العراق حين اندمج المسلمون القادمون بسكان البلاد الأصليين، وتقلد بعض المسيحيين تحت ظل الخلافة العباسية مناصب هامة في دوائر المال والكتابة والمهن الحرة. فقد كان معظم أطباء الخلفاء من المسيحيين وهم الذين نقلوا الحكمة اليونانية إلى الحضارة العربية. واتخذ الخلفاء مستشارين لهم من المسيحيين، فقد جعل المعتضد بالله احمد (892) رئيسا نصرانيا على المكتب الحربي لجيش المسلمين، وما ذلك إلا دليل ثقة وأمانة.

      وفي العصور الحديثة ناضل المسيحيون والمسلمون جنبا إلى جنب ضد الاستعمار العثماني والغربي في الوطن العربي، وظهر أكثر من زعيم مسيحي عربي قاد الفكر العربي المعاصر. أما في حقل اللغة والآداب والفنون والعمل فقد حمل مسيحيون عديد لواء النهضة الحديثة بمدارسهم ودراساتهم. فقد كانت جريدة”مرآة الأحوال” لصاحبها  رزق الله حسون أم الصحف العربية، وقد ظهرت في اسطنبول سنة 1855، وفي سنة 1875 أسس سليم بشارة جريدة”الأهرام” في مصر، وتبعتها سنة 1892 مجلة”الهلال” لجرجي زيدان. وفي الجزائر لا زال صدى كتابات الأديب العربي المسيحي الجزائري مالك حداد يرن مطالبا بالحرية لبلاده   وقد انظم فعلا إلى الثورة الجزائرية عام 1954.

     إننا، إذن، جميعا إخوة أنداد تعز علينا تربة الوطن الواحد” فيتحتم علينا، من ثمة، أن نعيش في بلادنا، مسيحيين ومسلمين، لا كنكرات خاملة أو طفيليات تمتص ولا تدر، إنما كمواطنين ناضجين يعون مسؤولياتهم. وحدة التاريخ والمصير والوطن تهيب بنا جميعا إلى أن نلقي جانبا رواسب الماضي وعفونة النفوس المريضة المتشبثة بامتيازات عصور الفتوحات والإقطاع أو المنكمشة عل ذاتها بجمود، فنتكاتف ونتعاضد لنبني وطنا حرا ومستقلا، ونرقي بمجتمعنا سوية في سلم الوعي والعلم والحضارة والمثل العليا ونصنع من بلادنا الحبيبة واحة ينعم فيها جميع المواطنين، على  اختلاف أديانهم ونحلهم وقومياتهم، بالسلام والحرية، ونغرف الحقيقة سوية من كل بئر، شريطة أن تكون البئر صالحة، ولا نتنكر لتراثنا القومي ولمبادئنا السماوية. كما يقول المفر العربي رينيه حبشي اللبناني:” لنستضيء في يومنا، بالماركسية الشخصانية وبالوجودية سواء بسواء، ولكن شرط أن نغوص ناحية ابن سينا وابن رشد وفي ناحية توما الاكويني واوغسطينوس، فنهتدي إلى أطرنا العقلية. ولنطلب أدق العلوم الاختبارية وأجراها، ولكن شرط أن نعود إلى جذورنا الدينية عند الغزالي والأشعري وعند غريغوريوس النازيانزي ويوحنا الدمشقي. ولنحاول ما تقول به مذاهب التجريبية، على أن نشاور، أولا، أرسطو وأفلاطون، لئلا تؤدي بنا هاتيك المذاهب.ولنتمن اغرب التطورات الاجتماعية كلها، ولكن شرط أن نتأمل بادئ ذي بدء، في حقائق الإنجيل والقران”.

قضيتنا الكبرى: فلسطين 

      إن هذا النضال المشترك لازم علينا بنوع اخص في قضيتنا الكبرى، قضية فلسطين. أنها قضية مصيرية بالنسبة لنا، ولسنا إزاء مناوشات حدود عابرة أو اقتتال أحمق على شبر من الأرض: الأرض أرضنا ونحن إزاء قضية عدل هدر، وحق عربي اغتصب، وارض مقدسة دنست.

       هذا ليس في نيتنا، في هذه العجالة، قديم دراسة مفصلة عن قضية فلسطين، ولا نبغي التطفل على محراب السياسة، فهذا ليس شاننا وليس من اختصاصنا، إنما ننظر إلى المعضلة من وجهة النظر الإنسانية والمسيحية لا غير، وما يلي من أفكار يتوجه بصورة خاصة إلى المسيحيين كي يساعدهم في صوغ حكم صائب ومستنير يستند على الموضوعية والعدل والكرامة في نقاط ثلاث، هي: 

سوابق الكارثة وواقعها الأليم

     عاش الفلسطينيون، يهودا ومسيحيين ومسلمين ودروزا، في ألفة وحسن جوار واختلاط سلمي مدة تسعة عشر قرنا، إلى أن أعلن وزير خارجية بريطانيا بلفور، سنة 1917، وعده المعروف باسمه” بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.

      تعاطفت أميركا وأوربا  مع انكلترا في تحقيق هذا الوعد تكفيرا عما لحق بيهود أوربا من بربرية النازية وظلمها، فوقعوا في ظلم آخر إذ طردوا واستباحوا مليون عربي من المسيحيين والمسلمين، نحرت أرضهم بكرم حاتمي غنيمة باردة لغزاة بلا ضمير مثلوا دور حصان طروادة لتمكين الاستعمار من البقاء في الشرق العربي. فالمرامي الإنسانية التي تسترت وتتستر ورائها الدول الكبرى، ونداءات الصهيونية التي لا تني تدعو العرب إلى عقد صلح دائم، وتتبجح بالمساواة التي”تخيم” على مواطني”دولتها” العرب، ما هي إلا مناورات وأكاذيب، وإلا ما معنى هذا التحدي الفاضح المتكرر لمقررات الأمم المتحدة ومجلس الأمن منذ 1947 والى يومنا؟ ولماذا لم يعيدوا المليون لأجيء عربي، يضاف إليهم النصف مليون آخر، حصيلة عدوان 67، إلى بيوتهم ووطنهم؟

        انه منطق عقلية عنصرية بحتة، والدلائل كلها واضحة على أن”إسرائيل” نشأت بالعنف وهي قائمة على العنصرية، لذا فهي تحمل في جسمها سرطان انحلالها، ولا يمكن لأي مسيحي أن يهادن مع العنصرية أينما وجدت لأنها ظلم واستهتار. إننا نحن العرب مسيحيين ومسلمين، نناهض المغتصبين لا على أساس الدين، فالدين اليهودي كأدياننا سماوي، وقد عاش بين ظهرانينا يهود منذ ألاف السنين، إنما ضميرنا يلبى المظالم التي ارتكبت باسم الدين. 

الكنيسة وقضية  فلسطين

      لقد أسمعت الكنيسة رأيها في هذه القضية مرارا وتكرارا، وهي لم تدع فرصة إلا ونادت بحل عادل يكفل لجميع الفرقاء الكرامة والطمأنينة، وللشعب العربي الشريد استرجاع أرضه. فمن بيوس الثاني عشر، إلى يوحنا الثالث والعشرين، إلى بولس السادس، إلى البطاركة الشرقيين ومواقفهم المعروفة إبان انعقاد المجمع المسكوني وبعده، إلى المجمع ذاته والى مجلس الكنائس العالمي وما زالت المساعي تبذل على صعيدات مختلفة لإحقاق الحق العربي ودعم إرادة اللاجئين في العودة، وفتح الأماكن المقدسة أمام جميع الحجاج من مسيحيين ومسلمين ويهود. وما رفض الفاتيكان الاعتراف بإسرائيل كدولة، بالرغم من مناورات الدبلوماسية الإسرائيلية وبعض الدول التي تعطف عليها، إلا برهانا ساطعا على صدق نوايا الكنيسة، في شخص رئيسها الأعلى، في الدفاع  حتى النهاية عن حق سليب، وارض مغتصبة وشعب ضحية.

      إن موقف الفاتيكان من قضية فلسطين وشجب الكنيسة لكل اعتداء إسرائيلي على المقدسات وعلى المدنيين نابعان من شعور ديني وأنساني محض، ولا مرامي سياسية لهما مطلقا، لان الكنيسة”أم الشعوب ومربيتها” لا تميل إلا صوب الحق والعدل.. فمنظماتها الخيرية”كالبعثة البابوية لفلسطين” ومنظمة”الغوث الكاثوليكي” ومنظمة”المحبة الدولية” وغيرها معروفة في مخيمات اللاجئين في سوريا والأردن ولبنان وغزة للخدم الجمة التي تقدمها لأبناء فلسطين الجريح: كل ذلك بدافع من محبتها للعدل ومناصرة الضعيف والإخوة بين الناس. 

المواطن العربي المسيحي وفلسطين

        إن فلسطين مقدسة للمسيحي أكثر مما هي لأخيه المسلم، لأنها وطن المسيح وارض الفداء ومهد الدين المسيحي، فبيت لحم، والقدس، والناصرة، ونهر الأردن، والجلجلة وكل شبر منها يحمل أقدس ذكرى وأكرمها على قلب كل مسيحي. لذا يحمل تفهم المواطن المسيحي للقضية الفلسطينية قيمة فريدة.” إن الكلمة التي ينطق بها الأخ العربي المسيحي – ولا سيما إذا كان من رجال الدين – تساوي في هذا المضمار إلف كلمة ينطق بها أي واحد من المسلمين، ولو كان من كبار المسؤولين”. هذا ما أدلى به فضيلة الشيخ صبحي الصالح، احد أئمة الإسلام في لبنان، أمام حشد كبير من رجال الدين والشخصيات المسيحية والإسلامية، في”الندوة اللبنانية” عام 1965.

      لقد نشأت المعضلة المستعصية من مغالطات تاريخية  فاضحة وسياسات خرقاء تجاهلت الإنسان العربي أيما تجاهل، فأمسى صاحب البيت غريبا مشردا، وتربع النزيل سيدا آمرا، وكدنا نطوي ربع قرن في هذه الدوامة المريعة، وستدوم إلى ما شاء الله والى أن يستيقظ الضمير العالمي: حينئذ يعود السلام.

ولكي يقترب يوم السلام هذا، ورحمة بإخوتنا وأبنائنا، وانتصارا للإنسان البسيط الذي يريد أن يحيا دون صراع، أو خوف، أو تهديد، أو حرب، في عالم ناء عن الحقد والبربرية، رافل بالعزة  والكرامة والحرية، سائر في طريق التطوير والمثل العليا  نرى  أن  أي  تسوية  للقضية  لا تعتمد الأسس التالية  تسوية  فاشلة ومنحازة  وهي:

الانسحاب الكامل للقوات المعتدية عن الأراضي العربية المحتلة بالعنف والدسيسة.

عودة جميع اللاجئين إلى ديارهم.

التعويض الكامل عما فقدوه وعن كل الأضرار التي لحقت بهم منذ تشريدهم كما تفعل بعض الدول مع اليهود الذين اضطهدتهم.

الاعتراف بحق جميع سكان فلسطين الأصليين مهما كانت معتقداتهم أن يكونوا مواطنين كاملي الحقوق في وطنهم إلام.

اشتراك جميع الفلسطينيين إشراكا فعليا في تقرير مصيرهم وفي الحياة السياسية في بلادهم   دون أي تمييز عنصري أو ديني.

إفساح المجال لليهود من غير فلسطين أن يعودوا إلى أوطانهم الأصلية في أوربا وأميركا.

 قبول القرارات الدولية العادلة الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

      هذه هي الأسس السليمة العادلة الكفيلة بان تعيد السلام إلى وطن السلام   فترن من جديد على تلك الروابي أجراس الحب والبشرى السارة  وإلا لبقينا  نحن وأولادنا وأحفادنا  مكتوب علينا أن نعيش باستمرار حرب أعصاب ونابا لم وتهديد وانتقام وقصف ونسف وتشرد وتخلف.

                                            الأب جرجس القس موسى

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: