Posted by: abu faadii | 2013/08/02

أمنيات وحدوية أم

1978 المقالات 

أمنيات وحدوية أم تخطيط نحو الوحدة..!! 

منبر حر/ شباط 1978 

      أصبح الحديث عن الوحدة المسيحية نغمة طالما فقدت عذوبتها لكثرة ما تغنينا بها! ففي كل عام –وبالتحديد في اسبوع الصلاة لاجل وحدة المسيحيين (18-25ك2)- يشدد الخطباء في الكنائس على الم الانقسام وعلى اهمية الوحدة وضرورتها.. وقلما خرجت هذه الامنيات الى حيز الواقع، أو ترجمت بتخطيط جاد من اجل تحقيقها!

     هذا المقال هو في الاصل كلمة القيت بمناسبة اسبوع الوحدة في 25 ك2 1977 في كنيسة الطاهرة للسريان الارثوذكس بالموصل، نثبتها هنا علها تلقى صدى في نفوس من يهمهم ان تصبح هذه الامنية العزيزة واقعا ملموسا.

      إننا لا نفصح سراً إذا ما قلنا بأننا أصبحنا أضحوكة وموضع تندر بانقساماتنا –لاسيما في مناسبات الأعياد-، حتى الكنيسة الواحدة مقسومة إلى فريقين أو أكثر: هذا واقع مر ولا منطقي. اللامنطق ليس أن تضم الكنيسة شعوبا وطقوسا ولغات وثقافات مختلفة، فهذا غني ودليل على شموليتها اللامنطق ليس في أن تعتز كل جماعة بتراثها وطقوسها وتاريخها، فتلك غريزة طبيعية وحرص على الأصالة. إنما اللامنطق والشكوك هو أن نكون على مسيح واحد ورجاء واحد وإنجيل واحد وأسرار واحدة ونبقى مع ذلك منقسمين عل ذواتنا ونحوم حول مشكلة انقسامنا وكأننا العبرانيون ندور حول اسوار أريحا لتسقط من ذاتها بفعل نفخنا، وهكذا نعيش دوامة الأزمة سنة بعد سنة .

       طالما قيل إن اللاهوتيين والفلاسفة  والساسة والرؤساء الكبار هم الذين صنعوا الانقسام، وان الإيمان بيننا واحد، وان ماسيعيد الوحدة هو المحبة! رؤساء الكنائس أنفسهم، وحتى المثلث الرحمة البابا يوحنا الثالث والعشرون بكل طيبة قلبه،  قالوه بصورة أو بأخرى.. ومع ذلك لازلنا منفصلين، إذ بعد التصريحات نعود إلى انفراديتنا واكتافئنا الذاتي الذي ولدته أجيال من الانفصال والتربية المتوارثة وحتى الحذر.. ونبقى نسير في طريق مسدود.

      بماذا يحكم المسيحي الاعتيادي على مثل هذه التصريحات “الوحدوية” والأمنيات البروتوكولية التي لا تترجم إلى واقع ملموس. هذا المسيحي الذي يصدق مربيه الروحيين وقادته لا يفهم شيئا من كلام الفلسفة وفلسفة الأولويات والكراسي، ويهمه فقط أن يكون المسيح الرب واحدا للكل وإنجيله  قاعدة حياة للجميع، بماذا يحكم هذا المسيحي الاعتيادي على رؤسائه في مثل هذه الأحوال؟ يحكم عليهم بأنهم: إما لا يريدون الوحدة الفعلية حقا لئلا يخسروا امتيازاتهم أو يعكروا صفو طمأنينتهم، فأمورهم ماشية جيداً هكذا، وإما أن لهم مرامي احتوائية للوحدة، اعني أنهم يرفضونها إلا إذا كانوا هم مصممي الحركة وبحسب وجهات نظرهم الخاصة التي قد لا تخلو من التحجر والتعصب! قد يكون الحكم قاسيا، واستميح المعذرة من السادة رؤسائنا. ولكن بماذا نصف تعثر الحركة المسكونية، حتى على الصعيد العالمي، وتراوحها في محلها في الفترة الأخيرة؟ بما نصف الخوف من الاقتراب أكثر من بعضنا المعلنة إلى وقائع  الشعب المسيحي هنا في شرقنا؟

      إننا أصبحنا نعرف بماذا يجيب المسؤولون الكنسيون، لاسيما في المراتب الكبرى، عندما يجابهون بمثل هذه المواقف: “أنها ليست قضية رفض، يقولون، بقدر ما هي فطنة، فطنة لئلا نخطو خطوات عرجاء بتهورنا واندفاعنا العاطفي فنسيء إلى قضية الوحدة بالذات!”. نحن نؤمن بالفطنة، ونريد أن تكون خطوات الوحدة والتقارب ثابتة، ولكن الفطنة تصبح عقيمة والتشبث بها نوعا من التهرب والقبول بالأمر الواقع عندما لا ترافقها أية حركة أو محاولة أو دراسة أو تهيئة نفسية. اجل، من لا يتحرك لا يتعرض للسقوط، ولكنه يتعرض للجمود، والحياة ليست للجامدين. الوحدة المسيحية، كأي مشروع كبير، تتطلب الشجاعة ولا تنفي المجازفة. أنها تتطلب قبل كل شيء إرادة الخروج من الانفرادية والأطر المألوفة للقاء الآخر للعمل سوية كل ما يمكن عمله سوية، سبل تحقيق الوحدة كثيرة ومتعددة وعلى أكثر من صعيد، ولكنني أركز هنا على نقطتين هامتين، يمكن، في تقديري، أن تكون لهما أبعاد ايجابية جدا على الصعيد المحلي، أوجزهما بعبارتين مركزتين:

لا تعملوا منفردين ما استطعتم عمله سوية.

إخراج قضية الوحدة من انتظار مبادرات السلطة الكنسية إلى إرادة الشعب المسيحي.

 قد يبدو الشعاران متناقضين، ويحملان بعض الاستفزاز.

لاتعملوا منفردين ما استطعتم عمله سوية:

     هذا القول ليس لي، فقد قاله أسقف من المع أساقفة الكنيسة الأولى هو القديس اغناطيوس الإنطاكي. ففي رسالة إلى مسيحيي مغنيزية عن الوحدة كتب: “عبثا تحاولون امتداح عمل أتيتموه منفردين ، فليس صالحا إلا ما تصنعون مشتركين”.

    الوحدة ليست مجرد وثيقة يوقعها الرؤساء، بل اقتناعا يكتسب تدريجيا، وحياة تعاش كل يوم، غير إن الحوار الذي فتح بيننا وصل منعطفا سيبقى فيه مجرد مجاملات ما لم تعززه مبادرات عملية على الصعيد الواقعي.

    إننا لا ننكر أن تبدلا محسوسا في المواقف قد حدث، وبعض المبادرات قد اتخذت فعلا كالمشاركة في الصلاة في بعض المناسبات، وتسهيل الزيجات المختلطة، ومناهج التعليم المسيحي الموحدة، وفي بعض الأماكن كالموصل التقويم الموحد، والندوات الدينية المشتركة، ولجنة التثقيف المسيحي. ولكننا نتطلع إلى المزيد. فكم من أمور نستطيع ان نقوم بها مجتمعين ولا زلنا نعالجها منفردين، كل طائفة على حدة، أو كل أسقف حسب اجتهاده الشخصي، فتاتي ناقصة!

    في ما يلي أورد بعض الأفكار والاقتراحات أرضية للعمل الوحدوي المشترك على المدى القريب، وعلى صعيد أبرشيات القطر العراقي، وبالتالي لكنائسنا البطريركية:

القيام بحملات توعية عن طريق المواعظ والمحاضرات والندوات والصحافة المسيحية

وتربية الناشئة تربية مسيحية تنزع الانفرادية والطائفية الضيقة من أذهانهم.

استحثاث الوحدة بالصلاة المشتركة في الكنائس المختلفة، ليس فقط بمناسبة أسبوع

الصلاة السنوي. وكذلك بالمشاركة الطبيعية في الاوخارستيا التي تجمعنا إلى المسيح الواحد. ويمكن أن تكون قداديس الشباب الشهرية التي تقام في الموصل نموذجاً لذلك.

إزالة كافة الشكليات أو التعقيدات التي ترافق الزيجات المختلطة.

التعاون وتنسيق العمل إلى أقصى حد في مجالات النشاطات الاجتماعية.

توحيد الجمعيات الخيرية والأوقاف.

تشكيل لجنة مشتركة لشؤون المدارس وتطوير مناهج التثقيف المسيحي الموحد

ومتابعتها بحسب ما يلائم روح العصر وحاجة الناشئة والبالغين.

تشكيل هيئة عليا، من أساقفة وكهنة وعلمانيين من جميع الطوائف لدراسة مبادرات

التقارب والتنسيق والتوحيد في جو ديمقراطي اخوي، وتكون مسؤولة أيضا عن توحيد الكلمة في المناسبات الوطنية والالتزامات القومية وتمثل المسيحيين لدى السلطات المدنية.

مشاركة الأساقفة الأرثوذكس في اجتماعات الأساقفة الكاثوليك الدورية.

ولعل أهم اقتراح وأقربه إلى قلوب جميع المسيحيين هو العمل الحثيث لتوحيد عيد القيامة، اقله على صعيد العراق.   

        أما النقطة الأخرى:

  إخراج قضية الوحدة من انتظار مبادرات السلطة الكنسية إلى إرادة الشعب المسيحي     فقصدنا منها هو الأتي:

        إلى الآن كنا نقول بان تحقيق الوحدة هو بيد السلطة الكنسية، فان قالت توحدنا وإلا… وهكذا وضعنا المفتاح بين أيديها وحدها ووقفنا ننتظر. لاشك إن للسلطة الكنسية دور القيادة، ولكن القائد الحكيم والناجح هو من يحسن سماع أماني شعبه ولا ينفرد في طريقة حكمه، والشعب الواعي الناضج هو الشعب الذي يدعم قائده بمبادراته واقتراحاته وحتى بإصراره. بوسع الشعب المسيحي، من أية طائفة كان، ومن دون أن يتنكرلعقيدته وتقليد كنيسته الخاصة، أن يبادر إلى تنوير رؤسائه بسبل تحقيق خطوات عملية معينة نحو الوحدة، فيكون عنصر ضغط ومبادرة في آن واحد. إن نحن، كشعب مسيحي، أردنا تحقيق خطوة وحدوية لا تمس العقيدة، وألححنا على ذلك قولا وفعلا،،أفلا يستجيب الأساقفة؟ أفلا يوصلوا أصواتنا إلى البطاركة ويدعموها ويعملوا على تنفيذها؟

      لقد آن الأوان لان يمارس الشعب المسيحي دوره –أو على الأقل أن يمارس دورا اكبر– في تحقيق الوحدة المسيحية، وعدم الانتظار بجمود أن تأتي كل المبادرات من السلطة. إن بقينا على ذلك فسوف نصل متأخرين على كل شيء. ولربما بعد فوات الأوان! طالما سمعنا بان الوحدة تبنى بالمحبة، فهل ننتظر إشارة من الرؤساء كي نحب بعضنا بعضا  ونوحد جهودنا في كل ما لا يخضع لسلطتهم المباشرة؟

     إننا لا ندعو إلى التمرد، بل الى تحمل المسؤوليات مع رؤسائنا الأجلاء. فهم بحاجة إلى دعمنا وتأييدنا، ونحن معهم  وهم معنا نكون كنيسة المسيح. لا يجوزلنا أن نلقي على الرؤساء تبعة الانقسام كلها وعبء إعادة الوحدة. الوحدة عمل جماعي. فكم من مبادرة محلية تقع ضمن صلاحية الأساقفة وضمن الضوء الأخضر الذي أعطته السلطة البطريركية أو البابوية أو المجامع لا تحتاج لكي تتجسد في الواقع، سوى إلى تفهم الشعب المسيحي أو مطالبته وإصراره!

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: