ادولفو بيريز اسكيفيل

ادولفو بيريز اسكيفيل 

ش.ر/آذار 1981 

      في يوم من الأيام أفاق الصناعي والعالم الكيماوي السويدي الفريد نوبل (1833- 1856) مكتشف الديناميت، وقد تحول اكتشافه من طاقة تخدم الإنسان إلى قوة فتاكة تهدد حياته وأمانه. فانشأ جائزة سنوية تمنح لكل من يقدم خدما جليلة لرفاه الإنسانية وتقدمها في مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والفيزيولوجيا والآداب والسلام.

      وكانت جائزة السلام لعام 1980(حوالي 200,000 دولار) من نصيب المناضل الأرجنتيني ادولفو بيريز اسكيفل.

 الأب جرجس القس موسى يحكي قصة هذا المناضل.

 

                                                                    من هو ادولفو بيريز؟

       ولد “النوبل” الجديد في بوينس ايرس عاصمة الأرجنتين عام 1931. وبعد إكماله دراسة الفنون البلاستيكية تعين أستاذا أعلى للنحت في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة في مدينة لابلاتا المجاورة. وفي تلك السنة عينها تزوج من عازفة بيانو ومؤلفة موسيقية كان لها الأثر الكبير في حياته العملية ورزقا ثلاثة أطفال. ولم يثنه تدريسه ولا المحاضرات التي كان يلقيها في عدة مدارس من تنظيم معرض فني لإعماله نالت الإعجاب والجوائز التقديرية العديدة. ولا زالت بعض أعماله تحتل مكانا مرموقا في عدة مدن ومتاحف في الأرجنتين. ففي تلك الفترة كان همه الأكبر استيحاء تراث القارة الأميركية ما قبل كولومبس لإحيائه والغرض منه إغناء الشخصية الأميركية بأصالتها الخاصة بها.

     ولكن تفاقم الوضع السياسي في الأرجنتين، لاسيما بعد انقلاب 1969العسكري واكتشاف ادولفو قوة اللا عنف كطاقة معنوية فاعلة للتحرر، خلقا في حياة الفنان الشاب منعطفا ثوريا نحو الالتزام الاجتماعي في الواقع المعاش. فقد صرح في ذلك بقوله: “في فترة من الخلق والاهتداء ترسخ إحساسي في اتجاه أميركا المعذبة، فانا جزء لا يتجزأ من أحزانها ومعانياتها وأمالها. وتوجه ادولفو المسيحي المقتنع نحو التعمق الروحي مستلهما أصول نضاله من قراءة الإنجيل ومن غاندي رسول اللا عنف. واللاعنف عند ادولفو لم يكن تنصلا من مسؤولية ولا هروبا  من بطش باطش: انه اللاعنف الثوري الذي يمكن أن يقود إلى الاستشهاد، كأي نضال عادل وعنيد.

                                            ** معركة يومية… ونضال عنيد

       بهاتين العبارتين يمكن إيجاز حياة ادولفو بيريز في السنوات العشر التي قادته من ساحات أميركا اللاتينية ومعتقلاتها إلى أوسلو لتسلّم جائزة نوبل للسلام في العاشر من كانون الأول 1980.

      ففي عام 1973 تكرس دوره القيادي لحركة اللا عنف عندما أنشا في بوينس ايرس صحيفة “سلام وعدل” الدورية و “مكتب عمل اللاعنف في أميركا اللاتينية” وصار يساهم بصورة مكثفة في نشاطات الحركة في أرجاء القارة اللاتينية. وفي أعقاب مؤتمر الحركة الثاني في ميدلين (كولومبيا)عام 1974 –وكان المؤتمر الأول قد عقد عام 1971– انتخب ادولفو اسكيفيل منسقا عاما لحركات اللاعنف في أميركا اللاتينية ضمن “مكتب السلام والعدل” الذي انشيء تنفيذا لمقررات هذا المؤتمر الذي ضم 65 مندوبا عن 22 بلدا. وقد جاء المؤتمر غداة استيلاء بينوشي وزمرته على زمام الحكم في شيلي (أيلول 1973) وفي وقت كانت جزم العسكر وبنادقهم تنشر العنف في أرجاء القارة، مما ضاعف في تصميم المؤتمرين على اعتماد إيمانهم المسيحي المستنير أساسا لدينامية نضالهم و(عملهم النبوي) ولفضح كل حالات الظلم والاستلاب.

        وانطلق المنسق العام لحركة اللاعنف حال عودته من المؤتمر في نضال عنيد من اجل حقوق الإنسان الأميركي أللاتينيي المسحوق، وشن مع رفاقه حملة مركزة تطالب الحكومة الإكوادورية بتمليك الفلاحين أراضي زراعية ليفلحوها بحرية، وتناشد الحكومة البوليفية أن تعلن العفو العام. كما حث ادولفو من منبر صحيفته “سلام وعدل” –وقد أصبحت الناطقة باسم “مكتب التنسيق”- حث الأساقفة الأرجنتينيين على الخروج من فطنتهم المزعومة أمام تردي الأوضاع الاجتماعية في البلاد، ودعم تلك المبادرة بالصوم. وفي 1975 سافر إلى باراغواي حيث قاد حملة لصالح الجماعات المسيحية، وفي باغوتا (كولومبيا) نظم لقاء على صعيد القارة (1977) بين مندوبين من الحركة والأساقفة. ولم يمر ذلك النشاط الزاخر من دون أن يثير حفيظة السلطات فاعتقل للمرة الأولى مع رفاقه في ساو باولو، ولم يطلق سراحه إلا بتدخل الكاردينال ارنس رئيس أساقفة المدينة.

      ولكن جل ما تفعله المعتقلات هو شد عزائم الرجال. فقد كشفت نشاطات “مكتب التنسيق” عن خطورة واقع خرق حقوق الإنسان في القارة اللاتينية، مما دفع بادولفو إلى توجيه حملة عالمية بهذا الشأن تتوافق مع الذكرى الثلاثين لإعلان شرعة حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة (1948- 1978)؛ فكانت جولته الأولى في أوربا عام 1976. وفي السنة ذاتها (12 آب) القي القبض عليه للمرة الثانية بينما كان يشترك في اجتماع راعوي في الإكوادور مع 55 آخرين. وبعد إطلاق سراحه تردد في العودة إلى بلاده، غير أن صديقا له طمأنه فعاد إلى بوينس ايرس. وبينما كان مهتما ببعض المراجعات الرسمية اختفى فجأة (5 نيسان 1977)، ولولا إلحاح زوجته اماندا وتحركها السريع لكان اختفى إلى غير رجعة. وانتشر الخبر وانهالت الاحتجاجات والمطالبة بإعادته من كل جانب، فكان الجواب الرسمي الوحيد انه تحت تصرف السلطات التنفيذية. وقضى ادولفو اسكيفيل 14 شهرا في سجن لابلاتا رهن نظام المعتقلين السياسيين القاسي، مع كل ما يتضمنه هذا النظام من استجوابات مملة واستفزازات وحرمان وتعذيب. وإذا كان قد سمح له بمقابلة زوجته، فقد حرم عليه قراءة كتب.. هدامة  كالإنجيل! ولكن إيمان ادولفو مازاده إلا قناعة بعدالة قضيته فحرر في سجنه رسائل رائعة تعكس عمق إيمانه الذي كان يتغذى من الألم ومن الكتاب المقدس الذي صار يستظهر نصوصه استظهارا، مقدما جلجلته من اجل تحقيق  العدالة والحرية. ومن الرجاء الذي يعمر قلبه كان ينفث في أصدقائه وذويه الشجاعة والثبات.

      أخيرا أطلق سراح ادولفو في 22 حزيران 1978، ولكنه وضع تحت المراقبة ومنع من إي تحرك أو سفر. ولم يعد إلى الحرية إلا بعد سنة كاملة من الاتصالات والمداخلات. ومضت عدة أشهر أخرى قبل أن ينال السماح بالسفر إلى الخارج، فطاف أميركا اللاتينية وأوربا من جديد لمتابعة دفاعه عن حقوق الفلاحين والعمال وسائر المظلومين والمعتقلين والمختطفين…

 

                                                                      ** لمن الجائزة

       لقد جاءت جائزة نوبل للسلام الممنوحة لادولفو بيريز اسكيفيل بمثابة إضفاء الشرعية الدولية على نضاله، وإدانة للأنظمة السياسية والاجتماعية التي استهدفها هذا النضال، وتاييد ضمني لأسلوبه النضالي.

       وادولفو نفسه يرى فيها مكافأة للعمال والفلاحين الذين يتنظمون من اجل الدفاع عن حقوقهم حين يقول في مقابلة أجريت معه في شيلي لمجلة “الاستعلامات الكاثوليكية العالمية” الفرنسية (عدد 15 ك1 1980): “إن جائزة نوبل لعام 1980لا تخصني، وإذا ما منحت لي، فقناعتي إنها أعطيت لملايين من سكان قارتنا الذين يناضلون يوما بعد يوم ضد القمع والظلم. إنها للفلاحين والعمال والطلاب الذين يتنظمون من اجل الدفاع عن حقوقهم. إنها للرهبان الذين يعرضون حياتهم وسلامتهم من اجل خدمة الفقراء. إنها لكل هؤلاء الأشخاص الذين ينخرطون من دون ضجة لإقامة نظام اجتماعي عادل في قارتنا المضطربة. فما يهمني هو العمل الصامت الذي يستهدف الضمائر وإتاحة الفرصة أمام الفقراء كي يتنظموا”.

       إن قلب أنظمة الحكم هو اقل شانا في نظر ادولفو من قلب القناعات وتقويم الضمائر من حالة الركود والاستسلام أو التواطؤ إلى حالة من اليقظة والتزام بالتغيير وفضح الاستغلال، لاسيما إذا كان استغلالا فكريا أو ايدولوجيا كما يفعل دعاة نظرية الأمن القومي في بعض دول أميركا اللاتينية الذين يتذرعون بالدفاع عن “القيم المسيحية” بينما هم يسعون في الواقع إلى الحفاظ على امتيازاتهم ومصالحهم وتفردهم بالحكم على حساب الكرامة الإنسانية وتمريغ الحرية الشخصية لدى شعوبهم .

      وإذا كان إيمان ادولفو المسيحي الملتزم يستحثه على الوقوف إلى جانب المظلومين ويعتبر رسالته أن يكون صوت من لا صوت لهم “يعظ بالإنجيل ويقاسم الشعوب اللاتينية – الأميركية  آمالها وقلقها”، فهو يؤمن أن هذا النضال لا يكتسب قوة التغيير وإرغام الأنظمة على إعادة النظر في سياساتها إلا إذا كان جماعيا وشعبيا. لذا فهو يدعو، كشرط أساس، إلى تنظيم الجماهير بحيث “تستطيع فرض إرادتها بالسلام على حكوماتها. من اجل ذلك لابد من مضاعفة التظاهرات السلمية والنشاطات العامة والاجتماعية الموسعة للصلاة… وغيرها”.

      إن أسلوب ادولفو في النضال يتعدى الصدام المسلح إلى المقاومة المنظمة الرافضة واللاعنف. لقد اختار غيره طريق العنف والسلاح لدحر الدكتاتورية ونصرة المقهورين، ولربما فعلوا ذلك مرغمين في معظم الأحيان، لأنهم استنفدوا سائر طاقاتهم. أما هو فقد صمم أن يكسر شوكة الخصم “باللاعنف الفعال”، كما نسميه. و “اللاعنف الفعال” الذي هو أسلوب النضال الذي اتبعه، يقول ادولفو، استلهمه قبل كل شيء من الإنجيل ومن تجارب غاندي ومارتن لوثر كينك، ويقوم على توعية كل مقهور، وعلى القناعة التامة بان العنف، من أينما جاء نيل فاضح من كرامة الإنسان. فالغاية لا تبرر الواسطة. ويستطرد ادولفو قوله: “وهكذا لا يمكننا البقاء لا أباليين أمام الظلم، بل يجب البحث عن سبل عمل لا تناقض الأخلاقية  الإنجيلية”. وقد أوضح فكرته في حديث أدلى به لدى ترشيحه للجائزة العالمية: “لقد وضعت نفسي دوما في خدمة جميع إخواني، من دون حقد، أو اثرة، وقلبي منفتح للحوار لإيجاد الطرق المؤدية إلى العدل والحرية”،

    هكذا ليس اللاعنف عند ادولفو اسكيفيل، وباي شكل من الأشكال، استسلاما أو تنازلا عن حقوق. انه ليس، كما يتخيل البعض، “بحثا عن السلام والنظام بأي ثمن –على حد تعبير ادولفو نفسه– ولا موقفا سلبيا ولا أباليا، إنما هو معركة يومية في الحب واحترام الإنسان، معركة ضد الشر وليس ضد الأشخاص”. انه رفض “للحقد الذي يهدم صاحبه والآخرين، ولا احد يستطيع البناء بالحقد”، كما صرح في مقابلة أجرتها معه مجلة “حاج القرن العشرين” الفرنسية (عدد 21 ك1 1980) 

    هذا هو نداء الأمل والرجاء الذي يطلقه ادولفو بيريز اسكيفيل صاحب جائزة نوبل للسلام، وهذا هو نضاله العنيد من اجل الفقراء والمظلومين. في سبيلهم ترك حياة أستاذ وفنان موهوب في حمى أسرة ما أعطته إلا الدفء، ليلقي بنفسه في صراع مرير مع الأنظمة والحكومات، قاده  إلى السجون والتعذيب وألم النفس والإذلال واحتمال أن لا يخرج حيا من محنته..

هذا النضال ساهم فعلا في تحسين أوضاع الفلاحين والعمال وضحايا القمع والدكتاتورية في أرجاء القارة اللاتينية، وان كان لازال أمامه الكثير.. ولكن جذوة الأمل لن تزداد إلا عطاء:

      “إن قضبان السجن لن تقوى على خنق روح المسيح وحبه الساكن في كل منا بحضوره اللا متناهي. هذا هو أساس خبرتي الذي لا يتزعزع”.

 هذا ما كتبه ادولفو من عمق سجنه يوما! 

       

من اقوال اودولفو بيريز

“ان العنف الذي ينجبه الارهاب والقمع والتعذيب والخطف، سواء صدر عن اليمين او

اليسار، هو عمل لا انساني ينال من الله والانسانية. بقوة العنف قد يمكن الاخضاع، لا الاقناع”. (لدى تسلمه الجائزة).

“ان ما يشغلني عندما افكر بذوي، هو الاجابة الى هذا السؤال: اي عالم نبني لاولادنا

واحفادنا؟ سوف لا اغفر لنفسي اذا ما لم افعل شيئا لبناء عالم اكثر انسانية. وبصفتنا مسيحيين ينبغي ان تكون تلك فكرة ثابتة لدينا”.

“ان وضع الاقطار الفقيرة ما هو الا نتيجة نظام اقتصادي غيرعادل وان سباق التسلح

الذي تشجعه اقطار غنية عديدة هو صيغة اخرى لاستغلال الشعوب الفقيرة”.  

“ان نكون مسيحيين هو ان نلتزم جانب المتالمين والذين يعيشون في اوضاع جائرة. هذا هو في حالة واقعية معينة”.

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s