Posted by: abu faadii | 2013/08/02

افريقيا.. كنيسة تبحث عن ذاتها

43

افريقيا..كنيسة تبحث عن ذاتها-  ملف                    

151

كانون2

44

يسوع والحرية            – ملف                    

152

شباط

المقالات1980:

افريقيا.. كنيسة تبحث عن ذاتها 

ملف/كانون الثاني 1980 

    لقد انتهى عهد الرضاعة والطفولة والتبعية، وكنيسة افريقيا تتمخض، كما تتمخض القارة السوداء بأسرها سياسيا واجتماعيا وحضاريا، لاكتشاف جذورها الذاتية وتوظيف كافة طاقاتها وطموحاتها لبناء كنيسة افريقية ناضجة تساهم مباشرة في إثراء الكنيسة الجامعة من جهة، وفي تحقيق مجتمع إفريقي متضامن لبناء سيادته وصيانة حضارته وأصالته. الأب جرجس القس موسى يعكس بعض أوجه الصورة الجديدة للمسيحية الإفريقية ودور العلمانيين  في صياغة هذا النموذج.

        أول احتكاك مباشر لي مع كنيسة إفريقيا كان سنة 1975، وكان ذلك في نطاق مؤتمر عالمي حضرته في روما حول رسالة العلمانيين نظمه مجلس العلمانيين واشترك فيه ممثلون عن القارات الخمس. في ذلك اللقاء اكتشفت كنيسة افريقية ترويها دماء شابة معطاء وحبلى بالآمال الكبار تتحرك واعية نحو الأصالة والمسؤولية. ومما كان قد جذب اهتمامي بصورة خاصة، أنا القادم من كنيسة قمتها تكاد تحتوي قاعدتها وتخنقها، دور العلمانيين البارز في الكرازة الإنجيلية والتخطيط لافرقة الكنيسة. ومثل هذا المشروع يدعمه، لا بل يدعو إليه ويعمل من اجله أساقفة إفريقيا يدا بيد مع العلمانيين، وقد اعطى المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني زخما كبيرا وحاسما لا عودة عليه لتيار الافرقة  والعلمنة هذا. فقد صرح الكاردينال يوسف مالولا رئيس أساقفة كينشاسا (زائير) منذ 1973: “البارحة نصر المبشرون الأجانب إفريقيا، واليوم مسيحيو إفريقيا مدعوون إلى افرقة المسيحية”.

      وافرقة المسيحية هذه مشروع يطمح إلى العودة إلى التراث الافريقي الزاخر بالقيم الجماعية والديمقراطية ونطعيمها بروح الإنجيل وروح الخدمة ومشاركة شعب الله بأسره في بناء قاعدة شعبية واعية مسؤولة. كيف تتم هذه المشاركة فعليا؟ إلى هذا السؤال يجيب الكردينال مالولا، وهو من ابرز وجوه المسيحية الافريقية: “سينبغي علينا أن نقصف الخورنيات الموجودة لتتطاير وتلد جماعات صغيرة بإحجام إنسانية مقبولة.

بين الاصالة الافريقية والاصالة المسيحية

      في بوجورا (تنزانيا)، في معبد ريفي هو أشبه بزريبة منه بكنيسة، يرافق أعضاء الجوقة الإلحان المرتلة بلغة الكيسوكوما بحفيف مروحات طويلة مصنوعة من الريش الناعم يهد هدونها ذات اليمين وذات الشمال.

      في غابة ساكابي في بوبو ديولاسو (فولتا العليا) تتقدم فتيات رشيقات بلباسهن القومي حاملات تقادم المؤمنين إلى المذبح وهن يؤدين رقصة طقسية على أنغام التام تام الافريقي وهو يشبه طبلنا المشرقي إلا أن جوانبه معدنية. في إحدى خورنيات كينشاسا (زائير) توشح الكاهن بزي زعيم افريقي تقليدي ووقف بين صفين من حملة الرماح لإقامة القداس بحسب الطقس الزائيري المستحدث.

      قد نكتفي بابتسامة عابرة أمام مثل هذه المشاهد أو نستلطفها بسطحية كما يستلطف السائح كل ما يراه في دربه، وقد نكشح مستغربين، بل قد نستهجن كيف يتفق الرقص والقداس والرمح والصلاة. أما إذا قيل لنا بان ثمة في ابيجان (ساحل العاج) خورنية أو خورنيات  تؤدي ليورجيتها باللاتينية أو ترتل بالانكليزية كما في كاتدرائية نيروبي (كينيا) أو بالفرنسية لما فكرنا بالاستنكار مع إن هذه اللغات مستوردة ومفروضة على افريقيا، بينما تلك عادات افريقية عريقة!

     ولكن إذا ظننا أن الافرقة تتوقف على هذه المظاهر لوقعنا في الفولكلور كما صرح احد التلامذة الاكليريكيين من كومي بفولتا العليا لجوزيف ليمان الذي نستلهم هنا مقاله “الكنيسة الافريقية في حالة حبل”. اجل، انه من الضروري للافرقة أن تتخلى كنيسة إفريقيا عن الليتورجيات المستوردة وتوفق في طقوسها الدينية بين الإيمان وتراث الشعوب التي تنتمي إليها. كما انه من الضروري أيضا أن يستلم إدارة الأبرشيات أساقفة افريقيون ويحمل الشعلة كهنة أفارقة يحلون محل المبشرين الأوربيين، فهم ادرى بحاجات قارتهم ويفهمون لغة شعوبهم، غير إن هذه التجديدات تبقى مجرد واجهة لو لم يحركها تيار قوي قد شق طريقه في الواقع الافريقي منذ بداية السبعينات هو تيار”الأصالة”.

     ويتجلى هذا التيار في كافة المجالات السياسية والثقافية والدينية وككل تيار”قومي” و”حضاري” من هذا النوع قد تشوبه، على ايجابياته، جوانب سلبية فيتوقف لدى الشكليات مثلما حدث في زائير موبوتو أو في التشاد في عهد طومبلباي حيث تحولت “الأصالة الإفريقية” إلى شبه عقيدة قومية شنت الحرب ضد كل ما اعتبر أجنبيا أو مستوردا كالأسماء المسيحية مثلا أو النمط الثقافي الذي كانت تعطيه الكنائس والمدارس المسيحية. وقد ذهبت بعض الأنظمة السياسية في القارة إلى طرد المرسلين والحد من نشاط الكنيسة والتضييق حتى على الاكليروس المحلي الأسود وتقليص تعامله مع المؤمنين كما في انغولا وزائير وبوروندي مؤخرا.

ففي أيار الماضي اصدر الرئيس باغازا  الذي يحكم البلاد حكما شبه فردي منذ انقلاب تشرين الثاني 1976 قرارا بعدم السماح بالاجتماعات المسيحية سوى في أيام الآحاد وضمن الخورنات وملحقاتها.

      إذا كانت مثل هذه القرارات تدعو إلى الاستغراب وتبدو وكأنها محاولة للسيطرة على الكنيسة أو احتوائها، فهي في الواقع معضلة ذات وجهين سياسي وثقافي، تعاني منها كل دول العالم الثالث. فالجانب السياسي من المعضلة  يضعنا أمام ازدواجية في السلطة، اعني بها سلطة الكنيسة وسلطة الدولة هذه الأخيرة تابى أن يزاحمها احد في الهيمنة، بالرغم مما تعلنه الكنيسة، من أنها للخدمة لا للسيطرة. أما من حيث الجانب الثقافي فتعلن الكنيسة حقها في تثقيف بنيها التثقيف الديني الملائم وبالسبل التي تراها ضرورية وفعالة، بينما تصر الدولة على أن لا تتعارض هذه الثقافة مع النمط الثقافي الرسمي، وهذا يؤدي حتما وفي واقع الممارسة أما إلى تجنيد التوجيه الكنسي لتأييد الحكم القائم وأما إلى تحييده، والتحييد تجميد في أفضل الاحتمالات. إما البديل الثالث وهو التثقيف المسؤول والملتزم الذي يبقى أمينا لروح الإنجيل ويستلهم الإيمان المسيحي في الالتزام السياسي والاعتماد على تراث الأمة والوطن دون أن يكون “ملحقا ذيليا” للنظام السياسي القائم، ولا أن يتجاهل القضايا القومية والوطنية ويتغرب في نماذج ثقافية مستوردة أو دخيلة، مثل هذا البديل يتطلب توازنا فكريا واعيا وشجاعة لنبذ الغريب والدخيل دون الدخول في القوقعة، واستعدادا لتقبل التطور والحوار من دون الانسياق وراء كل ما هو وراء الحدود سيما وان افريقيا برمتها تعاني من الازدزاجية الثقافية والتبعية الحضارية.

       إذا كان المرسلون الأجانب قد وقعوا في مثل هذا الخطأ، فالاكليروس المحلي نفسه لم يسلم دوما من التنكر وتجاهل الإرث الثقافي والحضاري للقارة، ذلك “لأننا لم نكن مهيئين، على حد قول المطران سانون أسقف بوبو ديولاسو الأنف الذكر، ولا تلقينا التربية اللازمة لتحقيق هذا اللقاء بين تراثنا الثقافي والإيمان الجديد، بل بالعكس، كنا نضع المسيحية –أقول المسيحية وليس الإيمان– على طرف نقيض مع التقاليد الإفريقية”.

       إننا إزاء ثورة ثقافية تعم إرجاء إفريقيا. وروح المجمع الفاتيكاني الثاني هبت هناك بقوة لاكتشاف القيم التقليدية الإفريقية وتنصيرها. فالعبرة ليست في العودة إلى كل قديم بل في اكتشاف روح هذا القديم ودينامية ، فقد أكد احد الطلبة في كلية طب ابيجان: “المهم هو تغيير الذهنية”. وان يكون المرء مسيحيا معناه أن يحيا الإنجيل في خضم الحياة اليومية: ومعنى ذلك بالنسبة لنا نحن الافريقيين أن يحياه بحسب النمط الافريقي”.

       هكذا يعمل كثير من الكهنة والعلمانيين على اقتباس حركات ورموز افريقية في الليتورجيا  والاحتفال بالإسرار لاسيما العماد والزواج وتنصير بعض الأعياد الافريقية وربطها بالأعياد المسيحية التقليدية وإضفاء روحانية الإنجيل على القيم التقليدية في التضامن والأسرة والعلاقة بالأرض والكون والحياة والموت والروح… هذه الثورة الثقافية تشبه تلك التي حققتها المسيحية في فجر نشأتها تجاه اليهودية ولاسيما تجاه النمط الحضاري الوثني الإغريقي.

        ولكن، ككل ولادة فكرية وحضارية جديدة، لهذه الحركة مناصرون ومناوئون وانجازات ايجابية أكيدة ومخاطر. فهناك الجيل القديم الذي يخشى الخلط العشوائي بين الاستعقادات والعقيدة وبين الاجتهادات الجادة في تجسيد الإنجيل والبدع الشاذة المستوحاة من المسيحية أو من غيرها من الأديان والتي تزدهر هنا وهناك لاسيما على الساحل الأطلنطي وفي كينيا. ففي ساحل العاج هناك بدع الهاريست والمسيحيون السماويون وإتباع النور السماوي  وإتباع النبيه ماري لالو وبدعة ماهيكاري الياباني وغيرها.. ومن دواعي نجاح هذه البدع تعاطفها مع اهتمامات الأفارقة تجاه المرض والموت والسحر وعالم الرموز الذي تزخر به الحياة الافريقية. غير إن هذا النجاح  بحد ذاته يعتبر محكا لأسلوب الكنيسة في التبشير: “لذا كان من واجبنا نحن اللاهوتيين الأفارقة، حسب قول المطران سانون، أن نعيد قراءة نموذج ثقافتنا التقليدية على ضوء الإنجيل ونستوحيه لدعوة الناس إلى عيش إيمانهم المسيحي بأسلوب لا يبدو فيه إيمانا منسلخا عن واقعهم”،.

      من أروع أدوات العمل لهذا التحول المسيحي نذكر الجماعات المسيحية المستوحاة من روح الجماعات المسيحية الأولى ومن التقليد الجماعي الافريقي الأصيل، هذه الجماعات التي ندعوها “جماعات القاعدة” هي التي تعمل اليوم في افريقيا لإيجاد نمط ملائم للعيش الإنجيلي ضمن الكنيسة والمجتمع.

“جماعات القاعدة” المسيحية

     حدثني الأب فرانسوا، وهو راهب بندكتي بلجيكي كان قد قضى أكثر من 15عاما مرسلا في زائير، عن انطباعاته عن هذا البلد اثر زيارة له في الصيف الفائت بعد تغيب دام خمس سنوات. ومما جذب نظره وراى فيه إحدى علامات اليقظة والحياة لدى كنيسة زائير ظهور جماعات القاعدة بكثرة ونمو دور العلمانيين في الكرازة الإنجيلية وحمل مسؤولية الجماعة المسيحية في الخورنيات وفي المجمعات الريفية. لا غرابة في ذلك فزائير كانت السباقة في إقامة هذا النمط من المسؤولية الجماعية في كنيسة إفريقيا. فمنذ 1970. أعلنت أبرشية كينشاسا “ضرورة تطوير جماعات القاعدة حيث وجدت وتكوينها حيث لم توجد بعد وتسليم مسؤولياتها للعلمانيين”.

     أما أساقفة إفريقيا الشرقية المجتمعين في نيروبي عام 1976 فقد أعلنوا هم أيضا بان “تكوين جماعات مسيحية صغيرة تكوينا مبرمجا يجب أن يأخذ الأسبقية في التخطيط الراعوي للسنين القادمة”. مثل هذه القناعة تبنتها معظم مجالس الأساقفة الأفارقة، فقد ناقش أساقفة تنزانيا (في 1977) وكينيا والسودان (في 1978) الموضوع ونشروا فيه رسائل راعوية، وكذلك الأمر في زامبيا (1973) وكاميرون (1974)  وفولتا العليا (1977) والكونغو وانغولا وموزمبيق. أما مجلس أساقفة بوروندي التي تستغرق دورته الحالية اربع سنوات فقد جعل من موضوع جماعات القاعدة مركز اهتمامه، ويشمل المخطط ألرسولي لكنيسة السنغال من 1978–  1982″إنشاء جماعات مسيحية بمقاييس إنسانية تكون بمثابة علامة وخميرة للتطوير الشامل”.

   “جماعات القاعدة” كما يوحي به الاسم هي وحدات مسيحية ملتزمة وواعية على شكل مجموعات عمل أو صلاة أو تفكير تستوحي الإنجيل والإيمان المسيحي في حياتها وممارساتها، وإذ تنطلق من القاعدة الشعبية تهدف إلى تطوير المفهوم المسيحي الجماعي الشعبي وتطعيم الحياة المسيحية الاعتيادية بالالتزام الإنجيلي وتطوير المجتمع المدني نحو الأفضل ونحو المشاركة الجماهيرية في صياغة القرارات وإشكال الممارسة الدينية والاجتماعية والزمنية. ليس ثمة “نموذجا” موحدا لوظيفة جماعات القاعدة، فهذه التسمية تحمل في طيها أشكالا متباينة في الممارسة المسيحية مثل إعداد الليتورجيا والتثقيف المسيحي للإحداث والبالغين وزيارة  المرضى  ومساعدة الفقراء والمعوزين.. وهناك قرى عديدة تتصل يبعضها بعلائق التضامن والتقابس الروحي والعلمي يمكن  اطلاق تسمية “الجماعة المسيحية القاعدية” عليها، بينما يتعذر إطلاق هذه التسمية على أجزاء خورنية قطعت إداريا إلى وحدات مستقلة لا ترابط بين أعضائها. كما إن هناك في المدينة وفي الريف، جماعات من العلمانيين الحريصين على تحمل مسؤولياتهم في الكنيسة قد انتظموا في”جماعات قاعدة” كما تشير الشهادة التالية للوران غيلان (65 سنه) وهو مدير مدرسة في واغادوغوو رئيس الجماعة المسيحية في فولتا العليا. “في السادسة مساء يقرع الناقوس كل خميس في الحي الذي اسكنه وتجتمع الجماعات السبع في أماكن مختلفة من المدينة، وتضم كل منها بين 15 و 20 أسرة. بعد فاصل من القراءات الكتابية والصلاة تتناقش في شؤون الخورنة أو الجماعة أو الحي، ويأخذ كل واحد مسؤولية خاصة ولا يبقى احد من دون عمل”. وتستوحي  هذه الجماعات في تنظيمها وطرائق عملها البنى الاجتماعية السائدة ويتراوح عدد أعضاء الجماعة الواحدة بين عشرة أشخاص ومئة  شخص أو حتى 15.. أما المواضيع الدراسية فهي مستوحاة من الواقع المعاش وحاجات البيئة.

        وهناك اعتراض حول ما إذا لم يكن هذا الأسلوب مدخلا مبرقعا للعودة إلى القبيلة في الكنيسة مع ما في ذلك من سلبيات، والمعلوم إن القبيلة والنزعة العرقية والعشائرية هي آفة المجتمع الإفريقي بما تمليه من أثرة وعنصرية وصرعات من اجل السلطة غير إن المطران سانون يرى عكس ذلك إذ يرى في جماعات القاعدة دعوة إلى الانفتاح والمشاركة في المسؤولية ونبذ الأنانية القبلية فيقول: “بوسع كل منكم أن يعيش بحسب تقاليده، ولكن عندما تجتمعون ضمن الجماعة المسيحية، فذلك لأنكم للمسيح” ويستطرد: “إننا نأخذ ما تحويه النماذج من ثراء أنساني لاغتنائه بالإنجيل وإضفاء نمط إفريقي على كنيستنا”.

      هناك اعتراض آخر يتعلق بالدور المتزايد الذي يحتله العلمانيون في حياة الكنيسة وتخوف بعض الكهنة وحتى الأساقفة من أن”يجردهم” العلمانيون تدريجيا من سلطاتهم وتصبح الكنيسة”كنيسة معلمنة” مثل هذا التخوف يدعمه ما جاء في دراسة للفريق الافريقي في مؤتمر العلمانيين الأنف الذكر بروما عام 1975:” لا ينبغي أن نعتمد فقط على الكهنة والرهبان ومعلمي التعليم المسيحي وننظر أن يأتوا للبحث عنا. علينا أن نخرج مع الآخرين ونتخذ مبادراتنا في الالتزام. يجب أن نرضى بان نعطي حياتنا، وقتنا، طاقاتنا فنلتزم بالأعمال الرسولية وحتى الشؤون المادية كي نحرر الكهنة منها لكي يكرسوا أنفسهم أكثر لإعلان كلمة الله.

     لاشك إن مساهمة العلمانيين في إدارة الجماعات المسيحية وتكوين جماعات القاعدة ستخلف واقعا جديدا في ممارسة السلطة في الكنيسة وفي علاقة القاعدة مع القمة، سيما وان الأساقفة في إفريقيا، كما في بلداننا المشرقية، كانوا إلى وقت قريب يمارسون سلطاتهم في شبه تفرد ثيوقراطي دونه تفرد الرئاسات العشائرية التقليدية، حيث إن هؤلاء يمكن إزاحتهم إذا فقدوا ثقة مرؤوسيهم، بينما الأساقفة يحكمون (بفتح الياء وكسر الكاف) ولا يحكمون (بضم الياء وفتح الكاف).       

     ولكن قضية مشاركة العلمانيين في حياة الكنيسة الإفريقية  ليست مجرد مشاركة في السلطة الإدارية، بل هي قبل كل شيء مسؤولية رسولية. لذا ظهر إشكال راعوي آخر وهو مسالة رسامة كهنة متزوجين ممن تتوسم فيهم الصفات الروحية والرسولية والإدارية. والإشكال يأتي من أن الكنيسة الإفريقية تنتمي إلى الطقس اللاتيني وتأتمر بقوانين الكنيسة اللاتينية التي تستبعد أية إمكانية لرسامة رجال متزوجين لا سيما في عهد يوحنا بولس الثاني. وبما إن الحاجة ماسة في إفريقيا لمثل هذا الإجراء، سيما وان عدد الكهنة الأفارقة قليل ولا يمكن الاعتماد على الكهنة والمرسلين الأجانب إلى مالا نهاية، فقد طرح الأساقفة القضية على بساط البحث منذ الستينات كما فعل المونسنيور ياكو رئيس أساقفة ابيجان في سينودس 1969. بينما تساءل الأسقف نامبولا (موزمبيق) في (1976) عما إذا لم يكن “قد حان الوقت للتفكير جديا برسامة مسيحيين متزوجين ترشحهم الجماعة المسيحية”. في كينشاسا بادر الكردينال مالولا منذ سنوات إلى تسليم مسؤوليات كنيسة في الخورنيات ابى عدة أرباب عائلات وجعل منهم شبه”قسس علمانيين” إذا صح القول. كما إن هناك دراسات أجريت في زائير حول إمكانية منح صلاحيات كهنوتية مؤقتة لبعض العلمانيين لترأس الاحتفالات وحتى لإقامة القداس. ولكن يبدو إن هذا الاتجاه قد غض النظر عنه.

      من هنا انطلق المجددون أيضا في ترسيخ دور المرأة في حياة الكنيسة وتوطيد تحررها الإنساني والاجتماعي.

دور الكنيسة في التحرر الاجتماعي والسياسي

      إن احدى مزايا جماعات القاعدة المسيحية هي أن تندمج بحياة الحي والقرية والأمة وتنفتح إلى قضايا الناس فتساندهم مهما كانت عقيدتهم كما جاء في إعلان منظمة المجامع الأسقفية لإفريقيا الشرقية في دورتها المنعقدة في بلانتير (ملاوي) في أيلول 1978: “إننا لا نجعل اهتمامنا بالكاثوليك وحدهم. إننا نريد أن يعرف جميع المسيحيين وغير المسيحيين بان مصيرهم يهمنا. إننا نرغب مقاسمة حياتنا الجماعية معهم”. وهكذا تفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الكنيسة والدولة، وتصبح جماعات القاعدة خميرة تحرر وتعاون وانفتاح وحوار.

       إلى اليوم كانت السلطات السياسية تتعامل مع السلطة الكنسية وكأنها هي وحدها الكنيسة. ومما كان يسهل هذا التعامل كون الوزراء والأساقفة في معظم الأحيان من خريجي المدارس أو الجامعات نفسها أو كانوا أصدقاء الطفولة، مما يوحي بتلاحم  مصلحي ومصيري بين الكنيسة والدولة في بعض الأقطار. غير إن ظهور جماعات القاعدة في حضن الكنيسة، يعيد كنيسة إفريقيا إلى الشعب وتبدو هذه الأخيرة كلسان حال الوضعاء والفقراء ولا تعود تعكس مصالح طبقة حاكمة معينة. وبقدر ما تلتصق هذه الجماعات بمعانيات الناس وطموحات الشعب وتأخذ على عاتقها مهمة توعية الريف والمدينة معا، بقدر ذلك تصبح خميرة تحرر اجتماعي واقتصادي وسياسي.

    إن المسيحيين الإفريقيين يريدون اليوم المساهمة في بناء إفريقيا عصرية وأصيلة ويطالبون بان يكونوا “في قلب الاختيارات الكبرى لبلادهم ويلعبوا فيها دور الخميرة الإنجيلية من اجل الحرية الحقة” بكلمة واحدة مثل هذه الكنيسة تطمح في أن تصبح “ضمير المجتمع” ولكن هذا الطموح هو للخدمة لا للتسلط. فقد جاء في محضر الفريق الإفريقي في مؤتمر العلمانيين الأنف الذكر:” إن إفريقيا بحاجة إلى تحرر يأتي عن طريق التربية وإنماء الموارد البشرية والطبيعية. وأننا لا نصبح أولاد الله ولا نحصل على هويتنا الحقيقية إلاعبر جهودنا في التطوير والأصالة”.

    ولكن مثل هذه الكنيسة التي تتحرك وتحيا قد تمسي خطرا على بعض الأنظمة التي تفضّلها هيكلا حجريا وجامدا أو مؤسسة تأتمر بأمرها أو في الأقل تبقى على الحياد هامشية. لذا لجأت بعض هذه الأنظمة إلى ضرب الكنيسة واحتواء نشاطاتها كما حدث في جنوب إفريقيا حيث أجبرت السلطات العنصرية مسؤول كنيسة سويتو في نيسان الماضي على غلقها بوجه السود الأفارقة لإغراض غير دينية صرف. كما أوقفت السلطات الإثيوبية في حزيران حوالي 200  شخص من كوادر كنيسة ماكينا يسوس الانجياية لعدم رضوخهم لاستفزازات السلطة. أما في بوروندي فقد طردت السلطات من البلاد 63 مرسلا كحل للخلاف الناشب بين النظام والكنيسة حول جماعات القاعدة  كما أسلفنا.

     ولكن هذه الجماعات الإنجيلية الصغيرة لا زالت في خطواتها الأولى وتجربة السنين القادمة ستكشف لنا عن قابلياتها لتطوير المفهوم الدينامي للحياة المسيحية بصفتها التزاما جدليا وواعيا بالإيمان وبالواقع المعاش. وغني عن القول إن مثل هذا الالتزام الجدلي سيوجب على معتنقيه إعادة نظر جادة في الأطر والبنى الاجتماعية والدينية والكنسية السائدة. وستحتاج هذه الجماعات باستمرار إلى تعميق الثقافة الدينية لفهم الأسس الفكرية الرسولية واللاهوتية لهذه القراءة الجديدة للالتزام المسيحي، لئلا تتيه في الشكليات وتبقى عالقة على السطح.  

)))))))))))))))(((((((((((((((

يسوع والحرية 

ملف العدد/152 لعام 1980 

لكثرة ما ملئت اذاننا منذ طفولتنا وما قراناه في كل الكتب الدينية والتقوية واللاهوتية

عن ان المسيح ابن الله، وما طبعت عليه اذهاننا وحسن عن عن عجائب المسيح وخوارقه، بدت حياته لنا تسبح في جو من الروحانية المجردة وفي شبه تسام لايلمس البشرية الا من عل. وفي هذا الملف يقدم لنا الاب جرجس القس موسى يسوعا مناضلا ونبيا الى جانب الفقراء والمقهورين، اليوم.. كما كان البارحة.بذلك لايدعو الى طمس وجه يسوع الالهي في الظل، واما الى روية جديدة ليسوع التاريخي، والى قراءة جدلية لبعض النصوص الانجيلية المالوفة واعادة “هجوميتها الثورية” اليها.

في اواسط الستينات شاهد اباء المجمع الفاتيكاني الثاني في روما العرض الاول لفيلم بعنوان “انجيل القديس متى” للمخرج الايطالي الشهير بازوليني.

وهناك رواية تقل بان  لاخراج هذا الفيلم قصة مفادها ان صاحبه، وهو ماركسي النزعة والتفكير، عثر على نص انجيل القديس متى عن طريق المصادفة في غرفته في الفندق. فتناول الكتاب بدفع الفضول ولم يلقه،ولا استجاب لنداء النوم حتى جاء الى اخره، فاكتشف من خلاله رجلا احب الفقراء ووضعاء الناس واستمات في سبيل تحريرهم من الاستغلال وكل انواع الاستلابات. فكان جزاءه ان اعدم لانه زعزع ركائز الحكم القائم وفضح مصالح الطبقة الحاكمة وزرع بذرة الثورة في نفوس المستغلين.

لم يكن بازوليني لاهوتيا ولا ازاد من خلال صوره ان يقدم شحصية المسيح الالهية، بل استبعد من عمله مثل هذا التصوير، لذا تململ بعض الاباء من “روح” الفيلم،

غير انه ببقائه امينا وحريصا على النص الانجيلي “بمادتيه” جعلنا نكتشف الوجه الاصيل الاخر ليسوع، اعني به وجهه التاريخي الانساني بكل غناه ومعانيه من اجل تحرير الانسان الكامل،وبذلك كشف لنا جانبا ديناميا من وجه يسوع المخلص.

وهو هذا البعد نفسه الذي نحاول الكشف عنه في هذا المقال. من خلال نصوص انجيلية تعودت عليها اذاننا حتى فقدت “هجوميتها” سنحاول العودة الى يسوع التاريخي- وهذا مايجعلنا نفضل هنا اسم “يسوع”على لقب “المسيح” باعتباره الاسم الشخصي الذي ناداه به الناس-ومن خبرته الذاتية سننتقل الى تعليمه ومن ثم الى مشروع الانسانية الجديدة التي جاء لتحقيقها. اليس ذلك معنى “العهد الجديد”؟

ولكن هذه القراءة الجديدة للانجيل سنقوم بها على ضوء التحدي الذي يشهده مقهوروا العالم وصغاره بوجه تلامذة يسوع اليوم بالذات،هولاء المقهورون الذين يطالبون كنيسة يسوع ان تكون امتدادا وتجسيدا واقعيا محسوسا وجهاديا لرسالة يسوع التحررية.

                     نبي الانسانية الجديدة

من وجهة نظر تاريخية وموضوعية لم تكن الديانات على اختلاف انواعها مجرد اطر “روحانية” و “وجدانية” اتنظيم علاقة الانسان بالطبيعة وبخالق الطبيعة،بل كلها جمعاء لعبت وتلعب دورا وظيفيا مهما في تكوين وتطبيع المجتمع سواء بتاطير ضمن سنن وشرائع وثوب وعقاب،او بمقاومتها اخطاءه وانحرافاته.

واذ اخذنا الديانات السماوية لراينا ان الانبياء مثلوا بالاحرى هذا الجانب الاخير حيث لعبوا دور الناقد والرائي والشاعر الذي يرى ماوراء الظواهر ويسلط الاضواء على جوهر الامور ويستبق وقوعها بحدسه النبوي.

يسوعنا ياتي في خط هؤلاء “المناضلين” الذين ما انحرفوا عن وظيفتهم النبوية حتى قادتهم صلابتهم وامانتهم لرسالتهم الى الاستشهاد. اننا لاننتقص من

شخصية المسيح اذا ما جعلناه في صف الانبياء –وهو الاعظم– لان النبوة ليست قراءة الغيب بقدر ماهي قراءة الحاضر لاعداد المستقبل او قراءة المستقبل على ضوء الحاضر، من جهه، ومن جهة اخرى النبوة غوص في البعد الجوهري للاشياء والاحداث وللحياة الخاصة و العامة ولتقويمها ولوضعها في اطارها الكوني والاجتماعي الطبيعي، هذا الاطار الذي يضم الله والانسان –كفرد ومجتمع– في علاقة صميمية من المشاركة والمحبة والانجذاب والوحدة. وهل اكثر من يسوع من عاش وعلمنا ودعانا الى هذا الكشف والى مثل هذه الرؤية الالهية – الانسانية للكون والحياة والمجتمع؟!

                              “ملكوت الله” – الانسانية الجديدة

ولكن ماهي رسالة يسوع النبوية الى الانسانية؟

الاناجيل اربعتها تعكس لنا يسوعا همه الاكبر ان يجعل الانسان وارادة الله المتجلية  في التاريخ “في حالة مجابهه”، وان يدعو الجميع التجاوب مع هذه الارادة بصورة شخصية وحرة. ودعا يسوع هذا التجاوب “توبة”، والوحدة بين الله والانسان دعاها “ملكوت الله”: “لقد تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وامنوا بالانجيل” (مر1 :15).

 يسوع لم يعطنا اي تحديد منهجي لهذا “الملكوت” ولكن تعاليمه تحمل الاسس الوافية التي بموجبها يمكننا تحديد صفاته لاسيما في خطبة الجبل:

“هنيئا لاولئك الذين عرفوا حاجتهم الى الله، فان لهم ملكوت السماوات

هنيئا للباكين، فانهم سيعزون.

هنيئا للمساكين بالروح، فانهم سيرثون الارض.

هنيئا للجياع والعطاش الى انتصار العدل، فانهم سيستجابون.

هنيئا للرحماء، فانهم سيرحمون.

هنيئا لانقياء القلوب، فانهم سيعاينون الله.

هنيئا لفاعلي السلام، فان الله سيدعوهم اباءه.

هنيئا للمضطهدين من اجل قضية الحق، فان لهم ملكوت السماوات”

ان قراءة دقيقة لهذا النص تكشف لنا عن ان يسوع يرى في كل خبراتنا البشرية وجهين، احدهما سلبي والاخر ايجابي. فالسلبي يعكس نقصا المعرفة والتفكير والحب والوجود، اما الايجابي فيضم عناصر الحقيقة والجمال والصلاح التي فينا. فالرفض والقبول هما وجهان لعملة واحدة. ورفضنا الشر معناه قبولنا للخير، لذا كان مثل هذا الرفض مدخلا الى تحقيق الخير، وبذلك يصبح نذيرا لللامل.

هكذا يمكننا اعتبار خطبة يسوع على الجبل خطبة الامل والرجاء اللذين يبشر بهما كحل بديل لاخراج الانسان من ضعفه ومن استسلامه للامر الواقع وبعث النخوة فيه لاكتشاف قابلياته وامكاناته الذاتية لتحريره من عبودية وسلبيات اليوم،وذلك لبناء غد افضل. من هذا المنظار يحمل الامل الذي يرشح من روح الخطبة ومفرداتها عنصر التحدي والدينامية والتغيير وليس الاستسلام والمسكنة كما قد يخال للبعض.لذا دعيت هذه الخطبة “ميثاق العهد الجديد” لانها تضع اسس التعامل الجديدة بين الانسان والله وبين الانسان واخيه الانسان، ويطيب لنا نحن ان نسميها مشروع الانسانية الجديدة التي يعبر عنها يسوع بعبارة “ملكوت الله”.

                                                        مشروع ضمن التاريخ

صفات ملكوت الله او الانسانية الجديدة في تفكير يسوع هي اذن ورقة الروح ونقاوة القلب والضمير،انها القناعة والسلام ونفي لكل جشع واستغلال وانانية في التملك والتسلط. انها العمل من اجل اعادة الحقوق المهضومة واحقاق العدل وبناء الاخوة. ملكوت الله هذا يصبح اداة للقضاء على التفرقات العنصرية والحضارية والجنسية وحتى الدينية ومرجعها لتحرر الانسان من كل استلاب وعبودية مهما كان مصدرها ومهما كانت طبيعتها. ولكن هذا التحرير ليس فقط تحررا “من”، بل ايضا “تحررا “من اجل”، اعني ليس مجرد تحررمن قيد ما، بل تحرر من اجل قضية، من اجل تحقيق مشروع ما. بهذا المعنى يعني التحرر “القدرة على” – القدرة على الخلق والمبادرة، القدرة على التعاون والعمل المشترك، القدرة على النقد الذاتي، القدرة على الحب مع كل ما تتضمنه هذه المسميات من الم وتضحية وداب واستعداد دائم للبدا يات.

وملكوت الله هذا ليس مشروعا لما بعد الموت، كما يتوهم قوم، خارج التاريخ الانساني. انه يمد جذوره هنا والان في خبرتنا وضمن جماعتنا الانسانية وتاريخنا الشخصي والجماعي: “ملكوت الله فيما بينكم” لذا فتحقيقه منوط بتحقيق المحبة في ومع الاخرين. ان اروع شاهد لذلك نراه في مثال السامري الصالح (لو:25 – 37) وفي اسس الدينونة الاخيرة حيث تقتصر المحاسبة على المواقف تجاه الجائع والعطشان والسجين والعريان والمنبوذ والمظلوم (متى25 :34 – 46).

هكذا الانسانية الجديدة انسانية منفنحة،متجددة،مسؤولة بامكاننا ان نتعرف على وجهها حيث العميان يبصرون، والصم يسمعون، والعرج يمشون، والبرص يشفون، والمعتقلون يطلقون احرارا، وغيرالمحبوبين يصبحون موضع حب، وفاقدو  الامل يكتسبون الامل من جديد.

انها رؤية نبوية ولا شك للعهد الجديد الذي لا يتحقق الا عن طريق المشاركة بين الله والانسان، هذه الرؤية التي نرى صداها في ما يمكننا تسميته “بيان يسوع” وقد تلاه في مجمع الناصرة في مفتتح بشارته: “روح الرب علي، لانه مسحني لا لابشر المساكين، وارسلني لانادي للماسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، واطلق المرهقين احرارا” (لو 4 :18).

        انها رسالة تحرير وتحد وثورة حقيقية .

                         الفقراء سيرثون الارض

عندما قال يسوع : “طوبى للفقراء فانهم يرثون الارض” بمن كان، ياترى، يفكر وممن كانت تتكون طبقات الشعب الفلسطيني في زمانه؟

اذا كان الانجيل “كتاب سيرة يسوع” فهو يعكس ايضا اوجهها من التركيبة الاجتماعية والفكرية والسياسية في زمانه، واذا حللنا مليا هذه التركيبة لوجدناها هرما تتصدر قمته اسر الاغنياء التي تشكل الطبقة الحاكمة السياسية (الهيرودسيون وانصارهم وعملاء روما ) والدينية ( رؤساء الكهنة والصدوقيون والفريسيون والكتبة )، اما قاعدته فكانت تتزاحم فيها الطبقات الفقيرة المتمثلة بهؤلاء الفلاحين الصغار الذين يعملون في حقول اسياد غائبين وهم ضحة استغلال متعدد الجوانب، اذ كان عليهم دفع الجزية لروما تعادل 25% من الانتاج، ورسوم الهيكل تصل الى 22% من المتبقي. كما كانت تجمع “عشور” اضافية منهم للمعوزين والعاجزين. بعد هؤلاء ياتي الكيبة الذين بالكاد يحصلون على ما يسد احتياجهم اليومي، هذا اذا وجد من يؤجرهم كما جاء في قصة فعلة الكرم (متى 20 : 1– 7)

وكان هذان الصنفان تحت رحمة المرابين وقد يتعرض الواحد لبيع نفسة، ولربما زوجته واولاده،الى ان يوفي اخر فلس (متى25:18). ويضاف الى هؤلاء المغلوبين في قاع السلم الاجتماعي العبيد الذين لم يكن لهم اي دور يذكر في العملية الاقتصادية سوى خدمة الاسياد والموسرين في اورشليم.

 نحو هؤلاء كانت تتوجه بالدرجة الاولى ابصار يسوع : “روح الرب علي لابشر المساكين” (لو18:4). ولكن الفقراء والمساكين الذين عناهم يسوع ليسوا فقط ذوي الدخل الشحيح والمعدمين اقتصاديا، انما يجب اخذ التسمية ببعدها الكتابي كما جاء في اشعيا (فصل61). فالمساكين هم اولئك “المنكسروا القلب” و “الماسورون” و”المعتقلون” و “المحزونون” والمظلومون”، اولئك الذين يسميهم الكتاب المقدس بالعبرية “عناويم” اعني “المنسحقين” ففي مفهوم اشعيا وعلى لسان يسوع يكون الفقراء والمساكين هذه الطبقة البائسة من الشعب التي ترزح تحت عبء الاستغلال ولا تنتظر التحرير من المؤسسات الطاغية ولا من الطبقات “الشبعانة”، بل تضع املها الاخير في الله وحده.

                                                        ثورة على النظام القائم

ولكن يسوع يتكلم بلغة الانبياء، اعني بلغة الطموح والمشروع الذي ينبغي ان ينجز، وانجازه منوط بقلب موازين القوى والتقييم راسا على عقب. فهذا الشاب الغني الذي جاء ينشد “طريق” الحياة لاينظر اليه يسوع بعيني الاغنياء الذين يقيسون كمالهم بتطبيق القانون وببعض التبرعات التي يتصدقون بها من فائضهم على الفقير وبيوت العبادة، بل ينظر اليه بعيني “المعلم” الذي لم يغادر صفوف الفقراء، وهو، لذلك، يتحدى نظاما اقتصاديا وسياسيا يخلق طبقة من المحظوظين على حساب الفقراء. فما يدعو اليه الشاب ليس مجرد تضحية ببعض المال وانما الثورة على هذا النظام والخروج منه لانه “مترع ظلماء”: “امض وبع مالك واعطه للفقراء” (مر21:10)، لا لتنشلهم من الجوع والفاقة وحسب، بل لتساهم في تحريرهم من استغلال ذلك النظام بالذات،  فيشعروا مثلك بانهم بشر ذوو كرامة ومستقبل. هكذا تعود قيمة المال والتملك الى المنطق الذي انطلقت منه اساسا: اداة للانتاج وخدمة لحاجات الانسان والمجتمع، وينتفى منها عنصر التكدس واستغلال التكدس كأداة لبسط النفوذ والسيطرة، كذلك نفهم ملاحظة يسوع تجاه فلسي الارملة. ان هذه الارملة الفقير القت اكثر من جميع الاغنياء لان اولئك القوا مما فضل عندهم اما هي فكل معيشتها بيسوع لم ينظر الى فلسي الارملة بقيمتهما الشرائية بل بقيمة العمل الكامنة فيها بذلك جاء العطاء عطاء فيسوع اذ يجرد الاغنياء من جاه المال انما يفضح زيفهم ويوقظهم على حقيقتهم العارية وينشل من يدهم ثمن السيف الذي يحكمون به والة الاستغلال التي يتخدرون وبخدرون بها لان يسوع جاء من صفوف الفقراء وعلم مخاطر الملكية الخاصة اذا لم تكبح ولانه تحقق بنفسه  كم انه عسر على ذوي الاموال ان يدخلوا ملكوت الله  جعل من قلب هذا النظام شرط اتباعه واملاه على تلاميذه وترك سمعان واندراوس  اخوه شباكهما للحال وتبعاه كذلك فعل يعقوب بن زبدي ويوحنا اخوه العشار وسائر التلاميذ.ولكن ماذا ياترى ينالون لقاء هذا التخلي؟ بطرس احد هؤلاء الاصدقاء الاولين نفسه سأل معلمه بشئ من القلق (ها نحن قد تركنا كل مالنا وتبعناك؟ فماذا يصيبنا) فاجاب يسوع (ما من احد ترك بيتا او امرأته او الدين او ابنين من اجل ملكوت الله لاينال اضعافا في هذا الزمان والحياة الابدية في الدهرالاتي اننا نفهم من ذلك ان السعادة الموعود بها في الانسانية الجديدة تضم كمال الحياة بشقيها المادي والروحي وان حياة الاخوة والمشاركة والعمل  لاحياة الانانية والجشع هي التي تتيح للا تحقيق العدل والحب الحقيقي هذا ما سيفهمه المسيحيون الاولون في اول تجربة اشتراكية وكان كل شئ مشتركا فيما بينهم  وكانوا يبيعون املاكهم ومقتنياتهم ويوزعون اثمانها على الجميع بحسب حاجة كل واحد منهم  وما التجارب الرهبانية اللاحقة سوى صدى ومحاولات لانجاح هذه التجربة،

الروح والكلمة 

ولكن ككل تجربة انسانية قد تحمل هذه المبادرات عنصر ضعفها وقد تصبح مع الزمن اداة تكديس جماعي ومن ثم ركيزة احتواء وانحراف للسلطة كما يحدث اليوم في اصفى التجارب الاشتراكية في العالم فما ينبغي العودة اليه في نداء يسوع هو الجانب النبوي فيه اعني روح المساواة والمشاركة ونبذ مبدأ استغلال الانسان لاخيه الانسان واعادة قيمته الذاتية اليه فلا الفقر بحد ذاته سمه دخول مجانية الى ملكوت الله وللالغني محروم منه لمجرد انه يملك انما الروح هو الذي يحيي فما هو هذا الروح لقد عرض الشاب الغني حظه في الدخول الى الملكوت للخطر حين رفض مقاسمه ثروته بينما حصل الخلاص فعلا لزكا وكان هو ايضا غنينا حين قرر وضع حد لاستغلال الشعب ووزع نصف ماله للمعوزين وفتح اذنيه لسماع احتجاجهم ان امتلاك المال او عدمه حالة طارئة بينما الشرط الثابت لرواد الملكوت وورثة الانسانية الجديدة هو الانفتاح نحو الاخرين ونحو المستقبل وهذا الفقر بالروح                                                 يسوع والمستغلون اليوم

في رسالة يسوع صرخة لايمكن للاجيال الاان تكثف دويها من اجل تحرير الانسان الكامل وولادة هذه الانسانية الجديدة ولكن ما يصيب املنا بالنكسة هو ان بعد الفي سنة من القاء تلك الصرخة لازلنا امام واقع اجتماعي فيه الاغنياء والاقوياء  سواء كانوا ام مؤسسات ام انظمة سياسية او اقتصادية يدرسون من اجل مصالحهم ونفوذهم حقوق الفقراء والضعفاء وحيث دماء الابرياء تمتص وتباع بالسر والعلن فهل اخفق يسوع في مشروعه كما اخفق يسوع في مشروعه كما اخفق انبياء اخرون من قلبه                                                   

  جماعة يسوع

يسوع حي بتعليمه وشهادة حياته وبتلاميذه الذين يترجمون انفتاحهم في واقع التاريخ نحو الاخريين ونحوالمستقبل بصيغة جوع وعطش الى العدل. ويظهر هذا الجوع وهذا العطش، حين يكونان اصيلين، كنضال منظم من اجل التحرير، حتلى اذا جابه هذا النضال قمع السلطة ونقمة الانظمة : “طوبى للمضطهدين من اجل قضية الحق،فان لهم ملكوت السماوات ” متى 5 :10).

من اجل ذلك ستبقى رسالة يسوع ملاذا واملا اخضر لملايين المستغلين ولضحايا الانظمة ذات الحكم المطلق، وللمسحوقين تحت لا مبالاة المجتمعات الاستهلاكية، ولمكبلي اللسان والحرية، وللكادحين الذين ينقدون حياتهم نقدا وبالكاد يحصلون على مايسد حاجاتهم الاساسية :هؤلاء كلهم فقراء الله اليوم. من اجل ذلك سيبقى يسوع هذا يلهم نفرا من الناس اثرو النضال من اجل الحق والعدل والحب،لهم ولللاخرين، على الموت البطيء او السكوت على الظلم والاستغلال.. وليس الاختيار اختيار راحة وطمانينة !ذلك لان لا تغيير جذريا ممكن لا على الصعيد الفردي ولا الاجتماعي، طالما يبقى الحب مكبلا. كما انه لا تغيير جديا يذكر من دون زعزعة البنى الاجتماعية نفسها التي تولد الظلم او الفروقات الطبقية او تكرس نظام الامتيازات.ومثل هذا المشروع لايمكن ان يعالج بالجهود الفردية المبعثرة والمتجاهلة فيما بينها، انما بتظافر الجهود وتنسيقها وتنظيمها وبالانضمام الى كل القوى الخيرة والعاملة من اجل انسانية افضل حتى اذا كانت هذه “القوى” لاتنتمي الى يسوع بصورة معتلنة.

بهذا المعنى نقول بان جماعة يسوع،اي تلامذته المنتمين الى اسمه والى انجيله ليسوا جزيرة منعزلة في عرض البحر، انما هم متصلون اتصالا عضويا وانسانيا بغيرهم من الناس ذوي الارادة الصالحة، عبر الزمان والمكان.  

                                                                 الامل ليس افيونا

ان تضامن المسيحيين مع مواطنيهم،على اقطارهم الخاصة او على صعيد الكرة الارضية، يخلق منهم جميعا مجتمعا انسانيا واحدا، وتضامنهم عمل ليس

“من اجل” تحرير الاخرين  فقط،  بقدر ماهو تحرير “مع” الاخرين. فلهم ان يتعلموا كثيرا من الاخرين، ولهؤلاء الكثير مما يتعلمونه منهم، ومشروع التحرير الذي ورثوه من يسوع لا يتقدم الا عن طريق مثل هذا الحوار والتعاون مع الاخرين. فيسوع عندما رفض المسيحانية السياسية وتحويل الحجارة الى خبز انما رفض اقامة ملكوت الله بوسائل القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ورسالة تلامذته هي رسالته نفسها، اعني جعل حضور الله فيهم مصدر حياة ودينامية من اجل تحرير المقهورين وحفظ قنديل الامل بالتغيير والعدل والحب مضيئا في قلوب جميع هؤلاء. اليس فقدان الامل هو الموت، هو العدم! اليس الرجاء هو مايحفظ الانسان في الحياة والعمل! اليس الامل والرجاء، بهذا المعنى هما التاريخ وهما الرؤية المستقبلية لانسانية متجددة ! اليس هذا الامل بعهد جديد، كما ارسى قواعده يسوع، حافزا ومحركا لمستغلي الارض نحو العمل الجذري للتحرر من طغيان الماضي وعقلياته الجامدة والانفتاح نحو المستقبل ونحو الانسان الحر الواعي المتكامل في ثورة دائمة!

مثل هذا الامل ليس استلابا للجماهير ولا افيونا مخدرا. انما الافيون سيكون في الضياع في متاهة صراع الطبقات، متاهة لا توصلنا سوى الى تكريس هذا الصراع حين يعتبر شبه قدر لا مفر منه. الافيون يكون في المفهوم التقليدي لخلاص النفوس الشخصي، حين ينفرد كل واحد في انانيته ويتخدر في تامين مرقد عنزة له في الجنة لقاء بعض الممارسات التقوية المزاجية. الافيون يكون في مقولات

“الامن القومي” التي على مذبحها تنحر بعض الانظمة – باسم المسيح، ياللسخرية!

الحريات تبرر القمع والانفراد بالسلطة. الافيون يكون حتى في صراع الكنائس المبطن بحجة الحفاظ على اصالة العقيدة.

ان جماعة يسوع لاتشترك في تحرير المساكين وبناء الانسانية الجديدة الا بقدر تضامنها معهم ومشاركتها فعليا في صراعات الشعب اليومية، ليس بالوعظ والارشاد فقط، بل بالتضحية والمجازفة والالتزام الفعلي، وبالعيش ضمن التاريخ والمجتمع، لا على الهامش او في الماضي. بغير ذلك لا يكون لدعوة  يسوع اي تاثير ايجابي يذكر على الجماهير، لان الانسان لا يتحمس لمبدا فلسفي مجرد، وكل مبدا، مهما سما، لايكون واقعيا  في تجسده، لايتبرج في مشاريع ملموسة  تهم حياة الانسان المادية مباشرة لايمكن ان يجذب احدا ولا ان يقنع احدا.

                                                                بين المبدا والسلوكية

من هنا جاءت اهمية تحطيم الفاصل، بين المبدا والمسلك بالنسبة لكنيسة يسوع، وليس لكنيسة يسوع في منظورها الشامل المسكوني فقط، بل حتى في منظورها الوطني المحلي. فمسيحية العراق، مثلا اذا ارادت ان تكون اصيلة وتؤمن استمراريتها في هذا البلد في جو من العافية والخلق، واذا ارادت ان تساهم حقا في بناء العراق الجديد عليها ان تتحرر في الداخل من تقوقعها وخوفها من اطارها البنيوي شبه الاقطاعي، علينا ان تخرج من نزعة المزج برياء بين المواقف اللفضية التقدمية المعلنة والمواقف التقليدية او الرجعية او الاستسلامية التي تمارسها في سلوكيتها واقعا. عليها ان تحرر من لا منطقية الفطنة التي تتحصن وراءها بحجة الحفاظ على استقلاليتها او خوفا من الوقوع في المجهول. عليها ان تفتح ابوابها للامل وللروح النبوي الذي وحده بضمن مستقبلها وعافيتها: في الايمان والشهادة.

 

                                                        الاب جرجس القس موسى  

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: