Posted by: abu faadii | 2013/08/02

البابا في البرازيل:

البابا في البرازيل: رحلة التحديات

ش.ر/ايلول1980 

تعتبرالبرازيل (8,500,000كم2 = نحو 20 مرة اكبر من العراق) التي زارها البابا من 30 حزيران إلى 12 تموز 1980 اكبر بلد كاثوليكي  من حيث عدد الكاثوليك فيه (105 مليون من مجموع 115)، وتضم اكبر عدد من الأساقفة في العالم (بعد ايطاليا): 318 أسقفا بينهم 3 شرقيون، ويخدمها 14000 كاهن و 38000 راهبة وتعتمد على 80000 جماعة قاعدية. مجلس الأساقفة هو من أقدم المجالس الأسقفية في العالم، فقد تأسس قبل المجمع عام 1952، وكان أول سكرتير له المطران هلدر كامارا الشهير.

     وكنيسة البرازيل كنيسة قريبة من الشعب ودور العلمانيين فيها دور حيوي وواسع. أما بالنسبة إلى النظام الحاكم فهي تمثل صوت النبوة والمعارضة: وإذا ما تردد بعض الأساقفة زمنا في اتخاذ المواقف الحازمة، فالأكثرية الساحقة بينهم ترفع صوتها عاليا اليوم بوجه المظالم  السياسية والفروقات الاقتصادية والاجتماعية، وعديدة هي الرسائل العامة والمنشورات الأسقفية التي تعالج القضايا الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى برامج تطويرية ترعاها الكنيسة مباشرة لتحسين أوضاع الفلاحين وفضح أساليب الاستغلال الرأسمالي والشركات المتعددة الجنسيات. وطالما وضع الأساقفة أنفسهم في محك هذا النضال كالمطران هلدر كامارا وأسقف ساوباولو  وسانتو اندري الذي اشترك شخصيا مع عمال المعادن في إضرابهم في نيسان الماضي.

      ولكن مثل هذه المبادرات جذبت على الكنيسة نقمة السلطة الدكتاتورية. ففي كانون الثاني 1979 نشر أساقفة ساوباولو تقريرا حول القمع الذي خضعت له كنيسة البرازيل في السنوات العشر الأخيرة كانت حصيلته: 122 راهبا (بينهم 9 أساقفة) أوقفوا، 233 مسؤولا علمانيا و 7 كهنة اغتيلوا، 29عملية تفتيش، 34عملية تعذيب ضد الرهبان، 18حالة تهديد بالتصفية الجسدية، 9 حالات اختطاف، حالات ضغط على 30 أسقفا من بينهم الكردينال ارنس (ف.م .عدد156)، والمطران هلدر كامارا  محامي الفقراء والفلاحين الذي قتل معاونه.

      إلى جانب هذا الالتزام الإنساني الذي جعل من كنيسة البرازيل كنيسة الشعب، فهي تسير، من جانب آخر، في خط المجمع بثبات سواء كان ذلك في قضايا الليتورجيا أم التثقيف المسيحي أم في تطوير وسائل العمل الراعوي في الأوساط الفلاحية والعمالية أم في تبسيط العلاقة بين القمة والقاعدة وتبني مبدأ المشاركة في الإدارة واتخاذ القرارات.

     هذه خطوط عريضة من وجه كنيسة البرازيل التي ذهب للقائها يوحنا بولس الثاني، لذا اكتسبت رحلته صفة التحدي، سيما وانه كان عليه أن يلتقي لا بممثلي هذه الكنيسة وحسب،بل بمسؤولي النظام الحاكم أيضا ويكشف بنفسه ضحايا هذا النظام0

     ولقد حاول يوحنا بولس الثاني طيلة جولته أن يكون لسان حال الطبقات المقهورة التي هي أكثر من غيرها متعطشة وبحاجة إلى التغيير. ففي خطابه الجوابي لكلمة رئيس الجمهورية لدى وصوله أكد البابا الطابع الراعوي والرسولي لزيارته ثم دعا جميع من هم “في خدمة الخير العام للأمة” إلى المبادرة إلى احترام حقوق “الإنسان البرازيلي” وتحقيق “الإصلاحات الضرورية التي من دونها لا يمكن لأي مجتمع يحترم ذاته أن يتقدم”.

      هذا وكان قداسته قد بدا زيارته بقداس في الهواء الطلق حضره حوالي 700,000 شخص، زار بعده الرئيس خوان فيغيريدو في مقر الرئاسة. وكانت اللجنة الراعوية الأسقفية قد أبدت استغرابها عشية الزيارة كيف إن الحكومة “تسهل زيارة البابا بكل الوسائل المتاحة في الوقت الذي تقمع فيه نشاط الكنيسة لصالح المقهورين”. ومن جانب آخر سلم مطران غوياس رئيس لجنة الرسالات الهندية رسالة إلى البابا وقعها 50 من زعماء الهنود (180000 في البرازيل) يبدون فيها امتعاضهم من الاحتفال الفولكلوري الهندي المقرر أن يشاهده البابا في حين تهان كرامة إخوانهم وتغتصب أراضيهم ويقتل زعمائهم. وقد دعا الموقعون البابا إلى زيارة وادي غوابور “ليرى هنود نامبيكوارا الذين يعيشون وضعا مشابها للاجئي بيافرا”. في أعقاب هذه الرسالة طلب البابا إلغاء “الحفل الهندي” المقرر، وقبل أن يترك العاصمة برازيليا زار سجن بابودا 0ومن هنا طار إلى مدينة بيللواوريزونتي (1تموز) حيث أقام قداسا أمام مليون شخص (سكان المدينة 3 ملايين) معظمهم من الشباب. وفي غضون هذا القداس أفرغت الأكياس التي كانت تحتوي على البطاقات التي سلمها شباب فرنسا للبابا في بارك الأمراء بباريس لدى زيارته الأخيرة ليسلمها إلى شباب البرازيل، وقد حملها البابا في طائرته كموزع بريد أمين!

      ولقد اثأر البابا حمية الشباب عندما قال: “لقد تعلمت إن الشاب المسيحي يكف عن أن يكون شابا، وليس هو مسيحي منذ زمن طويل، حينما ينساق وراء عقائد وايدولوجيات تعلم الحقد والعنف. ولقد تحققت من أن الشاب سرعان ما يشيخ بصورة خطرة عندما ينخدع بهذا المبدأ السهل الذي بموجبه “الغاية تبرر الواسطة”، عندما يأخذ بالاعتقاد بان الأمل الوحيد لتطوير المجتمع هو في الصراع والحقد بين الفئات الاجتماعية، في  مثالية  طوباوية لمجتمع من دون طبقات، سرعان ما يخلق طبقاته الجديدة،. ولا يخفي ما في ذلك من تنويه واضح إلى الشيوعية التي يتحدث عنها البابا حديث عليم خبير، هو القادم من بولونيا.

      في ريودي جانيرو (2تموز) قضى البابا ليلتين واستقبل بعثة تمثل أحياء التنك المئة التي تحيط بالمدينة كحزام من البؤس والعار. ولقد كانت إحدى المراحل الأكثر انفعالا للبابا تجواله  في احد هذه الأحياء “فافيلا فيديغال” المشرف على الأحياء الغنية من المدينة، والذي استطاع سكانه بتضامنهم ومقاومتهم الجماعية أن يجهضوا مشروعا حكوميا كان يقضي بهدم أكواخهم. غير إن السلطات كانت، بحجة الأمن، قد أفرغت معظم منازل الحي في يوم زيارة البابا ومنعت الأساقفة من مرافقته في جولته وعتمت وسائل الإعلام البرازيلي بشكل فاضح على أخبار هذه الزيارة. وفي معبد الحي تحدث البابا عن “كنيسة الفقراء وكنيسة جميع الناس” وندد بأنانية الأغنياء وقال مخاطبا الغني: “عليك أن تبحث عن سبل العطاء، كيف تنظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية وكل قطاعاتها بحيث تعطي هذه الحياة المساواة بين البشر، ولا تحفر هوة بينهم.    فكنيسة الفقراء ليست كنيسة طبقة معينة أو طائفة عصبية. هذا وقد استلم البابا رسائل وعرائض من السكان طلبت إحداها أن يتدخل من اجل تأسيس الماء والكهرباء والمجاري في الحي.

       في ريو أيضا رسم البابا 70 كاهنا في قداس أقامه في ملعب البلدية، واستقبل وفدا يمثل منظمة أساقفة أميركا اللاتينية “سيلام” الذي انشيء في ريو بالذات عام 1955ومن خلالهم خاطب جميع أساقفة القارة اللاتينية ودعاهم إلى إعطاء العلمانيين “دورهم لاسيما في النضال والقيادة ضمن الاحزاب السياسية وممارسة الوظائف العامة ليتحرر الرعاة من هذه الالتزامات كي يتفرغوا للدعوة الإنجيلية”. وبذلك يكون يوحنا بولس الثاني منسجما، مرة أخرى، مع ذاته في التمييز بين “الوظيفة الروحية” للأساقفة والكهنة و”الوظيفة الزمنية” للعلمانيين، وعدم رغبته في أن يلتزم رجال الدين شؤون السياسة.

       في ساوباولو (3تموز) كان لقاء البابا الأكبر مع العمال (12000) الذين لم يتح لهم مثل هذا التجمع منذ وقت طويل. وقد القى فلاديمير روسي (46 سنة )، وهوعضو نقابي واحد مسؤولي العمل الرعائي في ساوباولو باسم العمال خطابا إلى “الرفيق يوحنا بولس” شكا فيه من ظروف الحياة القاسية للعمال البرازيليين الذين يناضلون  “من اجل الحصول على أجور اقل ظلما، وظروف عمل أفضل، ومن اجل نقابات حرة ومستقلة”. ولما ذكراسم رفيقين له، سانتوس ديا وريموندو بيريدا، اغتالتهما السلطة مؤخرا، أجهش في البكاء –وهو نفسه ذاق السجن والتعذيب مدة 5 أشهر–فهتف العمال بملء حناجرهم: “الحرية”،. وفي جو مشحون بالتأثر أجاب البابا مدافعا عن حرية النقابات والحق في توزيع عادل للخيرات التي ينتجها العمل وعن الحق في العمل والكرامة.

      من ساوباولو انتقل البابا إلى ابارسيداد (4 تموز)، ومن ثم إلى كوريتينا (5 تموز) حيث استقبل 18 امرأة أرجنتينية يمثلن ما يدعى هناك ب “مجنونات أيار” وهن أمهات أشخاص اختفوا ولا يعرف عنهم شيء. وقد وعد البابا بعمل كل ما بوسعه لدى الحكومة الأرجنتينية من اجل إعادتهم إلى ذويهم. ويوم 6 تموز كان البابا في ساوسلفادور دي باهيا حيث زار مصحا للبرص وحيا من أحياء التنك وحث سكانه على عدم الاستسلام للبؤس: “لا تقولوا: إن الله يريد ذلك، بل غيروا واقعكم،. وفي اليوم التالي كان ضيف “المطران الأحمر” هلدر كامارا في ريسيف، هذا الذي لم يترك منبرا في العالم إلا وفضح من أعلاه مظالم النظام الحاكم. “إن الأرض هبة من الله، ولا يجوز أن تحتكر لمصلحة أقلية ما”، قالها يوحنا بولس أمام 800000 شخص في ريسيف وعانق المطران كامار طويلا تأييدا لنضاله. وقد اهدى احد الفلاحين للبابا قبعته القروية الواسعة.

       من ريسيف انتقل الموكب البابوي إلى تيريزينا وبيليم (8 تموز)، ومن هناك إلى فورتاليزا (9 تموز) حيث اشترك البابا في اجتماع عام لجميع أساقفة البرازيل، وافتتح أعمال المؤتمر ألقرباني الوطني بقداس أقامه في ملعب كاستلاو. وفي هذا الملعب ذاته، وقبل قدوم البابا، تسبب الازدحام بتحطم إحدى البوابات مما أودى بحياة 3 أشخاص (وقيل7) وجرح20 آخرين. وكانت آخر مراحل الزيارة البابوية في ماناوس (10تموز) حيث وجه نداءه الأخير إلى السلطات المدنية كي تحترم حقوق الهنود وتراثهم، هم “السكان  الأوائل  والأصليون لهذه البلاد”. ويذكر إن البابا كان قد قام برحلة نهرية في نهر ألامزون في قلب الغابة العذراء.

        ترك يوحنا بولس الثاني البرازيل يوم السبت 11 تموز عائدا إلى روما بعد أطول رحلة عالمية قام بها (13000كم) وفي عينيه عالم من الذكريات والمشاهد، وفي قلبه كنيسة مجاهدة إلى حد الاستشهاد من اجل الإنسان المقهور وشعب عفوي الإيمان جائع إلى قيم الحق والعدل.                                              

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: