البابا في فرنسا: تعال وانظر!

البابا في فرنسا: تعال وانظر!

 

ش.ر/ايلول1980

 

       كانت آخر زيارة بابوية لفرنسا زيارة بيوس السابع لتتويج نابليون أمبراطورا في باريس عام 1804. وعاد البابا نفسه إلى فرنسا، ولكن أسيرا لنابليون هذه المرة بعد أن جرده من ممتلكاته وفرض عليه الإقامة الجبرية في فونتينبلو، ولم يعد إلى روما إلا سنة 1814.

      منذ ذلك التاريخ لم تدس بابا ارض فرنسا، حتى جاءها يوحنا بولس الثاني في زيارة لباريس العاصمة (30 أيار – 2 حزيران) لا ليتوج إمبراطورا، بل ليلتقي كنيسة لا تخاف من أن تمزج الإيمان الأصيل بالروح النبوية النقدية. وإذا كان يوحنا بولس الثاني قد ذهب إلى هذه الكنيسة بشيء من الحذر، فقد عاد منها بالتفاؤل والتقدير والارتياح.

    وإذا نعتنا زيارة البابا لفرنسا بزيارة الاستكشاف”تعال وانظر”، فرحلته إلى البرازيل(30 حزيران– 12تموز) يمكننا وصفها “برحلة التحديات”. ذلك لان البرازيل –وهي اكبر بلد كاثوليكي في العالم من حيث العدد مع 105مليون كاثوليكي من أصل 115 مليون- وهي أيضا بلد التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الصارخة. فنظامها السياسي لا يُضرب به المثل في الديمقراطية، بل القمع والتصفيات الجسدية من صفاته اللاصقة. وال 318 أسقفا ليسوا كلهم من طينة الفارستو آرنس وهلدر كامارا   

   يوحنا بولس الثاني أراد أن يتحدى التناقضات ويسمي الأشياء بأسمائها كما يفعل الأنبياء! 

تعال وانظر!

“لم أكن اظن إن الفرنسيين مشتاقون إلى هذا الحد لرؤية هذا البابا. لا، لم أكن أتوقع ذلك قط”! يوحنا بولس الثاني نفسه صرح بذلك في مقابلة أجراها معه راديو الفاتيكان وصحيفة اوسرفاتوري  رومانو عقب عودة قداسته من رحلته إلى فرنسا. أوَ لم ينسب احدهم إلى البابا البولوني قوله مرة: “لست ادري ماذا يجري في رؤوس هؤلاء الفرنسيين!”.

      ذلك لان تخوفا صامتا كان يسري في ممرات الدوائر الرومانية من الروح الاستقلالية والنزعة النقدية وحب المبادرات الجريئة والرائدة التي تتصف بها كنيسة فرنسا، قمة وقاعدة

–على غرار شعب فرنسا نفسه عامة-، وكان يخشى أن لا تلقى زيارة بابا روما الترحيب اللائق. ففرنسا ليست لا ايرلندا ولا بولونيا… ولا احد ينكر ما لكنيسة فرنسا وللثقافة الفرنسية من تأثير بليغ على الكنيسة الجامعة ككل، وعلى عدد كبير من الكنائس المحلية، ولقب “ابنة الكنيسة البكر” الذي تنعت به فرنسا لم يخلع عليها جزافا؛ وقد أشار إلى ذلك قداسة البابا نفسه في المقابلة المذكورة: “إن الكنيسة الجامعة، والكنيسة الكاثوليكية، والمسيحية مدينة حقا بالكثير لكنيسة فرنسا ولشعب فرنسا، ولقب “ابنة الكنيسة البكر” المعطى لكنيسة فرنسا له ما يبرره بعمق”.

     هذه الكنيسة جاءها يوحنا بولس الثاني حاجا “ليزور ويشجع كاثوليك فرنسا” وليستمع إليهم(1) وينظر بأم عينيه كيف تعيش هذه الكنيسة إيمانها وتحاول تطعيمه وتجديده دوما من دون أن تنقطع عن جذع الكنيسة الجامعة ولا أن تتغرب عن مجتمع، هي جزء جوهري من تاريخه وتكوين شخصيته، يعتز بحريته واستقلاليته، كنيسة لا تريد أن تتنكر لتطلعات الإنسان المعاصر وطموحاته المشروعة في عالم يتحرك ويحيا ويتجاوز ذاته كل يوم. وفي هذا لم تخب آمال البابا، ولا البابا خيب آمالهم! فدينامية كنيسة فرنسا المتميزة بالاتزان والجرأة في آن واحد، وواقعية البابا فويتيوا ألهمتا هذا الأخير أن يجعل من زيارته لفرنسا، ليس فقط فرصة التعرف على التجربة الفرنسية في ممارسة الإيمان والالتزام الإنجيلي، والالتقاء “بالروح الفرنسية” على حد تعبيره هو نفسه، بل جعل من فرنسا منبرا يعلن منه للعالم عقيدة الكنيسة في الإنسان وكرامته، ويلفت النظر، كما يفعل أب محب وغيور، إلى بعض من أهم القضايا الروحية والرسولية التي تهم  رسالة الكنيسة في عالم اليوم –الم تكن أهداف هذه الزيارة “رسولية وراعوية” كما حددها بنفسه–.

      لقد سال فرنسا المسيحية في القداس الذي أقامه في مطار ليبورجيه أمام حشود قدرت ببضعة الآلاف، وكأنه كاهن يقبل تجديد مواعيد المعمودية في خورنيته: “اسمحوا لي أن اسأل: يا فرنسا، يا ابنة الكنيسة البكر هل أنت أمينة لمواعيد عمادك؟”.

      في تجواله المكثف ولقاءاته المختلفة استطاع البابا أن يجمع عناصر الجواب لسؤاله هذا. فلقد التقى بالأساقفة في “اجتماع قمة” استمع فيه إلى تقرير صريح حول “الواقع المعقد لكنيسة فرنسا” قدمه عميد مجلس الأساقفة الكردينال اتشيغاري حيث كلمه عن “روح العلمنة” الذي يجتاح المجتمع الفرنسي، وحدثه عن ظاهرة “عودة الله” إلى عالم الشبيبة، وعن دور العلمانيين في إنعاش كنيسة فرنسا، وعن رغبة الحركات المسيحية في أن تجعل “كل الإنجيل في كل الحياة”. لقد حدثه عن الطباع الفرنسية الخاصة(2) وعن الصعوبات التي تلاقيها كنيسة فرنسا وأساقفتها وقال: “يلزمنا الكثير من الحرية الباطنية كي لا نرتبك أمام أية جماعة هامشية أو استفتاء ما. يلزمنا الكثير من روح الدعابة أمام أشكال اللوم المتناقضة الموجهة ضدنا…”.

       لقد التقى البابا بالعلمانيين وبالرهبان والراهبات ورأى بنفسه وصلى مع حشود المؤمنين البسطاء الذين يتغذون من منبع هذا “الإيمان المسيحي” الذي فيه من الأصالة أكثر من العاطفة السطحية العابرة. لقد التقى بالعمال في قداس خاص أقامه لهم في حي عمالي شعبي وكلمهم عن قيمة الحياة وكرامة المرأة ودور الأسرة وعن الأغنياء والفقراء وعن قيمة العمل –هو الذي اشتغل عاملا يدويا مدة سنتين– وقال لهم بان “عاملا واحدا يساوي أكثر من ذهب الدنيا”. كما انه شجع الكهنة والعمال في الاستمرار في تجربتهم الإنجيلية الغنية –وكان البعض يتخوفون من أن  يتحفظ  البابا تجاه هذه التجربة–.

       التقى يوحنا بولس بالشباب، وكان عددهم 50 ألف شاب وفتاة جاءا ليستمعوا إليه في بارك الأمراء من كل إنحاء فرنسا، ولدى رؤيته عفويتهم الغى خطابه المقرر وأجاب شفهيا ومباشرة على عشرين من أسئلتهم حول المسيح والكنيسة وعن قيمة الجسد والجنس وحول دوره هو بالذات كبابا، وابدي أسفه لعدم تمكنه من الإجابة إلى كل الأسئلة المطروحة.

       التقى بممثلي الكنائس المسيحية الشقيقة وبرجال الدين المسلمين الذين يهتمون بشؤون العمال العرب، وحتى بممثلي الاحزاب الماركسية والعمال المهاجرين…

       في أربعة أيام ألقى يوحنا بولس الثاني على ارض فرنسا 25 خطابا وموعظة، وأمام مستمعين من مختلف الأعمار والاتجاهات والمواقع الاجتماعية والفكرية، من مؤمنين وملحدين وفضوليين أيضا، من رجال حكم وممثلي دول. عماذا تكلم؟ في فذلكة كهذه، لا نستطيع حصر المواضيع التي تحدث عنها لاتساعها وشموليتها، غيرانه بالإمكان تنسيقها تحت مظلة عناوين رئيسة ثلاثة هي: الإنسان، والمجتمع، والكنيسة. ومن كل ذلك عاد يوحنا بولس الثاني، متعبا ولكن فرحا، إلى روما، ليعد رحلته الأخرى إلى البرازيل وفي جعبته هذه الحصيلة: “فيما يخصني، اشعر بأنني مدين للكنيسة التي في فرنسا للشهادة الرائعة التي قدمتها لي”. 

—————— 

(1) قبيل زيارة البابا لفرنسا وجهت جريدة لاكروا وإذاعة وتلفزيون لوكسمبورج نداء بعنوان “اكتبوا إلى يوحنا بولس الثاني ونحن ننقل”. وقد حملت ألاف الرسائل ليس كلمات الترحيب وحسب، بل اقتراحات وأراء وأسئلة –ومنها ما يتصف بالحدة –إلى البابا القادم من روما.

(2) في رسالة مفتوحة نشرها الكردينال اتشيغاراي في صحيفة “باري ماتش” عشية الزيارة بعنوان”أيها الأب الأقدس،هذه هي فرنسا وهذه هي كنيستها”، جاء: “أيها الأب الأقدس، عندنا الجيد وعندنا القبيح. عندنا ما يموت وما يحيا. إننا لا نشبه بلدك بولونيا. هناك أمور روحية كثيرة مما عندكم قد تلاشت عندنا. ولكن في بلدنا أشياء جديدة، حبلى بالمستقبل الروحي، تولد وتعود إلى الحياة، مما لم تحسب التوقعات حسابه..”

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s