Posted by: abu faadii | 2013/08/02

الفكر المسيحي 1982

الفكر المسيحي 1982

62

الحركة المسكونية بين الطموح مقال                                               

176

شباط

1982

63

رحلة البابا إلى أفريقيا    ش.ر                         

174

نيسان

1982

64

دير الشيخ متى       تحقيف                                

175

ايار

1982

65

قراءة في كتاب أعمال الرسل  مقال                      

176

ت1/ت2

1982

66

الوحدة في التعددية را الارثوذكس مقال  

حزيرانتموز 

1982

الحركة المسكونية بين الطموح والممكنات 

مناقشة/شباط1982 

     كان مجلس الكنائس العالمي أول هيئة مسيحية عالمية رسمية تعني بشؤون الوحدة المسيحية بصورة مباشرة ومبرمجة. فقد ضم يوم انشيء في 23 أب 1948 في أمستردام بهولندا 47 كنيسة، وهو يضم اليوم زهاء 27. كنيسة من البروتستنت والانكليكان والأرثوذكس على اختلاف طوائفهم، وتتمثل فيه الكنيسة الكاثوليكية بوفد دائم. وقد قام هذا المجلس، ولا يزال، بعمل جبار في تقريب الكنائس من بعضها البعض، وفتح الحوار اللاهوتي، وتنسيق العمل الاجتماعي ومعالجة قضايا الإنسان الكبرى كالتحرر من الجوع والتخلف والأمية في دول العالم الثالث والنضال من اجل كرامة الإنسان ضد القمع السياسي والعنف في الأنظمة الاستبدادية، ومضاعفة الجهود في سبيل إيجاد صيغ فكرية مشتركة ومقبولة للتعبير عن الإيمان بين الكنائس الأعضاء. وكان المجلس نفسه خيمة إخوة حقيقية للتقابس والتلاقي بين الغرب والشرق، من جهة، وبين الكنائس الأرثوذكسية فيما بينها بصورة خاصة، من جهة أخرى.

     وجاء المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني الذي دفع بالكنيسة الكاثوليكية بزخم وعزم نحو شقيقاته فنما تيار وحدوي عارم في صفوف المسيحية لاستعادة الوحدة في كنيسة المسيح المجزاة. فكان حضور مراقبين من الكنائس الشقيقة في جلسات المجمع واحتفالاته، وقيام سكرتارية كاثوليكية دائمة لشؤون الوحدة المسيحية كحلقة وصل للحوار والتدارس والتشاور والتنسيق مع الكنائس الشقيقة وانفتاح الغرب اللاتيني على تراث الشرق الزاخر والعودة إلى ينابيع الكتاب المقدس والمجامع المسكونية الأولى وآباء الكنيسة في الأجيال المسيحية الأولى

–ومعظمهم شرقيون– الذين غذوا الكنيسة الجامعة قبل الانشقاقات بروحانياتهم وتواجد شخصيات فذة على رأس الكنائس المسيحية عميقة الإيمان والمحبة ومصممة كل التصميم على نفض غبار الماضي وفتح عهد وحدوي جديد لا رجعة عليه، أمثال يوحنا الثالث والعشرين وبولس السادس واثيناغوراس.. وغيرهم.

     كل هذه الظواهر التي يسميها يوحنا 23 “علامات الأزمنة” بعثت في الكنيسة الجامعة ككل نشوة من الآمل الوطيد بان الوحدة على الأبواب.. وتسارعت الأحداث والمبادرات فتلاقى الأقطاب وتعانقوا بعد تباعد دام مئات السنين، وذهبت وفود وجاءت وفود، ورفعت حرومات جمدت العلاقات قرونا طويلة، وشمل الحوار بين الكنائس كل شيء: اللاهوت، الرئاسة، الطقوس، المسلكية… وسرت بين المؤمنين من جراء هذا الجو المسكوني الجديد آمال واسعة، لاسيما في شرقنا حيث تتداخل الطوائف تداخل قطع الفسيفساء في منمنمة عتيقة تكاد تنغمر لضالتها في بحر من أكثرية غير مسيحية ساحقة.

     وشهد قطرنا العراقي في الستينات والسبعينات خطوات تقارب مسكوني محسوسة كانت أولى نتائجها المنظورة أن كسرت طوق العزلة النفسية والاكتفاء الذاتي الذي كانت تعيش فيه كل طائفة إزاء الأخرى، وامتدت جسور الانفتاح والمبادرات الموحدة بين الطوائف الكاثوليكية والأرثوذكسية من زيارات مجاملة متبادلة بين المسؤولين الكنسيين ولقاءات التنسيق والتشاور، ووضع مناهج موحدة للتعليم المسيحي، واشتراك في صلوات أسبوع الوحدة المسيحية في الكنائس المختلفة، وإصدار بعض النشرات والرسائل الراعوية والتقاويم الموحدة، وحضور وحتى مشاركة المسؤولين الكنسيين (كهنة وأساقفة) في الصلوات والاحتفالات المقامة في بعض المناسبات في كنائس من غير طائفتهم الأرثوذكسية أو الكاثوليكية وإقامة ندوات دينية – ثقافية مشتركة عملت كثيرا في إذابة التجاهل والأحكام المسبقة في بوتقة الإخوة المسيحية، وتخفيف أو رفع موانع الزواج المختلط… مما بعث وعيا وحدويا حقيقيا.

     ولكن ذلك كان في السابق.. يقول بعضهم، فالمبادرات المسكونية قد خبت وكدنا اليوم نعود إلى تعايش سلمي اكتفائي انكفائي! إننا بحاجة إلى مبادرات عملية ملموسة: ولم تعد تكفينا المجاملات.. ألا ينطوي الاعتراض على جانب من الصحة، يا ترى؟!

     “الحركة المسكونية في سبات”! عبارة نسمعها على لسان أولئك الذين انبتت فيهم المبادرات المسكونية، في السنوات الماضية، الأمل باستعادة الوحدة المسيحية، ولا يرون تجسيدا لها في الواقع.

     بهذه الصيغة كانت الفكر المسيحي قد طرحت من جديد ملف الحركة المسكونية وأمنية الوحدة في عدد ت2 1981 للمناقشة مع القراء. فالمبادرة الأخيرة التي قام بها رؤساء الطوائف المسيحية في أيار الماضي في بغداد لدرس قضية توحيد عيد القيامة أفاقت الآمال من جديد، وذلك لان هذه الأمنية تعتبر من اعز أمنيات المسيحيين على اختلاف طوائفهم ومللهم لاتصالها المباشر بحياتهم الاجتماعية والعاطفية. ولقد اتفقت الأطراف المعنية، من حيث المبدأ، على تبني الأحد الأول أو الثاني من نيسان للاحتفال بالعيد سوية في العراق، ورفع الاقتراح إلى البطاركة للموافقة عليه.

     أملنا أن لا تلحق هذه المبادرة مصير سابقاتها، وإذ لم تعط النتيجة المتوخاة حالا، فعوض أن يلقى اللوم على هذا الطرف أو ذاك تغلق القضية، ينبغي بالأحرى إعادة دراستها وتعميقها وتوسيع حلقة التداول فيها بروح الحوار المسؤول لاتخاذ الصيغ الموضوعية لإقرارها بما يتجاوب مع انتظار الشعب المسيحي المؤمن وخيره، لا بما تمليه الاعتبارات البروتوكولية والمزايدات. إن حل هذه القضية هو محك حقيقي لاختبار جدية المقولات وكل المبادرات أو التصريحات الوحدوية الأخرى. كان السؤال المطروح على قرائنا:

     ** ما هي في نظرك ابرز العقبات (لاهوتية، رئاسية، إدارية، طقسية… ) التي تحول دون قيام الوحدة المسيحية في كنائسنا؟

     ** المجد الذي أعطانا الرب لكي نكون واحدا

      سرد السيد أرميناك اوهانيس (محاسب – الموصل) نص إنجيل يوحنا (27: 20 – 22) في أمنية يسوع الأخيرة في أن يكون تلاميذه كلهم واحدا كما انه، هو والأب واحد، وكيف انه جعل من هذه الوحدة شهادة ومنطلقا لدعوة الناس إلى الإيمان بالله وبالكلمة الذي أرسله لخلاص العالم، يسوع المسيح. وقد ركز السيد أرميناك بصورة خاصة على ربط المسيح بين المجد الذي أعطاه لتلاميذه والوحدة المطلوبة:

“لقد أعطانا السيد المسيح المجد الذي أعطاه إياه أبوه لسبب واحد وهو لكي نكون واحدا وشرط أن نكون واحدا… هذه هي رغبة الرب وأقواله، فإما أن نؤمن بها ونلتزم بها، وإما إننا قد قبلنا بالخروج عنها”. 

     ** العودة إلى الإنجيل

     كتب السيد خليل توما (الشيخان): “يجب أن نعرف الإنجيل، والإنجيل حسب تصوري هو الدستور أو المرجع للإنسان المسيحي، فإذا أرادوا الوحدة حقا، فليرجعوا إلى الإنجيل ولا يخرج أي طرف عما هو فيه. نقول: هذا كاثوليكي وذاك أرثوذكسي والآخر نسطوري أو بروتستنتي.. هذه التسميات خلقت الانشقاق، وتلك الأسماء أسماء بشر مثلنا ثم تحولت إلى معتقدات، أما المسيح فهو واحد للجميع، والكل  يحمل صليبه ويقول: صلب من اجل خلاصنا”.

       ثم يتطرق الأخ خليل إلى أن النظرات اللاهوتية المختلفة وتنوع الطقوس لا تعتبر في حد ذاتها عقبة الوحدة، وإنما تعكس نزعة الإنسان الطبيعية إلى التنوع في أساليب تعبيره وترجمة مفاهيمه. ولكنه بالمقابل يعزو إلى السلطة الكنسية قسطا مهما من المسؤولية في الوحدة، كما في الانشقاق، غير انه يعود فيقول بان توحيد الكنيسة مشروع أهم واعز من أن يعالج بخفة وسطحية وانفعال فهو “ليس اتفاقية عمل مشترك لمدة معينة ثم ينتهي.. وإلا لكانت العاقبة أوخم…”. 

     **الوحدة مشروع القمة والقاعدة معا

     الآنسة إنعام ميخائيل توفيق سريدار (موظفة-الموصل) تجزم بان “أهم العقبات التي تحول دون قيام الوحدة المسيحية الكاملة هي لاهوتية وإدارية ورئاسية وطقسية معا”. وإذ ترى ضرورة  تطوير الطقوس الكنسية وترجمتها وتوليفها بما يخدم مشاركة الشعب فيها مشاركة فعلية تدعو مؤمني الكنيسة الواحدة  إلى الانفتاح على الكنيسة الأخرى، فتلك خطوة مهمة  في الحوار المسكوني وخلق حس وحدوي لدى الشعب المسيحي لان الوحدة المسيحية مشروع القمة والقاعدة معا:

     “إن الحركة المسكونية لما وصلت إلى السبات، كما يقول البعض، لولا تقاعس هؤلاء الذين اعتبروا تجزئة الكنيسة مسالة طبيعية ولدت معهم وليس من الضروري أن يغيروا الأمر الواقع.. إن رؤساء طوائفنا عندما يجدون تجاوبا وإصرارا من الشعب المسيحي، فنحن على ثقة بأنهم سيغيرون، حتما، خططهم الروتينية التي قد يكونون مجبرين عليها بحكم الاعتبارات البشرية والتقاليد المتوارثة…”

     ** في المسيحية ليس من امة سيدة

     الآنسة جميلة بولص بطرس (معلمة- شقلاوة) كتبت معلقة على أن في البدء لم يكن إلا كنيسة واحدة، وعلينا العمل للعودة إلى “الراعي الواحد والرعية الواحدة”:
“ليس في المسيحية من امة سيدة، ولا من لغة سيدة، ولا من ثقافة سيدة. فالسيد هو المسيح الذي تجسد في البشرية كلها. أما ظهور المذاهب والفرق في الكنيسة الجامعة فيعود إلى سببين: الأول ذاتي أو شخصي (السلطة الكنسية) ويتعلق بالتفسيرات اللاهوتية والاتجاهات الفكرية، والثاني سياسي ويتعلق بالضغوط السياسية التي تعرضت لها الكنيسة وما أحدثته من انشقاقات…”.

     ** تجزئة المشكلة  لحلها مرحليا

     السيد حبيب هرمز ججو (كلية العلوم – الموصل) يرى أن الهدف الاسمي يبقى الوحدة الكاملة وقيام كنيسة واحدة موحدة.غير أن هذا الهدف لا يبلغ إلا مرحليا، بدءا بإزالة العوائق، ومن أهمها، برأيه، تعدد الطقوس التي. “تلعب دورا في تعميق الهوة بين الكنائس، أما توحيدها، ولو بمراحل تدريجية، فيعتبر كحد أدنى للاتفاق وكخطوة عملية جيدة نحو الوحدة، لكونها تهيئ المؤمنين الذين هم عصب الكنيسة… فالتوحيد يجب أن يمر بمراحل: الطقوس، الوسائل الإدارية.. وأخيرا المرحلة الأصعب وهي الاتفاق في الشؤون اللاهوتية” 

      ** الوحدة في الإطار العام لا في التفاصيل

      رأي الدكتور يوئيل يوسف عزيز (رئيس قسم اللغة الانكليزية – جامعة الموصل) يختلف تماما:

     “الوحدة المسيحية –كما افهمها– لا تعني توحيد التفاصيل في الكنائس المسيحية، بل تعني إتباع الإطار العام للمسيحية. أما التأكيد على التفاصيل فهو السبب الرئيسي لعدم تحقيق الوحدة المسيحية. فمما لاشك فيه أن التفاصيل الإدارية والطقسية وحتى التفسيرات اللاهوتية تختلف من زمن  إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر. وهذا الاختلاف سمة ضرورية للكنيسة ومظهر من مظاهر تطورها الحضاري.. فانصهار الكنائس في كنيسة واحدة إذا كان يعني توحيد التفاصيل فهو أمر بعيد التحقيق، فضلا عن انه لا يخدم الكنيسة بالضرورة. فالجوهر في المسيحية –وهو ما ندعوه بالإطار العام– هو الإيمان بشخص المسيح وبتعاليمه وبالأسلوب الذي سلمنا إياه في عبادة الله والمحبة والخير والفضيلة…”. 

     **في العراق

     أما من ناحية أيهما أكثر أهمية لكنائسنا في العراق:  توحيد المواقف أم الانصهار في كنيسة واحدة، فقد كتب السيد وعدا لله إيليا كرومي (قرةقوش):

“الأهم لكنائسنا في العراق يكمن في توحيد المواقف وتنسيق العمل الراعوي والرسولي”.

     كذلك كتب السيد حبيب هرمز ججو:

     “الأكثر أهمية لكنائسنا في العراق هو البدء بتوحيد المواقف من خلال الرأي الموحد في أسلوب العمل الراعوي، وطرق التبشير بالمسيح، وتنشئة الجيل الجديد بحسب الروح الوحدوية بعيدا عن الطائفية، والتعاون الاجتماعي، ومن خلال المواقف الموحدة تجاه قضايانا الوطنية والقومية والالتزام بها.

     لا شك إن هذه الإجابات لا تحيط الوحدة المسيحية(1) من كل جوانبها، فالمسالة أوسع وأعمق وأكثر تعقيدا من أن تحصر في “أراء وأفكار” يلقي بها هذا أو ذاك على صفحات مجلة. ولكن هذه “الآراء والأفكار” التي أوردناها على قلتها وإيجازها، تعبر عن حالة نفسية عامة تترجم بحنين عميق وحميم لدى جميع المسيحيين الوحدة المسيحية كما كانت في القرون المسيحية الأولى قبل التجزؤ، ونشير الى ملل المؤمنين –لاسيما في أقطارنا حيث نحن قلة– من انعكاسات هذا التجزؤ الشبيه بالتشرذم. انها صرخة إيمان موجهة إلى قادة كنائسنا والى قادة الفكر والرأي فيها لتوحيد كل ما يمكن توحيده في كنائسنا، “وعدم العمل منفردين أي شيء نستطيع عمله سوية”. كما يقول القديس اغناطيوس الإنطاكي. 

————-

 طالما طرقت “الفكر المسيحي” في إعدادها الماضية، قضية الوحدة المسيحية من

كافة جوانبها. وتكفي نظرة سريعة إلى المقالات التي نشرتها والتي رصدها “الكشاف” في باب “الحركات المسكونية”.

 ***********

رحلة البابا إلى أفريقيا

ش.ر/نيسان1982

      تشبه أفريقيا اليوم فتاة وزنجية رشيقة تزهو بقوامها وشبابها وخرجت توا عن الطوق إلى الحرية، وقد صار أسياد البارحة طلاب يدها اليوم، هذا لحلاها الغريبة وذاك لأنوثتها والآخر شفقة عليها.. وإذ عرفت ما طعم الحرية ووعت أنانية عشاقها، تأبى العودة إلى أي شكل من أشكال الوصاية، حتى إذا كان ثمن ذلك بعض المضايقات والجوع نفسه!

     هذه هي أفريقيا التي قطع يوحنا بولس الثاني 500 ,14كم في 8 أيام ليلتقي بها ويصارحها بان الكنيسة تقف إلى جانبها وتؤيد تصميمها على استكمال استقلالها في أصالة هويتها الخاصة وشخصيتها المتميزة، وان المسيح الذي تحمله إليها إنما هو مسيح محرر وغامر بالمحبة: “أن رحلتي رحلة راعوية لإعلان إنجيل يسوع المسيح.. أنها حج إلى المعبد الحي الذي هو شعب الله في بلدكم..”،. بهذه الكلمات الموجهة إلى أساقفة نيجيريا لدى استقباله إياهم في روما في 14 ك2، أي شهرا واحدا قبل موعد الالتقاء بهم في بلدهم. حدد البابا هدف وطبيعة رحلته الأفريقية الثانية (وقد كانت الأولى في أيار 1980 لزائير والكونغو وكينيا وغانا وفولتا العليا وساحل العاج)، والأولى خارج ايطاليا بعد محاولة اغتياله في 13 أيار 1981 

نيجيريا: كنيسة شابة، فرحة، حية

     صباح الجمعة 12شباط حطت الطائرة البابوية في مطار لاغوس، عاصمة نايجيريا 5 ,3  مليون)، وكان الرئيس النيجيري الحاج شيخو شاغاري والكردينال النيجيري ايكاندم وأساقفة البلاد على رأس المستقبلين، وقد اختلطت الموسيقى العسكرية بالموسيقى الإفريقية التقليدية والرقص الفولكلوري. وعبر البابا في كلمته بالمطار عن فرحه “الأخوي” بلقاء الشعب النيجيري الذي “قرر بدستوره أن يحيا في الخضوع لله” في الوحدة والانسجام، وان يعمل لخير الجميع “. وكان قداسته ينوه بذلك إلى الوفاق والتعاون القائمين بين المسلمين والمسيحيين الذين يشكلون الجماعتين الكبريين في البلاد.

     أما اللقاء الجماهيري الأول فقد كان في المساء في الملعب الوطني بالعاصمة حيث أقام البابا القداس أمام أكثر من 50… شخص، وقد أعطى البابا التناول الأول ل72 طفلا، وأدت الألحان باللاتينية والانكليزية وبثلاث لغات محلية جوقة من 600 مرتل ومرتلة. وقد خصص قداسته موعظته الأولى للتبشير وأشاد بعمل الكنيسة في القطر النيجيري.

    أما اليوم التالي كان البابا في قلب الكثلكة النيجيرية، في مدينة اونيتشا عاصمة منطقة قبائل ليبو (70% من كاثوليك البلاد هم من قبائل ايبو)، حيث أقام قداسا في العراء أمام أكثر من نصف مليون مؤمن استمعوا إليه بانتباه وتقوى يحدثهم عن رسالة الأسرة والأمانة الزوجية ويشجب الطلاق وتعدد الزوجات والإجهاض وكل ما يحط من كرامة المرأة. وتحول اللقاء الديني بعد القداس إلى مهرجان مثير حين انبرت فرق الشبان والفتيات بأجسامهم الملونة بالوشم والرسوم يرقصون ويقفزون ويغنون احتفاء بالبابا. واختتم البابا نهاره بجولة حرة في شوارع المدينة وبلقاء المرضى والأطفال. أما يوم الأحد فقد رسم 90 كاهنا نيجيريا جديدا في كادونا، في الشمال، واستقبل مسؤولي الرسالة العلمانية ومعلمي التعليم المسيحي (7430 في نيجيريا) والمنظمات النسوية المسيحية.

    يوم الاثنين 15 احتفل قداسته بقداس حاشد في جامعة ابادان (2 مليون نسمة) وهي أضخم جامعة في إفريقيا، وتحدث عن دور العلم في خدمة البشرية وعن خطر استغلال الجهل والبؤس لغرض ايدولوجيات تذل الإنسان، وتوجه بندائه إلى “رجال ونساء العلم في كل مكان كي يوجهوا أبحاثهم في احترام الإنسان وكرامته، ومن اجل الحريات المشروعة والقناعات الأدبية والدينية للرجال والنساء في كل مكان”. وفي المساء، عاد إلى العاصمة ليستقبل أساقفة البلاد، وقد لفت نظرهم إلى “بعض التراخي في صفوف الاكليروس”، وإذا “حث الكنيسة التي في نيجيريا على أن تستمر غيرة التبشير بالإنجيل” دعا إلى أن يندمج هذا التبشير في صلب الثقافة الإفريقية الخاصة التي تحترمها الكنيسة وتتبناها في كل ما هو جيد وأنساني”.

      وختم البابا زيارته لنيجيريا صباح الأربعاء 17، وكان خطابه الأخير “أنشودة” للطفل النيجيري، رمز حيوية البلاد ومستقبلها، وخاطبه البابا موجها كلامه إلى كل أطفال العالم من خلاله: “بالحب أنت اقوى من كل المفاعلات النووية في العالم لأنك تملك سلطة حمل السلام والسعادة إلى العالم”. وبنبرة التفاؤل ذاتها استخلص يوحنا بولس الثاني حصيلة زيارته لنيجيريا في كلمة الوداع قبل مغادرته إلى بنين:

      “سأحمل معي ذكرى امة عظيمة وشعب سخي، ذكرى كنيسة نشطة وشبيبة متحمسة، ذكرى بلد يكرم الأسرة ويحترم القدماء ويعتبر الأطفال بركة”. 

بنين: كنيسة متفائلة في بلد ماركسي

      إذا كان الطابع الإسلامي يغلب في نيجيريا، فالماركسية هي التي تقود بنين منذ 1974. الإلحاد هو “دين الدولة” الرسمي، وقد تمت السيطرة فعلا على كل مرافق الثقافة والتوجيه والتربية…

    هذا الأسلوب الجذري الغريب عن الروح الإفريقية برهن على عقمه وانفصامه عن الشعب، لذا فقد تحول الإلحاد الاقتحامي تدريجيا إلى تعايش سلمي، عادت فيه الكنيسة إلى الحياة والتفاؤل، لاسيما منذ ترقية المطران غانتن رئيس اللجنة الحبرية “عدل وسلام” إلى رتبة الكردينالية عام 1977.

        إلى هذه الكنيسة جاء البابا صباح الأربعاء 17حيث وصل مطار كوتونو العاصمة وسط الرعود والأمطار ما عتمت أن توقفت لتتيح للبابا أن يركع ويقبل الأرض البنينية ويستمع إلى خطاب الرئيس الجنرال متى كيركو يصفه “برسول السلام” ويؤكد له أن اختيار بنين للماركسية كان “لخلق ظروف جديدة تخدم تفتح الإنسان البنيني بما يتيح له أن يكون سيد مصيره ويتخلص من كل أشكال القمع واستغلال الإنسان للإنسان”. وأكد الرئيس على “أن بلاده تضمن حقوق جميع المواطنين على السواء”، فأجاب البابا لدى زيارته إياه في القصر الجمهوري “أن الشجرة يحكم عليها من ثمارها”! ثم استطرد متحدثا عن أهمية دور الكنيسة في حياة بنين المعاصرة ووجوب احترام قناعات المؤمنين، وقال: “أن الكاثوليك ورعاتهم لا يطالبون بامتيازات، وإنما يريدون المساهمة مساهمة كاملة وبحرية بكل حياة الأمة وبالمسؤوليات التي تفترضها هذه المساهمة.. ويريدون في الوقت عينه أن ينمو كل ما يتعلق بالإيمان…”.

       وبمناسبة مرور 120عاما على نشأة الكنيسة في بنين ترأس قداسته قداسا جماهيريا في الملعب البلدي يحيط به الكردينال غانتن وأساقفة البلاد و40 كاهنا وقد انظم إليهم أربعة أساقفة من توغو جاءوا على رأس وفد ضخم بمناسبة الزيارة البابوية. وقد تقدم الرئيس كيريكو على المنصة جماهير الحضور الذين قدر عددهم ب 20000 مؤمن، ودعا البابا في خطابه إلى الوحدة الوطنية وبناء السلام ونبذ الأحقاد، وقال بان مهمة التبشير بالإنجيل يجب أن تستمر، وتستمر عملية بعث روح الإنجيل والتطويبات في واقع الحياة الاجتماعية. 

غابون: “أم الكنائس الأفريقية”

       من غابون امتدت الكنيسة إلى سائر إفريقيا السوداء منذ أكثر من قرن وربع لذا دعيت “بأم الكنائس الإفريقية”، وقد أراد البابا أن تكون زيارته لها بمثابة “عنصرة” جديدة تجدد حيويتها واندفاعها. فقد وصل قداسته إلى العاصمة ليبرفيل ( 160000 نسمة) مساء الأربعاء 17. وفي الكاتدرائية التقى البابا بأساقفة البلاد وكهنتها ورهبانها وراهباتها وبوفود المناطق الغابونية الأخرى وبأعضاء الحركات العلمانية وجماهير الشبيبة والطلبة الذين كانوا يلبسون قمصانا تحمل صور البابا والرئيس بونغو وبالوفود القادمة من كاميرون المجاور. وشجع قداسته حركة التجدد والالتزام التي يقودها العلمانيون “ليتخذوا مواقعهم كاملة في تنظيم وتنشيط الجماعات المسيحية”. أما الكهنة والرهبان فقد دعاهم إلى الاستمرار “في الأمانة نحو سر دعوتهم” وفي الالتزام، رغم كل الصعوبات، بالتبشير بالإنجيل، وختم البابا نهاره المضني بزيارة بروتوكولية للرئيس الغابوني في “قصر التجدد”.

      وكان لقاء البابا الحاشد مع الجماهير مساء الخميس 18 في ملعب العاصمة، حيث تحدث إلى الشبيبة العمالية والطلابية والكوادر وذوي المهن الحرة. وقد أشار في خطابه إلى الفترة التي مارس فيها العمل اليدوي في بولونيا وقال: “منذ ذلك الحين اجتاح سر الإنسان حقل أفكاري”. ثم دعا إلى احترام كرامة العمال وحقوقهم النقابية وحل مشاكلهم عن طريق الحوار لا عن طريق العنف.

      وعاد البابا صباح اليوم التالي إلى الملعب ذاته لآخر لقاء مع إفريقيا قبل عودته إلى روما. ولقد اتخذ اللقاء طابعا إفريقيا حقيقيا، فقد كانت الحناجر تهتف بإيقاع والأيادي تلوح جذلى، كما لو كانت تشجع فريقا رياضيا، أما القداس، فقد تناوبت فيه الإلحان الإفريقية الصاخبة والرقص الإيقاعي، وبدا البابا فرحا عندما ختم خطابه ألتوديعي بتحية الجماهير بعبارة “مبولياني” (وداعا) باللهجة النيامية. 

غينيا الاستوائية: فجر جديد

      بعد 11 عاما من الحكم الدكتاتوري والاضطهاد الدموي للكنيسة تفتتح غينيا الاستوائية فجرا جديدا منذ انقلاب آب 1979 الذي أطاح بالدكتاتور ماشياس نغيما. غير أن البلاد لازالت تعاني من مشاكل اقتصادية كثيرة، والكنيسة لا تزال في طور النقاهة.. فجاءت زيارة يوحنا بولس الثاني بمثابة الشمس الدافئة والمنعشة للكاثوليك الذين يشكلون90% من السكان البالغ عددهم اقل من نصف مليون. وجاءت زيارة البابا لغينيا الاستوائية ضمن زيارته لغابون حيث وصل إلى العاصمة ملابو (38000 نسمة) في جزيرة بيوكو صباح الخميس 18، ومنها  توجه إلى  مدينة باتا (27000 نسمة) في مقاطعة ريو موني في البر الإفريقي.

     في مطار مالابو كان الرئيس اوبيانغ نوغويما ماسابوغو في مقدمة مستقبلي البابا، وقد عبر قداسته عن “فرحه لثبات كاثوليك غينيا الاستوائية في شهاداتهم للمسيح” وسط الصعوبات الجمة والاضطهاد، ثم دعاهم “إلى أن يعملوا اليوم من اجل الوفاق والحب المتبادل والمصالحة واحترام حقوق الجميع”،. ثم وجه كلامه إلى الرئيس ماسابوغو وعبر عن استعداد الكنيسة “لان تساهم مساهمة مخلصة في الخير العام وخدمة الوطن في كل ما يهم رقي الأفراد المعنوي ويخدم الإخوة “. وفي مدينة باتا أقام البابا قداسا حافلا يعاونه أسقف البلاد الوحيد المطران نزي ابوي، وقد أهاب المؤمنين إلى استلهام شجاعة المسيحيين الغينيين الأوائل ومتابعة شهادتهم الإنجيلية على خطى أولئك. وقبل أن يعود إلى ليبرفيل لاستكمال زيارته لغابون، افتتح قداسته ” شارع يوحنا بولس الثاني” في باتا مختتما بذلك زيارته القصيرة لغينيا الاستوائية التي استغرقت 7 ساعات فقط.

هكذا إذن ينتقل يوحنا بولس الثاني من قارة إلى قارة، ومن قطر إلى آخر متفائلا، مصمما على حمل البشرى الانجيلية ناصعة محررة في كل مكان. انه رجل القناعات والحقيقة التي يجب أن تعلن دون مواربة ولا تردد، انه الرأس الذي يعي دوره القيادي، وبأعلى درجات الشعور بالمسؤولية، فيندفع إلى إخوته ويثبت الكنائس المحلية بعدوى إيمانه.. بالله وبالإنسان.

نيجيريا

     مستعمرة انكليزية سابقة نالت استقلالها عام 1861. لقبت بعملاق افريقيا لاحتوائها ربع سكان القارة (80 مليون)، 45% من سكانها لهم اقل من 15 سنة.

     مساحتها 928768 كم2، عاصمتها لاغوس (3,5 مليون)، تتكون من اتحاد 19 ولاية وتعتبر رابع ديمقراطية في العالم. فيها خمسة احزاب و14 جريدة يومية ديمقراطية.

     المسلمون حوالي 46% من السكان، والمسيحيون 36% (الكاثوليك حوالي 10 مليون): 28 ابرشية يديرها اساقفة معدل اعمارهم 49 سنة، 521 كاهنا نيجيريا و529 أجنبيا، 1027 راهبة منهن 600 افريقية المعاهد الكهنوتية مزدحمة (600 في مدينة اونيتسا وحدها).

بنين

      سمي “بالحي اللاتيني الافريقي” لكثرة المتعلمين فيه. نال استقلاله عام 1960، ومنذ 1974 اختار الماركسية والالحاد كايديولوجية رسمية. عدد سكانه 3,5 مليون البروتستنت 3%، المسلمون11% والكاثوليك 16% (512,000): 6 ابرشيات، 170 كاهنا بينهم مئة بنيني، 1375 راهبة منهن 190 بنينية و117 طالبا كهنوتيا. الكردينال غانتن رئيس لجنة “عدل وسلام” البابوية هو بنيني.

      كنيسة مجاهدة تفرض وجودها في جو من التعايش السلمي.

غابون

      من أقطار افريقيا الصغرى (267677كم2) ولكن من اغناها بثرواته الطبيعية كالبترول والغابات والمناجم. اول بلد في تصدير المغنسيوم. ثالث قطر افريقي في معدل انتاج الفرد السنوي. نسبة التعليم الابتدائي 100%.. مما استحق له اسم “الامارة الاستوائية”.

       عدد نفوسه مليون نسمة 50% منهم كاثوليك و10% بروتستنت و 1% مسلمون والباقي انيميون. اربعة ابرشيات وجميع الاساقفة غابونيون، 30 كاهنا غابونيا و80 اجنبيا’ و108 راهبات اجنبيات و32 غابونيات

       كنيسة تقليدية في بنيتها ولكن محاولات تجدد جادة وطلبات كثيرة للعماد من قبل البالغين. 

غينيا الاستوائية

     مجموعة جزر استعمرها البرتغال عام 1472 ثم الاسبان من 1778- 1968. عام 1979 أطاح انقلاب عسكري بالدكتاتور ماشياس نغيما الذي حكم منذ الاستقلال (1968). عدد نفوسها  320,000 نسمة، 90% منهم كاثوليك.

     دخلتها أول دفعة من المرسلين في القرن 17 تأسست الكنيسة في 1883. أول كاهن غيني عام 1939 وأول أسقف عام 1965. ابرشيتان و43 كاهنا، منهم 15 غينيا استوائيا و115 راهبة و16 طالبا كهنوتيا.

       كنيسة في طور النقاهة ولكنها واثقة بالمستقبل. 

******** 

دير الشيخ متى

 

تحقيق/ايار1982

على مسافات الذرى. شمال شرقي الموصل وعلى ارتفاع 2100 قدم عن سطح البحر يشرأب دير الشيخ متى للسريان الأرثوذكس فوق سهول وتلال وأودية وقرى تمتد الرؤى فيها حتى الموصل. ويأوي الدير كنيستين، الكبرى باسم القديس متى وفيها رفات القديس متى والعلامة ابن العبري، وأخرى باسم السيدة العذراء. وهناك مدافن أخرى للرهبان والآباء وصهاريج للماء وصوامع للصلاة والكتابة، كلها منقورة في الصخر. يضاف إليها كهف الناقوط الذي يتقطر ماء طوال السنة. عن هذا الأثر الخالد والرسالة الإنجيلية التي لازال يؤديها، يقدم الأب جرجس القس موسى والأخت سانت آتيين التحقيق التالي بعد زيارة ميدانية ومقابلة حية أجرياها مع رئيس الدير ورهبانه.

       ترتكز شهرة الدير على الدور الذي لعبه في حياة مسيحية ما بين النهرين، رسوليا وكنسيا وثقافيا، وهذه دعائم رسالته الأساسية. فقد تأسس ليس فقط ليأوي إليه الرهبان والمتوحدون لعبادة الله والتأمل، بل ليكون منارة تشع نور الإنجيل إلى بعيد. وقد لعب رهبانه دورا بارزا على مر العصور في ترسيخ الإيمان ورفد ارض المشرق كلها حتى الهند بالمبشرين وخدام الإنجيل. وبقي الدير بفضل قداسة رهبانه وصيت فضائلهم، ولاسيما القديس متى مؤسسه، مزارا يؤمه المؤمنون حتى اليوم للصلاة وللتبريك والتوبة والاستشفاء.     

        أما كنسيا فقد كان له الدور البارز في حياة الكنيسة السريانية حيث أصبح كرسيا أسقفيا هاما في أواخر القرن السادس واستمر كذلك حتى القرن التاسع. في القرن الثاني عشر أصبح مقرا لبعض مفارنة المشرق وأشهرهم العلامة ابن العبري الذي مات ودفن فيه عام 1286. كما نشا فيه ثلاثة بطاركة وسبعة مفارنة وعدد من المطارنة، وعقدت فيه عدة مجامع كنسية.

       بالإضافة إلى ذلك فقد كان منارة ثقافية وعلمية بمكتبته العامرة وقد كانت الضحية الأولى في كل غزو أو سطو أو هجران أصاب الدير في تاريخه الطويل. أما مخطوطاته المتبقية فتجدها اليوم مبعثرة في المتحف البريطاني، وفي برلين، والفاتيكان، والموصل، ودير الشرفة بلبنان، ولازال يحتفظ يبعضها يرقى إلى 1177. كما اشتهر بمدرسته التي ازدهرت في القرنين الثامن والتاسع ومن أشهر تلامذتها مار ماروثا التكريتي. وقد أسهم أساتذة هذه المدرسة وتلامذتها في حركة البحث والترجمة في العصر العباسي، ومن أشهرهم مطران الدير مار سيوريوس يعقوب البر طلي (+ 1241) والمفريان الشهير غريغوريوس ابن العبري.

       الحديث عن دير الشيخ متى حديث عن التاريخ، حديث عن الروح، حديث عن التصاق الإنسان بالأرض بعناد.. حديث عن الذرى.. وحديث عن صفحة مشرقة ومتحركة من حياة كنيسة العراق..

      يشمخ أمامك كالطود المارد في حضن جبل ارتفاعه 3100 قدم عن سطح البحر فاتحا ذراعيه لاستقبال زواره وقصاده في اعلي طريق حلزوني وعر رصفه رهبان الأجيال الغوابر بحجارة جبلهم الأشم.

      كانت الشمس تسترد آخر خيوطها لتنسحب إلى عوالم أخرى عندما اجتزنا الاستدارة الثانية والثلاثين، وهي الأخيرة، من الطريق المتعرج الصاعد وقد هرع إلى لقيانا احد الشباب مصرا على حمل حقيبة واحد منا كان التعب قد رصع جبينه بقطرات العرق.

أهلا وسهلا.. القوة! القوة!

      كان الصوت لسيادة المطران لوقا رئيس الدير الذي كان يراقب صعودنا من السطح المشرف على الوادي السحيق يحيط به الرهبان وبعض الزوار. مسحت تلك التحية بعض تعبنا ورسمت على وجوهنا ابتسامة النصر الذي يشعر به الجندي عندما يقتحم قلعة. منذ أشهر ونحن نخطط. في هيئة التحرير، لاقتحام هذه القلعة وإعداد تحقيق، على الطبيعة، عن دير مار متى ولقاء القائمين عليه لنقل صورة عن رسالته ودوره الحالي في حياة كنيستنا.

       وبعد العشاء كان لنا لقاء حول الشاي العراقي مع أسقفي الدير لوقا شعيا، رئيس الدير، وبهنام ججاوي، والإخوة الرهبان أدي وحنا وبولس تجاذبنا فيه أطراف الحديث حول الحياة في الدير ومشكلة إيجاد أسرة أو فرد للاهتمام بشؤون المطبخ، وحول الجو الروحي والمادي الذي يوفره الدير لراحة الزوار. ثم بعدها انفردنا بسيادة المطران ديسقوريوس لوقا الذي يشغل، إلى جانب رئاسة الدير، منصب مطران أبرشية مار متى (وتشمل كلا من الدير وبرطلة وبعشيقة وبحزاني وميركي)، في حوار صحفي هادئ، ننقل زبدته إلى القراء:

      الفكر المسيحي: لقد كان الدير منذ نشأته مركزا للصلاة والاختلاء والتعبد.. فهل هناك  تواصل بين الماضي والحاضر؟

      المطران لوقا: تبقى رسالة الدير أمانة وعهد وفاء لمؤسسيه تؤديها بالرغم من تباين العصر وصعوبة الوصول إلى الهدف المنشود بعددنا الضئيل. فنحن لا نتجاوز ثلاثة رهبان ومطرانين، ومع ذلك نسعى بكل قوانا لجعل الدير، كما كان: واحة هدوء وسلام وصلاة وعبادة، ونكرس جل وقتنا لاستقبال الزائرين وتوفير أسباب الراحة لهم والتحدث إليهم.

       واستطرد سيادته قائلا إن اهتمام الرهبان الأكبر ينصب في قداس الأحد الذي يشترك فيه المؤمنون القادمون للزيارة، ويصغون إلى كلام الله ويتقاسمون شركة المحبة. وأشار إلى أن قداسا مماثلا يقام للمؤمنين كل يوم جمعة شتاء بالإضافة إلى يوم الأربعاء، صيفا، كما يرتل الرهبان كل يوم صلاتي الصباح والمساء (الرمش): ويتخلل هذه الأخيرة موعظة لدى تواجد عدد مهم من الزوار. وذكر الأب الرئيس أن أفلاما دينية تربوية تعرض للزوار بواسطة الفيديو. وعن استفسار حول تنظيم صلوات خاصة في المناسبات أو التجمعات الكبرى أجاب سيادته بالنفي ما خلا ما تقدم ذكره. غير أن مجموعة من المؤمنين قد يجتمعون سوية لصلاة مشتركة بمبادرة ذاتية فينضم إليهم الرهبان.

        وهناك مسالة هامة يحرص عليها الرهبان جدا وهي المحافظة على الهدوء وروح العبادة في الدير. وتجنب الصخب أو ما يخل بحرمة الدير: وذلك مراعاة لقدسية المقام وتوفيرا لجو الفرح والصفاء واحترام الآخرين. هكذا يريد الرهبان أن يبقى الدير مركزا روحيا يشعر القادم إليه بالسلام والارتياح.

        الفكر المسيحي: هل يقصد الزوار الدير للترفيه فقط أم للصلاة والعبادة؟

        المطران لوقا: من الناس من يقصد الدير للصلاة والعبادة فقط ، ومنهم للتعرف على مقام روحي وديني لعب دورا  إشعاعيا هاما في تاريخ المنطقة، وهناك مجموعات –وان قلة– تأتي لرياضات روحية بصحبة مرشدين، ومنهم من يأتي لأيفاء نذر خاص أو تعميد طفل طلب بشفاعة القديس متى. وليس غريبا أن ترى احدهم يصعد الطريق الحجرة المتعرجة حافي القدمين متوخيا رحمة الله ونعمته أو شاكرا أفضاله. أما القسم الأكبر فيقصد الدير للراحة النفسية والترفيه دون أن تغيب الصلاة والتبرك بضريح شفيع الدير عن اهتمامه.

        وقدر رئيس الدير عدد زوار الدير بنحو عشرين ألف زائر سنويا. فالدير يستوعب مئة سرير تقريبا، ويحتوي على 70 غرفة و15 منها لخدمات الدير وللرهبان و15 لخدمات العمال والمشاريع العمرانية القائمة، والأربعون الباقية للزوار.

      الفكر المسيحي:  على ذكر الزوار.. هل لي أن  اسأل عن زيارة السيد الرئيس صدام حسين ومدى تأثيرها؟

      نظر المطران لوقا إلى صورة كبيرة بإطار معدني رائع تمثل السيد الرئيس كانت تتصدر غرفه  الاستقبال حيث أجرينا الحوار، وقال:

      لقد كانت زيارة السيد الرئيس لديرنا التفاتة كريمة ولا زلنا نستذكرها بحب، ولقد جاءت تقييما رفيعا من سيادته بصورة خاصة، ومن القيادة السياسية في القطر بصورة عامة لدور العبادة وبيوت الله وتعزيزا لقيم الروح والسماء. أضف إلى ذلك أن زيارة سيادته ساهمت إعلاميا مساهمة واسعة في تعريف الدير. واكبر دليل على ذلك تضاعف عدد الزوار في الفترة التي عقبت الزيارة الكريمة، لاسيما من أولئك الذين لم يسبق لهم أن قصدوه قط.

      لقد تحققنا ذلك بأنفسنا، فبينما كنا نهم بزيارة الكنيسة انضم ألينا فريق من الطلبة الأكراد من اربيل، وكان احدهم يترجم لزملائه بالكردية شروحات احد الرهبان عن تاريخ وأضرحة أئمة الدير، كما التقينا في إحدى منعرجات الطريق بأسرة قادمة من قرية قادسية صدام في محافظة القادسية.

       واستأنف المطران حديثه وهو ينظر إلى صورة تذكارية للسيد الرئيس يحيط به أساقفة ورهبان وكهنة الدير على شرفة الدير، وأشار إلى أن السيد الرئيس صدام حسين هو أول رئيس دولة يزور الدير، ولثلاث مرات، كما زاره عدة مرات السيد عدنان خيرا لله وزير الدفاع.

      أما ما تكرم به السيد الرئيس القائد بشان تطوير الدير عمرانيا فهو، كما أوجزه سيادة المطران لوقا:

تشييد جناح خاص للرهبان يقع فوق ما يدعى (بسطح برطلى).

مشروع دار ضيافة بثلاث طوابق باسم السيد الرئيس يقع إلى جانب مدخل الدير الرئيسي.

ترميم الدير من الداخل وإقامة قناطر وأروقة في صحن الدير.

شق طريق من قرية دوبردان وحتى الديرخصيصا.9،5 كم.

تشييد قبة خاصة بالناقوس الذي جلب خصيصا.

      وجميع هذه المشاريع هي قيد التنفيذ أو أوشكت أن تنجز.  

      إلى جانب هذه المشاريع العمرانية الضخمة التي “تكفلت بها الدولة بسخاء” حسب تعبير المطران لوقا للدير طموحات مستقبلية روحية وثقافية آخرى أهمها اثنان:

تنظيم وتوسيع مكتبة الدير في الجناح الجديد لتضم المخطوطات القديمة والكتب الدينية والتاريخية والثقافية.

إنشاء مدرسة اكليريكية تدوم الدراسة فيها 7 سنوات وتقبل التلامذة ممن انهوا الابتدائية

والثانوية، وبعد الدراسة الدينية لثلاث سنوات يختارون الحياة الكهنوتية (مع الزواج) أو الحياة الرهبانية.

      وأشار سيادته إلى انه يعتبر هذا المشروع الأخير “أساسيا وضروريا جدا لإعداد خدام للإنجيل يكملون الرسالة”. ثم ابتسم وأضاف: “العلنا نؤبد نحن! يجب أن نعد من يخلفنا”.

      تركنا الدير في صباح اليوم التالي على إيقاع دبكة شعبية مثيرة للأحاسيس.. والغبار، كان يتدرب عليها في ساحة الدير الخارجية شباب وفتيات فرقة برطلة للرقص الشعبي لتأديتها في مهرجان الربيع الرابع عشر في الموصل. وفيما كنا نهبط الطريق الملتوي ونحيي ونشجع قوافل الصاعدين، من صغار يتسلقون الصخور كالغزلان، وصبايا زرعن ورود الطريق في خصلاتهن، وكبار ثقلت خطاهم من التعب، كنا نستذكر لطف الإخوة الرهبان ودماثة سيادة المطران لوقا رئيس الدير وروحه المرحة. ولما بلغنا قعر الوادي كانت مجموعات أخرى قد انتشرت على الهضاب المخضوضرة تقضي ردحا من الارتخاء.. قبل ارتقاء الجبل المقدس.. -فاليوم يوم جمعة والزوار يتوافدون بكثافة أكثر لاسيما في موسم الربيع-  

      القينا النظرة الأخيرة إلى الدير الجاثم في العوالي ولسان حالنا يقول: “هنيئا لمن له مرقد عنزة في دير شيخ متي..على الأقل في فصل الربيع!”.   

                                           (بمشاركة الاخت سانت اتيين الدومنيكية)

((((((((((((((((((((())))))))))))))))))))

                    

    قراءة في كتاب أعمال الرسل

       العدد الخاص 178-179 لعام 1982

إن أفضل طريقة لقراءة كتاب ما. هي أن تبدأ بقراءته ! فاقرأ” أعمال الرسل” من البداية وحتى النهاية. تمعن في قارئتك ولا تتوقف لدى” الإحداث” في سرديتها المادية, بل حاول أن تقرا” جوهر” الأحداث من خلال الكلمات.. وستكتشف” قصة” تنبض بالحياة

هدف الدراسة التي يقدمها لك الأب جرجس القس موسى هو وضعك في” حالة رغبة” لقراءة الكتاب وتقريبك من” الجو النفسي” الذي قرأ وفهم المسيحيون الأولون هذه” الأعمال”.. ذلك لان كتاب أعمال الرسل كتاب البدايات المسيحية. كتاب جذورنا الإيمانية..فيه نسمع صدى مسيحيتنا البعيد !..

                   * قصة كاتبها مؤرخ مؤمن

إن كتاب أعمال الرسل هو قصة حياة الكنيسة في خطاها الأولى، كنيسة تبحث عن أطرها, تبني ذاتها يوما فيوما, وتتعلم من الحياة. وكاتب هذه” القصة” الرائعة يقدم نفسه كمؤرخ,وهذا معناه انه لا يكتفي بنقل الوقائع، كما يفعل محرر الريبورتاج, بل يتابع مشروعا. من اجل ذلك فهو يتبع مخططا معينا، يختار إحداثه, يضعها في الإطار اللغوي والإنشائي والفكري الذي يخدم مشروعه, يستخدم هذه المصادر وليس تلك, في” عمل”, وان انطلق من أحداث الماضي، فهو يخضع لظروف الزمان والمكان اللذين يظهر فيهما. ومشروع لوقا, هنا, هو أن يعرف القاري جيدا قوة التعليم الذي وعظ به  وأسس الإيمان الذي تسلمه, وان يتحقق من انتشار ملكوت الله تدريجيا في العالم اجمع  وإعلان خلاصه، على يد الرسل والكنيسة،” لكل إنسان”.

من الضروري أن نضع ذلك نصب أعيننا قبل الإقدام على أية قراءة جديدة لكتاب أعمال الرسل. فلوقا, مؤرخ هذه” الأعمال”، ككل مؤرخ جاد, اعتمد مصادر مكتوبة أو شفهية, وقد صهرها في وحدة إنشائية محبوكة بحيث يصعب تمييزها باستثناء ما ظل محتفظا بضمير المتكلم مما يشير إلى اشتراك الكاتب في الإحداث شخصيا.ولقد تعامل مع مصادره برؤية وتدقيق. كما نلاحظ من معالجات لوقا لمشاكل الكنيسة الناشئة استقاءه الإنباء من مصادرها حيث يعرض وجهات نظر الكنائس المحلية في قضاياها الطارئة. غير أن طبيعة استخدام لوقا لمحتوى هذه المصادر يختلف باختلاف” المادة” و” الهدف” المنشود من نقلها، كما هو الحال مثلا في حادثة نجاة بطرس من السجن (12: 1 – 17).

فالأول” حادثة تاريخية” لا غبار عليها بما تحمله من إشارات تاريخية وجزئيات حدثيه, يجنى عليها أن نحن توقفنا لدى الجانب” الغريب” منها مثل كيفية انفتاح أبواب السجن (ملاك الرب) أمام بطرس. فعبارة (ملاك الرب) تمت إلى” لغة المؤمن” الذي” يرى” أصبع الله في كل أمر يحدث له. فالعبرة المستهدفة هي في” القراءة” التي بها يقرا – إذن يؤول – بطرس الحدث بعد وقوعه:

” الآن علمت يقينا أن الرب أنقذني…” (أية 11).

أما الثانية، فبثوبها”الأخلاقي” الخالي مت أية إشارة تاريخية وبطريقة إدخالها الشخوص إلى المسرح نمت إلى” القصة الشعبية” الهادفة إلى معالجة” الانحراف”عن طريق عبرة رادعة. فإذا كانت القصة تستند،أم لا، إلى” نواة تاريخية” فليس هذا الذي يقصده لوقا, وإنما إثبات دور بطرس – والرسل –في إصلاح الانحرافات وسلطتهم على الخطيئة. لا ننس أن لوقا”كاتب مؤمن” لا يخفي نواياه اللاهوتية والتعليمية والراعوية. لذا فما يفعله ليس تشويها للوقائع, وإنما” إعادة لقراءتها” على ضوء الإيمان.

                                           *  الجماعة الأولى: استمرارية أم قطيعة

في البدء كانت الكنيسة صامتة تستكمل بناها بانتظار الروح الذي سينفخ في شراعها نحو الرياح الأربع. ففي” العلية”، بين الصعود والعنصرة، يوجز لوقا نشاط الجماعة الرسولية باهتمامين مركزيين هما: 1) الحرص أن يكونوا” سوية””وبقلب واحد” حول الأحد عشر ومريم أم يسوع. 2) الحرص على أن يكونوا

” ألاثني عشر”..فكان انتخاب متيا لإشغال الكرسي الشاغر (1: 26).

ولكن لماذا هذا الحرص ؟

إن النص (1: 15 – 26) مشبع بالتلميحات والاستشهادات الكتابية التي تتعدى كونها وجها من أوجه” الحشو” الإنشائي أو التزويق الخطابي، بل تحمل في ذاتها قوة معنوية وايدولوجية, ليس بالضرورة بمحتواها الحرفي المباشر, بل بروحها    

“الدينامي”  (التعبوي الايحائي).

” فخلافة” التلميذ, الخائن, مثلا, يستقيها بطرس من المزامير (68: 8). وحتى الخيانة نفسها وطبيعة عقاب يهوذا تعكس ما جاء في سفر الحكمة (3: 1.) عن مصير هؤلاء المنافقين الذين يحتقرون الصديق وينكرون الله. ويستخلص لوقا قائلا:” وكان يجب آن تتم كلمة الكتاب” (1: 16).

أما استكمال العدد 12 فيجب العودة به إلى وعد يسوع نفسه حين اختار” اثني عشر ليكونوا معه” ويجلسوا” في عهد التجديد على اثني عشر كرسيا ويدينوا أسباط إسرائيل ألاثني عشر” (متى 19: 28). فوعي التلاميذ هو أنهم يمثلون الآن أسباط إسرائيل الجديدة وبان الكنيسة هي شعب الله الجديد المنفتح على العالم اجمع. 

فالمسيحيون الأولون حريصون على أن يعبروا عن الاستمرارية وعن كونهم ورثة وعود الله والعهد الذي قطعه مع إبراهيم والآباء والذي تحقق في الآخر بيسوع المسيح.

.بهذا الروح عينه ينبغي أن” نقرأ” حادثة حلول الروح القدس يوم العنصر

(2: 1 – 4). فالعنصرة، بعد أن كانت مجرد عيد زراعي الاحتفال بحصاد الحنطة 5. يوما بعد الفصح، صارت، منذ القرن 5، عيدا لاستذكار عهد سيناء، ومنذ القرن 2 قبل المسيح كانت عيدا لتجديد العهد وذكرى نزول الشريعة, وفي قمران كانت عيد الدخول في عهد الله. وعهد الله ما كان ليتحقق من دون فعل الروح القدس الذي ينكشف (للأنبياء خاصة) عبر عناصر الهواء أو الريح والنار والماء.

حضور هذه الأمور  في”الذاكرة الجماعية” للشعب جعل الطريق معبدا أمام لوقا والمؤمنين الأولين الأخذ بتأويل بطرس لحدث” حلول الروح”:” هذا هو ما قد قيل على لسان يوئيل النبي: وسيكون في الأيام الأخيرة إني أفيض من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم…” (2: 16 – 21)و(يوئيل 3: 28 – 32).

هذه هي النقطة المركزية لنص لوقا: أن الروح يستولي على هذا” الشعب الجديد” ليهبه الحياة ويثبته في” العهد الجديد”, وان هذا العهد ليس” وقفا” على عرق معين، وإنما هو” كل امة تحت السماء”.

                                          *  إطار حياة الجماعة الأولى (أورشليم)

وكانت نواة هذا الشعب الجديد تتمثل في الجماعة المؤمنة الأولى التي يقدمها لوقا ملتفة حول الرسل، مفتتحة” الأزمنة المسيحانية” في إطار مثالي. فجماعة أورشليم (وهي النواة الأولى للكنيسة) تتمحور حياتها حول نقاط أربع وهي:

المواظبة على تعليم الرسل(فترة تنشئة, تثقيف داخلي, تجذر).

المشاركة الأخوية(وحدة الجماعة, التضامن).

كسر الخبز – الاوخارستيا ليس في الهيكل بل في البيوت (دلالة على مسيرة الكنيسة المستقلة, وعلى أن الكنيسة لا يحدها بناء حجري، فحيث المسيحيون فهناك الكنيسة).

الصلاة الجماعية.

ملاحظة أخرى تستحق الذكر بخصوص الجماعة الأولى وهي أن الجيد والرديء كانا عنصرين متلازمين في هذا الحقل. كما سيكون الحال في كل الأزمنة. فجماعة العهد الجديد هذه ليست بمنأى عن الخطيئة، و” الروح” فيها سيبقى يصارع” قوى الشر”. وما خطيئة حنانيا وسفيرة التي دعيت” بالخطيئة الأصلية” للكنيسة الناشئة سوى رمز لهذا الصراع الذي يتكلل بانتصار الروح.

                                                            *  جوهر الدعوة الجديدة

كان أسلوب الكرازة الرسولية يبدأ عادة باستعراض لتاريخ الخلاص بانتقاء الأحداث التي تكون فيها المبادرة لله، ثم إعلان انجاز الله لهذا الخلاص بيسوع المسيح الذي جاء” في آخر الأزمان” مكملا للكتب. من خلال هذه الخلفية (فلاش باك) كان جوهر الدعوة الجديدة يدور حول نواة أساسية تنطلق من” الشهادة” (1: 8).

لموت وقيامة المسيح (2: 24), وارتفاعه ممجدا (2: 33)،” ربا ومسيحا” –أي قدوس الله المخلص – (2: 36). وتحيط بهذه النواة بعض التفاصيل عن رسالته المعلنة من قبل يوحنا المعمدان (1.:37), ولاسيما بحلول الروح القدس    (2: 33). وتنفتح الدعوة نحو المستقبل داعية إلى التوبة والإيمان (2:38) لاستعجال عودة المسيح(3:2 – 21). وكان العماد رتبة الدخول والتطهير، إذ أن العضو الجديد ينبغي أن يتطهر ومن ثم يدخل في” جماعة القديسين”(2: 38).

                                              *  من أورشليم إلى السامرة.. فالعالم

لوقا ينقل قصة هذا في الفصول6-15 و ذلك على ثلاث مراحل متتالية:

 من أورشليم إلى السامرة..الى الوثنيين المتهودين في فلسطين.. إلى الأمم البعيدة عن طريق انطاكية.. بحسب توجيه المعلم:”فتكونون لي شهودا في أورشليم, وفي جميع اليهودية والسامرة،والى أقاصي الأرض” (1:8).

 وكان الفضل للمتنصرين الهلينيين- بحسب سياق نص لوقا -في دفع شراع الكنيسة نحو العرض تحت دفق الروح.وليس من دون مغزى أن يكون”الهلليني” اسطيفانوس أول شهيد مسيحي قد”عمد” الدين الجديد بدمه. غير أن الاضطهاد الذي شتت زملاءه أحاله “الروح” طاقة حياة للشهادة, فأصبحوا أول”المبشرين” في المسيحية،وانفتحت السامرة للإنجيل على يد فيليبس عميدهم(8:5). وكان السامريون أنصاف يهود”ملوثين بالوثنية” لذا نلمس شيئا من الدهشة لدى”الرسل الذين مكثوا في أورشليم عندما سمعوا بان السامرة قد قبلت كلمة الله” (8: 14), فأوفدوا بطرس ويوحنا ليضعا عليهم الأيدي فينالوا الروح القدس, ولربما ليطمئنا بأنفسهما ويطمئنا سائر الإخوة بسلامة المنعطف الجديد.

غير أن تلك لم تكن أول خطوة جريئة” فرضها” الهللينيون على واقع الكنيسة الاولى. فإنشاء الشمامسة (6: 61)ليس” بالحدث العادي” ويتعدى أن يكون مجرد إجراء لتنسيق”خدمة المائدة” بدليل استئثار بأول قرار جماعي صادر عن” ألاثني عشر وجمهور التلاميذ”(الهيئة العامة للكنيسة)، وبدليل أن هؤلاء الشمامسة – وكلهم هللينيون – ظهروا تحت قلم لوقا” مبشرين” من الطراز الاول. لقد جاء هذا الإجراء، في الواقع، كمعالجة لأول” صدام”  داخل الكنيسة حول” تنظيم الجماعة وإدارتها”- وقد كان ناتجا عن التباين الاجتماعي والثقافي إلى حد ما –  بين الجناح التقليدي الراكد (العبرانيون الذين كانوا يحسبون أنفسهم)

” أهل البيت”, والجناح المتحرك (اليونانيون الذين شرعوا بأنهم متروكون على الهامش) وإذا كان اهتداء السامرة قد” أدهش” التلاميذ, فمنح بطرس العماد الأول  وثني كاد يوقع الفتنة في الكنيسة الناشئة (1.:1 – 11:18).

اجل لقد كان كرننيليوس تقيا من” خائفي الله” الذين تبنوا بعض اوجة اليهودية،ولكنه من حيث الشريعة وثني. ولوقا يركز نفسه على هذه الهوية,مما يشير إلى الأهمية التي يحملها الحدث في منظاره:ألا وهي أن الخطوة الأولى والحاسمة باتجاه الوثنيين حققا الروح على يد بطرس نفسه، و” هكذا أعطى الله التوبة للأمم أيضا، لتكون لهم الحياة”. (11: 18). فالعبرة في هذه القصة التي أبدع لوقا في تصويرها هي إفهام المسيحيين،لاسيما القادمين من اليهودية، بان الله أب للجميع وان دعوة المسيح شاملة, وبأنه لم يعد هناك شعب مختار دون غيره.

هكذا, إذن, تم أول تحرير فعلي للكنيسة عن جسم اليهودية. وسيكون لإنطاكية دور بارز في تكريس هذا المنهج الاستقلالي – أليس في إنطاكية دعي المسيحيون”مسيحيين” لأول مرة (11: 26) – فالهللينيون الذين شتتهم الاضطهاد(4:8) يعود بنا إليه لوقا في (11:19)وهم يبشرون الوثنيين مباشرة في هذه المدينة التي كانت تعد البوابة الشرقية للعالم الوثني الروماني. فبينما كانت الكنيسة تنمو في السابق في الأوساط اليهودية،في حلقات متتالية حول محور أورشليم،ها نحن أمام نموذج جديد للكنيسة  ينشا خارجها. وللمرة الأولى, عوض أن يذهب الرسل بأنفسهم”لقبول شركة” كنيسة جديدة, توفد أورشليم- وكانت بمثابة الكنيسة الأم – رجلا من غير ألاثني عشر, برنابا, وبمعية بولس نظما كنيسة أنطاكية وجعلا من قاعدة الانطلاق نحو أسيا الصغرى.”ولما عهدا جمعا الكنيسة وأخيرا بكل ما صنع الله معهما, وخاصة انه فتح للأمم باب الإيمان”(4: 27):هذا هو بيت القصيد في نظر لوقا القريب من فكر بولس وطروحات إنطاكية.

                                                                    *  مجمع أورشليم

ولكن هذه الطروحات لم ترق لجميع الإخوة في أورشليم واليهودية،وطفت على السطح من جديد قضية كرنيليوس،غير أن المسالة لم تعد مسالة طقوس وعادات، بل طرحت من منطق لاهوتي مصيري: على الوثني أن يصير يهوديا ويختتن أولا, ومن ثم يصبح مسيحيا ! وجرت” منازعة ومباحثه حادة” حول هذه المسالة بين بولس وبرنابا وبين قوم من أولئك الذين ساقهم غلوهم حتى إنطاكية.. فتقرر الاحتكام إلى الرسل والكهنة الذين في أورشليم. وهنا أيضا تميزت” المباحثة” التي اشترك فيها جمهور واسع من كوادر الكنيسة بالحرارة. ولولا سلطة بطرس لعم الشغب. وبت الرسل بعدم فرض أية” ممارسات ناموسية موسوية” على من بررهم الإيمان بيسوع المسيح، وخلصتهم نعمته،وقدسهم الروح القدس” مثلنا” (15: 1 – 27). وقد جاء ذلك مطابقا, روحا ونصا، لما أعلنه بولس ليهود أنطاكية بيسيدية (13: 38 -39).

من هذه الحادثة التي يمكن اعتبارها منعطفا تاريخيا وجوهريا في حياة الكنيسة الأولى نخرج بالملاحظات التالية:

مشكلة التعددية الفكرية والحضارية والاجتهادات اللاهوتية في الكنيسة منذ نشأتها، وقبول مبدأ” الخصوصية المحلية” وعدم تضاربها مع الوحدة.

أسلوب الحوار والمناقشة والتشاور في فض الخلافات وممارسة السلطة.

التركيز على الجوهر من دون التحجر في الجزئيات.. مع مراعاة الضرورات الراعوية والمحبة.

العلاقات بين الرسل – بالرغم من الغيرة الإنجيلية والمزايا الروحية – تحتفظ بطابع أصحابها وشخصياتهم.

  *                                             الشخصيات الرئيسية في كتاب”الأعمال”

في أعمال الرسل شخصيات بعضها لم يحظ سوى بالتنويه، ومنها،كالممثلين، تظهر فجأة ثم تختفي بانتهاء دورها،وغيرها لا ترى إلا في ظل غيرها، ومنها من يبقى رغم أهميته في دور ثانوي،بحسب هدف الكاتب. وقسم آخر يملا الإحداث بحضوره مثل بطرس الذي تسيطر شخصيته على القسم الأول من كتاب الأعمال، وبولس الذي يستأثر بالقسم الثاني.

فبطرس يبدو جليا منذ البداية” مقدم” الجماعة الذي يأخذ زمام المبادرات والقرارات المهمة كما في انتخاب متيا، وفي مجمع أورشليم. وهو أول من يتكلم  باسم الجماعة بعد العنصرة. وبمعية يوحنا”يكمل” مسيحية السامرة ويؤيدها، وعلى يده يتم دخول الوثنيين في الكنيسة لأول مرة.

أما بولس فيقدمه لنا لوقا شخصية بركانية, ذا ذكاء وقاد, ومتكلما لا تنقصه الحيلة, تتسم غيرته بالعنف واللامساومة. وضع كل كفاءاته في خدمة الكلمة. فسرعان ما تجند للتبشير بعد تنشئة قصيرة في دمشق 3 سنوات من التفكير والتأمل في صحراء العرب. وفي إنطاكية بدأ رسالته بالفعل وبرز وجهه ألرسولي الحقيقي. فلقد قاد ثلاث رحلات رسوليه في أسيا الصغرى وعبر موانئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية والشمالية وجزره حتى روما العاصمة بعد صعوبات ومضايق لا تحصى(نجد أصدائها في اقور 11:23: 33), كان خلالها يبشر”ويبني” الكنائس وينظم شؤونها ويسلمها إلى الرعاة المحليين. وكانت كرازنه تتوجه طبيعيا إلى اليهود أولا, ثم كليا تقريبا إلى الأمم. أما تكتيكه في التبشير فيختلف مع اليهود,حيث يحدثهم بمنطق كتابي ويشبع كرازته بنصوص الآباء,ومع الوثنيين يعتمد البراهين العقلية والفلسفية. مع أولئك يتكلم العبرية وينتسب إلى معلمين مرموقين لديهم، ومع هؤلاء باليونانية ويعلن مواطنيته الرومانية بتحد. ولطالما استخدم العامل النفسي للإسماع والإقناع،وكم ضرب على التناقضات العقائدية التي بين خصومه – وحتى حكامه – ليوقعهم في بعضهم وينسل خارج الحلبة. فقد كان محاميا حاذقا. أما الشخصية الكبرى الثالثة التي تبسط ظلها الخفي على الكتاب كله فهي الروح القدس.فاسم” الروح”أو” الروح القدس” يرد 54 مرة في الأعمال،منها 18 إشارة إلى” اعتلانات”, و36 إلى حضور أو عمل الروح في حياة المؤمنين العادية. ولهذه الإشارة المتواترة أهميتها الكبرى حيث أنها تعكس خبرة إيمانية دخلت في” لغة التعبير” وفي” فكر” الكنيسة منذ فجرها. 

ولكن إذا كان الروح يبدو كالقوة السرية التي تشجع وتدفع إلى” إعلان الكلمة بجرأة” (4:31),لاسيما في المنعطفات الكبرى والمبادرات التبشيرية الجديدة،فهل ينفي دور الرسول الشخصي؟

* خاتمةمال الرسل لا يرينا إن الروح القدس هو بمثابة” الشعرة السحرية” التي بفركها تنفرش الطرق بالرياحين والحلول الجاهزة. فجيل الرواد الذي ينقل لنا مسيرته هذا الكتاب قد عرف الاضطهادات والانشقاقات والتردد والخوف مع إيمانه الراسخ بفعل الروح. ولعل خصوصية هذا الكتاب هو انه يضعنا، من جهة، أمام فعل الروح العامل بثبات وصبر، ومن جهة أخرى، أمام كنيسة تشق طريقها عبر التاريخ تجهل خفاياه.

                                                                              *  خاتمة

هكذا، وبعد قراءة جديدة للإحداث، لا نعود نرى في كتاب أعمال الرسل استعراضا لزمن مثالي يسبح في الكمال والأنوار عاشته الكنيسة في شبه” شهر عسل” أولي، بل نستكشف فيه ما نحياه اليوم على ضوء ما عاشه آبائنا في الإيمان في زمانهم، أي كيف اختبروا – وكيف نختبر نحن بدورنا – حضور الروح وعمله فينا وفي الكنيسة.

                                           الأب جرجس القس موسى

((((((((((((((((((((())))))))))))))))))))

الوحدة في التعددية: رأي الارثوذكس في قواعد الحوار السكوني

ش.ر/حزيران- تموز 1982 

       الحقيقة لا يساوم عليها، ولكن “الثوب التاريخي الذي تلبسه الحقيقة المتجسدة في كل عصر لا يشوه جوهر الحقيقة بشيء. ومأساة الكنيسة هي ان بعض اعضائها لم يعودوا يميزون بين الجوهر والصيغة، مما يجعلهم يعتبرون جوهريا ما هو مجرد وجهة نظر في الصيغة، او نسبيا ما هو الجوهر المركزي”.

      هكذا ينطلق الاسقف الارثوذكسي داماسكينوس باباندريو متروبوليت ترانوبوليس (اليونان) في تحليله لقواعد الحوار المسكوني بين الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية في محاضرة القاها في المانيا الغربية ونشرت نصها الفرنسي مجلة “الوثائق الكاثوليكية” (عدد 1829– 2 أيار1982). ونقطة البداية لهذه “القواعد” –اذا كان الطرفان جادين في تحقيق خطوات عملية وهامة في البحث عن الوحدة– هي قبولها “باعادة تقييم” جديدة لنقاط الخلاف وعدم “التوقف” عند صيغ فكرية او مسلكية تتعلق بحضارة وحقبة معينتين. وفي ما يلي نستعرض الخطوط الرئيسية لهذه المحاضرة لكونها تعكس الراي الارثوثذكسي المستنير والحريص في آن واحد للبلوغ بالحوار الى فهم مشترك.

                                                               المسار التاريخي واللاهوتي

      في هذا القسم يستعرض الاسقف باباندريو “جو المشاحنات اللاهوتية” التي كان لها نصيب كبير عبر العصور في اذكاء الانشقاقات الايمانية وترسيخها في الاذهان ورشق الواحد للآخر بالهرطقة. كما ان اجيالا من “الانفصال” اللاهوتي والقانوني جاءت بعناصر عقائدية او مذهبية جديدة اضيفت الى “الاختلافات” التي سبقت الانشقاق الكبير. غير ان المحاضر لا يرى في ذلك “سوى وجه بارز من اوجه ظاهرة عامة وهي ان الحقيقة الموحاة لم تقبل او تعاش او تفهم بصيغة واحدة في الشرق والغرب”. ثم يوضح سيادته بان تلك “الاختلافات اللاهوتية اخذت على انها، رغم تباينها، تتفق جوهريا مع الايمان الواحد. ناهيك عن ان شعورا عميقا بسمو سر الله وبالطابع المتحرك الذي ينبغي ان يتشح به التعبير البشري لهذا السر، كان يترك المجال لتعددية مشروعة ضمن الايمان التقليدي الواضح”. واتى الانشقاق الكبير على هذه “التعددية المشروعة”. وبانشطار الكنيسة الى شرقية وغربية أُعتبر، وبالتدرج، جوهريا ما كان في السابق اجتهادا لاهوتيا.    

    غير ان هذا “الانعزال الرائع”، كما يسميه الاسقف اليوناني، انتهى اليوم، وابتدا عهد الحوار اللاهوتي الرسمي بين الكنيستين الذي بموجبه استيقظنا على انهما “كنيستان شقيقتان”. وقد كانت بواكير هذا الحوار رفع الحرومات المتبادلة. ويرى الاسقف باباندريو ان هذا “الرفع” جاء “لتطهير الذاكرة واستبدال قانون الانقسام بقانون المحبة”، وانه يشكل “حالة كنيسة جديدة” تفترض سبيلا جديدا من التقييم المتبادل والتعامل.

                                                                             تقييم وضعنا الحالي

      بما “ان الكنيستين الكاثوليكية الرومانية والارثوذكسية تعتبران انهما، بالرغم من المجابهات السابقة، قد اعترفتا دوما بالايمان الواحد وعاشتا الحقائق ذاتها التي سلمها المسيح الى رسله، والى خلفائهم من بعدهم”،  فقضية الوحدة الايمانية المنشودة ينبغي ان ينظر اليها، بحسب رأي متروبوليت ترانوبوليس، انطلاقا من الحقائق التي حددتها الكنيسة الكاثوليكية من طرف واحد منذ عهد الانشقاقات فقط، وهي:

     1 – العقائد المتصلة بعواقب الانسان، وبالاسرار، وبطبيعة الخلاص.

     2 – العقائد المتعلقة بلاهوت الروح القدس (عبارة “المنبثق من الآب والابن”، وحلول الروح القدس على الاوخارستيا).

    3 – التحديدات الخاصة بالحبل بلا دنس، وبانتقال العذراء الى السماء.

    4 – بنية الكنيسة ولا سيما الاولوية البابوية.

     مرة اخرى لا يرى المتروبوليت  داماسكينوس اية صعوبة في التوصل الى اعتراف كامل من قبل الكنيسة الارثوذكسية  بشرعية اللاهوت الكاثوليكي وصحة العقائد التي تتضمنها النقاط الاولى الثلاث بخصوص لاهوت الاسرار والروح القدس والعذراء مريم، فالايمان واحد تماما رغم تباين التعبير وما حددته الكنيسة الكاثوليكية رسميا لم يغب يوما عن ايمان وممارسة ولاهوت الكنيسة الارثوذكسية الاعتيادي. انما ما ينبغي في حالة الوحدة هو عدم فرض “صيغة” فكرية وتعبيرية معينة على الطرف الآخر، كما لا يجوز اشتراط “سحب” تحديد عقائدي او لاهوتي جاء لظروف تاريخية وحضارية معينة ولا يصم الحقيقة والجوهر بشيء. القاعدة يجب ان تكون: الاعتراف المتبادل بشرعية التقليد الخاص وبتعددية التعبير.

      يبقى الخلاف الاكبر والعقبة الجادة في الحوار هي قضية اولوية بابا رومة وعصمته.

 

                                                                       افكار ومؤشرات للمستقبل

      يستشهد الاسقف الارثوذكسي لدعم ارتباكه بنص من وثيقة “نور الامم” المجمعية القائلة  “لا سلطة للحلقة او الجسم الاسقفي الا باتحادها بالحبر الروماني، خليفة بطرس، كرأس لها ودونما اي انتقاص في سلطان من هو رئيس على الرعاة والمؤمنين على السواء. فللحبر الروماني على الكنيسة سلطان كامل، مطلق، وشامل، يستطيع ان يمارسه دوما وكما يشاء. والسلك الاسقفي، الذي يخلق الحلقة الرسولية في التعليم والتدبير الراعوي، او بالاحرى الذي به يدوم الجسم الرسولي، يؤلف هو ايضا، بالاتحاد مع الحبر الروماني، رأسه وليس من دون هذا الرأس ابدا، موضوع السلطة العليا والكاملة على الكنيسة جمعاء، انما سلطان لا يمكن ان يمارس الا برضى الحبر الروماني” (رقم 23).

     واذ يذكر الاسقف اليوناني تعارض هذه النظرية مع المفهوم الارثوذكي يتساءل هل “سيقود الحوار اللاهوتي الرسمي الذي بدأ بين الكنيستين الشقيقتين بهذا الامل الكبير” الى تغيير في تأويل “الاولوية البابوية الادارية” بما ينسجم مع النظرة الجماعية الديمقراطية للكنيسة الارثوذكسية؟ اذا حدث ذلك، فنعما، والا “فسيفضي الحوار الى طريق مسدود” حسب رأيه. ثم يسرد سيادته القاعدة التي وضعتها الارثوذكسية بلسان البطريرك المسكوني ديمتريوس الاول في ت2 1973 لدى استقباله وفدا كاثوليكيا برئاسة الكردينال فيللبراند اساسا “لكل اللقاءات والحوارات والاستشارات الكاثوليكية – الارثوذكسية العامة” وهي:

 السلطة العليا في الكنيسة الواحدة، المقدسة، الجامعة، الرسولية تعود الى المجمع

المسكوني للكنيسة الجامعة.

لا احد بيننا، نحن اساقفة الكنيسة الجامعة، يملك سلطة، او امتيازا، حقا قانونيا فوق

السلطة الكنسية، مهما كانت، من دون موافقة قانونية من قبل الجهة المعنية.

     وفي سبيل الوصول الى رؤية واضحة وصريحة لأولوية اسقف روما في الكنيسة الجامعة يقترح متروبوليت تراتوبوليس “كعلامة رجاء ومصالحة ينتظرها العالم المسيحي اليوم” على حد قوله، ان يعيد البابا:

 تحديد طبيعة اولويته: اسبابها، محتواها، دورها في الكنيسة.

 كيف نحل الاشكال الناجم عن تبعية سلطتين متساويتين، وتحديد موقع اسقف روما

ازاء سائر الاساقفة، والطابع “الجامع” لكنيسة الشرق.

3 –  التوفيق بين العصمة البابوية الشخصية وعصمة المجمع المسكوني.

     اذا سار الحوار حقا تحت انوار الروح القدس الذي يقود الى الجوهر دون الكلمات، سيكتشف الشرق في البابا “خادم خدام الله” الذي تقود اولويته الى “تثبيت اخوته في الايمان والمحبة والوحدة الشاملة”، لا الى التسلط عليهم، وسيكتشف ايضا ان الغرب لا زال امينا لبنى “الكنيسة القديمة” بالرغم من بعض الاضافات التي لا ينبغي ان تلزمه بالضرورة. كما سيكتشف الغرب، في حركة جدلية دينامية، ان الشرق لا زال، في تمسكه بتقليد الآباء، يحتفظ بالوديعة الايمانية بصفاء وكمال ويمتلك الروح الذي يحيي.

       فالوحدة المنشودة لا يمكن ان تكون اذا انصهارا او تبعية. وانما شركة ايمانية تحياها الكنيسة الجامعة في التعددية الفكرية والتعبيرية.   

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: