بين الحرية والتشريع

                        بين الحرية والتشريع

منبر حر/نيسان 1978

      بين الحرية والتقليد، بين ديانة الحرف وديانة الروح، بين جمود التشريعات وبين انطلاقة الايمان في البحث عن حرية ابناء الله.. صراعات لا زالت قائمة في الكنيسة، وقد تهدد وجودها ان هي قبلت ان تبقى مؤسسة يطغي عليها روح التشريعات على حساب شريعة المحبة.

     في هذا المنبر يدعو الاب جرجس القس موسى الى تجاوز كل ما يكبل الكنيسة من قيود تفقدها حريتها وديناميتها.  

      عهود طويلة أذلت الإنسان وجردته حتى من إنسانيته، فاستعبدته الطبيعة، واستعبدته الإلهة، ولعبت به الأقدار واستغله المستبدون الذين يعج بهم التاريخ، وقهرته الأديان القديمة بقساوتها وتهويلاتها ومطالبيها، فجاء المسيح وفجر ثورة تحررية شاملة وجذرية تقتلع النظام القديم وتبني على أنقاضه نظاما جديدا في علاقات الناس مع الله، وفي علاقاتهم فيما بينهم، وفي نظرتهم إلى الكون. بكلمة أخرى، جاء المسيح ليحرر الإنسان، كانسان، وهذا التحرير يهدف إلى:

إعادة الإنسان إلى الله، وإعادة الله إلى الإنسان. 

إعادة كرامة الإنسان وقيمته الذاتية إليه. 

إعادة الدين إلى صفاته. 

فتح الإنسان الديني إلى الحياة والكون. 

    الدعوة إذن هي الى التخلص من كل أشكال العبودية والقهر والخوف، حتى إذا فرضت باسم الله أوالدين وذلك لصالح الإنسان، لان الله خلق الإنسان ليسعده، لا ليقمعه. هذه الدعوة بالذات تفتح الصراع

بين الحرية والتقليد

بين المسيحيين والفريسيين

بين شريعة الحياة وشريعة الكتاب

بين الحب والميزان

بين المسؤولية الذاتية والوصاية

  صراع الحرية والتقليد

ما هي الحرية؟

يمكننا أن نعرف الحرية بأنها قدرة الكائن العاقل (الإنسان) على الاختيار في السلوك

والتفكير بحسب قناعاته الذاتية. إذن، الحرية معناها التصرف بمسؤولية، والمسؤولية وليدة البلوغ واستقلالية الشخص. فإذا دعونا إلى أن يمارس الإنسان حريته فمعنى ذلك اننا:

نحترم شخصيته، ونثق بقدرته على التمييز، ونعتبره شخصا بالغا، إذن مسؤولا عن اختياراته وتقرير مصيره، حتى إذا تعرض للخطأ.

ولكن حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخر، وإلا اصبحت فوضى.

والتقليد ما هو؟

التقليد هو مجموعة الأسس والعادات والممارسات التي خلفها الآباء نتيجة خبرتهم

الشخصية أو ما ورثوه هم أيضا من أجدادهم.

      وفي المفهوم الضيق يكون التقليد هذه القواعد الموروثة والتي نسير عليها أو فرضت علينا بحكم العادة والخوف من تبديلها أو تطويرها، وكأنها هي الأساس الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا.  ولكن لا ننسى إن التقليد هو أيضا سلوكية قامت على حركة الحياة وأضيف بعضها إلى البعض عبر الزمان والمكان. فإذا اتسم التقليد بالجمود،وجاءت “قدسيته” من كونه “تقليدا موروثا” لاغير، دون الاهتمام الموضوعي بمضمونه ومراميه، انتفت فائدته وأصبح استلابا وانتقاصا، وبالتالي فاسدا وعرضة لأن يستعبد الإنسان ويكبل حريته، فيجب، والحالة هذه التخلص منه.

من هنا، جاء الصراع بين المسيح والفريسيين بين شريعة الروح الذي يحيي وشريعة الحرف الذي يقتل

     ليس الفريسيون أعداء المسيح، كما يتوهم البعض، فإذا ناوء المسيح الفريسيين على طول الخط، فلان هؤلاء القوم، وهم رعاة الشريعة ومفسرو التوراة المتعصبون لقداسة الله والداعون إلى الممارسة الدينية بأمانة وحرص، قد حنطوا الديانة وجمدوها في قوالب مادية صدئة، فجعلوا من قشور تقاليدهم واجتهاداتهم الضيقة ديانة جديدة، ديانة الحرف والكلمة التي تقتل، وأهملوا الروح الذي يحيي. فآل بهم منطقهم المرائي إلى تصفية البعوضة وابتلاع الجمل.. لقد صوروا الله عاتيا، مستبدا، بينما هو أب رحيم. يتنجسون من العشارين والوثنيين. بينما يسوع يشرب الخمر مع العشارين ويصادق البرص والخطاة وكل من نبذهم المجتمع، متحررا من كل عقدة تجاه أي إنسان، يتصرف بحرية وصفاء واحترام تجاه ألسامري والمرأة والفقير والغني والوثني.. الفريسيون حللو وحرموا، بينما يسوع يقول: كل شيء طاهر لذوي النيات الطاهرة. الفريسون يقولون: موسى قال كذا، أما تلميذ يسوع فليس هو من يكتفي بالقول: يا رب، يا رب، ويستكن إلى بورجوازية دينية لا تكلفه شيئا، بل هو من التزم واستمع وانفتح وكان جريئاً على أن يتحاور مع ذاته ومع العالم.. للفريسيين السبت أعظم من الإنسان، بينما يسوع يريد تحرير الضمير المستعبد ويتمرد على استعباد الشريعة للإنسان، لان السبت والشريعة والدين نفسه، كلهما في خدمة الإنسان، لتحرره لا لتجمده: “الساجدون الحقيقيون، بالروح والحق يسجدون”.  هكذا انتشل المسيح الدين نفسه من براثن الشريعة والفريسية التي خنقت حرية الفرد ومبادرات الجماعة في ممارسات خارجية جامدة ابتعدت كثيرا عن الهدف الذي وضعت من اجله.

     ولكن هل انتهت الفريسية تماما؟

     الفريسية تتخذ، أو اتخذت فعلا، أقنعة جديدة:

     1 – في ما يخص الممارسات الدينية والمواقف الجامدة من كل تطويرأو تجدد في الحياة المسيحية.

     يستند الإيمان على  حقائق وعقائد ثابتة، إلا أن التعبيرعنها يمكن ان يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف العقليات والحضارات والمكان والزمان. والتعبير، مهما كان ضروريا فهو نسبي، ومن ثم مرحلي يمكن تجاوزه إلى صيغ جديدة.

2 – في ما يخص العقلية التي ألهمت الشرائع والقوانين التي تسير سلوكية المسيحيين أو التي نعتمدها السلطة الكنسية في كثير من الأحيان.

دور الشريعة في الحياة المسيحية الشريعة لماذا، إذن، ما هو دورها في الحياة المسيحية؟

      الشريعة ضرورية لتنظيم حياة المجتمع، والكنيسة، كأي مجتمع أنساني، تحتاج إلى تعبير تشريعي لتنظيم حياتها وطقوسها وعلاقات بنيها يبعضهم ومع غيرهم، ولكن هذا التشريع يبقى للخدمة، لا للسيطرة انه بمثابة إشارات ضوئية للتنبيه، أو صيغ مقترحة لمساعدة المؤمن قبل أن تصبح فرضا، أو نداء يجب  تجاوزه إلى ما يرمي إليه،لا إلى الحرف الذي يحدده، ويجعله لا أكثر من نص جامد أو مادة قانونية جل ما تستطيعه إن تعاقب من يخالفها. فكل شريعة تتوقف قدرتها عند تطبيقها الحرفي تعتبر فاشلة.

كل شريعة تقمع حرية الإنسان يجب أن تقتلع. كل شريعة ترفض أو تستعبد التطور والتجدد والتغيير، تعتبر غير إنسانية، لان الإنسان كائن، حر، يتطور. 

فإذا كانت الشريعة أداة تنظيم، فالخطر كل الخطر يكمن في أن يجمد التنظيم، وتبتلع الروح الخلاقة، باسم النظام والمطابقة وحصر الحياة كلها في قوالب مرسومة مسبقا.هكذا يكون الأمر عندما يصبح الدين مجموعة معتقدات يجب أن يؤمن بها الإنسان، أو مجموعة وصايا يجب أن يتبعها، أو نواحي يجب أن يتجنبها. وإلا خسر الجنة وورث العقاب.. وتسيطر هذه المفاهيم على حياة الناس فيصبح الدين. عوض أن يكون سبيلا إلى إسعاد الناس، أداة لقمعه وتنغيص حياته. 

عن ذلك نتيجتان:

أما أن يبقى الإنسان مستلب الشخصية تحت هذا المنير، في قلق مستمر من مصيره

وفي موقف المتهم والمجرم والخائف.. سيف الله مجرد عليه دوما والويل له إن لم يسترضه بالف وسيلة ووسيلة. 

وأما أن يهجر الإنسان مثل هذا الدين الضيق، بل مثل هذا الإله القاسي. وفي كلتا

الحالتين تشويه لروح الدين، وطبيعة الله، وخسارة للمسيحية، وظلم الإنسان المدعو إلى السعادة والفرح والحرية. 

 

الكنيسة هي وريثة حياة يسوع ورسالته، ويسوع يقول:

“إن حرركم الابن كنتم في الحقيقة أحرارا”

“لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم”

“وجئت لتكون لهم الحياة، ولتكون لهم أفضل”

     هذه هي أيضا رسالة الكنيسة، والخطر يهددها إن هي أمست مجرد مؤسسة أو مؤسسة بين مؤسسات أخرى تطغي عليها روح التشريعات والمفاهيم الإدارة الفوقية، بكلمة أخرى اقسي ما يهدد الكنيسة هو الانغلاق على الذات الذي تفرزه العقلية الثيوقراطية والبيروقراطية التي تسيطر على كثير من إداراتها ومؤسساتها المسيحية، ديانة نداء لا ديانة سلطة، والديانات السلطوية في طريقها إلى الزوال. في المسيحية السلطة ليست عنصرا جوهريا فيها، ولكنه ضروري، لذا كل مرة جعلت الأولوية للسلطة في الكنيسة على حساب الروح اختل توازنها. والتاريخ شاهد على ذلك. السلطة والطاعة يجب أن تكونا في خدمة مسيحية مؤسسة على النداء الحر والعطاء الحر، شريعة الكنيسة الكبرى هي نفسها شريعة المسيح الجديدة: شريعة الحب. ونحن نعلم أن رباطات وصية الحب هي أقوى من كل رباط آخر. فالحياة في ضل الشريعة والتمسك بحرفيتها أسهل من شريعة الحب التي تجعلنا في حالة اكتشاف مستمر للتصرف الصحيح، الحر،الواعي، المسؤول.. مما حدا بالقديس اوغسطينوس أن يقول: أحبب وافعل ماشت، أي انه جعل المسؤولية في قلب الإنسان ونيته، كما جعل المسيح قاعدة الشريعة في أعماق النفس والضمير. 

        من هنا نصل الى:

دور الضمير ومعنى حرية ابناء الله التي دعانا إليها المسيح  

    الضمير هو قاعدة قناعتنا الذاتية الأساسية، وبالتالي أداة إحساسنا بشخصيتنا واستقلاليتنا، ولا يمكن لهذه القناعة أن تكون سوية إذا فرضتها ضغوط خارجية أو فوقية أو قمعية.. بكلام آخر نفقد شخصيتنا واستقلاليتنا إذا حرمنا من الحرية، وبفقدان الحرية يفقد الإنسان العمود الفقري لإنسانيته. 

فالدعوة إلى اعتماد الضمير والحرية منطلقا لسلوكيتنا وقناعتنا معناه إننا:

– نرفض الوصاية على ضمير الإنسان. 

– ونعترف ببلوغه سن الرشد ونضوجه.  

– ونعيد إليه شرف مسؤوليته الذاتية مع كل ما قد يشوب هذا الموقف من تلمس وبحث، وحتى من احتمال الخطا.

وحرية ابناء الله –بحسب الإنجيل– نفهمها على أنها. 

* دعوة إلى المسؤولية الشخصية.

* دعوة إلى المسؤولية الجماعية.

* الأخذ بشرعية المناقشة والحوار.

* الاعتراف بالروح النبوية في الكنيسة.

* قبول التعددية في الفكر والمبادرات والوسائل.

* فعل إيمان بالروح القدس العامل فينا.

* وممارسة الرجاء المسيحي وثقة بالمستقبل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s