دعوهم يتكلمون ولا تمنعوهم!

                                     دعوهم يتكلمون ولا تمنعوهم! 

ايار 1972 

    في أسرة مسيحية تقليدية ترعى القيم الإيمانية والأخلاقية أيما رعاية، كنا نتجاذب أطراف الحديث حول مائدة عائلية تزخر بالمحبة أكثر مما بالأطعمة. تكلمنا عن إغراءات المدنية المعاصرة والتهافت الغريزي إلى الرفاهية والترويح عن النفس، مع كل ما في ذلك من ايجابيات وسلبيات. فقد انتقل مجتمعنا النامي، من حضارة الكوانين الطينية والخزفية ذات النار المستوردة برمادها على الأكف من بيت الجيران إلى حضارة البترول فالغاز والكهرباء، ومن ظهور الجمال في أسفارنا إلى متن الطائرات النفاثة… ثم تشعب الحديث إلى النواحي الفكرية والأخلاقية، فتطرقنا إلى موضوع الاختلاط في الكليات ومشاكل الطلبة الإيمانية ونظرتهم إلى القضايا الدينية. 

تحدثت الأم عن أجواء حداثتها المشبعة بالتقوى يوم كانت الأطر الدينية والطقوس الكنسية تنظم الفصول الأربعة وترشدها إلى اختيار لون ثوبها. وتذكر الأب يوم كان يرافق والده إلى القداس قبل التوجه إلى الحقل ولا هم لهما سوى ترويض التربة لتدر أكثر وأفضل… وتحدثت البنات – وهن اثنتان في الكلية وأخرى أنهت دراستها – عن تقهقر الإيمان وتقلص الشعور الديني لدى الشباب. وصرحت الصغرى: “إن معظم الطلاب لا يؤمنون، وليس لله من موضع يذكر في اهتماماتهم، بل كثيرون ينكرون وجوده”.

تعوذت الأم واستعانت باسم الصليب وجزمت بان نهاية العالم قد أقبلت!

     وابتسمت الأخت الكبرى وقالت بحذر كمن يتحسس أرضا لينة بقدميه قبل السير “حقا، أبونا، في الدين أمور عويصة يصعب فهمها… أنا نفسي أخذت أتساءل عن أشياء كثيرة… صلاتي لم تعد بحرارتها وصفاتها كالسابق… بعض من اللا أبالية اخذ يتسرب إلى حياتي الإيمانية…”. في ابتسامتها وترددها قرأت عاملين يتفاعلان فيها في أن واحد: رغبة في أن تطمئن ذويها من أنها لازالت مؤمنة، ومعاناة حقيقية في حياتها الإيمانية.

     لم يرق الجواب لامها، لأنها كانت تظن أن أبناءها سيكونون، بفضل تربيتها، في مأمن من كل تساؤل، ولن تؤثر فيهم أفكار زملائهم. الإيمان والقيم الأخلاقية الموروثة أمور لا تناقش: هذا ما رددته عليهم دوما. ولكن ما لا يناقش أيضا أن هذه التساؤلات والمعانيات أمور أكثر من مألوفة في صفوف شبابنا المعاصر.

     اجل انه لواقع دامغ إن شبيبتنا اليوم عرضة لتيارات جديدة متفاوتة الحدة لم يكن لإبائنا علم أو خبر بها. أنهم أمام مفترق طرق فكري ووجداني بين عالم جديد تتمخض به عقولهم وطموحاتهم،  وعالم تقليدي يحتضر ولا يريد أن يموت. وهذا العالم التقليدي، عالم الكبار، لا فقط لم يعد يشبع بحثهم، بل يتنكر لهم عوضا عن أن يقودهم إلى النور، وهو يصمهم بالخفة والطيش والإلحاد إذا ما عبروا عن ذواتهم. فاذا أطال الشاب زلوفه أو شعره تباكوا على الأخلاق، وإذا لبست الفتاة” الشارلستون” ضربوا كفا بكف ونسوا إنهم هم أيضا سايروا في شبابهم موضة زمانهم. وهل هذه الظواهر سوى متنفس طبيعي في مجتمع يضيق بهم!  وإذا استفهموا عن أصول إيمانهم أو أعادوا النظر في بعض حقائقه فهذا لا يعني أنهم ملحدون أو على قاب قوسين منه. في المسيحية، أكثر مما في أي دين آخر،  ترقى العقيدة إلى مفاهيم ميتافيزيقية فوق مستوى إدراك الإنسان لأنها تمي حياة الله الحميمة – الثالوث، التجسد، الفداء… ويعانق الدين المسيحي بالتزاماته ومتطلباته حياة المرء بكل جوانبها، بحيث ينبغي أن ينير الإنجيل نظرة المسيحي في كل أحكامه وميادين حياته الفكرية والمسلكية. أما أخلاقية الدين المسيحي وأنظمة الكنيسة فترسو على تقليد توارثناه منذ إلفي سنة، فترك عليه كل جيل بصمات وأضاف إليه ثوبا، ضاعف تارة رونقه وطورا موه حقيقته.

   منطقة الخلاف الكبرى التي تفصل عالم الشباب عن عالم الكبار هي إعادة النظر في جوهر هذه الأمور ومدى اتصالها بالحياة. الشباب يبحثون عن أصول ما يؤمنون به وينشدون التحرر من كل عقدة أو كبت أو تمويه يفرض باسم الدين أو باسم أية عقيدة أخلاقية كانت: هذا كل ما في الأمر.

      تقول الدكتورة دوريس اودلم في كتابها” رحلة عبر المراهقة “:” كل أفكارنا وآرائنا توضع موضع التساؤل وعلينا أن نرضي هؤلاء المتسائلين الشباب الذين لا رحمة عندهم ولا شفقة، وعلينا أن نبرر لهم افتراضاتنا وقناعاتنا بأننا على حق. والمراهقون –والشباب كلهم- ليسوا مهيئين لان يتجاوزوا عن أي إخلال بالشرف في الفكر أو الكلام أو الأعمال وهم لا يتسامحون بعدم الإخلاص أو الآراء المبنية على التعصب أو في القبول الأعمى لأراء الأجيال السابقة أو في أية معرفة ندعيها لا تكون مبنية على حقائق قابلة للبرهنان”،

      إن هذا القول ينطبق بحذافيره على التربية الدينية أيضا. فمن طبيعة الشاب  أن يسال ويستفسر ويحلل ويزن بميزان الفائدة التي يجنيها هو ومجتمعه من عقائديته  ومما ورثه من قيم عن أسلافه. من هنا أيضا رفضه أن تبقى المسيحية سجينة الكنائس والمجتمعات التقليدية المغلقة فلا تتفاعل في الحياة العامة، الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية لبلاده. فان إصرارنا على إسكاته حين يناقش نظريات الكنيسة –وكلامي موجه هنا إلى الأهل والمربين والاكليريكيين على حد سواء– أو حين يتساءل الشاب عن طبيعة المفاهيم الدينية التي تنظم علاقاته والمعطيات الغامضة التي شب عليها وقد نسبت إلى قوة سماوية، بينما هي في الواقع ظواهر طبيعية، أن أصررنا على إسكاته آنذاك فمن البديهي انه سيسمنا بالرجعية ويعتبر الدين وشؤونه تخديرا أو تلفيقا. وبذلك سنوصد الباب بينه وبين الحقيقة، سنقيم جدارا من الصمت بيننا وبينه. فالخطر، إذن، ليس في أن يسال الشباب بل في أن لا يسالوا فيفقدون حتى حب الاستطلاع والفضول العلمي الذي إنما هو علامة يقظة وحياة.

      إننا نحسب أن هؤلاء الشباب مثلنا تماما: لهم ذات النضوج الفكري “والاستقرار” الديني وردات الفعل نفسها التي لنا إزاء الأحداث والمعتقدات، لذا يأخذنا العجب من تساؤلاتهم ولا نفهم كيف يمكنهم أن يشكوا بمعطيات سار عليها آباؤهم وأجدادهم بيقين وثقة عمياء أجيالا طويلة، فيقسو عليهم حكمنا. إن الآباء والأمهات –كثيرا من رجال الدين التقليديين– ينسون أنهم هم وأولادهم ينتمون إلى جيلين متفاوتين بالعقلية تفاوتا كبيرا ولا يعطون أهمية تذكر لواقع كونهم لم يمروا قط في مراحل الدراسة العالية في وضعها الراهن مع ما فيها من تطلعات ونضال للحياة، بالإضافة إلى النزعة العلمية التحليلية التي تسير هذه الدراسة معتمدة الملاحظة والحس. تعلمنا نحن ولم نناقش، ويتعلمون هم ويناقشون كل شيء، فلماذا، ترى لا يناقشون أمور الدين والقيم الأدبية الأخرى؟… ناهيك عن الظروف الجديدة التي يخلقها الاختلاط الذي يتسع يوما فيوما بين الجنسين وبين مختلف الأديان والقوميات وتيارات المدنية الحاضرة في التحرر وبناء المجتمع الموحد والآراء الفلسفية والاجتماعية والسياسية المختلفة التي تتنازعهم.  

       إذا كانت هذه المجموعة من العوامل تعطي الخيار لشباب اليوم،  فهي لا تسهل لهم عملية الاختيار، سيما وأنها تجابههم في مرحلة يفتقرون فيها إلى الاستقرار الفكري والعاطفي وينتقلون فيها، ذهابا وإيابا، من الشك إلى اليقين، فكيف بالكبار يريدونهم مثلهم من دون مشاكل، وهل لحكمهم على جيل الشباب بهذه العقلية الراكدة أن يكون صائبا أو موضوعيا!. فان قال بعض هؤلاء بأنهم لم يعودوا يؤمنون، فهم، إن نحن حللنا تساؤلاتهم وآراءهم، ليسوا بعيدين عن الإيمان بالدرجة التي يتصورونها، إنما أصبحوا في مستوى علمي وثقافي اعلى من مستواهم الديني. وان صاروا بالغين في مداركهم الإنسانية، فهم لا زالوا، في معظم الأحوال،على معلومات الدراسة الابتدائية في شؤون الديانة. اجل، إن شبابنا يشكون من داءين رئيسيين هما: قلة الثقة بالكبار وقلة الثقافة المسيحية، وان معالجة هذا الفقر لا تتم بمجرد الإرادة الطيبة، إنما تستوجب حشد الطاقات والتعاون الوثيق بين الكهنة والأهل والشباب أنفسهم لا قامة جسر الحوار:

إن الخطوة العملية الأولى هي أن نبذل جهدا حقيقيا لفهم مشاكلهم وتساؤلاتهم على ضوء المرحلة السيكولوجية والإدراكية التي يمرون بها ونشعرهم بأننا نحبهم وننتبه إليهم. إنهم، في حبهم للمسيح واعتزازهم به، لا يبغون سوى معرفة المزيد عنه، وهم ينتظرون منا لا أن ندينهم، بل أن نستمع إليهم بصبر ونكون موضع ثقتهم ونفتح معهم حوارا يتسم بالاحترام، ينفذون من خلاله إلى معرفة أدق لعقيدتهم.

     والخطوة الثانية هي أن نتسلح بالشجاعة ونعود إلى تثقيف ذواتنا ثقافة إنسانية متكافئة ونجدد معارفنا المسيحية ونشذب نظرياتنا التربوية من الاستعلاء وفرض الرأي ومن السطحية والمغالطة. من دون هاتين الخطوتين لا نستطيع تأدية أية خدمة جادة للشباب في بحثهم. أما الخطوة العملية الثالثة فهي أن نستخدم لنشر الثقافة المسيحية وبعث الوعي الديني بكل وسائل الإعلام والإبلاغ الحديثة. واخص بالذكر هنا ما هو بين أيدينا منها للمضي في تطويره، وتجديده وتوسيع انتشاره، واعني به صحافتنا الناشئة والمكتبات المسيحية والندوات الدينية والحركات الروحية والرسولية والدورات اللاهوتية والنوادي الثقافية المسيحية والسهرات الإنجيلية… ليس في نيتي الآن أن استفيض في شرح موضوعي لهذه المبادرات، وإنما أود أن اجذب انتباه ذوي إخواننا الشباب إلى أنها ركائز فريدة لدعم إيمان أولادهم، فالندوات الدينية المختلفة، مثلا، والحلقات الدراسية حول الإنجيل  تقدم للشبيبة إطارا مسيحيا صافيا لإنماء شخصيتهم وتحفظ لهم التوازن النفسي والروحي الذي يحتاجون إليه وترسخ عقيدتهم وتحملهم على إشعاعها.

     وهكذا، بتآزرنا وتفهمنا ومحبتنا وصبرنا الجميل، كهنة وأولياء، سنتيح الفرصة لأعزائنا الشباب كي يطلعوا على مقومات إيمانهم   وموجبات أخلاقيتهم المسيحية، فيتسنى لهم، من ثم، أن يعيشوا هذه الأخلاقية وذلك الإيمان في الواقع اليومي الملموس عن اقتناع واطمئنان وفرح، وليس عن عماوة وجهل. إن الجهل لم يخدم الحقيقة يوما.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s