رأيت الله وتحدثت إليه

1974 المقالات 

رأيت الله وتحدثت إليه 

ملف/كانون الثاني 1974 

      إن كان الله حقا مركز كل شيء والضروري الأكبر لكل إنسان، كما قال أبي، وكما قال أساتذتي، وكما قال موسى وأشعيا وسقراط وعيسى واوغسطينوس ومحمد والغزالي والاكويني وباسكال وحبشي وسائق التاكسي، وكما يقول كل مؤمن، من إبراهيم الخليل والى هذه القروية التي تراقب لهيب النار في كانونها الطيني، وهي تعد الخبز الحار اليومي لزوجها القادم من حقله المعطاء، إن كان الله هذا شانه، فلماذا يا ترى يسكت، لماذا لا يتكلم عن ذاته، لماذا يدع الإنسان -لاسيما إنسان هذا العصر الذي أمسى”خالقا” بدوره– لماذا يدعه يتخبط في بحثه أو جهله ؟ لماذا يتركه يبتعد في أفكار وفلسفات غريبة تنمو وتترعرع دون أن تحسب له إي حساب؟ لماذا لا يكشف عن أوراقه لكل إنسان يشك في وجوده؟… ولماذا يسكت عن كل ما يجري –الحروب، الأحقاد، الظلم، الخبث، النفاق– وكأن لا حول له فيها ولا قوة! لماذا يترك الأمورعلى عواهنها؟ لماذا خلق الإنسان في هذا الشطط، لماذا خلقه ضعيفا إلى هذا الحد وكذا متبجحا بما ليس لديه ؟!…

      وتعتريني الغصة من جديد فاتوه من أعماقي حاملا البشرية كلها في قلقي: اجل إن كان الله هو خير الإنسان الاسمي، فلماذا،ترى تكون معرفته صعبة إلى هذا الحد؟

     هذه الأسئلة ومثلها شغلت بالي طويلا كما تشغل بال عدد متزايد من الناس. أنها “مشكلة” الله والإنسان والشر التي لم يعطنا الرب لها حلولا نهائية، ولعلنا انتظرنا منه حلولا جاهزة تغنينا عناء البحث. ونبقى على ضمأنا نسأله: من أنت، أين أنت، لماذا لا تتكلم. لقد سمعنا بك، إلا أننا لم نستمع إليك؟!

     فنرسل إليه وفادتنا:

     أأنت هو أم ننتظر آخر؟

   ويتكلم الله “بكلمته” المتجسدة فينا حياة وحبا ورحمة وعطاء: “بهذا ظهرت محبة الله فيما بيننا: بان الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لنحيا به. على هذا تقوم المحبة: لا إنا نحن أحببنا الله، بل هو نفسه أحبنا وأرسل ابنه كفارة عن خطايانا… انه هو قد أحبنا الأول”(يوحنا4:9-10،19) 

     وهكذا يأتينا جوابه ملائما لطبيعته الذاتية، جواب أب محب، رقيق القلب، فمن محبته ورحمته ورقته تعرفونه “الله محبة” هذه علامته الفارقة  وهذه هي أيضا علامة ابنه المميزة-” يسوع محبة”– هذا الابن الحبيب الذي أرسله حياة وخلاصا للعالم. اجل إن إلهنا الاه الحياة، وليس الاه الموت، انه يريد الحياة لكل إنسان، ويريدها كاملة، متدفقة. فقد أجاب لوفد المعمدان السائل عن هويته: “انطلقوا، واعلموا يوحنا بما تسمعون وترون. ألعمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى ينهضون، والمساكين يبشرون”. هذه هي هويته الشخصية. ففي قلب المسيح أعطى لنا، إذن، أن نعرف الله، في دقات قلب ابن مريم، المشرف على الموت حبا بالإنسان تحسس يوحنا “إنسانية” الله، أن صح هذا التعبير. بالمسيح أصبح الله قريبا منا، “ضيفا”، واحدا منا، الكلمة صار جسدا وسكن في ما بيننا- 

      أن هذا يجلب إلى قلبي الطمأنينة ويقرب الله إلي بعض الشيء!

      لقد أكل مع العشارين وقبل دعوة الفريسيين وحادث اليهود وقابل الوثنيين وصادق الخطاة بل شرب الخمر معهم واظهر عطفا خاصا لكل الفقراء والمنبوذين وضحايا المجتمع فكان تفضيله لهم ردا على موقف هذا المجتمع الظالم المتحيز منهم. لقد كان قلبه مع لعازر الملقى كقطعة أثاث متهرئة على مزبلة الغني. زكا العشار المرابي المعتاد على الرشوة نال حظوة لديه واستضافه لأنه قرأ ما في قلبه من طيبة. لقد ترك امرأة زانية تبلل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعرها المسترسل على مرأى ومسمع من سمعان الفريسي ونزلائه فيا للفضيحة! إلا انه هو وحده كان عارفا بما يجول في خاطر المضيف والخاطئة: “ياسمعان عندي شيء أقوله لك… أترى هذه المرأة ؟ أنا دخلت بيتك ولم تقدم ماء لرجلي، أما هي فقد غسلت رجلي بالدموع. أنت لم تقبلني، أما هي… أنت لم تدهن راسي بزيت، وأما هي… لذا فان خطاياها، خطاياها الكثيرة، مغفورة لها، بما أنها أحبت كثيرا…”.  وحواره مع السامرية! قد يكون هو الوحيد الذي سمعته صاحبة الستة رجال يكلمها بهذه اللهجة الرزينة المفعمة لطفا!

     هذا هو يسوع اللطيف الذي تستوقفه زهرة خفرة في حقول اليهودية، ويرق لأطفال أتت بهم أمهاتهم إليه، ويبكي لما سيحل ببلاده من ذل وهزيمة، يسوع الإنسان الذي تدمع عيناه لموت أصدقائه، يسوع الفادي الذي، مع أنفاسه الأخيرة، يعانق بنظرته الدافئة المجرم الذي يسترحمه، فيخصه بتلك اللحظات الباقية وكأنه هو الوحيد فوق جلجلة الكون. أخر أصدقاء يسوع هو لص وقاتل… فيا لاحترام الله للإنسان! ويا لرقته وثقته به!

     تجسد المسيح مرة في التاريخ، في فلسطين، وقضى ما قضى من السنين بين الناس، يحادثهم تارة، ويحاورهم طورا، ويصنع لهم الخير دوما، ثم توارى… ولكن، هل حقا توارى، هل حقا لم يعد المسيح يتكلم، هل حقا “اقفل” عهد التجسد وعاد الله من جديد إلى سماته البعيدة وصمته الرهيب؟ أن ما يجعل من المسيحية دينا مزعجا وأثراً من أثار التخلف التائهة في عصرنا هو هذه النظرة الخاطئة التي تجعل منه “مذهب الذكريات” فلا يكاد المؤمن ينتهي من الاحتفال بذكرى حتى تمر أخرى: ذكرى ميلاد سيده، ذكرى تسليمه، ذكرى موته، ذكرى بعثه… وهكذا نرى أنفسنا ننظر دوما إلى الوراء، وكأن لاشيء جديدا يحدث أو يستحق أن يسترعي انتباهنا اليوم. كل حدث حاسم جرى قبل إلفي سنة، وليس لنا، نحن، إلا أن ننام مطمئنين على الذكريات!

      أن هذه النظرة القاصرة موت. فالحقيقة التي تجعل من المسيحية واقعا يفقع العينين هي أن المسيح المنبعث من القبر هو “معاصر” للأجيال المتعاقبة. انه يتكلم وينادي، اليوم وغدا  كما فعل البارحة وفي أيام اوغسطس وقيافا. المسيح لايزال يعيش بيننا في شخص الفقير والمعدم، وسيبقى يتكلم بلسان من أرغمهم الاستبداد والبؤس على الصمت. الله يتجسد اليوم في التاريخ وفي الإحداث التي تنسجه، يتجسد في حياة المسيحيين وفي الشهادة التي يعطونها عنه وسط الناس من يراهم ينبغي أن يرى الله،في التزامهم وأخلاقهم وطيبتهم وسموهم وسلوكيتهم ينبغي أن ينعكس وجه الله. الله يتجسد في ابتسامة الطفل وفي ضحكة هذا الشيخ الهرم الذي يبدو بعينيه الكليلتين وعصاه التي تسبقه وكأن الزمن قد غفل عنه، في آمال الشبيبة التي لا حدود لها، الشبيبة الثائرة على الظلم وعلى فلسفة الربح والمصلحة وتحلم بمجتمع الإخاء والمساواة، وفي كل ضمير مستقيم. لم “يقفل” عهد التجسد ولم “يعد” الله إلى “عزلته”: “انه يخاطبنا من وراء العوسجة” كما فعل يوما مع موسى، ويتراءى لنا في النسمة الرقيقة، كما طاب له مع إيليا، إننا على موعد معه في المغيب الساحر والشلال الهادر، وحضوره الخفي بادٍ محسوس في تفتح الزهرة ورقة الفراشة وزقزقة العصفورة وعنفوان هذه الصبية الخجول.

     الهي أراه في أخي، الهي أتحدث إليه عندما أخاطب الكادح المهمل والطفل المشوه، الهي أحسن إليه عندما انصر المظلوم واسمع صوته في كل قضية عادلة، الهي اعبده عندما أقول الحق وافعله، الهي يبش لي عندما اعترف بالجمال والحب، الهي يراه من يرى “الإنسان” في كل إنسان، الهي يسير في الشارع ويجلس في باص المصلحة ويشتغل في المعمل ويجوب مدارج الجامعات ويرافق اللاجئ المبعد ويشارك السجين زنزانته والفقير كسرته: “كنت جائعا… كنت عريانا… كنت سجينا… كنت مريضا… فافتقدتموني…”. الهي يتجسد في أخي:

     أن هذا الحضور يكتنفنا من كل جانب، وصوته يلفح أذاننا من كل صوب، ولكن هل لنا عيون تبصر وأذان تسمع ؟. “في وسطكم يقوم من لستم تعرفونه”. فالعقدة ليست في “الحضور”، إنما هي في “اكتشاف” هذا الحضور أو “التقاط” صوته –كما أن الجو مليء بالصور والأصوات، ولا يلزم إلا جهاز راديو أو تلفزيون لالتقاطها، شريطة أن يكون الجهاز سليما– فالقضية كلها، إذن، هي قضية إرهاف لأذن، والانتباه لمعرفة قراءة العلامات، إلا أن الإذن لا تكون مرهفة والرؤية لا تكون واضحة إلا إذا كان القلب سليما… في الصمت وصفاء الإيمان والمحبة… أنها حاسة سادسة تخولنا اكتشاف الله والتحدث إلى اللا منظور.

وهنا اذكر حوار ثيئوفيل الإنطاكي: “أو تقول: ارني إلهك؟ -ارني من أنت، وسأريك الهي، ثبت لي بان عيني نفسك تريان وقلبك يسمع… إننا نرى الله عندما نحسن رؤيته ونفتح أعين الروح. كل الناس لهم عيون، إلا أن البعض منهم مصابون بالرمد فلا يبصرون ضوء النهار. وإذا كان العميان لا يبصرون فهل معنى ذلك أن الشمس لا تشرق؟ الداء فيهم وفي عيونهم”. 

     أتاني يوما صديق لي عزيز تربطني به صلات روحية متينة منذ عهد دراسته الجامعية، وقد علا البشر والتأثر وجهه الوسيم، وبادرني قائلا:

     لقد رأيت الله!…

     ما القصة ؟

     لقد رأيت الله عند أخوات يسوع الصغيرات!

    وظننت انه آت من رياضة روحية أو من سجود “ناجح” قام به في معبد الإخوة فقلت له مبتسما:

     وكيف ذلك؟

     فاخذ يسرد علي بنبرته المتموجة وصوته الخافض قصة إحدى نسيباته وكانت من أخوات يسوع الصغيرات، عادت إلى الوطن، بعد دراستها الرهبانية، ومعها داء عضال. وبعد مدة غير طويلة استفحل الداء حتى لم تعد تقوى على الحركة، فنقلت إلى إخوة قريبة من ذويها، لان أيامها أمست معدودة، بالرغم من مظهرها الهادئ ووجهها الباش. ثم استطرد صديقي: – ترى… أنت تعلم الظروف القاسية التي ألمت بي… أن مرضها سندني. شابة في مقتبل العمر… مريضة لا تقوى على الحركة… شديدة الحساسية… وهدوؤها وهذه العناية المثالية: لقد افردن لها حجرة خاصة وسريرا بني خصيصا لها… استقدمن للعناية بها أختين صغيرتين أحداهما طبيبة والأخرى ممرضة يتناوبن الخفارة ليل نهار… وكثيرا ما تحيي أحداهن أو كلتاهما الليل كله معها، رهن اقل إشارة منها، وذلك منذ خمسة أشهر، وقد يطول مرضها أو يقصر… أتعلم… زيارتي اليومية… هذه المحبة… هذه التضحية الصامتة… ابتسامة الأخت الطبيبة… نعم، لقد رأيت الله!

 

من له إذنان سامعتان فليسمع، ومن له قلب حي فلينظر…!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s