رسالة الأخ شارل يسوع إلى بني جيلنا

رسالة الأخ شارل يسوع إلى بني جيلنا

كانون الاول 1971

     كتب الأب فوايوم، مؤسس أخوة يسوع الصغار: “تكاد الدهشة تأخذنا عندما نتحقق إلى أي بعد قادنا هذا الرجل الذي لم يعلمنا روحانية جديدة، ولا ترك لنا أي مشروع خاص لننفذه،  ما خلا السجود للقربان المقدس واخذ الإنجيل بمأخذ الجد في حياتنا اليومية . وفي الواقع هما هذان الصمت في الكلام والمضي إلى أقصى حد في العمل اللذان يجيبان، بنوع خاص، إلى ما ينتظره العديد من الناس الذين ملّوا من الخطابات، وباتوا حيارى أمام غزارة المشاريع التي تعرض عليهم. 

    لقد باغت الموت شارل دي فوكو يوم كان في زخم عطائه الصامت لعرب الصحراء الجزائرية الكبرى وطوارقها، ولكن الموت نفسه بوغت إذ وجد هذا الرجل اعزل ووحيدا في آفاق طموحه الواسعة وسع الدنيا، ومغمورا غمر ذرة صحراوية في بحار الرمال، فقد كان مجهولا من مواطنيه، وقبضة من أصدقائه المبعثرين هنا وهناك ما كانوا ليروا فيه أكثر من أمير تائب صلب الشكيمة، عندما يقدم على أمر يقدم عليه بأقصى ما يملك من قوة وعناد. وكان من الممكن أن يبتلع النسيان اسم الأخ شارل، كما فعل بكثيرين من قبله، إلا أنه ترك لنا، بالرغم من فقره، شيئين ثمينين وهما: عبير الحياة وأكداسا من الأوراق.

    في تلك الحياة وهذه الأوراق –التي تعكس صداها ولا تفهم من دونها– قيم قديمة بقدم الإنجيل، ولكنها عيشت بإطار جديد، وتفاعلت مع تطلعات الإنسان الجديد الذي مل من الفوارق الاجتماعية والعنصرية في مسيرته نحو الشمول. لذا لم تعتم هاتان الحياة والأوراق أن اجتذبنا تلاميذ رأوا في الأخ الصغير الشامل رائدا فهم حقا من هو الله وما هو الله بالنسبة الإنسان. وتلامذة الأخ شارل ليسوا، اليوم، الإخوة والأخوات الذين ينتمون إلى الرهبانيات المتحدرة من اسمه حسب. إن الأخ الصغير شارل رائد لعدد متزايد من المسيحيين والمسيحيات من كل البيئات والبلدان والثقافات. 

السر في ذلك؟

     هي هذه القيم الإنجيلية الأصيلة التي جسدها شارل في حياة عطاء وبذل، في حياة مشاركة وتقدير “لكل ما هو حق وصالح وجميل لدى البشر”. بكلمة واحدة يكمن السر في ان شارل دي فوكو عرف أن يجسد اسمى قيم الروح في قلب الجماهير 

الصدارة المطلقة لله في صخب الحياة

      في هذا العصر الذي يتحول فيه الإنسان إلى ذاته، فتوهمه انطلاقات طاقاته المتوثبة انه لم يعد يحتاج إلى سواه، يأتي الأب دي فوكو بهدوئه ليذكره بحتمية العودة إلى الله. هو نفسه تاه بعيدا عنه لوقت غير يسير وارتشف من لذائد الحياة بنهم، إلا انه لم يجد الطمأنينة إلا فيه، حتى بات يتساءل بحرقة، بعد اهتدائه، ترى كيف استطاع العيش بعيدا عن الله طول هذا الزمن؟ فصرح لنسيبه هنري دي كاستلري معترفا: “ما أن آمنت بوجود الله، حتى أدركت إني لا استطيع أن أحيا لسواه”. إلا أن شكيمة شارل تأبى منح الصدارة لله في حياته حسب، بل يود أن يوقف له كل اتساع قلبه وجوانب حياته وقفا مؤبدا دون قيد أو شرط.

    هذا العزم ساقه إلى هجر أصحابه وذويه وحتى وطنه، والبحث عن أمضى الطرق فاعلية للتشبه بالمسيح. انه ضرب من الغرام والحب المطلق لله، لشخص المسيح: “عندما يحب المرء شخصا ما ينظر إليه دون انقطاع،  ولا عيون له إلا له… الأفكار، الأقوال، الأعمال كلها تعود إليه: هذا هو الحب”. لقد خبر الأخ شارل كل هذا في الساعات الطويلة التي كان يقضيها في الليل والنهار أمام القربان المقدس، فقد كانت صلاته همسة حنان، صرخة حب، نغمة مديح وتمجيد وسجود وخضوع. لقد كان يعتبر نفسه “خفير صلاة” باسم شعبه؛ إلا انه متما دعاه صوت سرعان ما كان يترك خلوته ليخدم أخاه.

     اجل، إن عبقرية الأخ شارل كانت في انه حقق هذه الحياة التأملية العميقة وسط الجماهير وعلى الطرقات –مثله في ذلك مثل المسيح، التأملي الكبير، وسط جماهير فلسطين التي أحبها وغمرته بزحمتها– على هذا النهج يتابع السير الإخوة والأخوات المنتمون إلى الأسرة الرهبانية الفوكولدية الكبرى. اجل، وسط الجموع المشتتة وتجاه الجمهرة الكبيرة من الايدولوجيات المتضاربة التي تتوجه إلى الإنسان لحل مشاكله وفهمه كان ينبغي أن يكون هناك من يتوجه أولا إلى الله، ومنه يعود إلى الإنسان. 

حياة  الناصرة ورسالة الحضور والصداقة

     إن التمثل بحياة يسوع في الناصرة يشكل النقطة الرئيسية في حدس الأخ شارل. وهذا التمثيل كان يعني لديه مطابقة  حياته مطابقة تامة على حياة المسيح كما يعرضها الإنجيل، لا سيما في إطار الناصرة –حتى الكهنوت اقتبله تمثلا بالمسيح– لذا فقد مارس الفقر والتجرد في ابعد متطلباتهما، وتخلى عن ثروته ورتبته العسكرية وألقابه العلمية وباتت فلسفته:

“الهي لا ادري كيف تتمكن بعض النفوس أن تراك فقيرا بينما تبقى هي غنية بإرادتها، أما أنا فلست أدرك الحب من دون عوز ملح إلى المطابقة، إلى التشبه، لاسيما إلى مقاسمة جميع الإتعاب والصعوبات وجميع شدائد الحياة”. إن هذا العوز الملح إلى المطابقة قاد الأخ شارل إلى نشدان المذلة والموضع الأخير في عالم لا ينشد سوى المتعة، ولا يرى في الصليب سوى شك وعثرة. شك للمؤمنين الذين يتوهمون أن الإيمان رفاهية واستكان، وعثرة للذين يجهلون إن عظائم الأمور إنما في الجهاد تينع.

    بين حياة الناصرة والصحراء صلات متينة، ولا ندري، في الحقيقة، ما الذي قاد الواحدة الى الاخرى، أهي الصحراء إلى حياة الناصرة، أم هي حياة الناصرة إلى الصحراء!  

“ففي الصحراء نخلي ذاتنا ونبعد عنها كل ما هو غريب عن الله لنفسح المجال كله لله وحده. النفس بحاجة إلى هذا الصمت وهذا الهدوء لينصب الله خيمته ويصور فيها خطوط الحياة الروحية”.

       ولكن الصحراء أو الناصرة ليست للأخ شارل تهربا من الحياة أو تخليا عن إعلان المسيح كلا. ففيها يستمر رسولا ومبشرا؛ ولئن شعر منذ البداية بأنه ليس مدعوا لان يكرز بالإنجيل بالكلام والنشاطات الخارجية، فسيفعل ذلك بالحياة. “سيهتف بالإنجيل بحياته” كما يهتف به غيره بصوته، سيهتف به بحضوره وصداقاته، بابتسامته واستعداده الدائم. بهذا الحدس ذاته رأى الأخ شارل يسوع صفات رسل اليوم وخط للرسل العلمانيين برنامجا لشهادتهم على نمط برسكلة واكيلا يتلخص في “الاحتكاك البناء، واللطف المشعاع، والعاطفة المستعدة للبذل، والمثال  الصالح”: “ينبغي أن يكونوا كرازة حية بمثال حياتهم ينبغي أن يرى الناظر إليهم ما هي الحياة المسيحية، ما هي الديانة المسيحية، ما هو الإنجيل، ما هو يسوع. لا، ليست الناصرة تهربا،  فإنها قادته إلى اكتشاف قيمة العمل اليدوي وعالم الفقراء والكادحين والبسطاء الذين نالوا دوما أوسع ما في قلب الأخ الصغير شارل. من هذا الاكتشاف نمت فكرته في إنشاء رهبانية عصرية فقيرة تعيش من عرق الجبين، عاملة كالمسيح في الناصرة، حيث الرهبان سواسية، دون تمييز بين الكاهن وغير الكاهن، مهما كانت ثقافتهم ودراساتهم الأصلية. ولأجل تحقيق ذلك يبقى ابن جيله، فدعا إلى التخلي عن الزي الخاص وحتى عن الفروض القانونية الخورسية الطويلة واستبدالها بالتأملات الفردية والقداس الالهي والسجود واستخدام اللغة المحكية للصلاة والليتورجيا. وهكذا أعاد الأخ الصغير شارل. طموح الكمال الإنجيلي إلى صفوف الكادحين، إلى أرصفة العمل والى كل ميادين جهاد الإنسان: المصنع، المكتب، المنزل، المدرسة… الالتزامات الزمنية جميعها.

الأخوة الشاملة

       كل ميادين جهاد الناس ميدان للمحبة العاملة في المسيح، وحدود المحبة أن لا حدود لها، حسب قول القديسة ترازيا الطفل يسوع، فهي من طبعها شاملة كشمول الإنجيل الذي يرتفع فوق كل طبقة اجتماعية وكل تمييز عنصري وكل فارق قومي. لقد اعتنق الأخ شارل هذا الشمول بحنان خاص، سيما وانه احتك مباشرة، قبل اهتدائه وبعده، بأقوام مختلفة في الثقافة والدين والعرق، في الجزائر ومراكش وفلسطين وتركيا والهوجار، وعقد صداقات متينة مع عرب وطوارق، من بسطاء القوم وكبارهم، لا سيما في الفترة الأخيرة من حياته في الصحراء الجزائرية، وكانت إخوته دار ضيافة، بل منزلا للجميع. الم يكن لقب “الاخ الصغير الشامل” أحلى الأسماء إليه: “أريد أن يعتاد السكان من مسيحيين ومسلمين ويهود ووثنيين أن لا يروا في إلا أخا شاملا لهم جميعا. لقد اخذوا فعلا يدعون البيت “إخوة” وكم يطيب لي ذلك!”. لقد جسد الأخ شارل في حياته هذه “المحبة المتواضعة التي تحترم الغير” كما يقول الأب فوايوم، هذه المحبة التي يجب أن يعتاد البشر على ممارستها فيما بينهم، وذلك ليس كإفراد فقط، بل عليها أن تعانق جميع القيم الإنسانية والروحية التي توالت واتسعت على مر العصور في الحضارات والثقافات التي انبثقت من الجماعات البشرية المختلفة”(1). لذا، فلا بد من أن يتجسد هذا الشمول في شعب معين وبقعة معينة، ومن ثم ينطلق ويتسع. هكذا فعل الأخ شارل يسوع حين خص العالم الإسلامي بإيثاره وشهادته.

   هذه هي القيم التي عاشها الأخ شارل وقدمها تركة روحية إلى بني جيلنا. فرسالته هي انه بشر بان العيش بمحبة بين البشر ممكن ولازم، وبرهن بذلك بقوة حياته ولطفه وصمته، وذكر كل مترفع أن للاخر، مهما كان فقيرا أو صغيرا، عزة وكرامة هما له أعظم ثروة. لقد جسد محبة يسوع الفادي في عالم التحول الذي نعاصره وشهد لقيم الروح والتجرد والبساطة وبطلان المادة في عالم يتهالك أبناؤه  بجشع على البذخ والميوعة والتخلي، وأصر على أن يؤدي هذه الشهادة في قلب الجماهير لا في حصون الأديرة: هنا يكمن سر التجاوب المتزايد الذي تلقاه روحانية الأخ الصغير الشامل شارل يسوع في عالم اليوم.

    إن هذا التجاوب ما هو إلا انعكاس لرغبة العالم المعاصر، لا سيما الشبيبة، في اخذ الإنجيل ببساطته وبكل متطلباته وحدة أقواله لتجسيده في لحمة الحياة وسداها، والكف عن اعتباره كتاب تخصص أو دليل تأملات أفلاطونية. إن المسيحية التي خرجت من قلب المسيح، والتي يعكس لنا الإنجيل وجهها الناصع، هي حياة؛ حياة تتجسد كل يوم، وفي كل يوم، حياة يعيشها إنسان لا يختلف عن سائر البشر، حياة يعيشها كاملة بالتزاماتها، وسط طموح البشر وإخفاقاتهم، في الحزن والفرح، في نضال البشر ومعاناتهم، في الحب والعمل الدائب والبناء،  في السعة والعوز. المسيحية التي خرجت من قلب المسيح، والتي عاشها الأخ شارل، هي حياة إنسان ملتزم يتفاعل مع زمانه ومكانه وبيئته وشعبه ومع توثبات هذا الشعب وحتى مع ضعفه. بكلمة واحدة هي تجسد عقيدة في تضاعيف حياة. 

——————–

في تصدير كتاب “شارل دي فوكو” رسول الاخوّة الشاملة (للاب جرجس القس موسى)، المطبعة الكاثوليكية – بيروت.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s