Posted by: abu faadii | 2013/08/02

روميرو، الأسقف الشهيد

روميرو، الأسقف الشهيد

ش.ر/ايار 1980 

      “جميع” المعذبين والذين ذهبوا ضحية الاغتيال هم مسحاء جدد ماتوا من جراء الخطيئة. وبقدر ما تخدم الكنيسة المقهورين، بقدر ذلك تفهم ما معنى الخطيئة “.

   قالها رئيس أساقفة السلفادور الراحل اوسكار روميرو قبل مصرعه بشهر، إذ أن النظام القمعي وأركانه من أغنياء وعسكريين ملوا من سماعه يندد ويشجب ويفضح ويحذر من سياستهم الدموية ضد الفقراء والفلاحين المغتصبة حقوقهم وكرامتهم المستباحة حياتهم صبح مساء، فقتلوه وهو يقيم القداس للمرضى في المستشفى يوم 24 من آذار المنصرم.

   الخطيئة إن أماتت المسيح ، فموته كان للفداء والتحرير، وكذلك الأسقف روميرو ذهب في شهادته حتى “الصليب” لفداء شعبه وتحرير الفقراء، وليسقي دمه جذور ربيع لا بد ان يأتي!

الأب جرجس القس موسى يلقي الضوء على نضال الأسقف الشهيد، ونضال المطران روميرو ما هو إلا صفحة من “درب الآلام والجلجلة” التي يعيشها السلفادور انقلابا بعد انقلاب، منذ زهاء نصف قرن، ولا سيما منذ مجيء الجنرال روميرو (لا صلة له بالأسقف).

 

       لقد تجرأوا وعملوها! فقد اغتيل المطران روميرو مساء الاثنين 24 آذار المنصرم بينما كان يقيم القداس في معبد مستشفى “العناية الإلهية” في العاصمة سان سلفادور أمام حوالي عشرين راهبة كن حاضرات في قداسه الأخير.

    من هم هؤلاء الذين تجرأوا؟

    أنهم أقصى اليمين والطغمة الحاكمة التي تتمثل بطبقة الأغنياء والعسكريين الذين يساندونهم منذ سنوات -بالرغم من تغير أقنعة الحكم بالانقلابات المتتالية– والذين أحالوا السلفادور حقلا للتخلف المدقع والقمع والإرهاب إرضاء لمصالحهم ومصالح أسيادهم من وراء الحدود. هؤلاء ما كانوا ليحتملوا مدة أطول صوت نبي طالما أعلن فساد نظامهم وعزل الشعب عنهم وردد من دون كلل: “إن القوة المسؤولة أساسا عن جميع ماسينا هي الاوليغارشية (حكم طبقة الأغنياء) المتطرفة اليمينية التي لا تقبل التنازل عن أي جزء من امتيازاتها، والتي تحالفت مع العسكريين الذين يدافعون عن مصالح الأغنياء”.

     مثل هذه المواقف اعتبرها الحكام تحديا، وأعلن الناطق باسم القوات المسلحة بان الأسقف “ارتكب جريمة” بدعوة العسكريين السلفادوريين إلى “العصيان”. فلا جرم أن تأتيه التهديدات بالموت. ولما كان قد اختار، من دون عودة، جانب الشعب وضحايا القمع، فقد وضع نصب عينيه إن الطبقة الحاكمة قد لا تتورع عن وضع تهديداتها موضع التنفيذ. وهذا ما حدث حينما هجم علية، وهو متشح بحلته الكهنوتية، أربعة مجهولين وافرغوا في جسده رصاص غدرهم. وهكذا قدم دمه شهادة قصوى لالتزامه جانب المقهورين، لا طمعا بزعامة، بل باسم الإنجيل والدفاع عن حق الإنسان في الحياة والكرامة لا غير، ولكن هل يخنق صوت الأنبياء؟

     من هو روميرو وكيف أصبح زعيما شعبيا وخطرا على امن الدولة، هو الأسقف المسالم؟!

     ولد اوسكار ارنولفو روميرو في سيوداد باريو بالقرب من مدينة سان مايكل في 15 آب 1917، وأكمل دروسه الكهنوتية في المعهد الغريغوري في روما حيث رسم كاهنا عام 1942. ولدى عودته إلى بلاده تعين كاهن رعية ثم اختير أول سكرتير عام لمجلس الأساقفة السلفادوريين. وتميز الأب روميرو بغيرته وسعة آفاقه وتعاطفه مع الطبقات الشعبية فاختير أسقفا مساعدا لأبرشية سان سلفادور، ثم مطرانا لأبرشية سانتيا غودي ماريا عام 1974. وفي عام 1977عاد أسقفا أصيلا لأبرشية سان سلفادور العاصمة بعد استقالة مطرانها لدى بلوغه الخامسة والسبعين وهنا برزت صفاته الراعوية ولم يخف تباعده، بل مناوءته، للأوساط الحاكمة وأساليبها القمعية. وبدا ذلك منذ الأسابيع الأولى لتوليه إدارة أبرشية سان سلفادور حين رفض الدار الفخمة وسيارة الكاديلاك اللتين أهدتهما له الطبقة الغنية الحاكمة. كما رفض حضور حفلة تسليم السلطة إلى الجنرال –رئيس الجمهورية احتجاجا على تسلمه الحكم عن طريق انتخابات مشكوك في نزاهتها. وبعد شهر واحد من ذلك اغتيل احد كهنته، وتبعه خمسة آخرون صرعهم غدر المنظمات اليمينية المتطرفة لأنهم وقفوا مع أسقفهم علانية إلى جانب الشعب الفقير.

       وكانت الأزمة تتصاعد يوما بعد يوم بين الطرفين في جو من الإرهاب والقمع والخوف، وتوالت الاغتيالات والقتل في صفوف الكهنة والفلاحين وأعضاء المنظمات المسيحية الملتزمة والنقابات، مع رجال ونساء، حتى وصلت إلى مأساة آذار الماضي حيث أعطى روميرو شهادة دمه على درجات المذبح.

                                                                           بداية النهاية

     لقد أرجعت وسائل الإعلام العالمية والصحافة العراقية بالذات صدى مقتل الأسقف روميرو واعتبرته بداية النهاية المحتومة للطغمة الحاكمة، فروميرو الأسقف كان رمز النضال الشعبي ضد الإرهاب والدكتاتورية، وبمقتله أصبح، في أعين ملايين الفلاحين وفقراء الناس، بطلا قوميا يحرك اسمه وحده مشاعر الأمة كلها، وفي الوقت نفسه يقض مضاجع الحكام.

    ولكن التشييع نفسه تحول إلى مأساة جديدة عندما فوجي الحضور بغتة بزخات من الرصاص ألقت الرعب في القلوب. من ذا الذي أثار الفتنة؟ لا احد يدري بالضبط، إلا أن كاهنا التجأ إلى داخل الكنيسة صرح بان الشرطة “كانت تطلق النار على الناس المحتشدين أمام الكاتدرائية”. وقالت مصادر أخرى إن المتطرفين اليمينيين هم في أصل المأساة، بينما ألقت السلطات الحكومية التبعة على المتطرفين اليساريين، وذكرت مصادر الصليب الأحمر إن معركة نشبت بين مسلحين مقنعين وقوى يسارية خلال التشييع. شيء واحد يبقى أكيدا هو إن الضحايا كانوا من الأبرياء والآمنين، وقد ارتفع عدد القتلى إلى حوالي عشرين وأصيب أكثر من مئة آخرين.

    أما الحكومة فقد أنزلت قوات الجيش إلى النقاط الحساسة من المدينة لمجابهة ثورة الشارع، بينما أعلنت المنظمات اليسارية والقوى الوطنية الأخرى حربا مكشوفة لإسقاط النظام، وأعلنت المدارس الإضراب احتجاجا على اغتيال الأسقف روميرو، كما أعلن الحداد القومي لمدة ثلاثة أيام. من جانب آخر قدم وزيران من الحزب الديمقراطي المسيحي استقالتهما عشية تشييع المونسنيور روميرو هما وزيرا الاقتصاد والتربية، وكذلك وزير الزراعة المستقل.

      هذا ولا زال الوضع الأمني متدهورا، ولا يمر يوم من دون حوادث عنف وتفجير واعتقال واغتيالات. وبينما واجه الاغتيال سخطا داخليا واستنكارا عالميا ألقت الولايات المتحدة بثقلها في الساحة الملتهبة بمضاعفة إعاناتها للطغمة الحاكمة خشية من انقلاب “يميني متطرف أو يساري متطرف” وذلك حفاظا على مصالحها المتمثلة بدعم العسكريين الحاليين. والجدير بالإشارة أن الأسقف روميرو كان قد بعث برسالة إلى الرئيس كارتر قبيل مصرعه بأسبوع واحد طالب فيها بالكف عن مساندة الزمرة الحاكمة في السلفادور وقال فيها بان:” الشعب السلفادوري مسؤول وقادر بالكفاية على تسيير مستقبل السلفادور وحل أزمته بنفسه”، وجاء فيها أيضا:  

     “إن مساعدة حكومتكم، عوض أن تساهم في نشر عدالة وسلام اكبر في السلفادور، فهي تضاعف، من دون أي شك، الظلم والقمع ضد الشعب. امنعوا هذه المساعدة العسكرية عن الحكومة السلفادورية. اضمنوا لنا إن حكومتكم لن تتدخل لا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالضغوط العسكرية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية لتؤثر على مصير الشعب السلفادوري”.

                                                                        جلجلة السلفادور

      لقد عايش الأسقف روميرو جلجلة السلفادور بكل مرارتها، ففي آخر رسالة له (جريدة لاكروا 22 آذار 1980) تحدث عن الاستشهاد الذي تعيشه بلاده وأبرشيته بالذات. وذكرت نشرة صادرة عن الأبرشية قائمة بأسماء القتلى الذين اغتالهم الحرس القومي ومنظمة “اوردن” السرية اليمينية المتطرفة  في  منطقة  اكوبلارس. وأشارت النشرة إلى إن 72 شخصا قتلوا ما بين 24 ك1 و20 شباط 1980، كما أشارت الوثيقة إلى70 ضحية أخرى مع ذكر أسماء البعض وأوقات  وأماكن إلقاء القبض عليهم وحتى أسماء الشرطة الذين قاموا بالعملية. وما هذا إلا غيض من فيض.

   هذه الجلجلة يعيشها السلفادور بصورة خاصة وبأوجه مختلفة منذ العشرين من شباط 1977 حين ارتقى سدة الرئاسة الجنرال كارلوس روميرو –لا قرابة بين الأسقف والرئيس وان حملا الاسم نفسه– على اثر انتخابات مدسوسة. ولقد افتتح الرئيس الجديد عهده بمذبحة في شوارع العاصمة سخر الجيش بتنفيذها ضد أنصار خصمه المرشح الخاسر للرئاسة ذهب ضحيتها أكثر من 200 قتيل في يوم واحد. وما كان ذلك إلا تأكيدا  لما عرف به الرئيس الجديد من “حزم”، لاسيما منذ مذبحة الطلاب التي نفذها في تموز1975.

     على اثر هذه المذبحة النكراء اصدر أساقفة البلاد بيانا شديد اللهجة –منعت الصحافة المحلية من نشره– يشجب النظام وتعدياته الصارخة ضد حقوق الإنسان. وقد جاء فيه إن “لا سلام في السلفادور قبل أن يبادر بصورة جدية إلى توزيع الثروات والأرض بحسب مبادئ العدالة، وإتاحة الفرصة أمام الشعب أن يشترك في الحياة العامة وينظم ذاته، قبل أن يعترف لسكان الريف والمدينة بحقوقهم المدنية وبصفتهم أولاد الله”.

    بعد أسبوع واحد من هذا البيان صرع الأب روتيليو غراندي اليسوعي على أيدي عناصر من الجيش مع مرافقيه حيث كانوا في طريقهم لإقامة القداس في مسقط رأسه. وغداة الحادث شجب المطران روميرو الاغتيال وحرم منفذي الجريمة “الفعليين والمخططين لها” وطالب رئيس الدولة باجراء تحقيق دقيق، وأعقب ذلك بيان وقعه هو والأسقف مساعده وكهنة أبرشيته وراهباتها ولفيف من العلمانيين شجبوا فيه “التهجمات الرخيصة الموجهة ضد المنظمات العاملة من اجل تطوير أوضاع لفلاحين الكامل. وضد التعذيب الذي كان الكهنة ضحيته”. وكان جواب الطغمة الحاكمة إن اغتالت يسوعيا آخر (نيسان 1977) يعمل مع الفلاحين ويدافع عن حقوقهم، وهددت الآخرين منظمة يمينية متطرفة تطلق على نفسها اسم “اليد البيضاء” بالطرد أو التصفية الجسدية.

                                                         الفلاحون.. وروميرو

      لقد كانت الكنيسة –ولا زالت– الملجأ الأوحد للفلاحين الذين جافتهم الطبيعة وسحقهم استغلال الملاكين الكبار وظلم النظام المتواطئ معهم لاسيما بعد فشل مشروع الإصلاح الزراعي المعلن رسميا عام 1976 وتعطيل مفعوله تماما بمناورات الملاكين وإرهاب العسكر

   ولفهم مأساة الفلاحين السلفادوريين لا بد من عودة خاطفة إلى التاريخ القريب.

   قبل الأزمة الاقتصادية الكبرى التي اجتاحت البلاد في نهاية العشرينات وفي الثلاثينات كانت غالبية سكان السلفادور من الهنود، ومعظمهم فلاحون يشتغلون في مزارع البن بأجور يومية. وعلى اثر هبوط  الأسعار العالمية صرف الملاكون الكبار الفلاحين اليوميين، وبذلك قطعوا عنهم كل مورد لرزقهم. فكانت ثورة الفلاحين الكبرى في 1932 التي سحقتها الحكومة بالدم والنار، ففي غضون 48 ساعة  سقط ثلاثون ألف قتيل من بين الهنود، ومنعت السلطات الباقي من تلقين لغتهم الخاصة لأولادهم والظهور بملابسهم القومية وذلك لاستئصال جذورهم التاريخية وإذلالهم. فعاشوا شبه عبيد في خدمة الأسياد المنحدرين من أصل اسباني أو الهجين ولا من يدافع عن حقوقهم وتراثهم سوى المنظمات والنقابات المسيحية مما جعل الكنيسة ورجالها الفريق الأكثر حظا بالقمع السياسي –لاسيما في السبعينات حيث طفح الكيل– (25% من الاكليروس كان عرضة، في السنتين الأخيرتين، للاغتيالات والتعذيب والتوقيف والنفي).

      وفي بداية 1978 ضاعف رئيس أساقفة السلفادور روميرو من تحذيراته للسلطات الحكومية والعسكرية من نقمة الشعب بعد ثلاث مذابح جديدة ذهب ضحيتها 43 فلاحا في لاس فويلتاس وفي العاصمة.

      وقد جاء تحذيره بعد شهر واحد من حصوله على درجة دكتوراة شرف من جامعة جورجتاون في واشنطن تقديرا لإعماله ومواقفه إلى جانب الفلاحين. وليس هذا فقط، فطالما أبدى روميرو شكوكه من “سير العدالة” في بلاده، مما أثار حملة عشواء ضده في الصحافة الرسمية واتهم بأنه “ماركسي مقتنع” وبأنه “يهذي حينما ينادي في كل مناسبة بصراع الطبقات”

   ظل المطران روميرو، بالرغم من كل التهديدات، المدافع الصلب عن الفلاحين وحقوقهم، ولقد شبه الشعب الجريح بالمسيح المصلوب، كما فعل في خطاب ألقاه في جامعة لوفان ببلجيكا في شباط 1979 بمناسبة منحه درجة دكتوراة من الجامعة المذكورة (وكان خطابه بعنوان “البعد السياسي للإيمان من خلال اختيار جانب الفقراء”): “لقد توجه الاضطهاد نحو الشعب الفقير الذي هو اليوم  جسد المسيح في التاريخ. الفقراء هم الشعب المصلوب كيسوع”… وأخيرا صلب روميرو نفسه على صليب يسوع وصليب شعبه!

     في السلفادور الدامي الذي تخضه طموحات شعب مقهور وظامئ إلى الحد الأدنى من العدالة والكرامة، تحكمه طبقة من الملاكين الجشعين والعسكريين الدمويين الرافضين لكل إصلاح اقتصادي واجتماعي، والمتواطئين معا للحفاظ على امتيازاتهم الإقطاعية بكل الوسائل الإرهابية. في هذا السلفادور كان المونسنيور اوسكار ارنولفو روميرو قد اكتسب، بهدوئه وصفاء نظرته وحكمه وصلابة مواقفه، نوعا من هالة الأنبياء، وكان الصوت الداوي الذي لم يرهبه قول الحق بوجه الأقوياء ومصارحتهم بفعالهم النكراء. لقد كان من رعيل مارتن لوثر كينك وهلدر كامارا، وتعدت شخصيته حدود اميركا اللاتينية إلى العالم الثالث كله، بل إلى الكرة الأرضية بأسرها  حيث أصبح الناطق باسم ملايين الناس الذين لا صوت لهم. فلقد كانت مواعظه الأسبوعية وأحاديثه عبر محطة الإذاعة التابعة لأبرشيته تعكس صورة بلده الممزق، فيطالب السلطات بالعدالة وبحقوق الشعب، ويرشد، ويشجب، ويصدر أحكامه بالحكم والتنظيمات الشعبية، ويرفع أمام الرشاشات والحواجز المسلحة منطق العدل والعقل.. كما يفعل الأنبياء إلى يوم أسكته رصاص الذين لم يعودوا يحتملون هذا الصوت المزعج!

     ولكن كنيسة يقتل فيها الأساقفة علامة على إن هذه الكنيسة لم تمت كما قال المونسنيور دانيال بيزيريل  أسقف باريس المساعد. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: