على تلال فلورنسا

على تلال فلورنسا نيسان1981 

شهادة/نيسان1981 

     إن شفافية هذه المرأة هي دوما صفحة من إنجيل مفتوح! بهذه العبارة وصف الأخ روجيه  شوتز رئيس جمعية تيزيه تلك الفتاة التي كانت وراء حركة “الفوكولاري”، كيارا لوبيش (61 سنة)، هي تضم اليوم الألوف من الشباب والشابات من مختلف أقطار العالم.

     وحين منحت مؤسسة تامبلتن الانكليزية جائزتها لعام 1977 إلى كيارا لوبيش، جاء في دوافع الاختيار أنها” عملت على دفع العديد من الشباب إلى تكوين جماعات تعيش حياة مشتركة، تخدم الآخرين بروح البساطة والسخاء”…

     عن مشاهداته في لوبيانو –من أقدم مراكز الفوكولاري في ايطاليا– وعن حياة هؤلاء الشباب الذين يشهدون لإنجيل الفرح والرجاء.. يكتب الأب جرجس القس موسى.

 

“كم من جنون الهم للناس يسوع هذا!”

      قلتها وانأ الهث مبتسما للفتاة الفرنسية التي جاءت إلى نجدتنا في صالة الاستقبال بعد أن نفدت مفرداتها الايطالية ولم تنجح في التعبير عما نريده. ابتسمت بدورها ونظرت إلى زميلي ]الاب نعمان اوريدة[ الذي ارتمى على اقرب أريكة وهو يمسح عرقه المتصبب، وقالت برقة: 

نحن هنا لمساعدتكم وللإجابة إلى استفساراتكم.

       فأخذنا نشرح كيف جئنا حاجين من العراق لنتعرف عن كثب على حياة الفوكولاري، ونعايش، ولو لردح من الزمن، هذه التجربة الإنجيلية التي سمعنا بها وقرانا عنها.. وقلنا لها كيف قطعنا الطريق المتعرج صعدا على الأقدام مدة ساعة كاملة من محطة انشيزا في الوادي

–حيث اقلنا القطار الريفي من فلورنسا–  وحتى قمة لوبيانو. ولوبيانو ألمه خضراء متموجة تكسوها الأشجار المثمرة والكروم والأحراش، تشرف على وادي أرنو التوسكاني الخصب على بعد ثلاثين كيلو مترا من مدينة فلورنسا. على هذه الأكمة الخضراء تتوزع بيوت الفوكولاري البيضاء الصغيرة ومشاغلهم اليدوية المختلفة، وحقولهم الزراعية، ومنها جعلوا منطلق إشعاعهم الروحي والرسولي على العالم. وفرع الفتيات بالذات اتخذها مركزا أساسا للتثقيف والإعداد والدراسة والتدريب على الحياة الإنجيلية العتيدة.

أنا هنا منذ عام، وقد جئت لا اعرف سوى الفرنسية، وصرت الآن أتكلم الايطالية إلى

جانبها، وأقوم أحيانا بوظيفة الترجمان.. ولكني لم أجيء إلى هنا لتعلم لغة جديدة، وإنما لاحيا حياة جديدة في منطق الإنجيل والعمل الجماعي.

     هكذا، ببساطة ومن دون مقدمات، أخذت الفتاة الفرنسية التي استقبلتنا تسرد لنا مسيرتها التي قادتها إلى لوبيانو. وبينما كانت ترافقنا إلى فرع الفتيات المجاور واستطردت حديثها قائلة:

كثير من القيم والمفاهيم تفقد مصداقيتها لدى الشباب، وعدم الاستقرار والتذبذب في

المثل يدفع بعضا منهم إلى الشك والضياع والتخلي عن كل شيء.. لقد جئت من بعيد.. وانأ فرحة باكتشاف الإنجيل.. الإنجيل يحرر..أليس كذلك؟!

     وانضممنا للعشاء إلى “كروب” متكون من ستة شباب من جنسيات مختلفة في إحدى هذه البيوت البيضاء المبعثرة بين الأشجار. وحول شوربة الخضار التي أعدها الشباب أنفسهم وبضعة أنواع من الاجبان وقدح من الخمر الأحمر الآتي من كرومهم، كنا نتجاذب الحديث بمزيج من الايطالية والفرنسية واللاتينية ولانكليزية، حول حياة الجماعة وأهدافها وتكوينها:

     “الفوكولاري” كلمة ايطالية ومعناها “أسرة صغيرة” وبذلك تحدد التسمية نفسها طبيعة الجماعة ونمط حياتها الداخلي. وتضم كل اسرة “خمسة أو ستة إخوة (أو أخوات) في حياة إنجيلية مشتركة (انظر ف.م. شباط 1976).

       ولدت الجماعة كحركة رسولية عفوية شبيهة بالرهبانية إبان الحرب العالمية الثانية في مدينة تورينو الايطالية حول فتاة تدعى كيارا لوبيش ( ف.م.ك1 1977) بشجاعتها الخارجة عن المألوف وفرحها العارم إلى اتخاذ المسيح مثالا أعلى لحياتهن، والخروج بذلك إلى حيز العمل والالتزام الفعلي. فأخذن جانب المتألمين. وعملن بمثال تفاؤلهن وثقتهن اللا محدودة بشخص يسوع المسيح على إعادة الأمل بالحياة لدى الشبيبة –لاسيما في أزمة الحرب تلك وما خلفته من خيبات وإخفاقات–.. وتوسعت الخلية الأولى لتنشطر.. وتنشطر. ويتبعها فرع رجالي، وينظم إلى الجماعة أعضاء من الكهنة (ف.م. حزيران 1976) وحتى من الرهبان. وهكذا يكون للجماعة اليوم فرعان (للشباب والفتيات) منتشران في أكثر من أربعين بلدا، وانتماء متعدد الأوجه: انخراط ثابت ونهائي، التزام زمني للاختبار والاكتشاف. والانتماء إلى الروحانية يلتزم به كهنة ورهبان وراهبات واسر من دون أن يتركوا حالاتهم الخاصة.

    ليس للفوكولاري زى خاص أو علامة خارجية تميزهم سوى الإطار الروحي الذي يعيشون فيه، وبالإمكان تلخيصه بخمس نقاط جوهرية:

دور مميز للإنجيل حيث يعتبرونه موردا ومؤشرا لحياتهم الشخصية والعملية. وعبر

الإنجيل يلتقون بشخص يسوع الذي يتخذونه مثالا اعلي في حياته، وأقواله، والتزامه، ومنه ينتقلون إلى الإخوة.

دعوتهم الخاصة يعيشونها في إطار علماني في متناول الجميع، وليس كرهبانية ذات

هرمية رئاسية وبنى مؤسسة كبرى. لا يتبنون مشاريع إرسالية أو تبشيرية معينة، وإنما يحاولون عيش مبادئ الإنجيل بحسب المواقع التي يشغلونها في المجتمع.

حب كبير للكنيسة يحركهم لكي يحققوا التجديد من الداخل –وليس على الهامش ويضعوا

ملحا جديدا في العجنة المسيحية.

هذه التجربة الإنجيلية يعيشونها سوية في إطارالحياة المشتركة ضمن “أسرة صغيرة”

مهيأة لان تخلق جوا عائليا حميما وترفع الصداقة إلى مستوى الإخوة العفوية: بين أعضاء “الأسرة” كل شيء مشترك: الروحانيات والماديات، ويغلب أن يكونوا من بلاد مختلفة، مما يتيح حوار الثقافات وانصهار الطاقات في ثراء روحي وحضاري يشهد لشمولية الإنجيل.

أما شعارهم فثلاث كلمات:  فرح معد يتفجر دوما على الوجوه، حب متفائل كحب الأطفال، وعطاء ذات ممزوج بالبساطة والسخاء.

     هذا الشعار قراناه ولمسناه مجسدا في طيبة هؤلاء الشباب ومرحهم، في تلك الأمسية، طيبة ومرح نابعان من روح الإنجيل الصافية مما يجعلك تحس بالدفء حالا، وتنسى أي شعور بالغربة.

     في اليوم التالي انضممنا إلى فريق لبناني من شباب وفتيات يرتدون قمصانا بيضاء كتب عليها بالعربية والفرنسية “لبنان الرجاء” – و “لبنان الرجاء” هذا فريق غير سياسي يعمل إلى جانب كثير مثله في لبنان لبعث لبنان متجدد متآخ يبني بالرجاء لغده ولا يتكورعلى ذاته -. مع هذا الفريق الذي كان في جولة أوربية على “مراكز الرجاء” قضينا ساعات الصباح نتجول في ورشات عمل الفوكولاري. فكنا في معرض اللوحات والنحت، وفي ورشة السيراميك حيث الأيدي الناعمة كانت تعالج الأطيان والإصباغ برقة وفن. وانتقلنا إلى مشغل الخياطة، جعلت منه فتيات من النمسا وايطاليا وسويسرا وكندا وحتى من باكستان زاوية من الذوق والأناقة تشهد على ذلك الموديلات المعروضة.

       من هناك توجهنا إلى أقسام الشباب فزونا معرض الأثاث المنزلية، وورشة تصليح العدادات الكهربائية، ومعمل تركيب عربات “الكرفان” المسحوبة، وتستخدم كمكاتب أو غرف نوم متنقلة – كالتي قضينا ليلتنا فيها أنا وزميلي. أما الإنتاج فيعود إلى معامل أو شركات فلورنسية، ويتقاضى الفوكولاري أجورهم على القطعة، مما يوفر لهم دخلا ثابتا لحياة الجماعة إلى جانب المنتوجات الزراعية.

      غير إن ما سيبقى صداه في نفسي هو تلك الأمسية الوداعية التي أعدها لنا شباب وفتيات الفوكولاري أنفسهم عشية مغادرتنا. وشملت  عروضا سينمائية وسلايدات عن بدايات الجماعة وحياتها ونشاطاتها، تلتها شهادات، بل اعترافات معبرة. قال “فرانك” من ألمانيا:

كنت بين مؤمن وملحد يوم تعرفت على الفوكولاري، فقلت في نفسي إذ ذاك:

“ماذا ترى يجري في هذه الرؤوس المجنونة؟”، فجئت لألقى خبرة إنجيلية غيرت مجرى حياتي.. وها أنا هنا منذ عشر سنوات!

     وأدلى “توفيق” لا وهو شاب لبناني اكتشف الفوكولاري وسط الحرب من خلال مقال قراه، وقال:

في الحرب كنا نحل مشاكلنا بالعنف الذي تمليه علينا نظرية صراع الطبقات، ولما اكتشفت الفوكولاري رأيت أن الحب والتعاون هما اللذان يحلان المشاكل، وان الله محبة، فتركت العنف واكتشفت معنى الحياة في الأمل والعطاء. وتناولت الحديث “كريس” وهي فتاة بلجيكية خجول، انتمت إلى الحركة منذ أربع سنوات:

كنت مسيحية تقليدية أحب لقاء الأصدقاء أكثر من لقاء الله، وغالبا ما كنت لا أعود إلى

البيت إلا للطعام. ولكن لقاء الأصدقاء قادني إلى الله والإنجيل حين اكتشفت المحبة من خلال زميلات فوكولاري.. أردت أن ابني حياة جديدة، فاعتذرت من أهلي، وبدأت علاقة جديدة معهم.. كنت خجولة تجاههم.. ثم اكتشفت في مرحلة ثانية إن هذه الحياة يجب إن أعيشها في العمل، فتركت المدرسة واشتغلت ممرضة.. وشعرت تدريجيا بالسلام والطمأنينة ووضوح الرؤية وان حياتي أصبحت مملوءة بشيء ذي قيمة.. وتبعت الصوت إلى الأخير فجئت إلى لوبيانو..

     كنا لازلنا تحت تأثير هذه الشهادات عندما جمعتنا مائدة العشاء في حلقات صغيرة مرحة مع شباب وفتيات الفوكولاري الدمثين.

      وكانت المفاجأة الأخيرة بعد العشاء، عندما عدنا إلى القاعة الكبرى لنرى عدة فتيات ممن رأيناهن في مشاغل الخياطة أو السيراميك، أو رافقننا في جولتنا النهارية، وقد أمسكت كل منهن ألتها الموسيقية فتسمعنا أغاني تنطق بالفرح والرجاء بالايطالية والاسبانية والفرنسية والكورية، وأغاني فولكلورية خفيفة من كل قطر بسمة. حقا إن الإنجيل يحرر! تذكرت قول الفتاة الفرنسية التي استقبلتنا.. ومرة أخرى قلت وأنا أودع تله لوبيانو الخضراء كالأمل: لقد رأيت المسيح وتحدثت إليه!           

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s