في سبيل رفع الإنتاجية

في سبيل رفع الإنتاجية في كنيسة العراق 

منبر حر/ايار 1977 

      آن لكنيستنا في العراق أن تناقش “ورقة العمل” التي هي بمثابة “مراجعة حياة” و”نقد ذاتي”  لتكشف مواطن الضعف والقوة فيها فتخطط من اجل رفع مستوى إنتاجيتها على كافة الأصعدة.

      يدعو الأب جرجس القس موسى في هذا “المني” جميع الذين يهمهم مستقبل المسيحية في هذا القطر إلى العمل من اجل كنيسة متجددة تعرف كيف تتفحص “علامات الأزمنة”

الإنتاج! كلمة طالما أخذها الناس من جانبها الكمي فقط، بينما ننظر إليها نحن من منطق العطاء والجهد المبذول والشعور بالمسؤولية. من هذا المنظار بالذات سنتكلم عن الإنتاجية في كنيسة العراق، وان بدت الكلمة غريبة عن القاموس الكنسي:

 

ما هي الطاقات الموجودة في كنيسة العراق؟

         يقدر المسيحيون في العراق بحوالي 700 إلف نسمة ويشكلون 5% من نسبة السكان. إلا أن وزن وجودهم وتأثيرهم في الحياة العراقية يتجاوز نسبتهم العددية،  وذلك لعوامل ثقافية واجتماعية وتاريخية جعلت من المواطن المسيحي يتحرك من أرضية صلبة وهي أن العراق مهد أجداده ومسرح حاضره ومستقبله، سواء بسواء مع أخيه  المسلم – بل يشهد التاريخ إن المسيحية سبقت الإسلام في قطرنا وتكاتفت معه في بناء تراثنا المشترك يضاف إلى ذلك روح الإخاء والمساواة والآفاق التي فتحتها قيادة العراق الجديد، ناهيك عن المساواة التي يقرها الدستور في الحقوق والواجبات لجميع العراقيين، من أي دين أو قومية كانوا. هذه العوامل تشكل قاعدة أصيلة لكل تحرك سليم يهدف إلى تحرير المواطن المسيحي من روح التبعية والحذر والهامشية، وتتيح الفرصة أمام الكنيسة لتنشيط الحياة المسيحية وإنتاجيتها، في إطار الالتزام الإنجيلي والقومي.

       إلى جانب ذلك تبرز الطاقة البشرية: ففي العراق اليوم بطريرك واحد وواحد وعشرون أسقفا وزهاء مئتي كاهن، يضاف إليهم عدد من الرهبان الكهنة، وأكثر من 300 راهبة. هذا العدد، إذا قيس بعدد المسيحيين في العراق، يشكل طاقة لا يستهان بها، بل نحسد عليها بالنسبة إلى بعض بلدان العالم الثالث، لاسيما وان ثلثي الراهبات والكهنة – ونخص بالذكر الاكليروس الكاثوليكي – يتراوح متوسط أعمارهم بين 35 و40 سنة، اعني أنهم في أوج عطائهم. وجدير بالإشارة أيضا إن الكنيسة الكاثوليكية تحتفظ لنفسها بحوالي 75% من القوى (بطريرك +13 أسقفا +150 كاهنا ). وتزيد النسبة إذا عرفنا أن جميع الراهبان كاثوليكيات.

       إلى الطاقة البشرية نضيف الطاقات المادية. فكنائس العراق، بصورة عامة، كنائس جيدة وبعضها ممتاز –عمرانا وأوقافا وعددا–. وللطوائف الرئيسية الثلاث، الكلدانية والسريانية، الكاثوليكية والأرثوذكسية، واللاتين أيضا، بعض الأوقاف العامرة أو الأديرة التي بوسعها أن تشكل دعما ماديا لمشاريع حيوية كثيرة، بالإضافة إلى السخاء المتوفر دوما لدى المؤمنين كلما ظهرت حاجة أو مشروع كنسي أو خيري.

      أما من الناحية الدينية فهناك يقظة حقيقية لدى الشباب المسيحي ورغبة في معرفة المزيد حول إيمانه وتوق اكبر في المساهمة في حياة كنيسته وتجسيد وجودها في الواقع المتطور للقطر. وان افتقرت كنيسة العراق إلى قاعدة علمانية مثقفة تثقيفا مسيحيا أعمق وأوسع، فالحق يجب أن يقال بأنها تملك نخبة من الشباب الطيبين، ذوي الاستعداد الحسن.

     عنصر هام آخر هو قرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية. هذا القرار آفاق المسيحيين في العراق إلى أن بينهم قاسما مشتركا آخر إلى جانب الإيمان –كان منسيا أو مهملا

 يمكن الانطلاق منه لتوحيد  كلمتهم هو: اللغة الواحدة والتي لازالت بلهجاتها المحكية

 تجمع ثلثي مسيحي القطر، والتراث المشترك. يضاف إلى ذلك الحنين الذي يحرك جميع   المسيحيين لتحقيق وحدتهم والخروج من التقوقع الطائفي.

      كما نشير إلى مبادرة أخرى إتاحتها القيادة السياسية، وتشكل فرصة تاريخية لم تستغل بصورة صحيحة، اعني بها مبادرة إقرار منهاج رسمي موحد للتعليم المسيحي في المدارس المشمولة بالقانون.

      ومن الأوجه الايجابية الأخرى نذكر، في حقل النشر والإعلام المسيحي، مجلة الفكر المسيحي ونشرة الكنيسة ومجلة بين النهرين…

      ومن علامات الصحة في كنيستنا التيقظ وحتى تحسس الألم والبعد النقدي لدى الجيل الجديد تجاه أوجه التقصير والركود في واقعنا المسيحي. وكذلك الثقة التي لا يزال يتمتع بها الأساقفة والكهنة والكنيسة بصورة عامة.

ماذا يستغل منها؟

       لم اشر في هذا العرض السريع إلا الى بعض النقاط المضيئة الرئيسية، ولا نشك ان بعض فرص ووسائل العمل غير متوفرة أو لم تعد في أيدي الكنيسة. ولكن سؤالي هو: مع الإمكانيات المتوفرة والطاقات الموجودة في كنيسة العراق –وهي، برأيي، ليست ضئيلة–  لماذا تكون الإنتاجية منخفضة إلى هذا الحد؟ وهل حقا استنفذنا كل الوسائل التي بحوزتنا أو التي لازالت مفتوحة امامنا؟ هل نستغل 25% ولا أقول 50 أو 75%، من طاقاتنا؟ وسؤال آخر يحرق شفتي: وسائل العمل غير المتوفرة لكنيسة العراق أو المبادرات التي أخذت منها، من المسؤول عنها؟ ويوم كانت في حوزتنا ماذا كان موقف القيمين على كنيستنا منها؟

       هذا يقودني إلى وضع الإصبع على الجرح في بعض قضايا تمس جوهر وجودنا المسيحي ولا تزال، مع ذلك، تتخبط في هامشية تفكير القيمين على كنيستنا:

        معضلة التثقيف المسيحي، التي هي مسالة ديمومة الإيمان المسيحي في قطرنا.ماذا نالت، على الصعيد العملي، من اهتمامنا ودراستنا، ومحاولاتنا؟  قلنا: ضعف إيمان الناس فليأتوا إلى الكنيسة!  وجاؤا إلى الكنيسة. وفي الكنيسة ماذا أعطيناهم؟ أي تعاليم؟ أية مواعظ؟ أية مشاركة؟ حاول البعض بث الوعي الديني والالتزام المسيحي لدى الشبيبة، في أخويات او ندوات أو حلقات دراسية أو في الأسر أو عن طريق النشر. تجاهلنا الأمر إن لم نشجبه! ولما جاءت بعض الصعوبات غسلنا أيدينا كبيلاطس!

       التعليم المسيحي نفسه للطلبة هو ما دون المطلوب بكثير. هل تحرك القيمون على كنيستنا بمشاريع واضحة ومقترحات موحدة وإصرار مدروس؟ أم كان الإصرار فقط لاسترجاع بضعة أشبار من بناء أو الحصول على دريهمات عن إيجار؟

        قضية اندماج الكنيسة في الواقع المتطور لقطرنا. السنا بعد، على الصعيد الكنسي الرسمي، في شبه عزلة عما يجري حوالينا، وندير بيتنا بعقلية “الأقليات” التي لازالت تتوهم أنها تحافظ على كيانها بصمتها؟

معضلة إعداد كهنة الغد. او ما كان الحال الذي آلت إليه المعاهد الاكليريكية يستحق ولو اجتماعا واحدا من السادة أساقفتنا الإجلاء.؟

     قضية النشر والرأي العام. قابليات كثيرة، والكهنة المثقفون وذوو الشهادات والكفاءات ليسوا بقلة. بل لم تر كنيسة العراق في تاريخها مثل هذا العدد من الكهنة والشباب والمثقفين.ولكن ثمة سوء توزيع. والأصوات الجريئة تخنق. كل ما هو خارج عن الوضع القائم والتفكير التقليدي يحكم عليه بالإعدام. مع التنفيذ إن أمكن. 

      مشاركة العلمانيين في حياة الكنيسة العراقية شبه معدومة. وفي معظم الأحيان لا تعترف السلطة الكنسية للعلمانيين بأكثر من أن يساهم بعضهم في مجالس أوقافها وترميم أبنيتها.

      ومعضلة الأساقفة. ليسمح لي أن اسميها معضلة! هل حقا يشعرون بكامل مسؤولياتهم؟

“يرعون أغنامهم” دون انتباه حقيقي أو دراسة لاحتياجات المؤمنين، اليوم. شعور بمن هم هنا لتصريف الأمور فقط، كالوزارات المستقيلة، من دون مبادرات أو ابتكار.. صوتهم غائب.لانسمعهم يتكلمون اللهم إلا في بعض المواعظ التقليدية في الأعياد الكبرى. لا يكتبون، لا ينشرون. السينودسات؟ ماذا يجري فيها؟ لا احد يعلم، ولم يصدر قط بيان بسطرين عما “نوقش” فيها! اجتماعات الأساقفة؟ خيبة أمل متكررة…!

كيف السبيل إلى رفع الإنتاجية؟

      كل هذه العوامل تخلق قلة التحام، فيعمل كل واحد في زاويته دون تنسيق أو برمجة، فيأتي العمل ناقصا، لان الانفرادية في العمل، بل الارتجال، آفة أخرى من آفات كنيستنا.

     في ما يلي أورد بعض رؤوس نقاط لاستغلال أفضل لطاقات كنيستنا، ومن ثم لرفع إنتاجيتها:

     * التحام اكبر بين الأساقفة والكهنة، ونبذ العقلية الإدارية الفوقية، حيث يكون الأسقف “رب عمل” والكاهن مجرد “يد عاملة” فالرسالة واحدة والمسؤولية مشتركة.

     * التخصص بحيث لا “يتبعثر” الكاهن الواحد في كل أوجه الرسالة والعمل الخورني.

     * مساهمة العلمانيين والراهبات أكثر فأكثر في حياة الكنيسة، الدينية والثقافية واللتورجية والإدارية، وإعطاء الثقة لطاقات الشباب، فهي احتاطي كنيسة الغد.

     * انفتاح ودعم فعلي لحركة التطور والبناء التي يشهدها قطرنا، لا تقربا، بل انطلاقا من قناعة التزامنا كمواطنين.

     * استخدام النشر والإعلام وكل وسائل الاتصال الحديثة للتوعية الدينية وفتح آفاق المسيحي على متطلبات الإنجيل في عالم اليوم، وفك الحصار عن الفكر التقدمي والرأي الحر. 

     * الاستفادة بصورة أوسع من الاحتفالات الدينية ومواسم الزيارات للمعابد والأديرة لإعطاء تثقيف مسيحي أعمق، وإشراك الشعب فعليا في الليتورجيا، لاسيما القداس.

 

* * * *

ولكن كل ما شخصناه في هذا المنبر، وكل ما نعرفه من معايشتنا اليومية يبقى ثرثرة جوفاء إذا لم يعقبه الفعل. يكفينا من التشتت ومعالجة الأمور بأسبرين الأوامر والنواهي والتوجيهات من طرف واحد. فالمسالة تتطلب عملا جماعيا مكثفا، والتغيير لا يحدث إذا لم تملك كنيسة العراق أدوات التنفيذ. ومنها، برأيي، ثلاثة رئيسية:

     1-  قيام مجلس أساقفة دائم وجاد على صعيد القطر يكون المرجع الأعلى،للتوجيه والإدارة والمسؤولية المشتركة، يستعين في نشاطاته ودراساته –وبعضويته أيضا، لم لا؟-  بذوي الاختصاص والكفاءة من كهنة وراهبات وعلمانيين. وباليت يضم هذا المجلس الأساقفة الأرثوذكس أيضا، وإلا فضروري دوما أن يتواجدوا في كل اجتماع أو مناقشة أو قرار يهم المسيحيين ككل.

     2 – تشكيل لجان للقطاعات الرسولية المختلفة: التثقيف المسيحي، الكتاب المقدس، الإعلام والنشر، الوحدة المسيحية… الخ. وتعضد هذه اللجان لجان محلية أخرى لشؤون الرسالة، للتنسيق والمتابعة والمبادرات المحلية.

     3 – تشكيل هيئة أو سكرتارية وطنية، من أساقفة وكهنة وعلمانيين، ومن جميع الطوائف المسيحية، لشؤون علاقات الكنيسة والدولة، على غرار اللجنة المشتركة التي تشكلت مؤخرا في الموصل.

     4 – إذا تحركنا بحسب هذه المؤشرات وحملت الهيئات المقترحة مسؤولياتها بكفاءة، ودعمت بالثقة والضوابط اللازمة، فقل أن اقترب منا ملكوت الله!

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s