كاهني هكذا اراه.. و هكذا اريده

1973 المقالات 

20

معهد مار يوحنا الحبيب    – ملف                            

24

نيسان

1973

           

 

 

22

كاهني  هكذا اراه.وهكذا أريدهملف                 

29

تشرين2

1973

كاهني  هكذا اراه.. و هكذا اريده 

ملف/تشرين الثاني 1973 

          الكنيسة، او المسيحية، يجب اكتشاف دورها الكامل في العالم. انها ليست مجرد سفينة تقل ركابها الى ميناء الابدية (!) واعدة اياهم “بخيرات مقبلة”. ان هذه الناحية، واقصد الخيرات المقبلة، قد لاتلقى في الحضارة المعاصرة كل الحماس الذي كانت تلقاه في السابق وذلك لاسباب عديدة:  منها قوة العلم والتقنية التي صرعت كثيرا من مخاوف الانسان واتكاليته على “الخيرا ت المقبلة”، وجاذبية الحياة المرفهة، واكتشاف كثير من القيم الايجابية الموجودة في الخليقة.  اظن ان هذه النقطة الاخيرة ذات اهمية كبرى بالنسبة الى رسالة المسيحية الكاملة في العالم. فعليها –وذلك من صلب طبيعتها الداعية الى “تجديد كل شيء في المسيح”– عليها ان تبحث عن هذه القيم الايجابية في الكون وتكتشف المسيح الكامن فيها، تكتشف غايتها، تكتشف العناصر “الروحية ” الكامنة في “الحياة المادية ” وترفعها الى الله، بل تنظر الى القيم المادية والانسانية والعلمية والسياسية كجزء مكمل لعمل الله وداخلة في مخططه…

       وهكذا فنحن نشجب استخدام المسيحية كمجرد اطار لنظام سائد “ازلي” او اعتبارها عنصرا مكملا في اخلاقية المجتمع وحضارته ليس الا: انها اسمى من ذلك – انها دعوة الى تألية الانسان واكتشاف قداسة المادة والاشتراك في حياة الله.

       هذه هي المسيحية الحية التي ارادها وينتظرها المسيح والتي ينتظرها العالم، المسيحية التي ينتظر ان يبشر بها الكاهن ويحياها، لا هو فقط، بل كل مسيحي. لاشك ان رسالة الكاهن متصلة، اكثر فاكثر، اتصالا حيويا مع العالم: والكاهن يجب ان يكون بحكم رسالته الدينية والانسانية، منفتحا الى مضامين حياة الانسان كلها، ويتفهم حالاته في العمل والجهاد، مما يلزمه ان يكون مندمجا في المجتمع الذي يخدمه، لا هامشيا عليه.

     لا يجوز ان يبقى الكاهن “رجل المباديء” و “الارشادات” و “التوجيهات” و “الفتاوى” وهويحكم من  عل.يجب ان ينزل الى الميدان، والا لغاب في النسيان تدريجيا، او عُدَّ على حساب ممتهني الاخلاقيات التي لا تكلف صاحبها كثيرا.

    الكاهن يتحمل القسط الاكبر من رسالة الكنيسة. أو لمْ يوصه معلمه قُبَيْلَ ارتقائه: “اذهب وبشر وعلم جميع الامم وعمدهم…”؟

   ولكن قبل ان يتجه الكاهن الى “جميع الامم” هو مرسل “ليبشر ويعلم” شعبا معينا، وان هو”بشر وعلم وعمد” هذا الشعب، هنا، بكل الاندفاع والحرارة اللذين وضعهما المسيح في قلبه يوم رسامته يكون قد بنى الكنيسة واشترك في بناء العالم.

     في هذا الملف لانبغي  اجراء دراسة مستفيضة عن رسالة الكاهن، انما نكتفي بدرج مقتطفات  مما كتبه الينا بعض القراء في استطلاع سابق عما ينتظره المؤمنون من الكاهن

(الفكر المسيحي –العدد8 –تشرين الاول 1971). اننا نامل ات تعكس هذه النصوص  العفوية الصورة التي يرسمها المؤمنون له وما يبدونه من ملاحظات او امنيات حول هذا الرجل الذي يمتزج اكثر من اي شخص اخر بحياتهم.

*                                                   

الكاهن هو ذلك الشخص القوي الارادة المضحي براحته والذي يترك ملذات الدنيا

الزائلة لكي يجعلنا مطمئنين الى ان الدين المسيحي سوف يظل شامخا قويا ما دام هناك كهنة يعملون على اسماعنا تعاليم المسيح وحثنا على الحفاظ على مبادئه والتخلق باخلاقه والاقتداء باعماله.وانتظر من الكاهن ان يحاول تجنب كل ما يسيء الى سمعته  ويكون قدوة حسنة لنا ويعلمنا الفضيلة وهو متّصف بها. وان يحاول بعض الكهنة النزول من ابراجهم العاجية والدخول في قلب ابناء رعيتهم ومساعدة كل محتاج الى ثقافة روحية ” (ص.ح.ك.-موضف 29 سنة ).

هذا الاندماج بالشعب كتب بصدده كثيرون والجميع يرون فيه شرطا اساسيا لتجسيد

رسالة الكاهن تجسيدا واقعيا – يريدونه بطلا يعيش بينهم، ومثالا يسيرون على خطاه، يحيا بوعظه، ويعظ بحياته:

غ.ك. – معلم 46 سنة:

“الكاهن هو كشعاع ونبراس في عالم يخيم عليه الظلام وكالطبيب النطاسي الذي يجتث بمبضعه الداء من جذوره. انتظر منه، لا بل الح عليه توسيع حقله في الوعظ والتعليم المسيحي والتوجيه الادبي والاجتماعي وان يخرج برسالته من تحت جدران الكنيسة الى قلب المجتمع ليتحسس مشاكله ويعمل بجد لحلها بموجب الروح المسيحية والعدل الاجتماعي اللذين يؤكدان على الكرامة الانسانية والحرية وتوفير الحاجات الضرورية للانسان. وارجو ان يكون هو خير مطبق وقدوة لما يدعو اليه وان تكون الفطنة والجراة والاخلاص والتواضع رائده في كل خطوة وعند معالجته لكل عاهة او مرض انساني واجتماعي وان يصمد امام نقد ومعاكسة ومقاومة الحاسدين والطامعين والحاقدين والمتصيدين في المياه العكرة والمتنفذين بواسطة اموالهم او جاههم او خداعهم؛ فسرعان ما يقل عددهم كلما زاد من صموده واخلاصه ويزداد عدد مؤيديه ومسانديه من جميع الطبقات، وان يضع امام بصيرته دوما ان السيد المسيح نفسه قاومه كثيرون ولكن صموده وتضحيته اثمرا هذه الكنيسة “.

ع.ز.ي.-معلم 23 سنة:

“يجب ان يكون شمعة تتقد وتضيء لكي تنير الطريق امام الشعب المسيحي وذلك بافساح المجال لفتح كثير من الاخويات والتشجيع الى الانتماء اليها، ثم التكثير من اللقاءات في المناسبات، ثم مواضيع المواعظ ان تكون حياتية مرنة لا تقليدية معروفة “.

ا.ا.-طالب جامعي 23 سنة:

يجب ان يكون الكاهن بطلا مسيحيا يعظ بجراة ويفضح بجراة، والا فلا داعي لوجوده لانه في هذه الحالة يكون كمثلي وكغيري”.

ب.ب.- طبيب 62 سنة:

“الكاهن شخصية ذات صفة روحانية مقدسة دائمية ويجب ان يكون مثقفا بدرجة عالية تمكنه من اداء رسالته التعليمية والقيادية ومتواضعا ليخدم الشعب ويمتزج معه…”

ولكن بدون تزمت:

ج.ج.-موظف 24 سنه:

“الميزة التي يتميز بها الكاهن عن العلماني هي التصريح المفوض به لممارسة الاسرار، روحيا، اما ظاهريا فهي الملابس فقط. فله  ما لنا وعليه ما علينا، ومقابل ذلك، اي مقابل هذا التفويض الروحي لا يجوز ان يعتبر نفسه كحاكم او كمرجع رئيسي ونهائي في كل القضايا بالرغم من انه  يجب ان يتدخل ويعمل لياتي بما هو جديد، لا ما ثقلت اذان الشعب من سماعه…” 

انه “ابونا” فليكن كذلك واكثر: اخ ومرشد وصديق وثقة:

د . د . – مدرس 28 سنة:

     “الكثير من الكهنة يقوم في حقل الشعب المسيحي بخدمات ونشاط مبارك ملحوظ، لا بل مضن في بعض الاحيان. ان ما انتظره من الكاهن هو ان يكون الصديق والمرشد – وموضع الثقة، وببساطة طبيبا روحيا اذا قصدته.

     “واما ما اعلق عليه جل اهتمامي هو ان يلتزم الكاهن برعيته بالتعرف على هذه الرعية والامها وامالها واخطائها – الاخطاء الجماعية وقصر النظر في المشاكل الحياتية، وبالاخص تفهم مشاكل الشباب وتطلعاتهم. واني اتوقع من الكاهن الصادق مع نفسه اذا ما توجهت اليه التهم وسهام الانتقاد ان يقول: انا الغريق فما خوفي من البلل”، ويستمر ماضيا في سبيله محطما كل الاصنام مقتلعا جبال الاخطاء  التي سلم بها العرف والتقاليد والمجتمع مبدداً الجهل والظلام والتاخر”

ا.س.ج- معلمة 23 سنة:

”    ان نظرتي الخاصة الى الكاهن هي: انه ممثل السيد المسيح بيننا، وانظر اليه كاب حنون واخ عطوف وانتظر منه التوجيه الصحيح نحو حياة افضل”.

ه . ه . – طالب جامعي 23 سنة:

    “نظرتي الى الكاهن هي انه صديق حميم لي وهو على اتصال مستمر بالمسيح يرفع صلواته من اجلي ومن اجل كل الشعب”.

  متفانيا امام رعيته في زياراته ومواعظه وتعليمه ومندمجا معها في حياته الاجتماعية وعلاقاته. دون تفريق بين غني وفقير:

. س .- موظفة31 سنة:

 “ان يكون الرجل المثالي الحقيقي، ولو انه لا يوجد شخص عديم الخطا، ولكن

يجب ان يحاول المستحيل لمراعاة الاكثرية. وانه مع الاسف الشديد جدا هناك كثير من الكهنة يراعون بالزيارات العائلات الغنية وفوق المتوسطة ويهملون العائلات الفقيرة”.

ن.ه.ك.-كاتب 27 سنة:

الكاهن رجل المحبة، رجل الانسانية… انتظر ان يعمل بكل مجهود لاجل كل الشعب المبارك وعلى الاخص في حقل مواعظه… وان توافق هذه المواعظ ماجريات الحياة، غير متقيد بقيود اجدادنا. وانني امل ان تبدا بشرح الانجيل المقدس لانه ينير الدرب للصغار والكبار على السواء. ولي اقتراح: لماذا لا يعلّم الكهنة الشباب المسيحي لغته الكلدانية… كما ان الزيارات الراعوية هي ذات فائدة جليلة الى قلوب المسيحيين”.

ه. م . ك- طالب22سنة:

لما كان المسيح صديقا وفيا لي فالكاهن ايضا هو الصديق الوفي الذي الجا اليه وانتظر منه لي شخصيا وللشعب المسيحي عامة ان يكون اكثر شعورا بالمسؤولية واكثر تعاونا مع رعيته لان الكاهن هو الراعي، والراعي مسؤول عن رعيته، ينظر اليها نظرة حب ووفاء، وان يكون اكثر تجاوبا لتفهم حاجاتها، وان يصرف القسم الاكبر من وقته لاعداد الشباب الاعداد الديني الصحيح”.

– ان يصرف الوقت الاكبر من وقته لاعداد الشباب” وينفتح اكثر على العلمانيين”: لازمة وأمنية عزيزة عند الجميع”

م . ح . – طالب جامعي 21سنة:

نظرتي الى الكاهن قاسية، بما انه كاهن الجماعة فليكن قطعة قطعة، هو في الكل والكل فيه. اريده لايستريح ولاينام، ان يعمل ان ينفتح على العلماني… 

ع . و. ب – طالب20سنة:

   “تختلف نظرتي من كاهن الى اخر. لا لاجمال هناك الكهنة الذين يتبعون الطور القديم.وهناك الكهنة العصريون، وهؤلاء هم الكهنة الشباب المنفتحون والفرحون في تقديم خدماتهم للشعب ولا يتبعون المادة، هؤلاء احبهم كثيرا جدا واعتبرهم كاصدقاء ومرشدين”

      “يعجبني ان اكون صريحا مع الكاهن في كافة القضايا التي نبحثها…اطلب منه تقديم المواعظ وتعليم الاولاد (ايام الصيف مثلا) التعاليم المسيحية…”.

و. و .– معلمة 27سنة:

      “الذي انتظر منه هو ان يكون انسانا متفتحا ومرنا يقوم باعطاء المواعظ، يعمل في حقل التعليم المسيحي للناشئة ويتفاهم مع الشباب حول مشاكلهم وذلك عن طريق الاخويات والندوات ويقوم بزيالرات للرعية التي بعهدته”.

     – لكي يكون الكاهن قريبا من اماني الشباب ويواكب مسيرة الانسان في طموحاته المادية والروحية ويعلن الانجيل بلغة جلية ويغذي حياته باستمرار لابد ان يكون على ثقافة عالية، فالجهل والسطحية للكاهن افة لا اخطر منها:  

ع . ع . – مترجم 59 سنة:

”         انتظر من الكاهن ان يكون كذلك السامري الصالح في مجال الحياة الروحية وان يكون مثقفا تثقيفا دينيا عصريا وان يحاول ان يزيل ماعلق باذهان الشباب من امور خاطئة بالنسبة الى جوهر الدين وان ينشر الكتاب المقدس بين العوائل المسيحية”.

ا . ح . -:

        “الكاهن هو ممثل السيد المسيح، اريده ان يكون بمستوى من يمثله ومثقفا يزيدني ثقافة بمواعظه، كما اريده ان يقلل من زياراته لللاثرياء فقط حيث الماكولات الدسمة، ويباشر على الفور بزيارة كل البائسين وتقديم كل المساعدات الممكنة لهم. واقترح ان يرسل كل كاهن للتخصص في الحقول السيكولوجية اضافة الى دراساته الاخرى ثم يعود ويعالج كل القضايا بمواعظه وكانه استاذ جامعة لان ثلاثة ارباع البشرية اليوم تعاني من الامراض النفسية، والكهنة هم اقرب الناس واحقهم في معالجة هذه الامراض”.

       ويختم الصديق ا . ح .: “بقاء الكنيسة في بقاء الحياة الكهنوتية والرهبانية لذا يجب ان يكرس بعض الشباب والشابات حياتهم فيها”.

                                           *

            قد تكون بعض هذه الملاحظات قست احيانا: بذلك انما اراد اصحابها ان يترجموا شعورهم كما هو، لا لقلة ثقتهم وامالهم بكهنتهم، بل بالعكس، لانهم كبيرو الثقة بهم ويبنون عليهم اعز امالهم في بنيان المسيحية وانعاش الايمان وتجديده: “نرجوا منه الكثير جدا.عيوننا كلها شاخصة اليه” (ه . ع – موظف37سنة ). جمال الكنيسة بجمال حياة كهنتها، فان كانوا راسخين ستبقى راسخة شامخة، وبتكاتفهم الوثيق مع اخوانهم واخواتهم العلمانيين ستؤدي الكنيسة رسالتها بامانة ووضوح في العالم.

(((((((((((((())))))))

                 معهد مار يوحنا الحبيب

في خدمة كنيسة العراق منذ 95 عاما 

       في الموصل معهد اكليريكي لإعداد الكهنة عمره 95 عاما , قدم للكنيستين الكلدانية والسريانية زهاء مؤتي  كاهن . ومن تلامذة بطارالحبيب:فة رعوا كنائسهم في أدق مراحلها وبثوا فيها الحياة والطموح وبنوا أمجادها بعلمهم وإدارتهم وبعد نظرهم وفضيلتهم ,   والمع هؤلاء التلاميذ الذين يفتخر بهم لمثلثا الرحمات البطريركان غبطة ما يوسف السابع غنيمة بطريرك بابل على الكلدان من 1949 – 1958 , (وكان قد سيم كاهنا عام 1904 وأسقف عام 1925 وولد في الموصل عام 1881)   , والكاردينال جبرائيل الأول تبوني بطريرك السريان الإنطاكي من 1929- 1968 , (وقد سيم كاهنا عام 1902 وأسقفا عام 1912 وكردينالا عام 1935 وولد في الموصل عام 1879) .

معهد مار يوحنا الحبيب : لا احد يجهل هذا الاسم .

فما هي قصته ؟

هذا ما سيجيب إليه التحقيق التالي.

وأملنا أن نوافي القراء بتحقيق مماثل في عدد لاحق عن معهد شمعون الصفا الكهنوتي ألبطريركي الكلداني . وتأتي هذه التحقيقات رغبة منا في التعريف بمعالم كنيستنا .

                                                 ( الأب جرجس القس موسى )

نظرة تاريخية

    يرقى تأسيس معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي إلى عهد مجيء الآباء الدومنيكيين الفرنسيين إلى الموصل عام 1850 .

    ولما تسلم الأب دوفال الرسالة الدومنيكية فاتح قداسة البابا بيوس التاسع في مقابلة له معه عام 1873 بهذا المشروع . وبعد أربع سنين من هذه المقابلة أعلن الأب دوفال في 27 من كانون الأول ستة 1877 عن قراره في فتح معهد اكليريكي لطلبة ألبطريركي الكلداني الذي تأسس عام 1866 قد توقف في تلك الفترة من 1873 – 1882-. وافتتح المعهد المذكور في العاشر من كانون الثاني 1778 واستقبل أربعة تلامذة عهدت تربيتهم إلى الأب كورماشتيك , وبذلك أصبح أول مدير للمعهد .

    وقد جاء تأسيس المعهد , كما أدلى الأب الو الدومنيكي في مقال عن المعهد نشره عام 1904 في مجلة “السنة الدومنيكية” , تلبية لحاجة كنيسة العراق الى كهنة ينهضون بها ويبثون فيها العمق الديني والوعي . وقد ساند الكرسي ألرسولي هذا المعهد منذ مراحله الأولى , كما جاء في رسالة فقداسة البابا لاون الثالث عشر إلى رئيس مدارس الشرق في غروب القرن الماضي جاء فيها :

    إننا واثقون من أن أية امة , وبصورة خاصة الأمم الشرقية التي تحاول إعادة أمجادها الأولى , لن تعيدها ما لم يسر الاكليروس في رأس القطيع . إننا نريد أن يتطور المعهد الذي أنشاه الآباء الدومنيكيون في الموصل لكي يستقي الاكليروس من منهله التقوى والعلم حسب حاجات العصر والمكان . ورغم العبء الذي يثقل على كاهل الكرسي ألرسولي فإننا نساند هذا المشروع ماديا لكي تتحقق هذه الأمنية ” (1882)

     وسرعان ما تفرعت النواة الأولى حيث ارتفع عدد الطلبة عام 1880 إلى عشرين طالبا ينتمون إلى أبرشيات مختلفة , 13 كلدانيا و 7 سريان , أي بنسبة ثلثين للطلبة الكلدان وثلث للسريان , وسوف يحافظ المعهد على هذه النسبة نظرا لتفوق الكنيسة الكلدانية في العراق من حيث العدد والمناطق على شقيقتها السريانية . وقد قدم المعهد باكورة ثماره ستة طلبة إلى الرسامة الكهنوتية سنة 1889 خمسة منهم كلدان وهم : المطران أدي شير (شقلاوة) مطران سعرد – تركيا , والقس ايليا عيس (الجزيرة – تركيا) وقد استشهدا كلاهما سوية عام 1915 , والخوري يوسف طويل (الموصل) + 1919 , والخوري يوسف (همزية – العمادية) + 1943 , والخوري افرام اسطيفان (تلكيف) + 1954 , وواحد سرياني هو القس ابلحد بهنام (بعشيقة) + 1907 .

     ولكن سرعان ما ظهر شبح الحرب العالمية الأولى التي عبثت بالبلاد فاضطر الآباء الدومنيكيون على مغادرة الموصل عام 1914 وأغلق المعهد , إلا أن الطلبة الاكليريكيين لم يتشتتوا فقد استقبلت البطريركية الكلدانية الاكليريكيين الكلدان في معهدها الأنف الذكر وتابعت تثقيفهم , بينما توجه الاكليريكيون السريان إلى دير مار بهنام الشهيد لاستكمال دراستهم . وبالرغم من هذه الفترة المضطربة فقد ارتقى عشرة اكليريكيين إلى الدرجة الكهنوتية بين 1914 و 1923 . وأبان الحرب , استشهد اثنا عشر من تلامذة المعهد القدامى على يد الأتراك بينهم مطران سعرد الشهير ادي شير وعشرة كهنة وطالب اكليريكي .

    وبعد الحرب افتتح المعهد أبوابه من جديد في العاشر من أيلول سنة 1923, وكان عدد الطلبة بعدد الرسل ألاثني عشر. وارتقى اكليريكيان إلى الدرجة الكهنوتية في أول رسامة كهنوتية بعد الحرب سنة 1935 . ومنذ هذا التاريخ خطى المعهد خطوة حاسمة تاريخه وبدا مرحلته الذهبية بتخطيط وهمة , فسنت القوانين والأنظمة التي كفلت التربية الواعية للتلاميذ والإعداد العلمي والروحي واللاهوتي المتطور , وأمست مدة الدراسة تمتد على اثني عشرة سنة , ست منها في الاكليريكية الصغرى للعلوم الإنسانية واللغات , وست في الاكليريكية الكبرى , اثنتان لدراسة الفلسفة وأربع للدراسة اللاهوتية .

معهد “سيرو – كلداني ”

    ليس من الصدف أن يضم المعهد منذ تأسيسه تلامذة من الطائفتين الكلدانية والسريانية , إنما تم ذلك عن قصد ووعي لطبيعة العمل ألرسولي والحياة المسيحية في العراق  ورغبة في عدم بعثرة الطاقات عبثا , لقد انشيء المعهد , كما أراده الكرسي ألرسولي وبناته الأولون لترسيخ التلاحم والتعاون بين الاكليريكيين وتوجيهها نحو بناء المسيحية الواحدة . وانه لغنى عظيم لكنيستنا أن تتكامل بطاقات الطائفتين  وثرواتهما الروحية والعلمية والبشرية إلا أن هذا التوحيد لم بهمل يوما الشخصية المميزة لكل كنيسة , فقد عمل المعهد منذ تأسيسه على إعطاء كل فئة الثقافة الليتورجية والكنسية الخاصة بها . ويؤمن خدمة المعهد الطقسية كاهن دائم لكل طائفة ويقضي الفريقان الصلاة الفرضية كل حسب طقسه , أما القداس فيتناوب عليه الطقسان ويشترك الجميع به سوية . وغني عن القول ما في ذلك من غنى متبادل وانفتاح فريد على تراث الكنيستين الشقيقتين وتحسس بالقضايا الرسولية الواحدة .

   وقد أعرب رؤساء الكنيستين المتعاقبين عن امتنانهم وتأييدهم للمعهد . ونورد هنا للتاريخ رسالة غبطة البطريرك اودو إلى مدبر الرسالة الدومنيكية عام 1878 لدى تأسيس المعهد هذا نصها :

” يطيب لنا منذ علمنا بتأسيسكم معهدا في ديركم في الموصل أن نعرب لكم عن ارتياحنا وسرورنا إذ أن هذا المشروع قد خلق فينا الرجاء بالخدمات الجلى التي يقدمها . إننا نام لان هذا المشروع سيصبح معهد حضارة ومنهلا للعلم ومدرسة للفضيلة المسيحية, إذ ستخرج منه كهنة مثقفون في اللغات والعلوم الكنسية. إننا نبارك قلبيا هذا المشروع ونهنئكم إذ لننل على أمل من أن هذه الغرسة التي زرعتموها في أرضنا سرعان ما ستنمو وتعطي ثمرا يانعا . كونوا واثقين, أيها الأب المحترم, بأننا فخورون بهذا المشروع وسوف يخلد تاريخ العراق اسمكم ”   (1878)

   وهذه المقتطفات الأخرى من رسالة الأب نفسه وفي السنة عينها للمطران بهنام بني رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك (البطريرك بني فيما بعد) :

” إن المشروع الذي صار في حيز الوجود سوف يقابله بارتياح جميع أساقفة المنطقة وسيصبح موضوع شكر الجميع. تقبلوا تهاني وشكري العميقين لمشروعكم العظيم الذي أباركه من صميم القلب والذي من اجله استمطر النعم الإلهية “.

 

التنشئة العلمية واللاهوتية

     لقد اخذ المعهد على عاتقه إعطاء تلامذته ثقافة إنسانية وروحية ولاهوتية متطورة مع حاجات كنيستنا وعقليات مجتمعنا , وفي سنة 1964 صار تحول واسع في المواد المدروسة وفي أسلوب التدريس نفسه تمشيا مع روح وتوجيهات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني . ففي الاكليريكية الصغرى صار التلامذة يتبعون الدراسة المتوسطة في المعهد على أساتذة اختصاصيين توافق عليهم مديرية تربية المحافظة ويقدمون الامتحانات الرسمية لنيل الشهادة المتوسطة , ويلقون التربية الاكليريكية والدينية واللغات إلى جانبها , أما في الاكليريكية الكبرى فقد استحدثت سنة تحضيرية للفلسفة واللاهوت تكون بمثابة مقدمة يبسط فيها سر الخلاص ويوجه التلاميذ إلى توطيد حياتهم الإيمانية وإنعاشها وتغذية دعوتهم بالوعي والفرح والشعور بالمسؤولية , كما أن الدراسة اللاهوتية والكتابية تتسم بالانفتاح والتجدد , لاسيما في السنوات الأخيرة .

000 والرسولية

    لا تقتصر مهمة الكاهن على “توزيع ” الأسرار “وإقامة” القداس بل هو يسير جنبا إلى جنب مع النفوس فعلى الكاهن أن يكون المرشد والصديق والأب الروحي للنفوس , لذا فقد اهتم المعهد دوما وبصورة خاصة في تنشئة الاكليريكيين تنشئة رعائية عميقة . فالمعهد يحاول إن ينمي في الطلبة المؤهلات الضرورية لإقامة الحوار مع الناس كالقدرة على الإصغاء والانفتاح بروح المحبة والتواضع وبعد النظر على أوضاع العلاقات البشرية المتنوعة. لذا ولئلا تكون الدروس مجرد نظريات مثالية يتوجه التلاميذ منذ حداثتهم إلى المساهمة في الحقول الرسولية إبان دراستهم أو خلال العطل الصيفية كالتعليم المسيحي وإلقاء المحاضرات الدينية والنشاطات الراعوية وحتى الرياضية والترفيهية .

    وفي السنوات الأخيرة انطلق التلاميذ الكبار, بموافقة السلطات الكنسية, في زيارات منتظمة رسوليه للأسر المسيحية في بعض إحياء الموصل الجانبية دون تمييز بين طائفة وأخرى. وهم بذلك يشاركون إخوتهم الكهنة , وبالتعاون معهم , في إيصال بشرى الإنجيل إلى المسيحيين في دورهم إن هذه الرسالة لتبعث النشاط والحيوية في قلوب الاكليريكيين , إذ تجعلهم في يقظة مستمرة على مشاكل مجتمعهم وعلى معرفة بالقضايا التي تنتظرهم في ما بعد , وتخلق صداقات كثيرو وثقة متبادلة  , والصداقة والثقة أساسان ولا ارسخ للرسالة و وقد قاموا في هذه الأحياء بسهرات إنجيلية وساهموا في التعليم المسيحي وإعداد الأحداث للتناول الأول , كما كان قد عمل إخوتهم في السابق في التثقيف الديني للأيتام وبعض الشبان في أخوية مار يوسف العامل .

     والى المعهد يعود الفضل في إطلاق مبادرة تنظيم أسبوع الصلاة من اجل وحدة المسيحيين سنة 1958 في العراق, انطلاقا من مدينة الموصل, فطبع صلوات وكراريس بالمناسبة.

     ولم تقتصر اهتمامات المعهد الرسولية والروحية على التلامذة الدارسين فقط بل ضل في اتصال عائلي مع تلامذته القدامى فنظم عدة رياضات كهنوتية صيفا كان يشترك فيها عدد كبير من الكهنة والأساقفة .

     ومما أولاه مسئولو المعهد الاهتمام الكبير, لاسيما منذ الأربعينات, وهو نشل الكهنة الشباب من العزلة. فاهتموا بإنشاء صداقة كهنوتية ترمي إلى خلق المزيد من التعاون والألفة بينهم وتبادل الخبرات الراعوية وتغذي حياتهم الكهنوتية من النواحي الروحية والرسولية والإنسانية (1943) . وقد واصل قسم من هؤلاء الكهنة هذه المرحلة وألفوا ترابطا كهنوتيا دعوه باسم “كهنة يسوع الملك” وقد باشرت النواة الأولى في الحياة المشتركة تحت سقف واحد سنة 1962 في كنيسة مار توما بالموصل , وكان قوامها أربعة كهنة من الكنيستين الكلدانية والسريانية. واليوم يبلغ عدد كهنة يسوع الملك اثنا عشر من الطائفتين , منهم في الحياة المشتركة ومنهم في الخورنيات أو في مراكز عملهم المختلفة .

النشاطات الأدبية والفنية

      ليس  الكاهن ناسكا يعيش في صومعته منعزلا عن العالم , بل هو إنسان يعيش في عجنة العالم ويتحسس نبضاته ويقيم وزنا لكل  ما هو أنساني من طموح ونشاطات فكرية وأدبية وفنية . وليس من فضائل الكاهن الأقل ضرورة ! لذا فقد رعى المعهد هذه الناحية التربوية الكبرى رعاية خاصة . فالنشاطات المسرحية والموسيقية والرياضية كانت دوما في مكانة مرموقة في المعهد . وقد قدم التلاميذ أكثر من مسرحية ناجحة بالعربية أو الفرنسية على مسرح المعهد أو خارجه . ولا تخلو مناسبة إلا وقد ابتكرت مقطوعات غنائية وموسيقية جديدة, لا بل لقد تردد تقليد عريق في أن لا تتكرر أنشودة أو لحن في مناسبتين. ولقد نشطت الحركة الموسيقية والفتية في السنين الأخيرة وتلقى هذه القابليات دعما وتشجيعا من الإدارة . ودأب المعهد سنين طوالا في إقامة مهرجان رياضي سنوي ومنازلة فرق رياضية في أو خارج الموصل.

    أما السفرات فحدث ولا حرج. فالطالب الاكليريكي يتعشق حب بلاده ويتعرف إلى وطنه من خلال الرحلات العديدة التي ينظمها المعهد , لاسيما في عطل الفصح , ومدتها 15 يوم , التي كان يقضيها التلامذة في إحدى مناطق الشمال الجميل وكان التلامذة في السابق يتقاسمون عطلتهم الصيفية بين ذويهم ودير مار يعقوب بجوار دهوك .

    أما النشاط الأدبي فهو الآخر يلقي رعاية خاصة في المعهد , ولا يندر “الشعراء” بين التلامذة بالسريانية والفرنسية ولا سيما العربية التي حظيت دوما بمكانة مرموقة في المعهد وزاولت دراستها اهتماما خاصا .

    وقد اصدر المعهد مجلة فصلية باسم “النشرة” ضمت أخبار التلامذة القدامى والعالم المسيحي وكنيسة العراق بالإضافة إلى مقالات روحية وكتابية بأقلام الأساتذة . وسميت هذه النشرة في سنة 1939 ” نشرة المعهد السرياني الكلداني ” , وصدرت باللغة الفرنسية , واستمرت بالظهور كل شهرين حتى عام 1958 .

نحو المستقبل

         بذلت في السنين الأخيرة محاولات عدة , على ضوء توجيهات المجمع والواقع العراقي المتجدد , لتطوير تنشئة الكهنة في المعهد أسفرت أخيرا , فغي ما أسفرت , عن فصل الاكليريكية الكبرى عن الصغرى مبنى وإدارة . وقد جاء هذا الفصل لإفساح المجال أمام تنشئة واعية مستقلة ومتكافئة للطلبة المتقدمين , وتمشيا حاجاتهم المتطورة بتطور مجتمعنا الكنسي والمدني المتحول . وأننا لنلمس عن كثب الإصلاحات العديدة التي جرت على المعهد ونحن نتنسم نفحة التجديد  تهيمن على روح المعهد في شقيه . فرؤساء الاكليريكيتين اللتين مازالتا مترابطتين , يحاولون الانطلاق والسير من روح المجمع الفاتيكاني الذي يدعو في قراره في التنشئة الكهنوتية إلى أن تتميز التنشئة بالروح الرعائية الرسولية والعلمية اليقظة .

        ولحقيق هذا الهدف فقد انفتحت أمام الاكليريكيين آفاق جديدة يبحثون فيها عن الفضائل الإنسانية ويعتبرون العلوم   دينية كانت أم كتابية أم تربوية أم اجتماعية , لا كوسيلة للثقافة الشخصية فحسب , بل جسرا للحوار مع الناس قبل كل شيء على القيم الروحية  فلا وال المعهد يعطي تلك القيم الإنسانية بحيث يبقى منهلا للفضائل الإنسانية والمسيحية . إن هذه الحياة تتغذى بالالتزامات الروحية والحياة بحسب الإنجيل   على خطى يسوع المسيح .

        فإذا طالب المجمع بإعادة النظر في برامج الدروس فلكي يشدد على الثقافة العامة , أدبية كانت أم علمية , وتنشئة كهنة الغد بحسب حاجات العصر الروحية والاجتماعية فلا يفقد الاكليريكي معنى الحياة الواقعية ويحشى رأسه بالمعلومات حشوا من دون أن يهضمها , أو لا يكون لها صلة بحياته وحياة الرعية في المستقبل  

إن المعهد سائر , في خطة جديدة , بحسب هذا المنهج الذي يبعث بالأمل  , ولكنه لا زال في فترة البحث , والدلائل مشجعة .

 

                                                      الأبوان

                                                     افرام سقط

                                              وجرجس القس موسى

  

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s