Posted by: abu faadii | 2013/08/02

كنيسة العراق بين الواقع والطموح

كنيسة العراق بين الواقع والطموح 

كانون الاول 1981 

     “كنيسة العراق” سلطت “الفكر المسيحي” عليها مرارا الأضواء في محاولة لتشخيص واقعها واكتشاف عوامل القوة  والضعف فيها، بهدف حملها على التجدد على صعيد الفكر والممارسة فتكون لها القدرة على مواجهة التحولات الجذرية التي يعيشها العراق في ظل ثورته الإنسانية التقدمية…

المقال التالي – وهو خلاصة محاضرة ألقاها الأب جرجس القس موسى في دورة دراسية ضمت أساقفة وكهنة – يسلط الأضواء من جديد عبر تحليل موضوعي، ومن وجهة نظر اجتماعية، ويدعو كل المسيحيين العراقيين إلى النهوض بكنيستهم على مستوى طموحاتهم وتطلعاتهم. 

       كنيسة العراق إذا لم نطلع على ماضيها وحاضرها، إلى البيئة الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية التي تعيش ضمنها كجزء منها وهي لها بمثابة التربة والهواء والشمس؛ إذا لم نربط حياتها أو لإحيائها بحركة الكنيسة الجامعة؛ إذا لم نتفحص تكوينها البنيوي والبشري؛ إذا لم نلق الأسئلة الصحيحة على أجوبتها، أي على تصرفاتها ومنطق سلوكيتها

–المعلن وغير المعلن–  وإذا لم نضع أجوبة موضوعية للأسئلة التي لم تتجاسر أن تلقيها بصراحة على ذاتها.. فلا يمكن الوصول إلى التشخيص العلمي الصحيح ومن ثم إلى المعالجة الموضوعية.

     فللوصول إلى ذلك سابدا “بالمناخ الداخلي”  لكنيسة العراق فأرى بعيني مراقب اجتماعي السلبيات والايجابيات معا.. ومنها انتقل إلى “المناخ الخارجي” الذي تعيش فيه، أي مناخ التحولات التي يعيشها العراق الجديد، والذي من دون تأقلم بينهما لا حياة لها. ومن هناك سأفضي إلى تقييم الطموح بالممكن. 

                          أولا: الوجه السلبي للصورة

      لأول وهلة، أي وجه تقدم كنيسة العراق للمراقب الاجتماعي؟ احصر مشاهداتي بسبع أراها رئيسة، أوردها بحسب أولوية طرحها على الساحة، وليس بحسب أهميتها: 

       المشاهدة الأولى:

       كتل مسيحية معينة، أو اسر متباعدة ترتاد كنيسة  معينة أو أكثر بالتناوب، ومن وقت لآخر، لقداس الأحد، ثم تعود إلى بيوتها آمنة مطمئنة ولا علاقة لها تذكر بالكنيسة إلا في مراحل الحياة الكبرى: في الزفاف، وفي العماد، وفي التناول الأول، وفي الممات. مع سطحية في اخذ أو تأدية هذه الخدمات. كدت أنسى إن هناك عودة أخرى إلى الكنيسة: للشهادات. وهنا تنتهي واجبات المؤمنين وتنتهي التزامات رجال الكنيسة نحوهم.. لولا وجوب العودة إليهم في العيدين، أو خارجا عنها، للجباية.. 

 

     المشاهدة الثانية: 

     لندخل الآن إلى دواوين الأساقفة ومجالس الكهنة الخاصة، نراهم كلهم تقريبا منشغلين في موضوعين:

1 – تجديد حجارة كنائسهم وتلبيسها مجدا معاصرا، وأحيانا بناء كنائس جديدة.. والتماس الفلوس من هنا وهناك لإتمام مشاريعهم “الحجرية”.

2 – كل أسقف منشغل في همومه مع كهنته، أي كمعاونين يعملون وإياه في مشروع واحد ذي  أهداف واحدة يتطلب تحقيقها انسجاما ودراسة وتخطيطا مشتركا، بل كأبناء عقوقين، إن لم نقل كعمال مزعجين ومشاكسين لا يطالبون سوى بزيادة الأجور. وليست نظرة الكاهن إلى أسقفه بإحن من هذه. ناهيك عن المنافسات المصلحية والتوترات الاستقطابية والمعارك الجانبية بين الكهنة أنفسهم، حين يتواجد أكثر من واحد على “ورشة واحدة”. أضف إلى ذلك عنصر البطالة والفراغات الهائلة في أوقات الكاهن عموما. 

      المشاهدة الثالثة:

      لنفتح الآن بريد القلوب، فنقرا إن موضوع الكاهن والزواج بكل جوانبه العاطفية والجنسية والإنسانية هو اكثر المواضيع  المطروحة بين الكهنة، بصورة أو بأخرى، حال ظهور الألفة والثقة واستثارة الجانب الإنساني والاجتماعي لحياتهم.  

     تفهم العلمانيين لهذا الموضوع يأتي أوسع فأوسع، بينما يتجاهله الأساقفة، وبتجاهلهم يعتبرونه لاغيا، أو يأتونك بكل البراهين والقرائن اللاهوتية والكتابية والتقليدية والبابوية التي تدافع عن أو تفرض العزوبية الكهنوتية. ذلك لان مسالة الكاهن المتزوج بالنسبة إلى أسقف الأبرشية هي، بالدرجة الأولى، مسالة سياسية – اقتصادية: مسالة ممارسة السلطة عليه بانقيادية اكبر، ومشكلة إعالته كفرد وكاسرة. 

       المشاهدة الرابعة:

       قضية التثقيف المسيحي. هذه القضية يتحدث فيها رجال الكنيسة أكثر مما يفعلون، ويعاني منها الأهل أكثر مما يتعلمون. الأساقفة – وان تحدثوا عنها تكرارا في سينودساتهم لم يقدموا فيها حتى الآن أي مشروع، واكتفوا بالقول للمرة كذا بعد المئة: ماذا نستطيع فعله؟!. ليفعل كل واحد ما هو فاعله! وانصبت انتظارات الجميع أن تعمم الدولة مادة التعليم المسيحي للطلبة المسيحيين في المدارس. ولا في هذا اتفقوا: إذ لم نسمع أن طرحوا أو ناقشوا رسميا مع أجهزة الدولة مثل هذا المشروع. وتراوح التعليم المسيحي بين المناهج الهزيلة المقررة لبعض المدارس الابتدائية المشمولة بالقرار، وبعض المبادرات المحلية المحدودة التي تحاول التوجه إلى الطلبة الآخرين. 

      المشاهدة الخامسة:

      العلاقات التي نسميها مسكونية بين الكنائس، اقل ما يلاحظ فيها أنها تتسم بالاكتفاء الذاتي، إن لم نقل بالتجاهل والمنافسة. ولا اظلم أحدا إن قلت بان الأمر كذلك، إلى حد ما، بين الطوائف الكاثوليكية نفسها. 

     المشاهدة السادسة:

     الهجرة. هجرة المسيحيين إلى الخارج، بصمت وكما على رؤوس أصابعهم، في شبه حمى معدية. انه نزيف يفقر كنيسة العراق، بالإضافة إلى كونه يفقر الوطن كله، نكاد لا نحسب له حسابا، ولكنه ينخر ببطء. 

    المشاهدة السابعة:

    الجمود. الجمود. غياب التخطيط والتنسيق وترك كل شيء لعامل الزمن. مرض العجزعن اتخاذ أي موقف واضح مدروس وموحد حيال الأحداث  سلبا أو إيجابا.

     في الملمات الصعبة وفي الأحداث الهامة – القومية والوطنية وتلك التي تهم حياة المسيحيين ككل – تنتظرالقاعدة (المؤمنون) أن تتحرك القمة أو الرأس (الأساقفة والبطريرك). وعندما  يضطر الرأس فيتحرك يأتي التحرك مرتجلا، منفردا، غير منسجم، ناقصا مفتقرا إلى عناصر الشمولية والتحليل،لأنه لا يكون مدروسا بالكفاية أو أبدا، أو لا جماعيا: لقد ظهر ذلك في قضية تأميم المدارس، وفي قضية المعاهد الكهنوتية، وفي قضية الحركات الرسولية، وفي قضية توحيد الأعياد والاصوام، وفي قضية التعليم المسيحي، وأخيرا في قضية الأوقاف. أساقفتنا في وضعهم الحالي، حيث يبدو وكل منهم وكأنه قائم مقام غيره ليس، لهم تجاه أية قضية، لا نفس طرح البدائل، ولا نفس التفاوض أو الحوار، ولا نفس المتابعة، ويسيرون كلهم بحسب قول المخلص “كفافنا اليوم”! غيرأنهم، إلى جانب ذلك، حريصون كل الحرص على ما يمنحهم دور الزعامة الإقطاعية والتقليدية المسند إليهم عرفا وشرعا، وكل ما يخوله إياهم الحق القانوني الكنسي من امتيازات وسلطات، بما فيها انتخاب أساقفة جدد للكراسي الشاغرة! 

                                                           

                                                                       تقييم وتحليل

       ما نستخلصه من تحليلنا للظواهر السلبية التي “شاهدناها” والتي يلاحظها المراقب دون عناء كبير هو:

      1 – إن دور الكنيسة يبدو سطحيا أو شبه معدوم في حياة البلد، إما في حياة المسيحيين فتبدو الكنيسة في العراق مجرد كنيسة خدمات…

      2 – من زاوية داخلية أخرى تبدو كنيسة العراق وكأنها تعيش في واديين متوازيين: في الوادي الأول: الأساقفة والكهنة، يمثلون في أعين المؤمنين الطبقة الحاكمة والآمرة والمعلمة والمسؤولة عن خلاص وماسي الشعب، في آن واحد، مما يجعلهم (أي المؤمنين) اتكاليين، صامتين، سلبيين، وان طبقة الاكليروس قد تحتكر فعلا هذا الدور لنفسها أكثرمن اللازم. أما في الوادي الثاني: فيوجد المؤمنون: بعيدون، غائبون، يجرجون أنفسهم وراء “الرعاة”. أنهم يحسون بأنهم يكونون القاعدة، ولكنها قاعدة لا صوت لها ولا رأي يطلب أو يسمع، إلا في حالة الحاجة إلى “سخاء يدها “!

      3 – إن طبيعة العلاقات السلبية، أو غير المنسجمة بين الأساقفة والكهنة، أو بين كهنة “الورشة” الواحدة، أو حتى الأساقفة أنفسهم فيما بينهم، مثل هذه العلاقات تفرض منطقها، ونتائج هذا المنطق هي: عدم توفر الوقت وحرية التفكير وصفاء الذهن لمشاريع حيوية تتطلب الجلوس معا والعمل معا –شلل تدريجي لطاقات الكنيسة، لاسيما إذا كان الرأس المدبر جامدا أو معتلا– انسلاخ المؤمنين تدريجيا عن الإنجيل ولا مبالاة متزايدة تجاه الكنيسة / المؤسسة

– تناقص الرغبة لدى الشباب للانخراط في سلك الكهنوت والعمل الرسولي – أما بنية الكنيسة فلا تكون حينذاك إلا شكلية.

      4 – إن الكاهن طاقة رسولية لا ينبغي التفريط بها. الأسقف، وهو مسؤول الرسالة الأول ورائده الطبيعي فيها، لماذا ترى يجعل منه، عن قصر نظر، أو لروح سلطوية مفرطة، لماذا يجعل منه خصما، أو عاملا مشاكسا؟ الكاهن إنسان له كرامته وطموحاته وأحاسيسه الإنسانية والعاطفية فلا ينبغي أن يعيش في مرارة من أضاع حياته . وموضوع الزواج ذاته للكاهن، اليوم، يدخل في باب بحث الكاهن نفسه عن هويته الخاصة في مجتمع اليوم، ولربما في ضبابية إحساسه بخصوصية دعوته. كما إن طريقة معيشته وتركه وشانه “يتدبر أحواله” ماديا وروحيا، يجعل من هذا الموضوع “معضلة” .

      5 – يعتبر التثقيف المسيحي (بكل أشكاله التعليمية والليتورجية) قضية جوهرية جدا وخطيرة بخطورة الحياة، بها تتعلق استمرارية المسيحية في بلادنا، لا كمجرد “جسم اجتماعي”، بل ككنيسة حية ذات رسالة إنجيلية ودور نبوي تنقلهما إلى بنيها وتلتزم بهما في حياة الوطن والشعب الذي تتآنس فيه، لا سيما وأجيالنا المسيحية تتعرض أكثر فأكثر لمنافسة حادة ومغرية من قبل تيارات ثقافية جديدة. من هذه الاستنتاجات تبدو كنيسة العراق “كالرجل المريض”: تململ، عدم ارتياح، ضياع، تأكل.. وبانتظار الأعجوبة لا موت ولا حياة! 

ثانيا: الوجه الايجابي للصورة

        سأنظر الان إلى المؤشرات الايجابية بأعين المراقب الاجتماعي ذاتها. ماذا أرى؟ هنا أيضا حصرت مشاهداتي بسبع أراها مخزونة بالطاقة إذا عرفنا استثمارها بعقلانية وبعد نظر وجماعية في المعالجة: 

      المؤشرة الأولى: 

      البنى الكنسية، التنظيمية والوظيفية، لازالت قائمة: فتامين الخدم الدينية والطقوس والأعياد والمراسم وارتياد هذه المراسيم لازال يسير بوتيرة اعتيادية.

      عدد الكهنة في الوقت الحاضر لازال، إلى حد ما،بخير. عدد مرضي من الفتيان الشباب لازال يفكر في الكهنوت ويقصد المعهد الكهنوتي. أما الأساقفة – وعلى رأسهم بطريرك يعتبر الرأس الفعلي لكنيسة العراق – فعددهم 24 على حوالي 700000 نسمة: عدد، لو كان منسجما ضمن سينودس فاعل، أو مجلس أساقفة مسؤول، أو حتى اجتماع دوري يستعين بخبرات علمانية وكهنوتية أخرى، أقول: مثل هذا العدد لفعل الكثير لكنيسة العراق.

      وهكذا إذن استمرارية البنية الكنسية مؤمنة لبضع سنوات أخرى. 

      المؤشرة الثانية:

      الكنائس لا زالت قائمة، تتجدد في بنائها، وكنائس أخرى جديدة تبنى وحتى أديرة: والدولة نفسها هي التي تبادر، وأحيانا بالقسط  الأوفر من المساهمة أو بكامل الكلفة. ألا يبدو ذلك مشجعا للاستمرارية!

     المؤشرة الثالثة:

     حرية الدين موجودة للجميع، وحقل ممارسته بالشكل السوي الذي يرضي الله ويخدم الإنسان وروح الأمة هو حقيقة ثابتة يقرها الدستور العراقي، وتضمنها ايدولوجية البعث، وسياسة الدولة نفسها تعمل بروح ضمان هذا الحق وسبل تحقيقه لجميع الأديان، ومن منطلق إن جميع المواطنين سواسية أمام القانون، متساوين في الحقوق والواجبات، لا تفضيل لأحد على آخر إلا بحجم إخلاصه لوطنه وعطائه وتضحيته. وكنتيجة ايجابية مباشرة لهذا الموقف الدستوري والمبدئي أشير إلى ثلاثة جوانب لها أبعاد مهمة على الصعيد المسيحي:

    1 – وجود مسيحيين لا باس بعددهم وكفاءتهم في الحزب وأجهزة الدولة.

    2 – الاعتراف الرسمي بالحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية.

    3 –  ضمان الدولة لحق تامين التعليم المسيحي –ووفق منهاج موحد–  في المدارس التي أكثرية طلابها مسيحيون، وما يمكن أن يستنتج ويستثمر من روح ومنطق هذا الحق المعترف به والمقرر لتعميم التجربة لكافة الطلبة المسيحيين مهما كانت نسبتهم، وذلك وفق صيغ وأساليب يتفق عليها الطرفان: الكنيسة والدولة.

     المؤشرة الرابعة:

     المسيحيون في العراق مواطنون أصليون. فالبلاد بلادنا، والأرض أرضنا، ولسنا مستوردين، وقد ساهمنا فعليا ومباشرة في بناء الحضارة العراقية: هذه أرضية صلبة ننطلق منها  في ممارسة حقوقنا الكاملة واستثمار طاقاتنا كلها بحرية وعقلانية لبناء مسيحية حية متحركة وتأدية التزاماتنا الوطنية كافة بكل سخاء وطمأنينة، لا فضل لنا بذلك على احد، وليس لأحد به مأخذ علينا! 

    المؤشرة الخامسة:

      حسن استعداد المؤمنين عامة، وأرضية الإيمان عندهم، واستمرار ثقتهم وتطلعهم إلى الكنيسة ومن يمثلونها. يضاف إلى ذلك عطش الجميع، من كل الطبقات الاجتماعية والثقافية، ومن كل الطوائف المسيحية، إلى التغيير والتجديد والحياة الكنسية المعطاء.

المؤشرة السادسة:

     بالرغم مما أصاب قنوات الرسالة والتثقيف المسيحي من هزات وعطب   لا زال أكثر من باب مفتوحا بوجه العمل –فنحن مع المبدأ القائل بان الأبواب غير المغلقة تعتبر مفتوحة– والمبادرات كلها لم تمت تماما. فهناك محاولات، وان محلية ومحدودة، تبقى كالقنديل المضيء والأمل الذي يبشر بالحياة. 

    المؤشرة السابعة:

    العلاقات بين الكنائس المسيحية، وان كان يغلب عليها طابع الاكتفاء الذاتي، فهي جيدة على العموم وخالية من التوتر، ويمكن توظيف الإرادات الطيبة المتواجدة في كل كنيسة للعمل المشترك والتعاون. فخليق بكنيسة العراق المتعددة الطوائف أن يكون شعارها المسكوني والتعبوي”: لا نعمل منفردين أي شيء نستطيع عمله سوية” (مار اغناطيوس الإنطاكي). 

       تقييم:

      خلاصة ذلك كله، نقول بان كنيسة العراق لم تفقد كل أوراقها، وثمة إمكانات متاحة وغير مستغلة أكثر مما نظن لأول وهلة، وإنما هي في منعطف عسير وخطير في تاريخها وأمام تحد لم تستعد لمجابهته. إن ما  نرفضه اليوم هو أن يبقى القائمون عليها، إلى ما لا نهاية، في موقف اللاحراك والخوف والعجز واجترار الماضي بحجة أن الماضي كان دوما أفضل من الحاضر.

      تطوير الحاضر نحو الأفضل –أو أي مشروع تجددي–  يأتي نظريا من تواجد عناصر بشرية (هنا: المؤمنون، الكهنة، الأساقفة) لها مصالح معينة، خاصة وعامة، على محك واقع جديد (العراق الجديد)، وهذا المحك يتمثل في الواقع الحياتي في تناقضات جديدة،اجتماعية وفكرية واقتصادية، وهذه المصالح تفرض على أصحابها –فرديا وجماعيا– التزامات ومواقف معينة نشخصها في ثلاثة نماذج وهي: 

       1 . أما التطابق مع النموذج القديم وتجميد المواقع المكتسبة بالوراثة واستمرار إعادة إنتاج الماضي (وهذا ما اسميه بالتقليد ألاستنساخي أو النموذج السلفي)، وسبب ذلك الخوف من المجهول والمجازفة بالجديد، فالبقاء على سفينة محطمة اسلم من السباحة على الأمواج حتى إذا أفضت إلى شاطئ السلامة.

       2 . وإما تبني النموذج الجديد السائد أو الأقوى دون تسائل أو إجهاد فكر (نموذج الانتهازيين)، لأنه الأضمن في سوق الربح والخسارة.

      3 . أو نموذج مبتكر وخاص يحاول، في آن واحد، أن يحافظ على استقلاليته وان يستلهم تراثه وخصوصيته وان يتجسد في واقعه وبيئته مع كل ما يفرض هذا التجسد من التزام وبحث دائم وتجاوز مستمر للذات (نموذج الجيل الجديد من الكهنة والشباب الملتزمين).

   وبقي أن نضع كل ذلك في إطاره الطبيعي، على محك الواقع: الواقع العراقي. 

ثالثا: التحولات التي يعيشها العراق الجديد

       العراق الجديد يريد أن يتحرر من كل تبعية ووصاية ويثبت سيادته على ذاته  ويبني استقلاليته السياسية والاقتصادية والثقافية. العراق الجديد يشعر بكثافة تراثه وانتمائيته التاريخية الحضارية: السومرية – البابلية – الآشورية – العربية /الإسلامية وحتى السريانية /النصرانية.. وهو يريد أن يقيم بناء حضاريا جديدا ينبع من خصوصيته التاريخية والبنيوية ومن انتمائه العضوي إلى الأمة العربية وصلته الثورية مع نضال العالم الثالث ويساهم من ثم في إثراء الانسانية.

       هذا المشروع يخطط له فكر قائد وتشرف على تنفيذه سياسة تتسم بالتخطيط والبرمجة أي باسم من المبادئ الثابتة والأولويات. والدور القيادي للحزب لا يقتصر على ميدان السياسة بمعناها ألحصري، ولا على ميدان الاقتصاد بإبعاده المعيشية والخدمية وكطاقة ضرورية لتطوير الآلة الإنتاجية وامتلاك وسائلها والتحكم بمقاليدها. فإذا كان الحزب يقود ثورة، فهو يريدها أيضا ثورة ثقافية اجتماعية، موحدة الأهداف، متجانسة الفكر يقودها هو بنفسه، دون أن يستبعد الإسهامات الأخرى، النتائج الايجابية المرسومة هي توحيد الأهداف الوطنية والقومية ورص صفوف المواطنين  وصهرهم في بوتقة وطموحات واحدة وتحييد الخصوصيات العرقية والطائفية والدينية. عنصر الدين ليس غائبا – وهل يمكن أن يكون غائبا في مثل مجتمعاتنا التقليدية التي امتزج الدين في تكوينها امتزاجا عضويا وطبع أخلاقيتها وقيمها الروحية والمادية، الشخصية والعامة – فتأثيره ضمني وواقعي ويؤخذ بالحسبان،غير إن الدولة لا تريد أن تضعه كمؤشر قيادي، حرصا على استقلاليتها. وباسم هذه الاستقلالية تبنى البعث مبدأ “العلمانية”.

      والعلمانية البعثية ليست مجرد نظرية فلسفية إلى الوجود، بل لها وظائف اجتماعية – سياسية وايدولوجية واقعية وعملية تصفها أدبيات الحزب بأنها:

     1 ) مضادة لكل أشكال الإلحاد

     2 ) بأنها أساس للفصل الواضح بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية

     3 ) بأنها ضمان لمبدأ المساواة في الحقوق أمام الدستور

      4) بأنها نبذ للطائفية

      5) بأنها لا تتعارض مع القومية وتعترف بكل غنى تجارب الماضي .

      من هنا تأتي سياسة الحزب تجاه الدين:  سياسة حيادية ومجاملة:  توازن محسوب: تجاه الكنائس والجوامع، تشجيع مشاريع، بناء أديرة وكنائس، تكريم، أحاديث تقييم ومساواة، زيارات ميدانية… الخ.

      فالمطلوب منا نحن هو أن نتقدم بما هو أعمق وجوهري للكنيسة ولحياة الجماعة المسيحية وديمومة هويتها المسيحية، مثل تامين الثقافة المسيحية بيسر وحرية أكثر.. لا خوف علينا ولا لوم عندما نطالب بحقوقنا الأساسية كمواطنين ضمن القانون. 

     مهما كان من أمر فان مثل تلك الخطوات التكريمية الرمزية وسياسة التوازن والاحترام ساهمت في رفع معنويات المسيحيين وزيادة ثقتهم بأنفسهم وبوطنهم وبالقيادة السياسية معا .

     مثل هذا المنظور العلماني المستقل إلى المجتمع، ومثل هذا النمط للعلمانية يتطابق إلى حد بعيد مع منظور الكنيسة، كما جاء في رسائل يوحنا 23 وبولس6 ويوحنا بولس2 ، إلى علاقة الدين بالدولة واستقلالية كل منهما عن الآخر في إطار احترام الحقوق المتبادلة، وخدمة القيم الإنسانية، وبناء المجتمع السليم المتكافئ. 

     إلى جانب المنظور الايدولوجي لسياسة اية دولة عقائدية هناك ممارسة واقعية وفعلية تجعل الطموح ضمن الممكن وتعطي وجها إنسانيا ونسبيا للمبادئ والمثاليات. وان مبدأ النقد الذاتي والتشاور وسياسة المراحل، التي هي سياسة الممكنات والأولويات: هذه العناصر مضافة إلى مركز قرار مسؤول يخطط وينسق هي سر قوة السياسة العراقية وهي في أساس نجاح كل عمل جماعي يبغي الفاعلية: في الكنيسة، لماذا لا نتعلم من غيرنا كيف نعمل لننجح؟

      كيف؟: محاولات. طرق أي باب لم يغلق. روح الابتكار والشجاعة. تحمل المسؤولية. مركز قرار وتنسيق. إقامة الأجهزة التنفيذية. دراسات. مشاورات لوضع الخطط والأولويات، على ضوء الواقع الممكن.

      في أمور الرسالة والتثقيف المسيحي –كما في غيرها من الميادين–  قد نلقي المسؤولية عادة على الأساقفة أو على غيرهم. ولكن –ومن دون أن نعفي الأساقفة من المسؤولية لاسيما لدى المراجع الرسمية–  نتساءل هل وضع الكهنة أو الراهبات كل طاقاتهم وإمكاناتهم –أو نصفها–  في خدمة الإنجيل؟ العلمانيون أنفسهم، هل ساهموا حقا وبصورة جادة في حياة الكنيسة وهل تجاوبوا دوما مع المبادرات؟

        في المسائل العالقة بين الكنيسة والدولة ينبغي أن تكون للكنيسة نظرة واضحة وموقف مدروس وموحد ومشروع بديل أو أكثر؛ وما يطرح علينا بمنظور سياسي لا ينبغي أن نواجهه أو نتعامل معه بعقلية سلفية، قبلية، استعطافية.

       وإذا كان موقف التزلف والتبعية أمر لا ترضاه كرامة الكنيسة واستقلاليتها فمواقف الحوار واللقاءات الايجابية مع المسؤولين المدنيين أمر ضروري وبناء يصب في المصلحة العامة التي ينبغي للكنيسة أن تكون أول العاملين لها. فدور الكنيسة ليس أن تعيش على هامش الحياة مغتربة غائبة، وإنما أن تتفاعل ايجابيا مع حياة الشعب الذي هي جزء منه، وتلتزم قضايا القطر، من موقعها الخاص.

       إذا كان موقف الكنيسة كذلك بالفعل، فسيكون لها الحق، حينذاك، بالمطالبة بحقوق، وإلا فبأي وجه تذهب إلى المغانم وتتنكر للتضحيات والالتزام!

       هذه هي جوانب أساسية من الضروري جدا الإحاطة بها والتعمق في تحليلها واستيضاح نتائجها، على المدى القريب والبعيد، إذا أردنا أن نفهم شيئا من واقع كنيستنا العراقية ومستقبل مسيحيتنا، والشروع من ثم بتحريك المياه الآسنة كي يجري النهر صافيا، معطاء.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: