كنيسة الفيليبين: على طريق الثورة

53

كنيسة الفيليبين على طريق الثورة–  ملف              

159

تشرين2

1980

54

إنسانية يسوع أو يسوع الإنسان مقال         

خاص

كانون 1

1980

كنيسة الفيليبين: على طريق الثورة 

ملف/تشرين الثاني 1980 

      عاد الحديث من جديد إلى احتمال قيام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة، في ت2 الحالي إلى الفيليبين “البلد المسيحي الوحيد في أسيا” بعد أن كان قد أرجاها في العام الماضي بسبب الأوضاع السياسية  والأمنية  التي تتخبط فيها البلاد، ولئلا يستغلها النظام السياسي لأهدافه الدعائية.

     فبالفعل، كان الرئيس ماركوس وقرينته قد أشاعا ان البابا آت بدعوة منهما ليبارك يوبيل زواجهما الفضي، ووعدت زوجة الرئيس  ببناء كنيسة، بهذه المناسبة، تبلغ تكاليفها مئة مليون بيزوس كما عزمت على بناء فيلا خاصة ليقيم فيها البابا أثناء زيارته!

    إزاء هذه الادعاءات، تحرك الكردينال سين رئيس أساقفة مانيلا وعميد مجلس الأساقفة، يندد بالمشروع الذي لا يمكن إلا أن يؤول الى استغلال لأموال الشعب، وقال بان الأحرى بزوجة الرئيس أن تحول هذه المبالغ لبناء مساكن شعبية للمحرومين. وأكد بان الزيارة البابوية، إنما تأتي تلبية لدعوة أساقفة البلاد.

    مهما يكن من أمر، وسواء جاء البابا أم لم يجيء، فان المهم هو كيف تعيش كنيسة الفيليبين إيمانها والتزامها في بلد أسيوي يضم لوحده40 مليون مسيحي من مجموع 65 تضمهم القارة في مجموعها، وفي خضم مليارين ونيف من أتباع الديانات الأسيوية التقليدية ومن المسلمين والملحدين؟ كيف تعيش هذه الكنيسة التزامه في بلد تشكل فيه الكثلكة الأكثرية الساحقة (85%)، وتحت ظل حكم دكتاتوري يتبجح هو الآخر بانتمائه إلى هذه الكنيسة؟

     هذا ما سيحاول الكشف عنه الأب جرجس القس موسى في هذا الملف.

 

النظام الحاكم والمعارضة

  في 21 من أيلول الماضي طوى الشعب الفيليبيني 8 سنوات من الحكم العرفي الذي فرض عليه بحجة السيطرة على الأوضاع الأمنية ومقاومة الشيوعية. وعوض أن يسود الأمن والاستقرار وتقتلع الشيوعية من البلاد، اقتلعت هذه الإجراءات كل مظهر ديمقراطي من الحياة السياسية وضربت المعارضة ولجمت كل نشاط نقابي أو مناقشة عامة، بينما كرست حكم الفرد  الواحد هو الرئيس الدكتاتور فرديناند ماركوس الذي يحطم البلاد منذ 16 سنة بعصا من حديد معتمدا على الجيش وعلى طبقة من الانتهازيين وذوي القربى الذين سلمهم معظم المراكز الحساسة في الدولة والأمن، والذين تضخمت جيوبهم حتى التخمة –وفي مقدمتهم زوجة الرئيس نفسها التي تمارس تأثيرا كبيرا على قرارات زوجها السياسية– على حساب شعب مقهور نصفه يعيش في أوضاع اقتصادية مادون الفقر. ولقد جعل ماركوس من محظوظي النظام هؤلاء قاعدته السياسية التي حاول، دونما نجاح كبير، تحويلها إلى حزب سياسي في إمرته باسم “حركة المجتمع الجديد”.

    ولكن نقمة المحرومين لا يمكن أن تمتص إلى ما لا نهاية، والمعارضة لا بد أن تنفجرعنفا، وحتى مقاومة مسلحة، لاسيما في بلد مبعثر جغرافيا كالفيليبين. وتصب المعارضة في تيارات  ثلاثة”: “إسلامي – ديني” في الجنوب” ايدولوجي ماركسي” يتزعمه الحزب الشيوعي، و “ثوري – إصلاحي” يتمثل في موقف الكنيسة الكاثوليكية.

                          حركة المورو الإسلامية 

      في الفيليبين مليونان ونصف المليون مسلم اعتنقوا الإسلام قبل الغزو الاسباني يسكنون جنوب البلاد في جزيرة مينداناو وفي أرخبيل سولو المجاور لإقليم صباح الاندنوسي. فهم يعانون من أوضاع اقتصادية واجتماعية لا يحسدون علها، ولبعدهم عن المراكز التجارية الكبرى وعن العاصمة مانيلا (الواقعة في الشمال) فهم لا يحضون باهتمام الدولة كثيرا. ولقد خلق حرمانهم هذا معززا بشبه عزلتهم الجغرافية واختلافهم في الانتماء الديني –مع ما يرافق هذا الانتماء من خصوصيات ثقافية واجتماعية مختلفة– عن إخوانهم في الشمال، خلق لديهم شعورا بالنقص والتبعية تحول إلى رغبة في التحرر والاستقلال. وتجسد هذه الرغبة، على الصعيد السياسي، حركة مسلحة في الجنوب تدعى “جبهة تحرير مورو” الإسلامية وهي تطالب بالاستقلال التام. ويقال إن الحركة تضم حوالي 20000 مسلح يقومون بأعمال عسكرية ضد الأهداف الحكومية والمنشاة العامة والجيش  النظامي في حرب عصابات تستمر منذ 8 سنوات. ويبدو إن نصف الجنود المحترفين وقوى الأمن والشرطة الحكوميين البالغ عددهم نحو 110 آلاف يعملون في جزيرة مينداناو والأرخبيل سولو. ولقد كانت ضحايا هذا الصراع نحو 30000 قتيل منذ 1972من الطرفين.

     ولما كان قادة النظام الحاكم في الشمال على المسيحية –وكذلك الغالبية الساحقة من السكان– صور البعض إن الصراع بين الشمال والجنوب ضرب من الحرب الدينية، وهو ليس كذلك بل إنما هو، ككل صراع سياسي يخوضه شعب مستضعف، صراع مقهورين ضد طبقة حاكمة مستبدة.

 

                                                     المقاومة الشعبية الشيوعية

      إلى جانب “جبهة مورو”، هناك “الجيش الشعبي الجديد” وهو الجناح المسلح للحزب الشيوعي الفيليبيني السري ذي النزعة الماوية الموالية للصين –وقوامه من ألفين إلى ثلاثة ألاف مسلح– وهو يعمل منذ عشر سنوات في المناطق الجبلية في الشمال (جزيرة لوزون)، والوسط (جزيرة سامار)، والجنوب (جزيرة مينداناو). وهو الآخر يستهدف المصالح الحكومية ويقوم بعمليات خاطفة كاستيلاء على أسلحة المعسكرات وأهداف اقتصادية مختلفة في الأماكن النائية.

      وإذا كانت الصحافة ووسائل الإعلام الرسمية تتعمد الصمت عن هذه الحوادث التي تشتد ضراوتها بصورة ملفتة للنظر منذ سنتين، فقد اضطر الرئيس ماركوس إلى الاعتراف، في سياق خطاب ألقاه في ذكرى الاستقلال، بان المعارضة  تنطلق من الأوساط السياسية والاجتماعية المختلفة وحتى من صفوف الشعب والعمال والفلاحين. ويجدر الإشارة إلى إن الكنيسة (أساقفة وكهنة وعلمانيين) تلعب دورا هاما ومعلنا، أكثر فأكثر، في دعم هذه المعارضة النشطة وتنظيمها. وهذا ما يفسر التوتر القائم بين النظام الحاكم والسلطة الكنسية (راجع ف0م العدد 153).

الكنيسة ضمير الأمة وصوت الفقراء

   لموقف الكنيسة النقدي تجاه السلطة ما يبرره في الأحداث اليومية ذلك إن النظام الحاكم لم يجد ما يجابه به المعارضة المتزايدة سوى الأحكام العرفية التي تسود البلاد منذ 1972، هذه الأحكام التي أصبحت سيفا ذي حدين بيد السلطة، حيث أنها، بحجة المحافظة على النظام، أحالت البلاد ميدانا من السلاح والمسلحين، فتضاعفت أعمال القمع والإرهاب ضد كل صوت مناوئ وتبدو الكنيسة أكثر فأكثر، المرجع الوحيد الذي بوسعه أن يندد بهذه الأوضاع.

                                                                  عنف وتصفيات

     يقول جوزيف ليمان(1) إن السائح الاعتيادي ينخدع بالمظاهر ولا يرى دوما ما يشير إلى حالة العنف التي تعيشها البلاد، ولكن يستطرد في تقريره قائلا: “عليك أن تتوقف في هذه القرية، وتكسب ثقة أهاليها، وتستمع إليهم، لتعرف كيف وجد فرانشيسكو زويلو، مثلا، من بلدة بامبوجان، أب لخمسة أطفال، مقطوع الرأس تحت جذع نخلة وذلك بعد بضعة دقائق من إلقاء القبض عليه في داره على يد ستة من رجال الشرطة”. ويذكر الصحفي بعض ما شهده أو سمعه في جولته من اختطاف فلاحين وتعذيبهم، إلى تصفية آخرين على قارعة الطرق، إلى اغتصاب نساء أو إذلالهن “لخدمة” العسكريين. وليست تلك حالات منفردة أو شاذة! فالهيئات الكنسية تكشف النقاب عن مئات من هذه الحوادث شبه اليومية، ولقد أوردت “مجلة الشرق الأقصى الاقتصادية” إن هناك 54000 شكوى رسمية ضد مثل هذه الأحداث، فضلا عن الضحايا الذين يسكتون خوفا من ردات الفعل الانتقامية. من جهة أخرى كشف تقرير نشرته وزارة الدفاع الأميركية نفسها في شباط 1977 –ومعلوم إن نظام ماركوس صنيعة من صنائع أميركا وركيزة من ركائزها السياسية الاقتصادية في الشرق الأقصى– كيف إن 60000 شخص القي القبض عليهم بين 1972 و 1977. كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أيضا إن الفلبين في عهد ماركوس تأتي في مقدمة بلاد جنوبي –شرقي أسيا في انتهاك حقوق الإنسان.

                                                             لأنهم أمناء للإنجيل

      لا غرابة، والحالة هذه، أن تكون الكنيسة إلى جانب الفقراء والمقهورين وصوت من لا صوت لهم، تعلن الحقيقة بوجه السلطة وتفضح سياستها. لذا، فليس من سبيل الصدفة أن تستهدف قوات النظام العسكرية في عملياتها القمعية رجال الكنيسة والشباب المسيحي الملتزم، الذي يساهم بصورة مباشرة في إرساء جماعات القاعدة في الكنيسة، هذه الجماعات التي باتت تشكل أولى الأولويات في العمل الراعوي وتجديد كنيسة الفيليبين ومثل هذه المواقف تشكل تحديا للكنيسة التي لا تخفي تعاطفها مع الشعب المغلوب ومساندة حركات التغيير في أهدافها الوطنية والإنسانية المشروعة.. بحيث أخذت تلعب وبمسؤولية، دور ضمير الأمة.

     وعندما نعرف إن هذه الكنيسة تضم مجلس أساقفة من 90 أسقفا، يعاونهم 4430 كاهنا نصفهم من الرهبان، و700 راهبة، وإنها تمارس وظيفتها الإنجيلية ودورها القيادي، ليس عبر قنواتها الرسولية والراعوية المعتادة وحسب، بل عبر مؤسساتها وهيئاتها الرهبانية والعلمانية والإعلامية والاجتماعية والتعليمية الواسعة (1570 مدرسة و 12 جامعة…) وإنها تعتمد على قاعدة شعبية مؤمنة تشكل أكثر من 85% من مجموع السكان، فحينئذ نعرف مدى قوة الكنيسة وتأثيرها، وبالتالي يمكننا أن نقيس قوة التحدي الذي تمثله مواقف الكنيسة تجاه القادة السياسيين والنظام الحاكم.

 

                                                      تدرج في الوعي والالتزام

      ولكن موقف الكنيسة لم يكن بهذا الوضوح منذ البداية، ولا ردات فعل السلطة الكنسية كلها من ذات المعدن الذي يلهم مواقف المطران تودود أسقف ماراوي الذي يرفض، وجماعة من زملائه في الأسقفية، كل تعاون مع النظام القائم.

      إن ثماني سنوات من الأحكام العرفية والكبت السياسي خلقت متغيرات جذرية في الروح والقناعات، وان اختفت وراء واجهة من الإيمان الشعبي التقليدي الذي تعود إليه غالبية الشعب. وهناك جناح تقدمي، بل ثوري، فاعل ونشط جدا، بين صفوف الاكليروس والعلمانيين المجاهدين، تزعمه المطران كلافر أسقف مالايبالاي، قد دفع كنيسة الفيليبين في طريق الالتزام والتوعية تدريجيا، مما ضاعف في مصداقية الكنيسة وتأثيرها على الجماهير. ولكنه ضاعف أيضا فرص الاصطدام مع السلطة.

     فبعد تردد في اتخاذ موقف موحد من الأحكام العرفية وتزوير الاستفتاءات والانتخابات نجح الجناح التقدمي في مجلس الأساقفة في استصدار رسالة راعوية عامة في تموز 1973 أشارت إلى النقص في إعلام الشعب وغيابه عن القرارات التي تؤخذ بحقه، وفي عام 1974 تقدم المجلس خطوة أخرى حين طالب الرئيس ماركوس خطيا “بتقصير مدة الحكم العرفي والعودة إلى حكومة دستورية”. وفي 1976 قاطع بعض الأساقفة ورؤساء الرهبانيات الاستفتاء العام، وفي السنة ذاتها طفح الكيل عندما طردت الحكومة أربعة مرسلين، وألقت القبض على 73 علمانيا من المجاهدين، وأغلقت محطتين إذاعيتين تابعتين للكنيسة و 3 صحف كاثوليكية (ف0م العدد 123) فكان ذلك كالقشة التي قصمت ظهر البعير حيث توحد مجلس الأساقفة وأصدر رسالة عامة مشتركة قاسية اللهجة في ك2 1977 ندد فيها بسياسة القمع والحكم العسكري الدكتاتوري والعقبات التي يضعها النظام في طريق الرسالة الإنجيلية.

       ووقفت الهيئة العامة للرهبانيات الرجالية والنسائية موقفا حازما ضد تعسفات السلطة، سيما وان الأساقفة نشروا مؤخرا رسالة عامة أخرى يفضحون فيها فساد المؤسسات الحكومية وانتهاك حقوق الإنسان. وجاء في الرسالة تفهمها للجوء بعض الفئات إلى العنف لان (الاستبداد واضح ولقد طال أمده)0

      وفي أيلول 1979 شهر الكردينال سين رئيس أساقفة مانيلا هجوما عنيفا، في مقابله له مع الإذاعة البريطانية، ضد نظام ماركوس وضد الأحكام العرفية التي قال بأنها ستفضي إلى الحرب الأهلية إذا لم تلغ، وإذا لم يعد الرئيس ماركوس عن تعنته ويعود بالبلاد إلى وضع سياسي طبيعي عن طريق انتخابات عامة حرة.

       لقد عرفت البلاد خمس جولات انتخابية واستفتائية على الأقل منذ إعلان الحكم العرفي، كانت آخرها الانتخابات الفرعية في 30 ك2 الماضي، ولكن “كيف يعقل أن تكون هذه الانتخابات حرة في ظل حكم القوانين العرفية؟”، هكذا يتساءل المطران فرناندو كابالا أسقف ايليغان  في جزيرة مينداناو الذي عمم رسالة راعوية وقعها مع لفيف كهنته دعا فيها الناخبين إلى التفكير “ضميريا” بجدوى الإدلاء بأصواتهم وجاء في الرسالة: “الم نتعلم أي شيء من الماضي؟ السنا نوجه الاهانة إلى أنفسنا باشتراكنا في هذه المهزلة الجديدة”.

     هذا وكان الكاردينال جيم سين عميد مجلس الأساقفة قد صرح في وقت سابق بان “الشعب لم تعد له ثقة بالحكومة” ولا بالعسكريين “لأنه يخاف منهم”، ولا بالحكام “لأنهم لم يعودوا يحكمون بالعدل” ويشكل موقف الكردينال سين –الذي يعرف بحكمته واتزانه وبشجاعته وسداد موقفه في آن واحد–  يشكل موقفا “ثوريا وسطا”، إذا صح القول، بالنسبة إلى مجموع الأساقفة. فهو، إذا قبل بالمجابهة والتحدي، يفضل أن تكون هذه المجابهة “نقدية ايجابية” تجبر الخصم على التغيير والإصلاح، وهو لا يميل إلى استخدام سلاح العنف. وبصفته عميد الكنيسة الفيليبينية يشعر بان لهذه دورا أساسيا ونبويا في تقويم البلاد، وبأنها المؤسسة الوحيدة التي لها من القوة ما يتيح لها مجابهة الحكام وتغيير النظام.

                                                                    كنيسة الفقراء

      لقد بدا التزام كنيسة الفيليبين بمحاربة الفقر بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. وتشكلت النواة المنظمة الأولى عام 1965من ثلاثين كاهنا انشأوا (سكرتارية وطنية للعمل الاجتماعي) هدفها القيام بمشاريع صغيرة للإعلانات الاقتصادية وتطوير العمل الجماعي والتعاونيات، وذلك في إطار نظرة جديدة إلى دور الكنيسة في المجتمع.وبعد إعلان الحكم العرفي تطور الاهتمام بتوعية الجماهير وتنظيم الجماعات والعمل من اجل العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. وهكذا أصبحت هذه الجماعات تدريجيا قواعد مقاومة ضد أساليب النظام الحاكم.

     على هامش هذه النشاطات الاجتماعية – السياسية (وقد يكون بعضها تطرف في “مواقفه الثورية” واختياراته الايدولوجية) هناك نواة “كنيسة قاعدية نبوية” في حالة ولادة هادئة، يمكننا أن نسميها حقا “كنيسة الفقراء” وقد شهدها تحيا في جزيرة سامار الصحفي الفرنسي جوزيف ليمان الأنف الذكر:

     في أبرشية كالبايوك يعيش الكهنة تماما كما يعيش جيرانهم ولا يتميزون عنهم لا في زريبتهم القشية، ولا في لباسهم، ولا في وجبات الرز اليومية الثلاث. يجتمعون مرة في الشهر للصلاة والتداول معا حول ريكاردو تانشينكو (46 سنة الذي يعتبر روح هذه الجماعة وقد كان قبل عام ونصف فقط أسقف الأبرشية) أما اليوم فهو كاهن قرية صغيرة للصيادين.

     في سامار حيث التضامن وثيق جدا بين الكهنة وأساقفتهم هناك 3 أبرشيات أخرى تحذو حذو كالبايوك. ولقد تجلى هذا التضامن في عيد الميلاد الماضي عندما اضرب جميع كهنة الجزيرة عن إقامة القداس من 20ك1 – 10 ك2 –وحتى في يوم العيد– احتجاجا على إلقاء السلطات القبض على احد زملائهم، الأب كارديناس. وقد علق المطران انجل هوبايان أسقف كاتارمان  ورئيس الكاهن المعتقل على هذا “الإضراب” قائلا: “أي معنى مسيحي كان سيكون للاوخارستيا، وهي احتفال المحبة والرجاء والسلام والعدالة في حين يتألم ظلما ابناء الكنيسة – والأب كارديناس واحد من لآلاف؟”

       لاشك إن وضع سامار حالة فريدة، ولا يمكننا اعتبارها مقياسا لسلوكية عموم كنيسة الفيليبين في هذا المضمار. فالتعددية في المواقف وطرق الالتزام الإنجيلي ووسائل الشهادة المسيحية واردة، بل طبيعية وعلامة صحة، في كنيسة الفيليبين كما في سائر الكنائس، حيث تتغذى كلها من الإنجيل. ولكن مثال سامار علامة رجاء ومؤشر أمل بعيد المعاني في هذه الكنيسة الشاهدة. 

 

—————

 في هذا الملف اعتمدنا بصورة رئيسة تحقيقا ميدانيا قام به الصحفي الفرنسي جوزيف ليمان في مطلع هذا العام نشر في مجلة “I.C.I.” (عدد 547).

 

هوية الفيلبين

       تتكون الفيلبين من 7100 جزيرة مبعثرة في الزاوية الاسيوية من المحيط الهادي بين بحر الصين شمالا وغربا، واندنونسيا جنوبا. يقطن هذه الجزر التي تحتل مساحة 300000كم2 45 مليون نسمة، معظمهم كاثوليك، مع اقلية اسلامية. نصف السكان لم يتجاوزوا الخامسة عشرة، ونسبة الزيادة السكانية تبلغ 31%.

      احتلها الاسبان عام 1521 ولقرابة 400 سنة فاعطوا لها اسمها الحالي وطابعها المميز اجتماعيا وسياسيا ودينيا، مما يجعلها اشبه بجسم اسيوي بلباس لاتيني. وهذا ما يفسر اوجه الشبه الكثيرة بين الفليبين ودول اميركا اللاتينية التي، هي الاخرى، مستعمرات اسبانية قديمة. نالت استقلالها عام 1946 بعد 3 سنوات من الاحتلال الياباني وقرابة 50 سنة من السيطرة الاميركية (1898- 1943).

       السواد الاعظم يسكن الريف، غير ان مانيلا، العاصمة، تعتبر اضخم تجمع سكاني بملايينها الستة، وثلث هذا العدد يسكن الزرائب وبيوت التنك.

       اما من الناحية الاقتصادية فللبلاد موارد طبيعية لا يستهان بها كالنحاس والنيكل والنفط الذي يؤمن 20% من الاستهلاك المحلي وانتاجه آخذ في الازدياد. كما ان الفيلبين تعتبر رابع دولة مصدرة للسكر، وتأتي في المرتبة الاولى في تصدير منتجات الجوز الهندي، ولها انتاج ضخم من الرز، غير ان الاقتصاد الوطني معرض للافات الطبيعية كالفيضانات والزلازل، وهو ليس بمعزل عن الازمات الدولية سيما وانه ربيب للشركات العالمية المتعددة الجنسيات وانه متجه اساسا نحو التصدير. ولقد بلغت نسبة التضخم في العام الماضي 30%.

 )))))))))((((((((((

إنسانية يسوع او يسوع الإنسان

عدد الخاص كانون الاول 1980

   من ذا يحيط بشخصية يسوع الكاملة! كثيرون كتبوا عنه وحوله وفيه..ولم يفوه حقه..

    الأب جرجس القس موسى يتقدم بتأملاته هذه على رؤوس أصابعه، فإذا بها إشارات رقيقة إلى بعض الجوانب الإنسانية لشخصية يسوع.

     من هو، يا ترى، يسوع هذا؟

    اهو نبي نال من روح الكشف والوحي  ما لم ينله نبي من قبله أو من بعده؟

    اهو صوفي شغف بالله إلى حدود الانعتاق من كل ما هو دنيوي؟ أم هو مجرد ابن اله بعيد، قد مر علينا مر الكرام، وشاءت حاجتنا إلى رب قوي قدير أن نجعل منه موضوع إيماننا؟

     إذا جعلنا من يسوع ذلك النبي المتميز وحسب، وذلك الروحاني المنسلخ عن المادة تماما، وابن اله سام لا شان له بتاريخنا وطموحاتنا.. فقد جنينا عليه وعلى أنفسنا، وكنا كمن لفه بقماشة من المثالية والتجريد لا تصلح سوى للمتاحف ولبطون الكتب!.

    عبثا نحاول فهم واقع يسوع الحقيقي إذا اكتفينا بالحديث عن “مسيح صوفي” أو عن “مسيح الإيمان” ولم نفطن إلى إن هذا الإيمان إنما يستند على الوجود التاريخي ليسوع، يسوع إنسان يحمل رسالة إلهية إلى البشر، اجل، لكنه يحيا إنسانيته بأعلى درجات الوعي والإحساس وبكل بلاغة أوتار النفسية البشرية. انا لا أنكر “مسيح الإيمان” واتفق مع مضمون هذا الإيمان كليا، غير إني اعترف بان يسوع اقرب ألينا مما نظن، وإذا كان يحيا قينا فالإيمان اليوم، فذلك بعد أن عاش مثلنا أنسانا في التاريخ، وارى انه بقدر ما نتعرف بصدق وموضوعية إلى عمق شخص يسوع التاريخي، فبقدر ذلك نكتشف ذواتنا.. ونحبه بالأكثر.

     ما هي سمات وجه  هذا الإنسان، يسوع؟  

الأفكار التالية ليست دراسة تفسيرية مقارنة ولا تحليلا نفسانيا فرويديا، وان استندت إلى معطيات تاريخية اجتماعية إنسانية، وإنما اعتبرها رؤوس نقاط لبحث أوسع يبدو لي شيقا ومثيرا حول شخصية يسوع الإنسانية.

يسوع ابن الأرض

   أول ما يلفت النظر في هذا ” الرجل “، يسوع، انه إنسان بسيط، ابن الأرض  والقرية، وككل ريفي، يحب الحقول (وكان مجتازا بين الزروع، فاخذ تلاميذه يقتلعون سنبلا وهم سائرون – تأملوا زنابق الحقل ). الإطار الجغرافي لكرازته يكاد يكون كله ريفيا، فهو يدور في القرى وعلى سفوح الجبال وفي الحقول والمزارع وبين الكروم وعلى شواطئ البحار. ولدى تتبعك تنقلاته من خلال الإنجيل تكاد تلمس حركة الحياة والدأب في هذه الأرياف الفلسطينية الآهلة وكأنها خلية نحل في عمل لا يوقفها عن مسعاها سوى سكون الليل. ويسوع كابن للطبيعة، كل الصور التي يتناولها لتوضيح أفكاره يستمدها من هذا الإطار (الرقعة الجديدة  على الثوب العتيق – الزارع وشروط التربة للنمو – السراج والمكيال – الخردل – الخميرة – الملح – الكرم – المعصرة – الراعي والخرافالخ ). انه يحب الجماهير المندفعة حوله ولا يخاف منها لأنه منها أصلا   وهو يجد الكلمات المناسبة لمخاطبتها بلغتها ومشاعرها وانتظاراتها، فتصغي إليه بارتياح، ويقدر إيمانه البسطاء – وان تردى هذا الإيمان أحيانا برداء من الخشونة والسذاجة – لأنه صادر من القلب مباشرة (إدلاء المخلع من السقف – المرأة الكنعانية – اعمي أريحا الخ ).

     يسوع، ككل إنسان، يجوع، ويعطش، ويشعر بالتعب من السير الطويل والعمل فيأخذ قسطه من الراحة كما يتسنى له ذلك، شانه شان كل كادح، واضعا حجرة تحت  رأسه عوض الوسادة، مرة، أو متكئا على شباك الصيد أو على وسادة مبللة في مؤخرة السفينة ، مرة أخرى أهله معروفون عند العامة ويقلقون عليه، ككل الناس، عندما يرونه في مأزق . أما هو فحتى رسالته لا تقطعه عن جذوره الإنسانية والشعبية : انه من ناصرة الجليل، هذه المقاطعة الحدودية  ذات السمعة الوضيعة التي تختلط فيها الأجناس ويتكثف التواجد الوثني، ويعرف بالنجار بن النجار.. ولامه مريم، ولبنات وأبناء عمومته صلات قربى وجيرة ومصاهرة تجعلهم معروفين عند الكل.

يسوع : شخصية قوية وحرية داخلية

   يتحلى يسوع بشخصية قوية وبعزة نفس لا تثلمها المهانة: فهو، إذن، إذا يغضب في غيرته على شرف الله وحرمة المقدسات وكرامة المستضعفين ولا يتردد من استعمال السوط ضد تجار الهيكل السماسرة، فانه يستعمل الحلم والتدليل إلى فعلة

يهوذا تلميذه الماضي في خيانته ولا يشهره علانية صيانة لماء الوجه، وذلك بالرغم من الألم الذي يحز في قلبه من نكران الجميل، لان هذا يصيب القلب المحب في الصميم، كما في حادثة نكران بطرس له حين نظر إليه بشفقة وعتاب. يسوع إنسان له كرامته،، وهو، إن استبعد الألم عنه لقساوته وانه دبه جسده الشاب، لا تخور قواه المعنوية، فيصمت أمام الادعاءات ولا يتكلم في استجوابه إلا متى شاء، وبإباء (صلاة البستان – المحاكمة – أمام بيلاطس – أمام هيرودس ).     

    يسوع رجل يتمتع بحرية داخلية وتوازن نفسي عظيمين في كل الحالات  وليس معقدا تجاه أي شيء أو أي إنسان مهما كانت مكانته الاجتماعية أو انتماؤه العرقي أو الديني، ويقدر تكريم الناس له ويقبل استضافتهم، لا سيما البسطاء منهم، بارتياح. وإذ يكن للمرأة كل احترام، لا نجد في تصرفه أية عقدة تجاهها أو منها (المرأة والطيب – السامرية – مرتا ومريم الخ ). وحتى في مسالة الطلاق حين يشد على وحدانية الزواج، فإنما يفعل ذلك – هو الرجل الأعزب – لاحترامه الكبير للرابطة الزوجية، ولرفضه القاطع أن يكون الزمام كله بيد الرجل على حساب المرأة، فالحب فوق الأنانية المتمثلة في طلاق.. يكون فيه الشرع في معظم الأحيان إلى جانب الرجل.

     ويسوع، رغم وعيه بمحبة الجماهير له، ليس ساذجا ينساق وراء فورة المتحمسين. أما تجاه خصومه من المتنفذين والمتصيدين، فهو في حذره اليقظ، يستخدم إستراتيجية الدهاء والإيقاع التي لا تخلوا من روح الدعابة والاستدراج (للرؤساء الذين يسألونه عن أساس سلطانه– أسلوب مثل الكرامين – ما لقيصر لقيصر..– للصدوقيين حول الزواج والقيامة – أسلوب المبارزة في إجابته للكاتب حول أولى الوصايا – مداعبة نيقوديموس – استدراج السامرية.. الخ ) انه يشفق على المعذبين والمستضعفين ويتحنن على كل متألم يقصده، وأصدقائه تراهم في صفوف البسطاء والهامشيين. أما المنافقون وذوو الوجهين والانتهازيون فضحهم أمام الجمهور– وتلك قوته– لان القاعدة الشعبية معه، ولا يستطيع أولئك الارتداد عليه بيسر وبمجابهة مكشوفة خشية أن يخسروا نفوذهم وبقية رصيدهم عند الناس.. 

علاقات يسوع الإنسانية 

      ليسوع أصدقاء مقربون ينكشف لهم من غيرهم ولهم حضور مميز في أحداث رسالته الكبرى وآياته الخاصة وأحزانه، ويوحنا وبطرس ويعقوب في مقدمة هؤلاء، ومنهم يلتمس التشجيع والتضامن في محنه. ولقد حاول الأولان  بصورة خاصة أن يكونا على مستوى الثقة فجازفا بسلامتهما، ولربما بحياتهما، للبقاء معه حتى بعد القبض عليه. ولطالما أوى إلى عند أصدقائه وتناول الطعام عندهم (لاوي بن حلفي – بطرس وحماته – سمعان الأبرصالخ)، وعند احد أصدقائه سيأكل الفصح مع تلاميذه.

 

   ولعل من اصدق أصدقاء يسوع، خارجا عن ثلة ألاثني عشر، الأشقاء لعازر ومريم ومرتا من قرية بيت عنيا، وكان يسوع يتردد عليهم مع تلاميذه ليمسح عنه عناء الطرق وزحمة الجماهير فيلقى لديهم قلوبا دافئة وبيتا مضيافا ليل نهار. ولما مرض “صديقهم” لعازر ومات، أرسلت الأختان في طلبه ضاربين على الوتر الحساس، وتر القلب، قائلتين : ” إن الذي تحبه مريض،. ولما هرعت إليه مريم في مشارف القرية وهي تبكي وتقول في دموعها : ” بحيث علق الحاضرون بتأثر : “انظروا كم كان يحبه! “. ولعازر ومرتا ومريم هؤلاء أنفسهم صنعوا مأدبة كبيرة ليسوع على شرف إحياء لعازر كانت فيها الأخت الكبيرة مرتا مهتمة بالخدمة، بينما لازمت الأخت الصغرى، مريم، قدمي يسوع وهي ترتشف كلامه ارتشافا

  هكذا نرى إن يسوع ليس نبيا “درويشا ” يتنكر للعلاقات الإنسانية أو يتهرب من مجتمع الناس أو يحرم أفراح الحياة وأعيادها. لقد اشترك هو بنفسه في الأعراس– وعرس قانا واحد منها– وشرب الخمر مع المدعويين  وإذا كنا محقين في تصورنا يسوع وقورا وذا شخصية متزنة ورائقة في كل الأحوال، فلا أتخيله منسحبا في زاوية منعزلة مع تلاميذه واجمين يبيعون الوقار على هامش “الفرحة “!..     يسوع هذا أراه شفاف القلب، رقيق الكلمة كلما لزم، يحس بتعب معاونيه فيدعوهم إلى الراحة بعد إجهاد الرسالة، ويبني علاقته معهم على الألفة والصداقة، فيطمئنهم إذا خافوا، ويرفع من معنوياتهم كلما وهنوا. يسوع هذا أراه غامرا بعاطفة الأبوة تجاه الأطفال ويجعل منهم صورة لقلب الله ولقلبه ورمزا لشفافية الإنسان.. لضعفه وقوته، لجماله ورقة أحلامه، لاستعداده الدائم للتحولات والبدايات والإمكانات اللامحدودة.

  هذا هو يسوع الإنسان: أراه كامل الإنسانية عن غير انتقاص، متجذرا في الأرض عن غير ضعف ! الله أراه فيه، ومن دونه يستحيل علي الوصول إلى الله الذي لا أره، وعندما أراه هو، يسوع، أرى ذاتي، أنا، وينفتح الطريق إلى إخوتي!  

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s