Posted by: abu faadii | 2013/08/02

كنيسة ايرلندا

كنيسة ايرلندا

ملف/نيسان 1971

يتناول “ملف العدد” في هذا الشهر ريبورتاجا عن حياة الكنيسة في ايرلندا وجوانبها الثقافية والاجتماعية والدينية في إطارها التاريخي المعاصر. ونأمل أن نوافي القراء بين الحين والآخر بتحقيقات مماثلة عن الكنيسة في مختلف البلدان.  

    نشر الرسام الكاريكاتوري كومهار ليدول أربع خرائط كاريكاتورية لايرلندا تمثلها الأولى في أعين أهلها “جزيرة العلماء والقديسين” وقد علتها القبعة الجامعية وهالة الأولياء، وتعكس الثانية نظرة الانكليز إليها فتراها قطعة واحدة مع ارض بريطانيا العظمى لا يفصلها عنها حتى ولا خط وهمي. بينما استعيض عنها في الخارطة الثالثة برمزها، وقوامه وردة النفلة المثلثة الأوراق تسبح بجانب انكلترا. هكذا يتخيلها الأميركيون. أما للاوربيون فلا وجود لها في قاموسهم، لذا حذفوها من الخارطة الرابعة!

 

    الي قبضة من السنين كانت الشمس تشرق وتغرب على ارض ايرلندا دون أن يحدث ما يسترعي انتباه العالم الخارجي، وفجأة تحركت “جزيرة الزمرد” كما يسميها أصحابها، بعد صمت طويل وحملت ألينا موجات الأثير والصحف أصداء المعارك التي أفاقت العداء التاريخي المكبوت بين الكاثوليك والبروتستنت، فأخذنا نتساءل ما معنى الحرب الدينية التائهة في قرن التقارب المسكوني العالمي؟ إن الحرب الحقيقية ليست بين الكاثوليك والبروتستنت بل بين الايرلنديين والانكليز، بين حقوق أقلية مظلومة وامتيازات أكثرية مستبدة، فالمسالة اقتصادية سياسية وليست دينية إلا بمقدار ما يستغل الدين للتغطية عنها.

     ولكن لا نستبق، فقضية ايرلندا الشمالية ليست الا جزءا من قضايا ايرلندا، ولا يمكننا فهمها إلا في إطار اطلاعنا على حياة الكنيسة في هذه البلاد، عبر تاريخها الحافل بالجهاد. وهذا التاريخ نفسه سيكون لنا خير معين لمعرفة وجه المسيحية الايرلندية المعاصرة وتطلعات جيلها الجديد.

المعجزة الايرلندية

     ترقى المسيحية في ايرلندا إلى القرن الخامس حين انطلق القديس باتريك من مقاطعة بريطانيا الفرنسية حاملا مشعل الإنجيل إليها وأصبح رئيس أساقفة لمدينة ارماغ. ومن هناك انتشرت المسيحية في سائر أرجاء الجزيرة ودخل القديس باتريك عالم الأسطورة في تاريخ ايرلندا بحيث أصبح اسمه مرادفا لاسمها .

وطبع كنيستها منذ نشأتها بطابع روحانيته الرهبانية والتبشيرية معا، فالتبشير لدى الايرلندي دم يجري في عروقه. إن همه الأكبر في كل بقعة جديدة حل فيها، حرا أم منفيا أم مهاجرا، هي أن ينشر الإيمان الذي ورثه عن القديس باتريك.

      “فالمعجزة الايرلندية” هي معجزة المرسلين الذين انتشروا في اسكندنافية وكل أوربا بأساقفتهم المبشرين ورهبانهم وأديرتهم يثبتون مبشريهم القدامى ويفتحون للمسيح ممالك جديدة . “وهكذا كانت ايرلندا فلسطين جديدة، كما يقول المؤرخ الفرنسي  دانيال روبس، تبعث الرسل إلى بقاع أوربا والدنيا”. واليوم أيضا لازال 1/12 من مجموع المرسلين ايرلنديين.

      لقد ولد الايرلندي على ظهر سفينة، فحبه للأسفار والهجرة (17000 مهاجر سنويا) لا يضاهيه سوى حبه للتبشير، لذا فهو يحتفظ في قلبه ويورث أبناءه أينما حل هذين الحبين: حب جزيرته وحب كثلكته التي حملها معه إلى بوسطن وشيكاغو في القرن الماضي حيث ازدحمت الجالية الايرلندية وكانت في أساس الكثلكة الأميركية، وفي استراليا حيث كان معظم الاكليروس الكاثوليكي، إلى وقت قريب، ايرلندي المنشأ، وفي انكلترا حيث كان أساقفة انكلترا كلهم ايرلنديين إلى عام 1930. 

وجه المسيحية الايرلندية التقليدي إن المسيحية الايرلندية صاغتها أجيال متعاقبة من

الجهاد الوطني والمجابهة الدينية والفقر الاجتماعي فصقلتها على الاعتزاز القومي والحذر والتقوى الاجتماعية العاطفية، حتى غلب عليها طابع الانطواء والمحافظة، مع ما في ذلك من قيم سلبية وايجابية. فالايرلندي حار الطباع، غضوب، ولكنه لطيف ومضياف معا. انه فوق كل شيء شديد التمسك بتقاليد أسرته وكنيسته، ولا وجود “للحياء البشري” في حساباته، فهو لا يخجل من رسم إشارة الصليب كلما مر أمام كنيسة، وليس من النادر أن يركع الراقصون للصلاة وسط “البيست” بعد دورة أو دورتين في حفلات التعارف التي تنظمها الخورنة، إن هذه الازدواجية من خصائص الايرلندي، فالسكر يجاور الصلاة وجماعات الشباب ألهيبي الذين يتراصون على مقاعد ضيقة حول فتيات لعوبات بالميني جوب، في النوادي الليلية مساء السبت، هم أنفسهم الذين تضيق بهم الكنائس أيام الآحاد والأعياد حيث يكثر المعترفون والمتناولون، وحضور المؤمنين في قداديس الأيام العادية مألوف. وتقدر نسبة الممارسة الدينية ب 90% (83% لدى الجامعيين)، أما المواعظ فقليلة. وتكثر صور القديسين والإيقونات في المنازل والكنائس. وأوسع العبادات انتشارا عبادة الوردية وقد روجتها الأخوية المريمية التي أبصرت النور في دبلن عام 1921، وتكاد تكون المنظمة الرسولية العلمانية الوحيدة في ايرلندا، كل هذا يوحي بتأثير الكنيسة العميق على المجتمع الايرلندي ولا غرو في ذلك فالكنيسة تمسك زمام التعليم بمختلف مراحله، والى وقت قريب كان مفتاح الصحافة والنشر ملكا لها أو يتحرك بوحيها.

رياح ما بعد المجمع

       إلا أن الأمور أخذت تتحرك الآن بعد هبوب رياح المجمع الذي لم تصل ايرلندا عنه إبان انعقاده إلا أصداء بعيدة، وقد تكون خبرة كنائس أوربا إحدى غنائم هذا التحرك البطئ.

      غير أن هذا التحرك، وان متأخرا، هو محور مجابهة بين جيلين، جيل المحافظين المتمثل في رئيس أساقفة دبلن ماك كويد (76 سنة) وقسم كبير من الرعيل المولود حوالي 1900، الذي يرى في كل جديد تخليا وفي كل نشدان للرفاهية وجها من أوجه الوثنية، وجيل التقدميين أو المجددين، ويتمثلون بالعناصر الشابة من الاكليروس والعلمانيين. فهناك فريق من الكهنة الشباب المطلعين على الفكر الحديث يقودون الحركة التجددية، منذ 1966، مندفعين بغيرة رسالية ظاهرة “لعصرنة” سبل إبلاغ الكلمة والانفتاح إلى حاجات إنسان اليوم وتطلعاته وكسر طوق التزمت بعد أن زالت موجباته التاريخية.

     وينظم إلى هذه النخبة عدد متزايد من العلمانيين الواعين الذين يرغبون المساهمة في حياة الأمة والكنيسة بالتزام أكثر تفهما للواقع وبروح نقدية بناءة ، تحدوهم في ذلك إرادة واضحة في التحرر من السيطرة الاكليريكية التقليدية؛ والشبيبة الجامعية في الطليعة من هذا التيار الذي تشتغله انعكاسات التحول الاقتصادي والأخلاقي الذي يتجه نحو مجتمع اشتراكي علماني، ونلقى أصداء هذا التيار في صحيفتين هما “العلمانية المستقلة” المنفتحة للحوار والتجدد ويشترك في تحريرها كاثوليك وبروتستنت، و “العقيدة والحياة” ويصدرها الآباء الدومنيكيون، وتعكس وجهة النظر اللاهوتية الحديثة في توفيق وتجسيد العقيدة في الحياة العصرية والقضايا الاجتماعية.

    ومجلس الأساقفة الذي اخذ يتطعم بدماء شابة سائر في تنظيم ذاته، بحسب أسس ودينامية جديدة مستوحاة من تعاليم المجمع والواقع الايرلندي ليجابه موجة التحدي والتساؤل المستيقظة والتباعد عن الكنيسة، وليعالج  تقلص الدعوات، وان لم توح نسبتهم العالية بعد بالقلق.

المسالة الايرلندية

     دخلت ايرلندا في فلك التاج البريطاني منذ القرن الثاني عشر. إلا أن الضربة الكبرى أتتها باحتلال هنري الثامن (1536) وإعلانه ذاته ملكا على ايرلندا ورئيسا أعلى لكنيستها ومحاولته إرغام أهلها على هجر الكثلكة واعتناق البروتستنتية، فجابه مقاومة عنيفة كانت نتيجتها الحركة التحررية الأولى بعد ثلاثين عاما. وتكررت الانتفاضات وتتالى القمع والقوانين المجحفة. وفي فترة ضعف منح شارل الأول حرية العبادة للكاثوليك (1646)، إلا أن كرومويل انقض عليهم من جديد (1649) ودمر كنائسهم ولاحق الكهنة وسحق كل مقاومة بشراسة هولاكوية، وتجلى الحقد الشعبي الدفين ضد قوات الاحتلال، لا سيما حين انتزعت الأراضي من أصحابها ووزعت على ملاكين انكليز ووضعت قوانين جديدة لحرمان الكاثوليك من حقوقهم السياسية والوظائف العامة.

     كانت النتيجة مريعة: وطن جريح وشعب نازف، إلا أن المسالة الايرلندية لم تنته. وتابع الايرلنديون  جهادهم بالرغم من “قانون الاتحاد” (1801) الذي حل البرلمان الايرلندي نهائيا واجلس نوابا موالين جددا بجانب النواب الانكليز في وستمنستر. غير إن العناد الانكليزي ما عتم أن استسلم أمام  العناد الايرلندي، فقد انتزع اوكونيل قانون الحرية الدينية والتمثيل البرلماني للكاثوليك (1829)، وأرغمت ثورة 1919 الشعبية انكلترا على الاعتراف بايرلندا “دولة حرة” سنة 1921 بزعامة دي فاليرا.

     أما الكنيسة الكاثوليكية فقد اشتركت اشتراكا وثيقا في مختلف مراحل هذا الصراع الديني القومي المرير، وكانت للشعب بمثابة الأم المدبرة، عبر الأجيال، لذا احتفظت إلى اليوم بتأثير قوي على الايرلنديين.

مشكلة ايرلندا الشمالية مشكلة استعمارية

       إن جل ما خلفه التحدي الاستعماري الانكليزي للضمير الايرلندي هو اقتطاع الجزء الشمالي الشرقي من ايرلندا وإعلانه دولة ثانية في ركاب انكلترا، ومعظمه بيد المزارعين والملاكين البروتستنت الانكليز الأصل الذين يمسكون مقاليد الحكم والاقتصاد والوظائف والتمثيل النيابي، بينما تعاني الأقلية الكاثوليكية (35 بالمئة ) من الفقر والبطالة، محرومة من الحقوق المدنية والسياسية. ونظام الانتخابات هو من أكثر النظم فسادا، ففي لندندري مثلا ينتخب 29102 كاثوليكيا ثمانية مستشارين بينما ينتخب 10274 بروتستنتيا اثني عشر مستشارا، لا لسبب إلا لحماية مصالح الأسياد!

     في خضم هذا الصراع الاقتصادي السياسي لم يكن بد من الاصطدام، فتعالت الاحتجاجات وتوالت التحديات والقمع وانطلقت مسيرات الحقوق المدنية، وابرز عناصرها النائبة الكاثوليكية الشابة برناديت دفلين (24 سنة). ولم تسلم هذه المجابهات من العنف أحيانا إلا أن هذا العنف لم يلد السلام بل وسع شقة الخلاف بين الجماعتين ودعم مواقف المتطرفين ونال شجب المعتدلين من كاثوليك وبروتستنت  في الداخل والخارج. ويجدر بالإشارة إلا أن معظم زعماء “حركة الحقوق المدنية ” ومناصريهم من الجانبين يريدون إخراج القضية من استغلال المذهبين وقيادة النضال من اجل إحقاق العدل واللاعنصرية  فهذا هو إطار المشكلة الطبيعي والإنساني.

فأين الحل؟ 

الخاتمة

      قد يكون في ظهور رجل سلام قوي تستقطب زعامته الفريقين فيقودهم إلى الإخوة وشمول الجميع في ظل القانون على قدم المساواة. وقد يتجسد هذا الأمل في الحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي الجديد الذي شكله ستة نواب كاثوليك شماليون وآخر بروتستنتي  ويهدف إلى توعية جميع العمال الكاثوليك والبروتستنت إزاء مستغليهم المشتركين وإقامة ايرلندا مستقلة موحدة حديثة لا طائفية تواكب العالم المتقدم وتضمن الحرية والمساواة لجميع مواطنيها.

     إن وجهة النظر هذه تلقى تجاوبا متزايدا في شقي ايرلندا  والتحول الذي يطرأ على شعب القديس باتريك ما هو إلا دليل على هذا الوعي الجديد. لقد تحركت كنيسة ايرلندا بعد جمود طويل نحو أجواء العالم الحديث ومثل مركبة أبوللو حسب تشبيه الكردينال كونواي عميد أساقفة كل ايرلندا لا احد يمكنه التكهن بخط سيرها إلا أن شيئا واحدا يبقى أكيدا وهو أنها لن تعود كما كانت. إن هذه اليقظة علامة صحة ورجاء.

     إن الصراع في ايرلندا الشمالية بين الكاثوليك والبروتستنت كما رأينا  ليس صراعا دينيا  إنما هو صراع تسوقه الأقلية المحرومة لنيل حقوقها المدنية وحصتها من خيرات الوطن التي تستغلها أكثرية متصلبة بعقلية القرون الوسطى .

   والشهادة التالية لنيل ماك كافرتي، إحدى صديقات برناديت ديفلين ومن زعماء حركة الحقوق المدنية دليل على ذلك:

” أنا كاثوليكية وجدتي بروتستنتية وجدي لأبي كان شرطيا إلا أني ناضلت ضد الشرطة وطالبت بسقوط حكومة ايرلندا الشمالية ولا أريد الانتماء إلى الجمهورية الايرلندية الجنوبية”.

      ثم تعدد زعيمة الحقوق المدنية المفارقات التاريخية التي شطرت سكان ايرلندا الشمالية إلى شطرين: البروتستنتي الذي يستأثر بالبلاد اقتصاديا وسياسيا. والكاثوليكي الذي يحسب مواطنا من الدرجة الثانية أو بالأحرى غريبا وشبه دخيل. وتشير إلى المتاعب التي حالت دون إيجاد عمل لها وهي خريجة جامعية وتتقن عدة لغات لا لشيء إلا لكونها كاثوليكية  ثم تستطرد:

“إن المشكلة هي مشكلة عنصرية أكثر مما هي مشكلة دينية. فالبروتستنت بريطانيون والكاثوليك ايرلنديون. فأولئك يخافون من أن يعلن جميع الكاثوليك اتحادهم مع جمهورية ايرلندا – وهذا لا يشكل سببا في أن يعتبرونهم عبيدا إلا انه كان يجدر بكاثوليك الشمال أيضا أن يطالبوا باحترام حقوق بروتستنت الجنوب.

“أنا اقبل بان تحكم الأكثرية ولكني أطالب بان تتمتع الأقلية أيضا بجميع حقوقها المدنية. وقد رفضت الحكومة ذلك. لقد فقد الكاثوليك ثقتهم بحكومة الشمال، ولم يعد للبروتستنت ثقة لا بحكومة الجنوب ولا بالحكومة البريطانية التي أصغت إلى مطاليب حركة الحقوق المدنية. فالفئتان تتراشقان وليس بينهما الآن سوى الجنود. هذه هي المعضلة التي لا حل لها في الوقت الحاضر”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: