Posted by: abu faadii | 2013/08/02

لقاء على العاصي…

لقاء على العاصي…

شباط 1980 

      شهادة حية واحدة ابلغ من مئة مقال ومحاضرة. هذا ما يريد عكسه صاحب التوقيع عن كاهن متزوج شاب لا تزيده ثقافته العالية وحياته العائلية إلا بساطة ورسوخا في التزامه الكهنوتي والرسولي. 

     في عينيها شيء من خضرة الأندلس، وضحكتها الصافية تصدح كزقزقة البلابل في خمائل غرناطة موطنها إلام. من قمم السييرا نيفادا المطلة بآباء على عنفوان قصر الحمراء الشامخ جاءت، وفي عروقها حنين وحب، لتعانق مياه العاصي الكسولة. ولتعتنق دورا في الحياة لا تربيتها الأساسية أعدتها له ولا هي خططت له.. إنما الروح قادها إلى صحراء حمص لتكون “خورية” كما يقول إخواننا السوريون، أي زوجة كاهن. كاهن لا فقط “يزاول مهنته” بانتظام وسلام، بل يحيا رسالته باعتزاز واندفاع وحب.. إنما لا يحياها وحده، بل مع زوجته التي أصبحت شريكة حياته وشريكة رسالته معا.. وهذا ما حداني إلى إدلاء شهادتي تجاه هذا “الثنائي الكهنوتي” شهادة أقدمها نموذجا لنمط آت، أجلا أم عاجلا، للالتزام الكهنوتي في كنيستنا، من دون عقد ولا استصغار.

      والكاهن الذي سأتحدث عنه كاهن سوري شاب في العقد الثالث من عمره من أبرشية حمص للسريان الكاثوليك أكمل دراسته الفلسفية واللاهوتية في اكليريكية دير الشرفة وفي جامعة الروح القدس بلبنان وحاز على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي من باريس حيث تعرف على زوجته الاسبانية. نال الرسامة الكهنوتية بعد زواجه في روما ثم عاد إلى وطنه مصمما مع قرينته أن يشتركا معا في أداء “رسالتهما الكهنوتية” سوية في النطاق الأبرشي ومع صغار الناس. وهو بالإضافة إلى ذلك محاضر في الجامعة السورية بدمشق. وإذا كان لي من اعتذار فلصديقي على هذه الصفحة من حياتهما الخاصة. 

     على طاولة صغيرة أمام سمكة مشوية ومقبلات فيها “الحمص بطحيني” و”والتبولي” في احد مطاعم “ديك الجن” على ضفاف العاصي في مشارف مدينة حمص جلسنا نتجاذب الأحاديث والذكريات ونتبادل الخبرات وحتى العتاب:

إني أهنئكما يا ميشيل ويا فينا على حبكما.. وعلى هذه الرسالة المشتركة الرائعة التي

سمعت أصداءها والتي تؤديانها سوية وبهدوء… وما عتابي إلا لانقطاع إخباركما عني..

     مسح صديقي نظارته بمنديل الكلينكس الذي كان على الطاولة وشكا لي باقتضاب من قلة وقته وكثرة انشغالاته فهو بالإضافة إلى اهتماماته الرسولية في مدينة حمص وفي قرية تومين المجاورة، يقضي يومين في الاسبوع  في دمشق في الجامعة.

      لقد خبرت ذلك بنفسي. فإذا كان صديقي قد دعاني إلى المطعم، ذلك المساء، فلان “الخورية” كانت قد رافقته وشاركته في السهرة الإنجيلية التي حضرتها أنا ذاتي معهما في حي شعبي، ولم تستطع إعداد العشاء في المنزل.

     هذه السهرة يقوم بها “أبونا ميشيل” كل يوم سبت مساء وتتضمن تأملا في الإنجيل وتراتيل وقداسا “عائليا” ويشترك فيها ما بين عشرين وثلاثين شخصا ونفر من الراهبات:

     ارتدى “أبونا ميشيل” ثوبا عسليا طويلا ووضع البطرشيل الكنسي على كتفيه وجلس أمام مائدة صغيرة تحمل كأسا وخبزا بين شمعتين يندفع لهبهما هادئا ثم يثور لغير سبب. وزع احد الصغار كتب التراتيل وتعانقت أصوات خشنة بأخرى ناعمة وطفولية لتنشد “تعال بيننا، أقم عندنا”. رفع “أبونا” الخبز بيد والكأس بأخرى وتلا صلاة التقدمة ثم أشار إلى نص من الإنجيل “روح الرب علي، مسحني لأبشر المساكين..”. قرأت النص امرأة شابة تحتضن طفلها الذي غفا في حضنها.. ثم انطلق التأمل حذرا.. وتنشط شيئا فشيئا، وكان الجميع –تقريبا– يدلون بآرائهم أو يبدون ملاحظاتهم وقد لا يكون دوما على اتفاق مع علماء الكتاب المقدس، ولا هؤلاء يتفقون مع جميع تفسيراتهم. وقد يصبح التأمل أحياناً شبه درس يجيب فيه “أبونا ميشيل”على أسئلة واعتراضات سمعها هذا أو تلك في إثناء العمل أو في السوق أو في الكلية.

     بعد التأمل عادت “الجماعة” إلى أجواء القداس بخشوع  وصمت. وتتالت الصلوات والتراتيل حتى جاء وقت الطلبات. وكم سرني أن استمع تلك الطلبات الصادرة من شفاه بسيطة تجهل البديع والبيان ولكنها صورة لثراء القلب والإيمان. وكنت أراني منشدا إليها لاسيما عندما كانت تصدر عن الصغار وقد كتبوها على وريقة لئلا ينسوها أو يتلعثموا بها.. وتقدم الجميع باسطين اكفهم أو أفواههم لاقتبال خبز الحياة. وساد سكوت لبضع دقائق خلتني فيها في جو المسيحية الأولى حيث كان يجتمع الرسل في البيوت مع حفنة من تلامذة يسوع لكسر الخبز والتبشير بالكلمة.

      هكذا نمت الكنيسة الأولى قبل أن تتفجر خلايا وجماعات حية تحمل معها الفرح والحب.

      ولما ذكرت الصمت والخشوع اللذين كانا يخيمان على المشتركين ابتسمت “الخورية” وصرحت بأنها بذلت كثيرا من الجهد والصبر لإشاعتها، ففي البداية كانت الأحاديث الهامسة تتناوب مع صراخ الأطفال وحتى مع الضحكات الخافرة أحيانا. وبأسلوب تربوي هادىء عرفت “الخورية” -وهي تجيد العربية الحمصية بطلاقة–  أن تفرض روح الجد، وصار هذا القداس ملتقى منتظرا يلقي فيه النجار والمعلم والموظف والطالبة والميكانيكي وربة البيت ثقل إتعابهم ويتساوى الأب والابن والجدة والحفيد في سماع الكلمة.

       واذكر إن “أبونا ميشيل” لا يكتفي بهذا الإرشاد العام فقط، فلطالما حضر قبل السهرة أو بقي بعدها في فض بعض المشاكل العائلية، وقد تساعد زوجته مع النساء حيث تفهم منطقهن وأحاسيسهن كامرأة. وليس هذا فقط، فقد هيأتها دماثتها ورقة كلمتها بالإضافة إلى ثقافتها الدينية والطبية والاجتماعية لتكون مرشدة صحية وأسرية. فكم من النساء يتوجهن إليها في أمورهن الخاصة فترشدهن إلى السبل السوية في الوقاية الصحية ونظافة الأولاد ومعاملة الأزواج ورعاية الذوق في الملبس والمسكن واستعمال العقاقير –وفينا حاصلة على خبرة واسعة ودبلومات في التمريض من اسبانيا وباريس -.

    وتشعب الحديث إلى الذكريات، فعدت ب “أبونا ميشيل” إلى منتصف الستينات يوم كان تلميذا يتدفق حياة وحيوية، منذ ذلك الحين كان ميشيل يضيق بالأطر التقليدية ولا تكفيه الدروب المطروقة، فكان يدفع بجدران الاكليريكية إلى أوسع ليهتم بتدريس صغار المنطقة التعليم المسيحي، وانضم إلى فريق الشباب في حريصا في السهرات الإنجيلية التي كنا نحييها في الأسر.

     من هناك وبالروح عينه انتقل ميشيل إلى باريس بزمالة دراسية. ولشحة هذه الزمالة اضطر الطالب إلى العمل في أوقات فراغه في إحدى المستشفيات وهناك التقى برفيقة حياته. وتكررت اللقاءات وتعمقت الصداقة على صعيد الزمالة المهنية وعلى صعيد النشاطات الإنجيلية واكتشف الواحد غنى الآخر وارتاح إليه، حتى صارحت فينا ميشيل يوما ببساطة الرائي:

“أنت لن تكون سعيدا إلا كاهنا” 

      وبدأ التخطيط ليكون الشاب اليبرودي والفتاة الاندلسية جنبا إلى جنب في كهنوت واحد وفي رسالة مشتركة يؤديانها في الشرق وضمن الكنيسة التي ينتمي إليها الكاهن العتيد بالذات.

“ولكن الأمر لم يكن بهذه السهولة”. قالتها “الخورية” بحسرة معبرة. ثم استطرد “أبونا ميشيل”: “كاهن متزوج”، ولا يرتدي الزى الكهنوتي التقليدي: أمر لم “يبتلعه” بطريرك الطائفة إلا على مضض وبعد إصرارنا –وكنا قد تكللنا في روما على يد المطران معتمد الطائفة هناك– وبفضل تقبل ودعم أسقف الأبرشية الحمصية.

      في اليوم التالي –وكان يوم احد– منذ الصباح الباكر رافقت صديقي إلى قرية تومين خورنيتهما التي تبعد عن مركز المحافظة، حيث يسكنا، بحوالي 30 كم؛ وتومين قرية صغيرة وادعة مستلقية على كتف تلة خضراء تطل على بحيرة اصطناعية في قعر واد عميق، ويشقها شارع يتيم تتفرع منه طرقات وأزقة متعرجة أحالها مطر الليلة الماضية إلى “مطينة” لازجة.

      قرع “أبونا” الناقوس وكان الصغار أول الوافدين راقبتهم كيف يمدون أيديهم بحياء واحترام ليحيوا “الخورية” في رواق الكنيسة وقد صارت صديقتهم المنتظرة  تناولت “الخورية” حبلا وأمسكت بأحد أطرافه وأمسكت طفلة بالطرف الآخر وبدأت تلاعب الأطفال إلى أن حان وقت القداس. اشتركنا أنا والأب ميشيل بالاوخارستيا، بينما اهتمت “الخورية” بالنظام. وبعد القداس بقي “الثنائي الكهنوتي” في الكنيسة مع الأولاد والبنات الصغار لشرح مبادئ التعليم المسيحي وتهذيب أصواتهم على التراتيل الدينية. بعدها خرجا لزيارات المرضى والعائلات. ومثل هذه اللقاءات التي يقومان بها سوية تعزز ثقة المؤمنين بالكنيسة وتجعل الناس ينظرون إليهما كرسولين للإنجيل وليس كمجرد كاهن وزوجته.

      أيام الجمع منذ التاسعة صباحا، تسري حركة غيرعادية في فناء كنيسة حمص الذي يغدو عيادة شعبية للمعاقين والمشلولين والمشوهين من الأطفال والأحداث من كل الملل والأديان، هذا محمولا على ذراعي أمه، وذاك تحمله عكازاه، وتلك جاء والدها بملف فحوصاتها وهو يدفعها أمامه في عربتها، ويصبح “أبونا” المرشد والطبيب والصديق. ذلك لان الأب ميشيل وقرينته يديران مركزا للعناية بالمعوقين تابع لجمعية الإخاء السوري، ويسدون لهم العلاج الطبيعي المناسب في المختبرات التابعة للمركز أو يرسلونهم إلى الأطباء أو المستشفيات والمختبرات المختصة داخل القطرأو خارجه للمعالجة مجانا أو على حساب جمعية الإخاء. وتقوم مطرانية السريان الكاثوليك في حمص حاليا ببناء مستشفى ومختبر للمركز المذكور.

     لقد رأيت بأم عيني حشد المراجعين. وبعضهم قادم من بعيد، جاء ينشد العافية والعون لدى هذا الكاهن الذي قرر أن يكون ألسامري الصالح، هو وزوجته، على مثال سيدهما، يصبان زيت التعزية وخمر العافية على ماسي إخوة يسوع المتألمين من كل دين وطائفة.

       ومساء ذلك اليوم كان موعدنا مع “الخوري والخورية” في دارهما بمناسبة عيد مار ميخائيل شفيع الأب ميشيل، وقد رافقت سيادة راعي الأبرشية وكهنته في تلك الأمسية العائلية. استقبلتنا “الخورية” على المدخل بفستان غامق فضفاض. بينما ارتدى الأب ميشيل للمناسبة بدلة داكنة ورباطا احمر بلون شعره ولحيته الكثة، وجلجل صوته مهللا ضاحكا، وهذه عادته في الترحيب، مما يبعث فيك الارتياح والألفة. وأمام المشروب الأندلسي الحلو الذي قدمته “الخورية”، مع الكرزات الشرقية التي لا يخلو منها بيت حمصي، تفرع الحديث إلى جولة “البعثة الرسولية”، التي قام بها الأب ميشيل وقرينته بمعية بعض الكهنة في مدن وقرى الجزيرة وحلب قبل أيام لزيارة مراكز”الإخاء” و”فرق السيدة”.

      و”فرق السيدة ” مجموعات مكونة من أسرتين أو ثلاث تجتمع للصلاة والتأمل في الإنجيل سوية بمعية كاهن.

     لقد كانت الأحاديث تنتقل بين الجد والهزل، وكان سيادة مطران الأبرشية بدماثته ولطائف حديثه يبدو بين كهنته كزميل وأخ لهم. أما فينا فكانت ككل امرأة، دقيقة الملاحظة إلى كل ما قد ينقص أو يشح وتشترك في الأحاديث وتعطي رأيها في المواضيع المطروحة، سواء كانت اجتماعية أم دينية أم كنسية بكل اتزان ووضوح رؤية وشعرت بأنها ليست مجرد زوجة كاهن يتكئ عليها في إنسانيته، بل انها قد تبنت رسالته تماما، بل كلاهما يزاولان الكهنوت نفسه معا ويحملان بشرى الإنجيل سوية. وأكثر من ذلك، تحققت انها أضحت جزءا من كنيستها وعونا رسوليا وإنسانيا ليس لزوجها حسب، بل لسائر كهنة الأبرشية. الم يصرح احدهم: “لقد علمتنا أن نحطم عقدنا تجاه المرأة”! 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: