الفكر المسيحي 1983

الفكر المسيحي 1983

مجلة الفكر المسيحي 1983

ت

المقال

العدد

الشهر

السنة

67

والنسيم صار تيارا ..  – ملف                            

181

كانون2

1983

68

جولة في مراكز التثقيف المسيحي مقال    

182

اذار

1983

69

القداس حدث ووظيفة  – ملف                            

182

نيسان

1983

70

مقابلة مع الاب فانسان دكوانونكل                    

آب/ ايلول

1983

71

الأسرة خلية الكنيسة   مقال                      

188

ت1/ت2

1983

والنسيم صار تيارا

والنسيم صار تيارا..

سيبقى اسم يوحنا 23 ملتصقا بالمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني وقد كان “ملهما” حين دعا إليه وكأنه تلقي وحيا من السماء، هو الذي قال عنه البطريرك المسكوني الراحل اثيناغوراس: “كان إنسان مرسل من قبل الله اسمه يوحنا”! فيوحنا 23 شرع أبواب الكنيسة ونوافذها، وكان على بولس السادس– وقد انتخب في 21 حزيران 1963 قبيل الدورة الثانية– أن يواصل العمل بشجاعة ودهاء وحزم ويشهد التحول الكبير الذي أحدثه المجمع في كل جنبات الكنيسة وعلى أكثر من صعيد…

عشرون عاما مضت على انعقاد أعظم مجمع في تاريخ الكنيسة – وهو الحادي والعشرون في سلسلة المجامع المسكونية – والذي كان بمثابة عودة إلى الينابيع وانطلاقة نبوية مكنت الكنيسة من الالتقاء بعالم في تحول دائم وتكييف تعاليمها وفق متطلباته والبحث عن مكان فيه يتسنى لها منه أن نشهد للإنجيل ضمن تعدد الحضارات…

الأب جرجس القس موسى يرسم الاتجاهات الرئيسة التي تبناها المجمع ويخلص إلى طرح التطلعات التي بوسع المجمع أن يلهمها من اجل كنيسة متجددة أبدا تسعى إلى أن تكون دوما أكثر مصداقية وأكثر إشعاعا.

مقدمة: المجمع عودة إلى الينابيع

يعزى إلى يوحنا 23 انه عندما هم بعقد المجمع الفاتيكاني الثاني فتح نافذة غرفته على مرأى من بعض مساعديه واستنشق الهواء وقال: “الجو ثقيل هنا، لنفتح النافذة وليدخل إلى الكنيسة قليل من النسيم العليل”!

هذه الحادثة التي تروى كطرفة من طرف البابا الطيب يوحنا هي من روحه تماما وتعبر بأسلوب الأنبياء الإيماني عن الفكرة المركزية التي حركت يوحنا 23 على إعلان المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، ألا وهي: فتح الكنيسة الكاثوليكية لتيارات الحياة الجديدة، وإعادة النظر في طبيعتها وصيغها التعبيرية، وفي موقعها في العالم، في علاقاتها مع شقيقاتها لفتح عهد جديد من التعاون والمكاشفة الأخوية باتجاه الهدف الأكبر: الوحدة..

وكل ذلك بروح إنجيلية راعوية، وليس عقيدا نية، استعلائية. وقد أوضح يوحنا 23 هذا المنطلق في خطابه الافتتاحي للمجمع في 11 ت1 1962: “واجبنا ليس فقط أن نحفظ هذا الكنز الثمين وكان اهتمامنا منصب على الماضي وحده، وإنما علينا أن ننصرف بتصميم ومن دون خوف، للعمل الذي يستوجبه عصرنا.. إن الروح المسيحية، الجامعة، الرسولية تتحفز، في العالم اجمع، لقفزة نوعية إلى أمام فيما يخص تغلغل العقيدة المسيحية وتهذيب الضمائر بصورة أكثر أمانة للعقيدة الصحيحة. اجل.. ولكن هذه العقيدة ينبغي أن تدرس وتعرض وفقا لأساليب البحث والعرض التي يقرها الفكر المعاصر. فجوهر العقيدة شيء والتعبير الذي تتوشحه شيء آخر”.

لقد أحب يوحنا 23 كنيسة المسيح وأرادها جميلة في ذاتها وجذابة للخارج، ولان حبة كان كبيرا وصافيا وواثقا، إن صح القول، لم يغر عليها من العالم الذي لا يرى فيه “أنبياء الشؤم” سوى “الموبقات والدمار”، بل دعاها بلهجة جديدة ومتفائلة إلى “النظر إلى الحاضر”. وجاء هذا “النظر”، في الواقع، عودة إلى الينابيع وتجذرا أعمق للكنيسة في التاريخ الإنساني.

الاتجاهات الرئيسة التي خرج بها المجمع

عندما نقول “الاتجاهات التي خرج بها المجمع” لا نعني إن المجمع كان شهبا جميلا ظهر في سماء جسلنا فجأة لا ندري كيف، وإنما جاء بمثابة المصهر لكل تلك الدراسات اللاهوتية والمعانيات الراعوية والوحدوية، والخبرات المتنوعة في البحث الروحي التي كانت تعتمل في الكنيسة منذ بضعة عقود، وقد أصبح المجمع هو نفسه منجما لطموحات جديدة ومحركا لديناميكية الكنيسة الجامعة ومحكا للخبرات وإطلاق حرية التعبير، بالإضافة إلى الثراء الإنساني والبعد الكنسي الجماعي الذي قدمه لأساقفة الكنيسة ولاهوتييها ومفكريها باللقاء المباشر (راجع سلسلة ف.م. العدد24) المجمع المسكوني، ف.م. أيلول 1977: كنيسة ما بعد المجمع).

فالاتجاهات التي خرج بها المجمع نوجزها بأربع قواعد رئيسية، هي:

1 – الجماعية الأسقفية في قيادة الكنيسة:

لقد قيل، وبحق، إن هذا المجمع كان “مجمع لاهوت الكنيسة” على غرار ما كان مجمع افسس “مجمع العذراء أم الله”، ومجمع خلقيدونية “مجمع طبيعة المسيح”.

فمن مجموع 16 وثيقة مجمعية هناك وثيقتان عقائديتان فقط، إحداهما “في الكنيسة”، تتناول طبيعتها وتكوينها وتحدد نظام السلطة فيها.وبينما كان الفاتيكاني الأول قد كرس المركزية الكاثوليكية، فقد ركز الفاتيكاني الثاني على الجماعية الأسقفية كرد فعل لتلك المركزية المهيمنة. وإذا شددت الوثائق الرسمية على إن هذه “الجماعية” ليست بمعزل عن البابا، بصفته “الرأس الأعلى”، فقد أكد تيار مواز –حمل رايته لاهوتيون كبار وأساقفة بارزون وأوساط مسكونية وقاعدية، ويدعمه تقليد المجامع المسكونية والسينودسات الإقليمية  التي لا تزال  تسير عليها الكنائس الشرقية– على إن “الرأس” لا ينبغي أن ينظر إليه بمعزل عن الأعضاء، “فبطرس والأحد عشر” أعمدة الكنيسة مجتمعين، وان كان بطرس هو عروة الوحدة في البناء.

ولهذه “الجماعية” وجهان، وجه شمولي يعانق مشاركة الأساقفة العامة في قيادة الكنيسة الجامعة، ووجه خاص يهم حياة كنائسهم المحلية.

أما كيف نترجم هذه المساهمة للجماعية في الواقع، فعلى صعيد الكنيسة الجامعة هناك سينودس الأساقفة العام الذي اعتبر” قنبلة المجمع” حين أعلن إنشاءه بولس السادس في غمرة الدورة المجمعية الأخيرة عام 1965. ويتكون هذا “السينودس” من رؤساء المجالس الأسقفية المحلية والبطاركة والكرادلة، ويعتبر بمثابة مجلس شورى الكنيسة الدائم لمعاونة البابا في قيادة الكنيسة، ودورته كل 3 سنوات. (راجع ف.م.ك2 1972).

ونظرا لشمول الوظيفة البابوية الكنسية كلها، وليس أبرشية روما فقط، وتجسيدا قانونيا اقوي للجماعية، ظهر اتجاه يدعو إلى انتخاب البابا من قبل أساقفة العالم عبر ممثلي مجالسهم وبطاركتهم. فكان الحل الأوسط إن “دول” بولس السادس –ويوحنا بولس الثاني من بعده– مصف الكرادلة بعناصر من الكنائس المحلية والشرقية، ورفع عددهم، حتى صار الغربيون هم الأقلية.

وتجسد اتجاه اللامركزية بصورة أوضح في المجالس الأسقفية الخاصة، الوطنية، والإقليمية. وقد تميزت بعض هذه المجالس بحيوية مبادراتها، كمجلس أساقفة أميركا اللاتينية مثلا.

لقد كان الفاتيكاني الثاني فرصة الكنائس الفتية حقا. فقد شهدنا بداية تحول مركز الثقل في الكنيسة من أوروبا إلى العالم الثالث، ولم تعد كنائسه ترضى أن يكون ثمة كنيسة مركزية آمرة – روما – و “كنائس أطراف” ملحقة بها.

ولكن هذه الكنائس حرصت أن تبقى وتكون خبراتها “خبرات الكنيسة الجامعة” وملكها. وهكذا أصبحت كل كنيسة محلية “نافذة” تنفتح من خلالها الكنيسة الجامعة إلى معضلات وتساؤلات العالم، فساهمت إفريقيا،مثلا، في تعميق الوعي ألرسولي والتبشيري، واسيا بفتح الحوار مع الديانات واعتبار الكنيسة المحلية الأداة الفضلى لنشر الإنجيل، وأميركا اللاتينية بفرق القاعدة والصلة الوثيقة بين التحرر الإنساني والخلاص المسيحي، والكنائس الشرقية باختبارها إن الوحدة ممكنة في التعددية.

زيارات البابا نفسها للكنائس المحلية ولقاءاته مع أساقفتها ومجاهديها وجماهيرها، إذا كانت تعبيرا لشمولية الخدمة البابوية، فهي قبل كل شيء دعم لشخصية هذه الكنائس وخبراتها ودورها الخاص في حياة شعوبها.

2 – التجدد الداخلي، أو إعادة ترتيب البيت:

كانت الكنيسة على أيام بيوس 12 تبدو كبيت قديم امن يعيش على تقاليده ويعتز بأثاثه الموروثة، ولكن بشيء من الانقباض. وعندما أطلق يوحنا 23 شعار المجمع بكلمة “Aggiornamento” (ومعناها “التجديد بحسب متطلبات اليوم”) هبت حركة، فيها الاندفاع وفيها النشوة، لإعادة ترتيب البيت وتجديد ديكوره وفتح نوافذ لاستقبال الحياة. وكانت أولى تلك النتائج خلخلة مفهوم “الهرمية” –وقد رأينا التطبيق على ممارسة السلطة العليا– وها قد بعث المجمع الفكرة الكتابية إن الكنيسة ليست مجرد مؤسسة، بل هي شعب الله، “حيث الأفراد يشتركون بدعوة واحدة، وغاية واحدة. والعلمانيون لا يعرفون من الآن وصاعدا بخضوعهم للسلطة، ولكنهم داخل شعب الله يشتركون بكهنوت المسيح ” (دستور عقائدي في الكنيسة – التقديم).

ومفهوم “شعب الله” هذا مفهوم دينامي: فقد أطلق الروح النبوية الخلاقة في الكنيسة، واحدث فيها ثورة كوبرنيكية حيث صارت القاعدة تشترك في صوغ الاتجاهات الفكرية وتؤثر في بلورة القرار الكنسي عبر فرق القاعدة –وقد دعيت أحيانا بفرق الضغط-، وعبر المؤتمرات والتجمعات الوطنية والإقليمية والقارية التي يشترك فيها كهنة وعلمانيون، والمجالس الاستشارية الأبرشية والخورنية، والأبحاث اللاهوتية والتاريخية والاجتماعية سواء صدرت عن أفراد أو لجان. فنشا عن ذلك وعي متزايد والتزام اكبر لدى العلمانيين واتساع دورهم في حياة الكنيسة

–الم يشتركوا كمراقبين في المجمع؟-.

واجتاح كنيسة المجمع وما بعده تيار من نشدان البساطة والأصالة في التعبير والحياة كان حاصل انتصار روح الإنجيل في صراع التقليد والحياة. وقد تجسد ذلك بصورة جلية في ظهور مفهوم “كنيسة الفقراء”و “كنيسة الخادمة”.

ونال التجديد الليتورجيا وصيغ العبادة والكلمة لتعود إلى ينابيع الكتاب المقدس أكثر من السابق، وتتبنى اللغات الحية، وتستوحي واقع الإنسان ومعانياته وثقافات الشعوب التي تنتمي إليها. واقتحم روح التجديد الرهبانيات، والأديرة، والمعاهد الاكليريكية، وحياة الكهنة واطر عيشهم وحتى الزى ألرهباني والكهنوتي.

وأصابت “الثورة المجمعية” – ليس بالوثائق، بقدر ما بالجو التحرري الذي أفاقته. الأخلاقية  أيضا، حيث تبدلت الموازنة من أخلاقية الثواب والعقاب ومنطق الشريعة والخطيئة، إلى أخلاقية الضمير والحرية ومنطق المسؤولية. ونظر بتقدير اكبر إلى الحب، والى الجنس، والى المرأة.

3 – الانفتاح إلى العالم:

لعل اليقظة الكبرى لكنيسة المجمع وما بعده هي وعيها أنها ليست “سوبر مؤسسة ” تتعالى فوق المجتمع بل جزء من كل ضمن حركة التاريخ: فهي في العالم تتحرك ومع العالم تجاهد، ومن اجل العالم وجدت؛ وان تميزت عنه فلكي تكون ضميره الحي، وخبيرة باحتياجاته –إذن “خبيرة بالإنسان”– حسب عبارة بولس السادس. وقد عبر المجمع عن هذا الوعي منذ بدء أعماله برسالة رائعة وجهها إلى العالم، يوم الافتتاح، ضمنها انفتاح الكنيسة بثقة إلى العالم وقضاياه وتأكيدها على الوحدة الأخوية بين البشر، فوق الحدود والأجناس، والأنظمة الاقتصادية والسياسية، ورفضها للحلول التي بفرضها العنف وإعلان حبها للسلام بوصفه علامة حضور الله في التاريخ (الأب شنو).

أما الوثيقة الكبرى لهذا الانفتاح فهي الموسومة “دستور راعوي حول الكنيسة في عالم اليوم” والمعروفة “بالمسودة رقم 13” (سلسلة الفكر المسيحي العددان 35 و36). لقد اعتبر هذا النص فتحا في تاريخ الكنيسة  وتعاملها مع العالم، ليس كنص مجمعي وحسب، بل خاصة لأوجه الالتزام الفعلي التي أثارها. فلقد جاء صدى لهذا المنعطف الكبير في حياة الكنيسة، ألا وهو الانفتاح على قيم العالم الايجابية، وقد تجلى ذلك في اكتشاف وتقدير غنى الثقافات والحضارات المختلفة، وفتح الحوار مع الديانات غير المسيحية، لا بل حتى مع غير المؤمنين.

أما الشق الثاني لهذا الانفتاح فهو تبني الكنيسة قضايا الإنسان المقهور بنوع خاص، فكانت لجان “العدل والسلام” الحبرية والوطنية والإقليمية وكانت رسائل يوحنا 23 “أم ومعلمة”  (1961) و “السلام على الأرض” (1963)، وبولس السادس في “تقدم الشعوب” (1967) (ف.م.ايار 1982) و “الذكرى الثمانين” (1971).ف.م ك1 1971 ويوحنا بولس الثاني في “العمل البشري” (1981) (ف.م.ك1 1981). وكان خاصة مؤتمر أساقفة أميركا اللاتينية في ميدلين (1968) الذي اعتبر “المنعطف الحقيقي” ليس لتطور الموقف الكنسي وما دعي “”بلاهوت التحرير  في أميركا اللاتينية وحسب، بل للوعي الذي شمل الكنيسة الجامعة حول قضية التنمية والنضال من اجل حرية الشعوب.

إلى جانب ذلك، وانطلاقا من دينامية المجتمع، تقود كنائس إفريقيا واسيا معركة أخرى هي معركة الأصالة والتجذر في ثقافاتها المحلية وتراثها القومي الخاص لتعيش الإنجيل وتقدمه بلغة شعوبها وذهنيتهم.

4 – الانفتاح إلى الأشقاء: تراث وإيمان مشترك:

قيل إن الفاتيكاني الثاني تحور من “مجمع وحدة” في ذهن يوحنا 23 إلى “مجمع مراجعة حياة ذاتية”. قد يكون. ولكن العلاقة مع الأشقاء وهدف استعادة الوحدة معهم بقي عنصرا أساسيا في هذه “المراجعة”، فلقد كان وجود المراقبين من الكنائس للأرثوذكسية والبروتستنتية الشقيقة المختلفة في قاعة المجمع منذ اليوم الأول ليس فقط شهادة لحسن نية الكنيسة الكاثوليكية وحلول جو الأمل والحنين إلى الوحدة المفقودة، بل بمثابة “رقابة” أيضا على المجمع ليكون “نقلة ” حقيقية في نوعية العلاقات المسكونية.

لست في صدد استعراض جميع مراحل ومنجزات الحركة المسكونية منذ المجمع، وإنما اقتصر على إيجازها في محاور ثلاثة وهي:

أ – لقاءات الأقطاب: وقد بدأها بولس6 مع البطريرك المسكوني اثينا غوراس في القدس (1964)، ومنذ ذلك التاريخ لم تعد تحصى لقاءات القمة والأقطاب والرسائل والوفود المتبادلة بين بابا روما وبطاركة الشرق ورؤساء الكنائس الأخرى سواء في روما أو القسطنطينية أو كونتربري أو في غيرها من أقطار “المسكونة”. وقد كان رفع الحرومات بين روما والقسطنطينية بمثابة تمزيق رسمي لصك الانشقاق.

ب- لجان المتابعة والحوار: وفي مقدمتها سكرتارية اتحاد المسيحيين التي كانت لها اليد الطولى منذ المجمع في توجيه أعماله توجيها مسكونيا وفي إقامة الحوار الاخوي بين الأشقاء، مباشرة أو عبر مجلس الكنائس العالمي. فلجان الدراسة والمتابعة بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الشقيقة أمست هي الأخرى واقعا يفرض وجوده على الحركة المسكونية.

ج – التعاون والتنسيق على الأصعدة المحلية: فحركة الوحدة ليست مجرد “عملية خبراء” أو “مشروع القمة” وحدها بقدر ما هي “هم القاعدة” والتزام كنيسة وكنيسة بإنجيل يسوع المشترك.

قلتها كلمة “المشترك”: فلعل اكبر انجاز في الحركة المسكونية هو اكتشاف واعتراف الجميع –لاسيما الأرثوذكس والكاثوليك– إن تراثهم الإيماني وحتى اللاهوتي واحد في جوهره، وان اختلف في تعبيره، وقبول هذا التباين على انه ثراء لا انتقاص. مثل هذا الاكتشاف يعادل اقتلاع جبل من الجليد كان جاثما على الأسوار التي نحن أقمناها بيننا بانغلاقنا ومحاكاتنا.

تطلعات مستقبلية في خط المجمع

قد يقول قائل: انك لم تنظر إلا إلى النصف الممتلئ من الإناء، وأهملت الوجه الآخر من الصورة!

اجل، إن للصورة وجهها السلبي أيضا، فتطبيق المجمع لم يمر من دون مخاض ورجات. أما قيل إن النسيم الذي ادخله يوحنا 23 إلى الكنيسة صار عاصفة؟! فكنيسة ما بعد المجمع عاشت حقا أزمة ذاتية ونفسية. وبإمكاننا إيجاز جو الكنيسة بثلاثة اتجاهات رئيسة هي:

1 ) رغبة واضحة ومصممة على تطبيق المجمع والاهتداء بروحه

2 ) الميل إلى تخطي المقررات المجمعية والانفتاح إلى المستقبل في عالم كله حركة وتطور

3 ) الحنين إلى ماض امن وإيقاف كل ما حركه المجمع من دينامية خوفا من فقدان السيطرة على الأحداث، وقد تجلى ذلك بتراجع قسم من الأساقفة عن روح المجمع أو رفضهم الصامت أو المكشوف تطبيق توجيهاته. كما ظهر، بمجيء يوحنا بولس2، موقف يريد أن يكون “توفيقيا – تطويعيا” لكل هذه الاتجاهات بغية إمساك خيوط اللعبة وإعادة التوازن والطمأنينة.

(31)

مهما كان من أمر فالمجمع ليس مجرد نصوص، وإنما ثورة فكرية وانطلاقة الروح. والحال إن لا النصوص هي وصفة سحرية، ولا الثورة تكتمل إلا من خلال الاختبار. وإذا كان لابد من بنى ومؤسسات لتنسيق التنفيذ، فلا ينبغي أن تحد هذه البنى من انطلاقة الروح. فتطلعاتنا هي أن تعالج كنيسة ما بعد المجمع بروح نبوية وثقة عالية بالرب وبنفسها، وبتواضع أيضا، مسائل لازالت تحتاج إلى مواقف أكثر جرأة ووضوحا، فهناك مثلا:

أ – ممارسة الجماعة –ولنقل الديمقراطية– بصيغ متقدمة توازن بين مشاركة الأساقفة والبطاركة مسؤوليات قيادة الكنيسة الجامعة، وبين إعطاء الكنائس المحلية –ومنها الكنائس الشرقية بالذات– قسطا أوفر من حرية التحرك والخصوصية واستقلالية القرار وفق ضرورات بيئتها الخاصة، مما يلزم إعطاء القاعدة دورا اكبر في حياة الكنيسة.

ب – موقع البابوية في القضية المسكونية بحيث لا يبدوا فيها كرسي روما وكأنه يهدد استقلالية الكراسي الأخرى. وإذا كانت سياسة الفطنة والمراحل ضرورية، فالخطوات والمبادرات الملموسة، حتى وان بدت مجازفة، ضرورية أيضا وملحة. فصبر المؤمنين كاد يتحول إلى شك في النيات.

ج – أخلاقية إنسانية تعتمد الضمير والوعي والمسؤولية أكثر من الردع أو القسر أو الكبت، وتعطي الأهمية لأبعاد الإنسان الزمنية. رد الاعتبار إلى المرأة كمرآة وكعضو كامل العضوية في الكنيسة، إلى صلتها بالكاهن، إلى الحب والجنس عموما.

د – فك الارتباط المزمن مع اللاموقف، أو مع الوضع القائم إذا كان جائرا يقمع الإنسان، فالكنيسة لا يسمح لها بالانحياز إلا إلى جانب الفقراء والمظلومين وصانعي السلام: وهذا هو الإنجيل.

بهذه الشروط ينقل المجمع إلى ساحات الكنائس المحلية ويجيب إلى تطلعات ومعانيات شعوبها، بحسب تعبير احد الأساقفة الأفارقة.

الأب جرجس القس موسى

((((((((((())))))))))

جولة في مراكز التثقيف المسيحي في الموصل

1983 المقالات:

اذار 1983

      في 19شباط 1981عقد اجتماع ضم أساقفة الأبرشيات الموصلية ورهطا من كهنتها وراهباتها لإحياء روح التنسيق والتعاون والمبادرة بين العاملين في أنشطة التعليم المسيحي، وأسفر عن خطوات أربع وهي:

1-      إعادة الحياة إلى “لجنة التأليف” المكلفة من قبل ابرشيات الشمال الكلدانية وتطعيمها

بعناصر جديدة لإعداد مناهج للتدريس الديني في المتوسطات والاعداديات.

2-     اخذ علم بنشاطات التثقيف المسيحي المعطى في الكنائس، واعتبار العاملين فيها من

كهنة وراهبات وعلمانيين “الهيئة العامة” لشؤون التثقيف المسيحي في المدينة.

3-    اختيار “لجنة تنسيق” مهامها “خدمة وارتباط بين المراكز المختلفة، واداة متابعة

وتنفيذ لاحتياجاتها، وهمزة وصل بينها وبين السادة الأساقفة”.

4-    السادة الأساقفة هم المسؤولون الرسميون عن نشاطات وشؤون المراكز. وتكون

العودة بصورة خاصة إلى سيادة المطران كوركيس كرمو.

   وتصب هذه الخطوات كلها ليس فقط في هدف الإنتاج الأفضل، بل هي أن ترتفع من مستوى النشاط المحلي لتصبح مشروع كنيسة الموصل، أيضا.

      وبغية عكس هذه التجربة – ومن خلالها تسليط الضوء على واقع التثقيف المسيحي في الموصل – أجرينا التحقيق التالي الذي يتناول نشاطات المراكز وحدها، لا المدارس التي تتضمن مناهجها مادة الدين المسيحي رسميا. وقد اعتمدنا فيه أربعة عناصر وهي: مقابلة مع أعضاء لجنة التنسيق؛ لقاء مع العاملين في المراكز من خلال أحاديث أجريناها مع هيئة مركزين حيويين (مار افرام ومريم العذراء) ومع احد الآباء وهو مسؤول عن ثلاثة مراكز أخرى. مقابلة مع السادة أساقفة الموصل عمانوئيل بني وغريغوريوس صليبا وكوركيس كرمو –إضافة إلى تقارير ومحاضر اجتماعات شؤون التثقيف المسيحي.

®    النشاطات العامة

      إذا كانت “لجنة التنسيق” أولى محطات جولتنا فقد أفادت عن وجود 10مراكز تتوجه إلى طلاب الابتدائيات والمتوسطات والثانويات المحرومين من التعليم المسيحي الرسمي. يضاف إلى ذلك لقاء ديني أسبوعي للجامعيين، ومحاضرة شهرية للبالغين، وقداس شهري خاص للشباب، مع لقاءات لشرح الإنجيل للكبار في بعض الكنائس. كما أفادت عن إقامة دورتين، الأولى تاهيلية لمدرسي التعليم المسيحي في المدارس والمراكز، في أيلول 1981، تناولت الأسس التربوية والنفسية والدينية لإعطاء التثقيف المسيحي ومناهج الدراسة المقترحة. والثانية لاهوتية مفتوحة حول إسرار العماد والتثبيت والاوخارستيا في ت1 1982. وهناك دورات صيفية للصغار في بعض الكنائس أكثر تكثيفا وعلى مدى أيام الأسبوع.

      أما عن نشاط “اللجنة” –وتتكون من كاهن وراهبة وشابين علمانيين، مدة انتدابهم سنتان– فهي، علاوة على دعوة الهيئة العامة إلى الاجتماع والتداول مرتين في السنة، تقوم بزيارة ميدانية سنوية للمراكز للاطلاع على طبيعة عملها وتلبية احتياجاتها، وتعمل على تنسيق قداديس الشباب والمحاضرات العامة، وقد زودت معلمي ومعلمات التعليم المسيحي في المدارس الرسمية بكتب دينية مساعدة –سيما وان المنهج الرسمي المقرر لا يختلف في هشاشته وسطحيته اثنان-.

     وعلى سؤالنا: لو طلب إلى “اللجنة” أن تؤدي عملها بصورة أفضل، ما هي أمنياتها؟ أجابت:

         إن يتاح لها قدر أوفر للمبادرة والخدمة، فلا تكون مجرد أداة “لتمشية الأمور”، بل حلقة

وصل مركزية في عملية التثقيف المسيحي، من دون أن يعني ذلك تدخلا أو هيمنة على نشاطات المراكز. كما تقترح “اللجنة” إنشاء مركز للرسائل التعليمية الحديثة من أفلام دينية وكاسيتات فيديو وسلايدات وبوسترات وكتب دينية أخرى كمصادر ومراجع.. تكون في خدمة المراكز.

®    طبيعة العمل في المراكز

      يقدرعدد المستفيدين من المراكز بأكثر من 350 طفلا وطفلة من المرحلة الابتدائية و 300 شاب وفتاة من المرحلتين المتوسطة والثانوية، بالإضافة إلى حوالي 200 طالب وطالبة من كل المراحل في مركز كنيسة الطاهرة الخارجية للسريان الأرثوذكس، ويرتاد لقاء الجامعيين بين 40 – 70 شخصا. أما التعليم فمختلط في معظم المراكز، ويعطى بحسب المراحل الدراسية، بدمج الصفوف المتقاربة، أو صفا، بحسب توفير الكوادر والأمكنة، ولا تتضمن جميع المراكز جميع المراحل بالضرورة، ويكون التعليم يوما في الأسبوع، وفي مركزين ينقل الصغار بالباص.

    الإطار العام للتعليم هو ربط الثقافة الدينية بالحياة والالتزام الفعلي، لذا يغلب طابع المشاركة في المناقشة والمحاورة بين المدرسين والطلاب، لاسيما في المراحل المتقدمة. أما المادة الدينية فهي تختلف من مركز إلى آخر ولا تتبع منهجا موحدا. فإذ يعتمد أكثر من مركز (للمتوسطات والاعداديات) الإنجيل مادة رئيسية للشرح والتطبيق إلى جانب موضوع ديني أو اجتماعي آخر يختاره الطلاب، يجعله آخرون بمثابة افتتاحية ثم يليه الدرس المنهجي بحسب المسودة التي أعدتها لجنة أبرشيات الشمال، أو موضوع آخر كالكتاب المقدس أو تاريخ الكنيسة. وهناك من يعتمد مخططا شهريا يتضمن ثلاث محاضرات والرابعة أسئلة مفتوحة –كما في لقاء الجامعيين-. وتعد مراكز أخرى أوراقا توزع على الطلبة حول الإنجيل مرفقة بأسئلة. أما بالنسبة لطلبة الابتدائيات فعنصر التنويع محدود ويكاد ينحصر في إعطاء المبادئ الدينية الأساسية بصبغة الإلقاء. غير أن المنطلق السليم يبقى أن الجميع يعتمدون حياة يسوع وأحداث الإنجيل لتنوير إيمان الصغار. ويعبر هؤلاء عن هذا الجانب العملي، في هذا المركز أو ذاك، بالرسوم التي يلونونها أو يجمعونها في دفاتر خاصة أو يرسمونها بأنفسهم ويعلقون عليها، أو بالواجبات البيتية حيث يستعينون بذويهم لإكمالها، مما يربي عندهم روح البحث والمسؤولية الشخصية. ويأتي كتاب “الشوق الديني” ككتاب أساسي لمعلمي معظم مراكز الصغار.

     ومن وسائل الإيضاح المتاحة بعض أفلام الفيديو والسلايدات والآيات الجدارية والبوسترات التي يرسمها شباب المراكز، كما أن في أكثر من مركز نواة مكتبة دينية.

®    الكادر التعليمي

       لقد لمسنا حقا في جولتنا حماس هؤلاء الكهنة والراهبات والشباب،  من مدرسين ومعلمات وموظفين وطلاب جامعيين أو إعداديين، الذين يشكلون الكادر التعليمي في المراكز. لقد رأينا أن من سماتهم الفرح والإيمان والاندفاع، هم الذين تسلموا، تطوعا وشعورا منهم بالتزامهم المسيحي، مسؤولية رعاية الإيمان في بلدنا، إلى حد ما. أفليست تلك مسؤولية خطيرة؟.. فنظرا لأهمية الكادر التعليمي ودوره في المراكز طرحنا السؤال الخاص حول الثقافة الدينية للعلمانيين العاملين في التعليم، وكان الجواب واحدا:

         القليل القليل كفوء حقا ويمتلك ثقافة دينية جيدة، ويبقى رأسماله الأساس حسن استعداده

ومعلوماته الخاصة التي تعتمد على اجتهاده الشخصي، أما من أين يتغذى هذا الاجتهاد الشخصي.. فمن القنوات التالية:

         المعلومات الشخصية المكتسبة في سني الدراسة أو الأخويات والحركات الرسولية السابقة.

         المطالعات الشخصية.

         المشاركة المباشرة في تهيئة موضوع الدرس، شخصيا أو جماعيا أو مع الأب

المشرف.

         الدورات التاهيلية واللاهوتية والمحاضرات الدينية المختلفة.

      قد تكون هذه الفقرة الأخيرة متصلة اتصالا مباشرا بتاهيل مدرسي التعليم المسيحي، غير أنها غير كافية بوضعها الحالي، وقد اجمع الكل على أن الموضوع بحاجة إلى معالجة أعمق لتهيئة كادر مقتدر. إلى جانب هذا النقص الفني هناك نقص في العدد أيضا، فبينما تتمتع بعض المراكز بعدد واف من الشباب والفتيات، هناك مراكز تعاني من قلتهم أوغيابهم، ولولا الراهبات (حوالي 15 يعملن في جميع المراكز) لواجهنا أزمة.

®    الحصيلة.. الطموح

         ما هو انطباعكم وتقييمكم لعطاء المراكز؟

     هذا السؤال طرحناه على السادة الأساقفة، فأجاب المطران كوركيس كرمو –وهو يقوم شخصيا بالتدريس في مركز مسكنتة لطلبة الإعدادية ويساهم مباشرة كل أسبوع برعاية لقاء الجامعيين مع كاهن آخر-.

X      – أنا متفائل وسعيد بعمل المراكز التي تؤدي عملها بصورة جيدة وجدية، سيما وإنها تغطي

معظم الخورنيات.

X      – كما صرح المطران غريغوريوس صليبا –وهو الآخر يعد بنفسه دروسا حول الكتاب

المقدس لتوزع على الطلبة الكبار – بان أصداء توحي بالفرح والأمل والاعتزاز، فالأهل يعبرون عن ارتياحهم لرعاية الكنيسة تربية أولادهم الدينية. غير إن ذلك يدعونا إلى بذل المزيد من الجهود وتوفير كل مستلزمات التعليم المادية والمعنوية.

X      أما المطران عمانوئيل بني، فإذ قيم ايجابية تجربة المراكز وهمة القائمين عليها، أدلى بثلاث

ملاحظات سلبية وهي: عدم تحسس بعض الكهنة مسؤوليتهم تجاه عملية التثقيف المسيحي؛ ضالة عدد العلمانيين في هذه العملية وافتقار معظم المشاركين فيها منهم إلى النضوج والتهيئة؛ وتقصير الأهل في عدم التجاوب الكافي مع المراكز.

     وعلى سؤال في ما إذا لم يكن من المنطق المستقبلي تطوير المراكز لتصبح القنوات الرئيسية للتثقيف المسيحي للطلبة، سيما وان دور المدارس في هذا المضمار اخذ في الضمور، أجاب سيادته:

          فعلا، لا يمكننا الاعتماد كليا على المدارس، سيما وان المادة المقررة فيها سطحية

وضعيفة، لذلك أرى من الضرورة تعزيز وتطوير المراكز.

         وما هي سبل تعزيز وتطوير هذه المراكز عمليا كي لا نبقى كمن يقوم بعملية “إسعافات

أولية” أكثر مما يعالج المشكلة بعمق وجدية ونظرة بعيدة؟

     على هذا السؤال اجتمعت كل الإجابات في صيغة اقتراحات ثلاثة تكتسب أهميتها من خطورة التجربة التي تخوضها عملية التثقيف المسيحي في العراق في هذه المرحلة بالذات،  وهي:

    1 ) وضع مناهج موحدة على شكل كتب مبرمجة لكافة المراحل توضع بين أيدي الطلبة والمدرسين.

    2 ) إعداد الكوادر التعليمية بشكل يتجاوب وعمق المسؤولية، بتكثيف الدورات التاهيلية واللاهوتية واللقاءات المختصة والمطالعة، وحبذا لو ينظم لإعدادهم برنامج دراسي زمني خاص.

   3 ) توفير الظروف المكانية الملائمة للتعليم من غرف وقاعات …

      إننا في بداية تجربة خاصة تحتاج إلى عامل الزمن لإثبات وجودها وفاعليتها. ولكننا خرجنا متفائلين من جولتنا.. ليس لان هذه التجربة تعكس أن روح العطاء لم يغادر كنيسة الموصل، وحسب، وإنما أيضا لان هذا العطاء يريد أن يكون جماعيا ومنسقا –إي عمل كنيسة لا أفراد-، وانه يطمح أن يكون نواة مشروع للمستقبل. 

 

          شاركت في التحقيق: الأخت سانت آتيين

((((((((((()))))))))

القداس حدث ووظيفة

ملف/ نيسان 1983 

     موضوع “القداس” مرة أخرى.. ولكن الأب جرجس القس موسى يتناوله في هذا الملف، ليس من وجهة نظر لاهوتية أو تاريخية أو ليتورجية محضة، بل من حيث هو حدث أو فعل اجتماعي ورمزي وضع للبلوغ بالمشترك فيه إلى “حالة ” معينة من الاتصال الروحي “والحضور مع” الإخوة.. بكلمة أخرى انه يبحث. من وجهة نظر اجتماعية، في “وظائف القداس”، فإذا هي دينية – كنسية – اجتماعية – تثقيفية”.

    “صلة” القداس بمفعوله الموضوعي المباشر والبعيد في حياة المؤمنين.. خطوط إبراز الدور المركزي للقداس في حياة الشعب المسيحي. 

         لماذا يوضع القداس كفعل مركزي في عبادات المسيحية؟

         لماذا هذا الإصرار على حث المؤمنين للذهاب إلى القداس؟

         ما هي وظيفة القداس في حياة المؤمن، في حياة الكنيسة؟

هذه الأسئلة تستحث فضولنا عندما نرى الأهمية الكبرى التي توليها الكنيسة للقداس.  

       في المحاولة التالية سأنظر إلى القداس(1) من زاوية محددة، زاوية المحلل الاجتماعي الذي يربط بين “الحدث المستثار” و “الوظيفة التعبوية” المتوخاة منه، أو بعبارة ابسط، بين الممارسة والطاقة المعنوية التي تتضمنها هذه الممارسة. من وجهة النظر هذه سأحاول تحديد “الوظيفة” او “الوظائف” التي يؤديها “قداس يوم الأحد”، مباشرة أو غير مباشرة، ومن ثم الربط بين أحداث القداس والطاقة التعبوية التي تمتلكها لتعميق مفعول تلك الأحداث لدى المؤمنين. أما البعد اللاهوتي للقداس فلن أتطرق إليه إلا بقدر ما هو “عنصر إيحائي ودينامي” لجعل القداس مركز ومحور حياة الإيمان والشهادة المسيحية.

أولا: وظيفة القداس

    عندما نتكلم عن “وظيفة القداس ” –لا من حيث هو تعبير لاهوتي في حد ذاته، بل بوصفه حدثا، أو فعلا إنسانيا– فإنما نتكلم عن “الدور” الذي يؤديه القداس، إي “المهمة” المنوطة به (موضوعيا)، أو المنتظرة منه (نظريا)، أو الناتجة عنه (عاطفيا ونفسيا). وهذا الدور، أو هذه الوظيفة، يؤديها القداس -كلامنا هنا عن قداس يوم الأحد– في ظرف زماني ومكاني جماعي، لان القداس فعل أو حدث جماعي، وليس عبادة فردية أو التزاما من التزامات الكاهن القانونية الخاصة. من هذه الزاوية المعينة نميز ثلاث وظائف للقداس: اجتماعية، دينية – كنسية، وتربوية – تثقيفية.

1 – الوظيفة الاجتماعية

      في بيئة ريفية تقليدية، كما هو الأمر في قرانا، يكون القداس مناسبة لالتئام جماعة متكونة مسبقا. والى وقت ليس ببعيد كان قداس الأحد الفرصة الأسبوعية الرئيسية، ولربما الوحيدة، للخروج من البيت، مما يجعل منه، إي القداس، “زمنا بارزا” في حياة القرية. من هنا أهمية اللقاءات والأحاديث والعلاقات المتبادلة قبل وفي أثناء وبعد الاحتفال.

     قد يختلف الوضع في المدينة من حيث أن أواصر “الجماعة” ليست بالمتانة ذاتها التي في القرية أو المحلة التقليدية. ولكن إذا كان القداس في المدينة، ولا سيما في المدن الكبرى، يجمع أشخاصا لا يلتقون في موضع آخر، فكثيرون منهم لا يجهلون كل شيء عن الآخرين، لا بل منهم من يقصدون الكنيسة الفلانية لاتهم فيها يلتقون بمعارف أو أقرباء لهم: وتشهد بذلك الحلقات الصغيرة التي تتكون في ساحة الكنيسة لدى الخروج من القداس. وهذا بحد ذاته مؤشر ذو مغزى.

       ولكن السؤال هو: هل أن مثل هذه العلاقات التي تتكون أو تتجدد بمناسبة القداس هي دليل ايجابي لنجاح الاحتفال الاوخارستي، أم ينبغي أن يبقى هذا الاحتفال “التقاء عابرا” ذا طبيعة شخصية؟ بصورة أدق وأوضح: هل أن مثل هذه العلاقات ضرورية أو مفيدة للتعبيرعن خصوصية الروح الجماعية والعائلية التي يستهدفها القداس؟

     إذا أخذنا، من وجهة نظر اجتماعية، بان القداس، من أهدافه إثبات الهوية الانتمائية، وإذا أخذنا عبارة ” إثبات الهوية الانتمائية ” هنا بمعنى التعبير عن الإيمان الشخصي الذي يتحقق زمنيا ومكانيا ضمن الانتماء إلى جماعة معينة مع ما يتضمن هذا الانتماء من التزام بأطر ومقومات هذه الجماعة، وليس بمعنى البطاقة الشخصية الشكلية؛ إذا أخذنا بهذا المفهوم فكل نشاط فعلي يتصل مباشرة بالتعبيرعن روح التضامن والمشاركة مفيد وضروري، شريطة أن لا ينحرف عن طبيعة القداس الخاصة.

       في هذا المنظور نرى العلاقات الناشئة بمناسبة القداس. لا بل نتساءل إذا لم يكن البعد الجماعي للقداس ناقصا في إحدى حلقاته الأساسية في غياب مثل هذه العلاقات “الخارجية”. وبقدر ما يشكل “مرتادو” القداس أقلية في محيطهم الاجتماعي والمهني اليومي، بقدر ذلك تبرز ضرورة هذه اللقاءات، سواء كانت منظمة أو عفوية. ويظهر ذلك بصورة أجلى بالنسبة إلى الجاليات الوافدة –من قطر آخر أو من مدينة أخرى، ولا سيما الوافدين من الريف لمتانة الحس الجماعي والتضامني والقرابة لديهم-، أو العناصر المعزولة أو الهامشية الأخرى. فالقداس لهؤلاء، بالإضافة إلى بعده الديني، هو ملتقى لتجديد الأواصر، والشعور بالأمان العاطفي والنفسي بالعودة إلى الجذور الثقافية المشتركة مع ابناء منطقتهم القدامى، وحذف للطبقية الاجتماعية وعيش المساواة رمزيا مع سائر المؤمنين على مقاعد واحدة وفي تعبير إيماني واحد.

        كلمة أخرى نقولها عن علاقة الكثافة العددية في القداس مع البعد الجماعي. ففي الجماعات الليتورجية الصغيرة من (5 – 15 شخص: رياضات روحية، فرق صلاة أو مناقشة، قداديس البيوت..) يشعر كل واحد بدوره الخاص مما يتيح علاقات شخصية وتضامنية أعمق. كما إن الجو العائلي والنفسي البعيد عن التكلف في مثل هذه الجماعات يخلق انفتاحا وحالة من الانتباه الرهيف لفهم الرموز الليتورجية بصورة أفضل. مثل هذا الانتباه يحدث أيضا في القداديس الخاصة التي تقام لبعض الفئات (أخويات، ندوات، شباب، ممرضات، مرضى، أطفال..) في إطار ليتورجي وتكويني يلائم انتظاراتهم.

      هذه الاحتفالات المشتركة الخاصة ضرورية، من وقت لآخر، إذا ما أريد تنمية الشعور بالانتماء الجماعي، شريطة أن توضع في إطار الانتماء الأوسع إلى الجماعة الكنسية المحلية. فالجماعة الكبيرة لها أهميتها الخاصة أيضا من حيث طاقات الإيحاء الشمولية والانفعال التي تثيرها، بالإضافة إلى أنها تجمع أناسا مستقلين عن بعضهم، متبايني الجذور الاجتماعية والنزعات وتضعهم في جو يعبرون فيه سوية عما هو مشترك وموحد بينهم متجاوزين اختلافاتهم ولربما خلافاتهم. (هكذا نرى أهمية أن تجري الاحتفالات الطقسية الكبرى في الكنائس المركزية). من هنا نرى أهمية بعض الرموز والحركات الليتورجية وبعدها الاجتماعي والإنساني كتبادل السلام والتناول (من الخبز الواحد).

      وتأتي المشاركة الفعلية في القداس عن طريق الإجابات التي تشكل حوارا بين الكاهن والشماس والشعب، وعن طريق حركات الجسد(قيام، جلوس، بسط الأيدي، انحناء، ركوع..)، كتعبيرعملي مباشر للروح الجماعية والوعي المشترك بالعضوية الفعلية. وسيكون القداس نقطة ارتكاز و “حالة نفسية” بقدر ما يحمله إلى الجماعة من طاقة إيحائية رمزية في إطار تحقيقه المباشر.هنا نرى دور البدائل في المدن حين يقصد البعض كنيسة غير خورنتهم وعلاقة ذلك بالشعور ألانتمائي إلى جماعة صلاة أكثر تجاوبا مع تجربتهم وطموحهم الإيمانيين. إذ بقدر ما تحول العوامل الجغرافية والزمنية في شد أواصر الجماعة (التبدد بعد القداس) بقدر ذلك ينبغي استثارة أوضاع جماعية تعبر عن المشاركة الفاعلة وتبعث الوعي التضامني

2 – الوظيفة الدينية – الكنيسة

   إن خصوصية القداس هي في كونه، حتى في وجهه الاجتماعي، يعود إلى أصول روحية وطبيعة دينية، مما يزيد، في الواقع، من قوة تأثيره وطاقته التعبوية. وهذه الطاقة تتضاعف عندما نعرف بان القداس وجه من أوجه “الاستذكار الجماعي” عبر الزمان والمكان، ليس لما فعله أجدادنا المباشرون من قبلنا وحسب، بل خاصة لما فعله يسوع نفسه في عشاء الوداع، وللطريقة التي بها جدد المسيحيون الأولون “فعل” يسوع، ولاسيما للزخم الروحي الذي ضمنوه هذا “التجديد”. فلو عدنا إلى الأجيال المسيحية الأربعة الأولى لاستخلصنا العناصر التالية من “الاحتفال الاوخارستي”:

     1 – انه كان يتم في يوم الرب، الأحد، بعد الاعتراف بالخطايا والمصالحة مع الإخوة، لتأتي الذبيحة طاهرة.

     2 – إن الذبيحة روحية وتعطي غذاء روحيا للمشتركين.

     3 – إن اختيار يوم الأحد كان بصلة مع كونه يوم قيامة الرب –ويوم مجيئه الثاني رمزيا-، لذا كان الأحد رمز ابتداء الخليقة الجديدة في المسيح.

     4 – إن القرينة بين “كسر الخبز” وفعل “الشكر” هي في اكتشاف حضور الله بين شعبه، عبر هذا الحدث، وشكره على سر الخلاص الذي أتمه على مراحل إلى أن اكتمل بيسوع المسيح: ومن هنا طغت كلمة “اوخارستيا” “ومعناها الشكر” على الاحتفال كله.

     5- إن الاحتفال كان يتم مرة واحدة في موضع واحد لإبراز الوحدة والمركزية حول الحدث.

     6 – انه، رمز الاجتماع والشركة ورمز الاتحاد بين الإخوة.

     7 – انه، نتيجة لذلك، اجتماع الكنيسة. فالكنيسة تظهر بصورة ملموسة حيث يشترك الإخوة بالاوخارستيا. (ربط ذلك بمفهوم بولس الرسول عندما يسلم على الكنيسة التي في بيت أكيلا وبرسكيلا وغايوس.. إي الجماعة المسيحية التي تلتئم لكسر الخبز عندهم: رومية 16: 5،23  واكور 16: 19)(2).

       إن هذه العناصر مكنونة كلها في قداسنا اليوم وهي تشكل ارضيتة اللاهوتية الحقيقية.  ولكننا لسنا أمام “تنظير لاهوتي” مجرد، وإنما “تأمل” و “استذكار” منغرزين في التاريخ، تاريخ يسوع ذاته وتاريخ الكنيسة. لذا تضمن كل عنصر من العناصر المذكورة قيمة من القيم الإيمانية والدينية والكنسية التي عاشها المسيحيون الأولون ويدعى إلى عيشها مسيحيو كل الأزمان، اليوم وغدا.

      فإذا كان القداس تجديدا لتضحية المسيح، إي إذا كان المسيح يوجد بيننا في حالة ذبيحة فدائية، وفي حالة المخلص الناهض من الموت حيا.. فالبعد الحياتي يكون في إن يرى المؤمن فيه ألامه وتضحياته وحياته على ضوء تضحية المسيح وقيامته، فيكتشف فيها قيمة فدائية، ومن ثم دعوة إلى الأمل والحياة والتجدد.

     وإذا كان القداس “عشاء ” طقسيا أو دينيا تتكون مادته من المادة ذاتها التي  استخدمها المسيح والتي هي ثمرة جهد الإنسان.. فالبعد الحياتي يكون في أن يرى المؤمن في اشتراكه وتناوله غذاء إيمانيا (= الخبز) يبعث فيه الفرح (= الخمر)  وحافزا إلى اندماج اكبر بحياة المسيح وحياة الإخوة: أليست هذه هي وظيفة تقاسم الطعام الواحد! من هذا المنطلق كان التناول جزءا مكملا وأساسيا للمشاركة الحقة في القداس، وليس ترفا روحيا، أو إضافة مربكة تحشر كملحق بعد ختام القداس.

    وإذا كان القداس فعل الجماعة المسيحية كجماعة متضامنة، وليس كإفراد جمعتهم الصدفة؛ إي بتعبير آخر إذا كان القداس فعل الكنيسة ككنيسة فالاشتراك في القداس يكون رمز عضويتنا في هذه الكنيسة التي يدعوها بولس جسد المسيح السري.. أما البعد الحياتي فيكون في الشعور بالمسؤولية تجاه الكنيسة والتزام مسيرتها وتقدمها ومحبتها، مع ما في المحبة من عطاء ومعاناة.

    هذه هي ابرز جوانب الوظيفة الدينية للقداس، هذه الوظيفة التي يمكننا إيجازها في عبارة مشبعة وهي: المجاهرة بالإيمان المشترك جماعيا، وعيشه مكثفا وبأساليب تعبيرية ورمزية واحدة، وباتفاق ضمني على معانيها، في ظرف زمني وجغرافي معين، ولكن منفتح إلى حركة الحياة.

3 – الوظيفة التربوية – التثقيفية

      إذا كان التعبير عن الإيمان وعن الوحدة في المحبة والشركة من الوظائف الدينية والكنسية والاجتماعية الرئيسية للقداس، فالاجتماع الاوخارستي يتضمن أيضا بعدا تربويا وهو التنشئة على الإيمان والمحبه. ويقوم بهذا الدور –أو هذه الوظيفة- القراءات الكتابية والموعظة. غير أن التنشئة الإيمانية في القداس لا تنحصر في هذا القسم وحده. فإذا كانت وظيفة القراءات أن تربط الإيمان، اليوم، بتاريخ الخلاص ولا سيما بشخص المسيح المخلص وتعاليمه وخبرة رسله في حركة اتصال وتواصل نحن حلقتها الأخيرة؛ وإذا كان من طبيعة الموعظة أن تربط بين الإيمان ومفرداته التعبيرية الأخرى– فالقداس بأكمله يشكل عملية تنشئة اختبارية على الإيمان والصلاة والبحث الروحي والحس الكنسي.

      إن القداس يشكل حلقة جوهرية في حلقات التثقيف الإيماني، بل أعمقها إيحاء ومصداقية وإقناعا لما يضمه من عناصر تخاطب وجدان وعاطفة المؤمن، ولجو الهيبة والقدسية والاتصال الروحي والإصغاء النفسي، الذي يفرضه أو يستثيره. لذا، فبقدر ما تكون المشاركة فعلية والرموز نافذة في ذهن المشتركين، بقدر ذلك يؤدي القداس وظيفته التربوية – التثقيفية بعمق.

      هنا يأتي دور الشروحات الضرورية لبعض المفردات والحركات وتوجيه الاحتفال وتركيز الذهن حول نقاط مركزية، لئلا يأتي مجرد تكرار. كما تظهر أهمية الوضوح في صيغ إعلان الإيمان، وجدية الأداء، وسلامة نصوص الصلوات والتراتيل، معنى ومبنى، وحسن اختيار النصوص الكتابية ومواضيع الموعظة وأسلوبها… بحيث تجد صدى ابلغ في حياة المؤمنين ومعانياتهم.

      هذا هو المنظور الذي بموجبه نعتبر القداس قناة تثقيف مسيحي حقيقية تتصل عضويا بالقنوات التثقيفية الإيمانية الإنجيلية الأخرى كالدورات، والحركات الرسولية، والوسائل التعليمية والإعلامية الأخرى، المكتوبة والمرئية والمسموعة. وكلما انحسرت مثل هذه الوسائل والنشاطات الخارجية، كلما ازدادت أهمية الجانب التثقيفي والتنشيئي للقداس (والاحتفالات الطقسية الليتورجية الأخرى). ولعلنا، في العراق، اليوم، لم ننتبه بما فيه الكفاية إلى هذا الجانب، سيما وان القنوات التثقيفية الأخرى، إن لم تكن معدومة تماما، فهي محدودة جدا، بالإضافة إلى كون القداس نشاطا عاما ومنفتحا إلى جميع فئات الشعب.

ثانيا: لكي يحتفظ القداس بدوره المركزي

       ليس القداس كلا متكاملا وصل ألينا هكذا في جزئياته، ولا صيغة جامدة ينبغي أن “تُصَدًر” هكذا إلى الشعوب الجديدة أو تورث كما هي للأجيال القادمة. هذا ما أكده المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في دستور الليتورجيا رقم 37: “ان الكنيسة لا ترغب أن تفرض صيغة نص موحد لا يتغير في المجالات التي لا تمس الإيمان وخير الجماعة العام وحتى في الطقسيات، بل بالعكس تحافظ على ميزات الشعوب المختلفة ومواهبها.. وتقبل بها في طقسياتها شرط أن تتناغم مع روح طقسي حقيقي”.

      فالتجدد الليتورجي – ومنها القداس – نتيجة حتمية لتطور المجتمع. المهم هو المحافظة على الجوهر مع الأمانة لروح التقليد، لا لحرفه الذي قد يتجاوزه الزمن فيفرغ من معانيه. أما التنوع فهو غني في التعبير وعلامة ثراء لقابلية الكنيسة في استقبال التعابير والثقافات الجديدة.

ففي سبيل أن يحقق القداس أهدافه الأساسية المذكورة، ويحتفظ بدوره المركزي في الحياة المسيحية ينبغي إعادة تقييم – ولربما إعادة نظر – في مفرداته. وسنتطرق هنا إلى بعض الجوانب معتمدين الإيجاز ليبقى الباب مفتوحا أمام الاجتهادات والمتابعة: 

        أ – البيئة الاوخارستية والديكور: التصميم الهندسي للكنيسة وترتيب المواقع فيها ينبغي أن يتمان وفق الوظيفة المتوخاة. هيئة المذبح ووضعيته، قربه، بعده، كونه جزء من المحفل أو منصة احتفالات معزولة. قضية الصدى وإيصال الصوت بوضوح. القيمة الفنية والإيحائية للصور والإيقونات، قلتها، تزاحمها…  

 

        ب  – الرموز، صلة الكلمة بالحركة والمعنى: لان الليتورجيا تستهدف واقع الإيمان الذي يتعدى التجربة الحسية، فهي تدور كلها في جو من الرموز، فكل حركة ظاهرة ترمز إلى حقيقة لا منظورة.

والرمز يكون “إشارة” – أو “نبوة” – بحسب طاقته الإيحائية أو بحسب المعنى الذي يحمله إياه الوسط الثقافي أو التراث الموروث  من هنا أهمية الثقافة الدينية والخلفية التاريخية ولا سيما الكتابية والتقليد للإيحاء في التعبير الديني وتثبيت “الانتماء”: فنحن تواصل، تاريخ، ولسنا مقطوعي الجذور: ورثنا ونورث.

        والرمز ضروري للحياة لأنه أكثر ثراء في التعبير عن تعددية الأوجه المعاشة أو المطموح إليها. لذا كانت ضرورته اكبر في الليتورجيا، وفي غيابه تصبح سطحية، مكشوفة، باردة، تعجز عن النفاذ إلى القلب. الرمز في الليتورجيا يشكل أداة لإعطاء المعنى لما تنتجه الحياة من أبعاد جديدة لإيماننا. 

        ج – اللغة: لغة مفهومة، لغة الشعب (قد يكون بقاء بعض النصوص في لغة تراثية مفيدا للإيحاء عبر السرية ). الترجمة وحدها لا تكفي، فألاهم هو تجانس الذهنية لفهم الكلام ومدلولاته والتشبع بروحه. الترجمات السريعة ولا سيما الارتجالية غالبا ما تصب في المبهم وإنصاف المعاني وحتى في الأخطاء.

أهمية القراءات:مجال لفترات صمت للتأمل والمضغ.

        د – القراءات: اختيار النص الملائم. الطول، العدد، الوضوح في الأداء. بعض نصوص العهد القديم التي تعكس جوانب عنصرية أو عدائية انتقامية أو تشريعية نافلة غير ضرورية. تفضيل العهد الجديد والأنبياء.

        ه – الموعظة: الموعظة فقرة مهمة جدا في القداس وغيابها يعني غياب عنصر تثقيفي وتعبوي رئيسي. موضوعها، لغتها، إعدادها، طولها، هناك صفات أساسية كي تشد الجماعة وهي: اللفظ الواضح –اللياقة في الحركات ونبرة الصوت– الكلمة الجيدة. وجودة الكلمة تأتي أولا من واقعية الموضوع، إي من معالجتها الموضوع الذي ينفذ  صداه في قلوب المستمعين ويستلهم واقعهم ومعانياتهم، وثانيا من بساطة الأسلوب وربط الأفكار والتدرج في العرض. السؤال هو: هل الموعظة محاضرة، أم استعراض خطابي، أم تعليم ونداء إيماني للحياة؟ أليست وظيفتها أن تكون “نبوة” للسامعين، اعني إعلانا ونداء لدور الله في حياتنا عبر يسوع المسيح: “اليوم تتم هذه الكلمة في وفيكم..”.!

        و – الاشتراك الفعلي والتنشيط:  المشاركة هي أن يشعر كل عضو بأنه جزء من المجموع، جزء مسؤول عن سير العملية، لا مجرد مشاهد انفرادي. من هنا أهمية المشاركة الفعلية كلاما وترتيلا وحركة. دور التنشيط في نقل الحماس وروح المشاركة عن طريق “منشط” كاهن أو علماني، أو عن طريق اللجان الليتورجية التي تعد وقائع القداس، أو الجوقة التي تخلق جوا من الهيبة والصلاة وترهيف النفس. أهمية التراتيل الشعبية المعروفة إلى جانب تراتيل جديدة.

      أهمية الشمامسة وإعدادهم (ولكن في منظور جماعي، وليس كمقرئين انفراديين، كل على هواه يستعرض طاقاته الغنائية).

       إلى هذه الجوانب نضيف كل ما ورد في الفقرات السابقة من ملاحظات ومؤشرات حول تعميق فهم القداس وتأثيره في الحياة، من سبل توسيع المشاركة الفعلية والفاعلة فيه، إلى دور القداديس الخاصة أو الجماهيرية، إلى الشروحات التي تتناول معانيه ورموزه وأهدافه (سواء كان ذلك ضمن القداس أو عن طريق كتب ونشرات ولقاءات خارجية). 

خاتمة

      إن القداس يحقق هدفه الكامل عندما يكون نقطة انطلاق للحياة، فيعيش المؤمن في واقع الحياة القيم التي بني عليها. وهذه القيم، إذا انطلقت من الاغتناء الروحي الذاتي والتعمق الإيماني الشخصي، فهي تثمر واقعيا، وبزخمها الطبيعي، في التزام ذي وجهين: اجتماعي وكنسي، شخصي وجماعي. ولعل خير خاتمة لهذا البحث هي أن نركز على القرينة بين جسد المسيح الاوخارستي وجسد المسيح السري الذي تحققه رمزيا عندما نجتمع في القداس لتجديد حضوره، هذا الحضور الذي يمتد في التاريخ الإنساني حيا وفاعلا عبر التزامنا الإنساني كمؤمنين وككنيسة.

——————–

(1)     تناولت “الفكر المسيحي” القداس من جوانب اخرى: انظر “المشاركة في القداس” (اذار 74)، ة”دور الاوخارستيا في بنيان الكنيسة” (ك2 76)، “البعد الجماعي للاوخارستيا”(ايلول 76)، “المشاركة في القداس” (نيسان 77)، “القداس في كنائسنا الشرقية” (ك1 78)، “اقامة الاوخارستيا عبر التاريخ” (اب/ايلول 82)، “الاحتفال بيوم الرب” (نيسان 1982).

(2)     انظر كتاب “تعليم الاثني عشر” (100- 150م)؛ “التقليد الرسولي” لهيبوليتس الروماني  (+ نحو 253)؛ قورلس الاورشليمي (313- 386)…

((((((((((())))))))))

مقابلة مع الاب فانسان دكوانونكل 

((((((((((())))))))))

الأسرة خلية الكنيسة

العدد 188-189 ت1- ت2 عام 1983

الأسرة خلية الكنيسة

بماذا تتميز الأسرة”المسيحية”؟ هل لها من طابعها”المسيحي” خصوصيات نضع على عاتقها واجبات والتزامات؟ وماذا يعني ان الأسرة هي”خلية الكنيسة”

وهل كونها”خلية” يفرض عليها رسالة خاصة في الكنيسة؟ أسئلة يطرحها الأب جرجس القس موسى في إطار دراسة راعوية، انطلاقا من موقع الأسرة على الصعيد الإنساني وانتهاء بموقعها على الصعيد المسيحي ودورها البنوي في الكنيسة والمجتمع. وذا كانت الأسرة المدرسة الأولى للإنسانية، فالأسرة المسيحية هي ضمن الجماعة المسيحية،”مدرسة الإيمان” في أحضانها يولد الإيمان وينموا، وهي بالتالي”خلية حية وفاعلة” في الكنيسة لها رسالة تضطلع بها وعليها تترتب مسؤوليات خطيرة تؤديها عن طريق الشهادة والالتزام وممارسة جادة لدورها البنوي في حياة الكنيسة والمجتمع.

كلامنا عن الأسرة المسيحية

ولكن ما المقصود بالأسرة المسيحية وهل ثمة خصائص تميز الأسرة المسيحية عن غيرها؟

الأسرة المسيحية هي تلك التي، بالإضافة إلى انتمائها الاجتماعي إلى الجماعة المسيحية، تعود في تفكيرها وأحكامها وتقييمها للأمور إلى شخص يسوع المسيح، وتحاول السلوك حسب مبادئ الإنجيل. وهنا تكمن خصوصيتها. والحال إن العودة إلى يسوع المسيح لا تخرج المسيحي من إطار الإنسانية، بل ترتقي به إلى أسمى ما فيه وفيها، ذلك لان يسوع المسيح متجسد تجسد كامل في صلب الإنسانية وهو يمثل قيمة متميزة، بل هو بمثابة الذروة في تاريخنا البشري. لذا كانت قيم الأسرة المسيحية قيما إنسانية أولا، ومن ثم مسيحية.

ولكن ما معنى أن الأسرة المسيحية خلية الكنيسة؟

“الخلية”من وجهة النظر الاجتماعية، هي اصغر وحدة اجتماعية، وكما إن خلايا الجسم البيولوجية مرتبطة ببعضها عضويا، هكذا الخلية الاجتماعية ليست كذلك إلا من حيث علاقتها بالمجموع وارتباطها وظيفيا بالخلايا الأخرى.

فان تكون الأسرة خلية الكنيسة معناه. أولا، أنها بارتباطها بخلايا مماثلة أخرى تشكل”جسم الكنيسة”، وإنها، ثانيا، بانتمائها إلى هذا الجسم تستمد منه الحياة وتترتب عليها نحوه، في الوقت عينه، واجبات والتزامات.

فعندما نتكلم عن الأسرة بصفتها خلية الكنيسة،  إنما نتكلم عن الأسرة من حيث هي وحدتها التكوينية الأولى، ومن حيث وظيفتها الاجتماعية – التضامنية تجاهها، على نحو ما لعلاقة الجزء بالكل والكل بالجزء.

هذه هي الزاوية الخاصة التي تحدد موضوعنا وسنبحث ذلك من خلال حالات

ثلاث. هي:                      أولا – موقع الأسرة على الصعيد الإنساني

الأسرة هي وحدة التكوين الإنساني الأولى وموضع تنشئه الفرد على الحياة كشخص مستقل وكعضو في المجتمع. فهي بذلك المحطة الأولى لبناء العلاقات الإنسانية الشخصانية بين الأفراد ولعملية المشاركة الاجتماعية. بهذا المعنى دعاها القديس اوغسطينوس”مشتل المجتمع”أي منشأه، كما ورد في خطاب يوحنا بولس الثاني في مؤتمر المجلس ألحبري للأسرة في أيار الماضي.

هذا التحديد يتيح لنا أن نرى في الأسرة نقطة الانطلاق في تكوين الشخصية والمرجع الأساس لبناء الذات. وإذ علمنا إن مقومات بناء شخصية الفرد تستند على عناصراساسية ثلاثة هي: الوراثة والبيئة والاكتساب الذاتي والذي يتم عبر عملية حوار داخلي، في الوعي واللاوعي، بين الفرد – طفلا أو بالغا – وبين معطيات تلك الوراثة وتلك البيئة بصورة خاصة، نرى كم إن دور الأسرة – وهي البيئة الطبيعية الأولى للإنسان- جوهري وأولي.

صحيح إن هذا الدور ليس حاسما، لان البيئة الأسرية ليست هي بيئة نهائية ووحيدة للفرد، فبقدر ما يتقدم المرء في البلوغ ويبتعد جغرافيا وزمنيا عن بيئة الأسرة ويندمج في بيئات مجتمعية أخرى (كالبيئة الثقافية والفكرية، بيئة العمل الحالة الاجتماعية والاقتصادية، طبيعة العلاقات… وحتى البيئة الطبيعية ) بقدر ذلك تتميز شخصيته وتكتسب اختياراته وقراراته استقلالية نسبية. أقول ´نسبية ´لان هذه”البيئة”– أو البيئات –الجديدة هي التي ستسم بدورها شخصيته الاجتماعية الجديدة. ولكن النواة الأساسية لشخصية الفرد قد تكونت ورسمت في خصائصها المميزة في الأسرة أكثر مما يضن عادة، وذلك منذ السنوات الأولى للطفولة. ألا يقول علماء النفس إن الشخصية تتكون، بصورة مصغرة ولكن واضحة، منذ الرابعة أو الخامسة!

أما لماذا تنفرد الأسرة بهذا الدور الأساس في هذه المرحلة بالذات، فلأنها مرحلة انتباه الطفل المبكر، المرحلة الأولى من الوعي الذاتي ويقظة الاستقلالية، مرحلة الاكتشافات والانطباعات البدائية. فالطفل فيها أشبه بصفحة عذراء لم يكتب عليها أي شيء، ويمكن أن تستقبل إي شيء: قياسها الوحيد ا ن يأتي الأمر من الكبار،

لاسيما الوالدين.فالطفل ينشا أول ما ينشا على المماثلة أو التقليد، وأول نموذج لعينيه وفضوله هو والداه ( ثم ذووه الأقربون إذا كانوا يعيشون سوية في بيت واحد ).

وبما إن الوالدين يمثلان له قمة الأمان الذي يحتاجه – وهو يلمس ذلك في اهتمامهما المتميز في إطعامه واكتسائه وحمايته من الأخطار وفي الحنان الخاص الذي يحيطانه به- فهو يرد لهما ذلك بثقة عمياء بهما وبأقوالهما ويعتبرهما المثال الكامل الذي لا يخطي ولا يخطأ. لذا لا يرحم الطفل والديه عندما يشعر إنهما يتحايلان أو يكذبان عليه أو يعدانه بشيء لا ينفذانه، مما يعرض ثقته بهما – وبعالم الكبار عموما – للارتباك، وبالتالي يعرض ثقته بنفسه للاهتزاز. انه بحاجة، لكي تتفتح شخصيته بتوازن وتترسخ قدماه، إلى نقاط ارتكاز أخلاقية ومبدئية ثابتة أين يجدها إن لم يكن لدى والديه!

من هنا نرى الأهمية التربوية الكبرى للصدق، حتى إذا كانت أسئلة الطفل واستفساراته أو طلباته محرجة – سيما وان ليس في عالم الطفل الذهني شيء اسمه محرم أو شر في حد ذاته –. فمن الضروري إن يعطى الأسباب الموجبة لما ينهى عنه، أو يسمح له به، أو يؤمر به، لان الطفل، مع إحساسه بأنه لازال صغيرا وضعيفا وتحت رحمة الكبار – وقد يستخدم هذا الوضع أحيانا بوعي تام سلاحا لفرض إرادته أو لاستدرار تساهل الكبار لتجاوز نزواته – فهو، كما قلنا، يقلد الكبار ويريد أن يعامل    كالكبار، وينبغي فعلا إن يشعر بأنه يعامل كذلك.

لذا تبقى فضيلة المربين الكبرى هي الصبر وطول الأناة، والصبر الذي نتحدث عنه هنا ليس مرادفا للضعف،وإنما أسلوب تربوي ينبغي أن يقترن بانتباه واع إلى نفسية كل طفل بمفرده وبسيطرة ذاتية على رداءة الفعل السريعة والهجومية التي قد تفسد العملية التربوية برمتها فتقتل أو تشل طاقة الفضول الفكري واثبات الذات لدى الطفل أو اليافع وتخنق انطلاقته وتبتر قابلياته فتنغلق شخصيته.

ليس في نيتنا أن نكتب بحثا في التربية،وإنما تطرقنا إلى هذه الجوانب لإظهار مدى دور الأسرة في تكوين وصقل الشخصية وإعدادها للمستقبل، وفي ذلك علاقة وثيقة مع وظيفة الأسرة كخلية المجتمع وخلية الكنيسة . واذا علمنا أن المرء يبقى متعلقا- عاطفيا وأدبيا واقتصاديا- بل”ملتصقا” التصاقا عضويا مع أسرته حتى زواجه -أعني في أغنى وأدق سني تكوينه الإنساني وانطباعاته العميقة تجاه الحياة والمجتمع، نلمس إذ ذاك تأثير الأسرة في قولبة شخصية المواطن، أو المؤمن، إيجابا وسلبا هذا التأثير الذي سيدخل طرفا فاعلا، لا محالة،في صوغ قناعاته الشخصية وردات فعله حول قيم مثل الحب،والجنس، والمال، والعنف،والعمل، واللهو، والسلطة، والمواطنة، والأمانة، والإيمان، والدين، والتزاماته، واحترام الغير.. وغير ذلك من المواقف والعلائق.

بهذا المعنى نقول بان الأسرة هي المدرسة الأولى للإنسانية، وبهذا المعنى أيضا قال يوحنا بولس الثاني في رسالته إلى مؤتمر الأسرة اللآنف الذكر بان مستقبل العالم يمر بالأسرة، .ففي المحصلة النهائية يمكننا القول بان الأسرة هي صورة نموذجية _وانعكاسية أيضا – للمجتمع. لذلك يفترض إن تكون الأسرة، والأسرة المسيحية بنوع خاص، موضع تدريب المرء على النضوج والالتزام لمسؤولية والاستقلال، تعمل على إبلاغه “قامته الكاملة”، بحسب تعبير القديس بولس وإذا اعتمد على خبرة أبوية -وذلك ضروري- فليس لكي يبقى مكبلا إليها (عقدة اوديب ) بل لينطلق منها إلى العالم الأوسع وينفتح ويتفاعل مع المجتمع الأرحب (سواء كان مجتمعا مدنيا أم كنسيا ).

ثانيا – موقع الأسرة على الصعيد المسيحي

إذا كنا قد تبسطنا قليلا حول دور الأسرة من الزاوية الإنسانية، فلان جميع تلك القيم

والأسس التربوية تنطبق على الأسرة المسيحية،وينبغي عليها أن تأخذ بها جملة وتفصيلا،ليس لكونها أسرة  إنسانية،  قبل أن تنعت بأية صفة أخرى وحسب،

بل لان هذه الأسس التربوية ذاتها تصب مباشرة في كيفية ممارسة الأسرة  المسحية دورها الخاص ضمن الجماعة المسحية، أولا كمدرسة للإيمان،

وثانيا كخلية حية وفاعلة، فالأسرة الموازنة إنسانيا والتي تتحكم فيها علاقات المودة والاحترام والفرح والانفتاح الواعي والملتزم سوف تنجح، ليس فقط في إمداد المجتمع بعناصر البناء والتطور، بل في إمداد الكنيسة بالحيوية وبعناصر العطاء والشهادة أيضا:

* مدرسة الإيمان

قلنا بان الأسرة هي منبت الانطباعات الأولى وبان تأثيرها  جوهري في صوغ القناعات الشخصية الأساسية  الوجدانية والأخلاقية والاجتماعية ).

ومما لاشك فيه إن من مسائل الحياة الكبرى والأساسية التي تتناولها الانطباعات الأولى (من 5 – 1. سنوات): فكرة الله الغامر والمحير معا لمخيلة الطفل لأنه حاضر وغير منظور في آن واحد،’ والموت وما بعد الموت، ومفهوم الخطأ والعقاب والثواب، وشخصية يسوع الجذابة…اي بكلمة واحدة ما ندعوه “بعالم الإيمان”. وبعض عناصر هذا”العالم”تستيقظ لدى الطفل تلقائيا (من صنع النجوم والجبال والأشجار)؟ كيف هو شكل الله وأين يسكن؟…)؟ ومنها ما يوقضه الكبار لديه (الله يعاقب فاعلي الشر، يسوع يحب الأولاد الطيبين ألتمتمات الأولى في الصلاة…) فبالإمكان تسمية هذه المرحلة أيضا بمرحلة”يقظة الإيمان”.

والدور الأول والفاعل في هذه “اليقظه” يعود إلى الأهل، وذلك عبر قنوات ثلاث:

بانتهاز فرص سؤلات الأطفال – أو الأبلغ عمرا – للإجابة عليها، بإعطاء معلومات وتوجيهات مباشرة، بمثال الحياة،

هذه الفتاة الأخيرة، أي مثال للحياة، قد تكون أعمق تأثيرا وديمومة في الحياة، لان إيقاظ الإيمان لدى الأطفال واليافعين – ولدى البالغين والكبار أيضا – معناه،قبل كل شيء، أن نشهد ميدانيا بأننا نعيش هذا الإيمان، وهذه الشهادة، إن أعلناها بأقوالنا، فبأفعالنا وبأسلوب حياتنا نبرهن عليها واقعيا، وسيما وان العادات الأولى تنتقل بالتقليد والمماثلة، كما أسلفنا.

لذا فان لكيفية انعكاس القناعات الدينية على ممارسات الأهل ونمط حياتهم الإيمانية والأخلاقية والعلائقية – ضمن الأسرة وفي المجتمع وتجاه الكنيسة كجماعة وكمؤسسة – صلة مباشرة بطبيعة “التوجه الديني” للأطفال. فإذ لم يكن من الصواب جدا أن نتحدث عن “نقل الإيمان” من الأهل إلى أولادهم بالمعنى ذاته الذي نتحدث به عن “نقل الحياة” فانه بالإمكان تماما التحدث عن جو مؤات لتفتح الإيمان، جو يتيح للإيمان إن يمد جذوره في العمق ويتطور تطورا طبيعيا.

فان تستصحب طفلك إلى الكنيسة، أن تقرا له نصا من الإنجيل أو تجيب إلى أسئلته، أن تصلي معه أو تضع صليبا أو إيقونة جميلة على الحائط… كل هذه عناصر تساعد على يقظة الإيمان، وهي بمثابة التربية الجيدة التي تمد الزرع الوليد بالقوة. أن تحسن إلى فقير وتحترمه في فقره، إن توفر لولدك نصوصا مسيحية تلاءم مراحل عمره، أن تعكس في حياتك وعلاقاتك – بداء من أمه – مبادئ الصدق والإخلاص والاحترام النابعة من إيمان واع وغير متزمت، أن تتحسس قضايا الإنسان من موقعك…  ذلك مايتيح له أن يتحقق بنفسه ارتباط الإيمان بالحياة،

وان يكتسب خبرة أعمق لله في حياته الشخصية من خلال خبرة ذويه.

هكذا تصبح الأسرة مدرسة الإيمان الأولى ومنها تنطلق الكنيسة المتجددة.

 

* خلية حية وفاعلة

يقدم طقس الزواج في بعض الليتورجيات الأسرة المتكونة على أنها “كنيسة مصغرة”.. منفتحة على الكنيسة الكبرى.

إن مدلول هذه العبارة الموفقة هو أنها تقدم “الكنيسة الكبرى” – والمقصود بها الكنيسة ككل – كمثال الأسرة. ولهذا المثال وجهان: وجه وضعي ساكن، ووضع دينامي. فالكنيسة التي تقدم”مثالا”أو نموذجا للأسرة، ليست فقط الكنيسة التي تغذي إيمانها بتعاليم المسيح، ثم تتكور على ذاتها شاكرة الله على انه اصطفاها، ولاهي، بالأحرى، كنيسة بلغت كمالها ووقفت تنتظر الرب”إلى أين يأتي”

(الوجه الساكن)، وإنما هي كنيسة عاملة،تبدو كبناء غير مكتمل أو كحدث مستمر يمتد ويتفاعل عبر الزمان والمكان (الوجه الدينامي). بعبارة أخرى أنها كنيسة رسوليه، متحركة تبحث دوما عن أوجه جديدة وفاعلة لتجسيد المسيح في واقع حياتنا ولخدمة ألإنسان.

فان تكون الأسرة المسيحية خلية حية وفاعلة في الكنيسة معناه انم بدا التضامن يدعوها إلى المساهمة في حياة ونشاط المجموع وهذا يعني الخروج من الإيمان الأناني أو الراكد إلى الرسالة والالتزام.

كيف تحيا الأسرة هذا الدور في نطاق رسالة الكنيسة العام؟

في المؤتمر العالمي الثالث لرسالة العلمانيين (روما 1967 ). وفي سياق مناقشة قضية “الو الدية والمسؤولية” جاء في تقرير إحدى لجان العمل الفرعية، إن  خصوبة الزوجين لا ينبغي إن يبحث عنها فقط في الإكثار من الإنجاب، بل أيضا في إشعاع الأسرة وفي انفتاحها على العالم.

عبر هذه الخصوصية الثانية تحيا الأسرة المسيحية دورها ألرسولي والكنسي وذلك من زوايا ثلاث:

كخميرة في العجين: فالأسرة المسيحية هي أول صورة للكنيسة تمثل أمام

الناس وتعايشهم في ظروفهم الاعتيادية: أنها أول صيغة عملية ملموسة، أو قل أول مختبر لممارسة الديانة المسيحية والأخلاقية الإنجيلية. لذا فهي تعمل كالخميرة في العجين وتبشر بالإنجيل عن طريق الإشعاع أولا. فعليها إن تكون مثالا يحتذي به في تألفها وحسن تربية أبنائها وتوازن مسيرتها، واجتهادها وتضامنها مع الآخرين، وفي إنارة أحكامها وممارساتها الداخلية والعامة بمبادئ المسيح. وانه لينبغي أن نعي بان هذا الأسلوب بحد ذاته وجه من أوجه الإشعاع الإنجيلي وجزء من دور الأسرة ضمن رسالة الكنيسة في العالم.

كجماعة قاعدة: إن أهم ما تفعله الأسرة المسيحية هو تكوين الشخصية لدى

أعضائها وتنشئتهم على الحرية وعلى اخذ مسؤولية أنفسهم بيدهم والتزام مسؤولية الآخرين. إذا ما وفرت الأسرة المسيحية مثل هذا الجو انطلاقا من إيمانها الملتزم، كوحدة كنسية مستقلة أو بانضمامها إلى مجاميع أسرية ملتزمة مماثلة،فيمكن اعتبارها إذ ذاك، وبكل حق،جماعة قاعدة،بل أولى جماعات القاعدة التي تعمل لتغيير نوعية الحياة وطبيعة العلاقة بين الإنسان والإنسان –إفرادا ومجتمعات– نحو الأفضل.

إن أسرة كهذه تصبح الموضع المميز حيث بالإمكان عيش الإخوة والمساواة أمام الله، واكتشاف الوحدة والمساواة بين الرجل والمرأة، الموضع الذي فيه تنسجم الاختلافات والتباين، وحيث يختبر الإنسان أبعاد التضامن الحقيقية.. وذلك من خلال اتخاذ ممارسة الزوجين – والأسرة ككل – كنموذج.

عن طريق الالتزام الشخصي المباشر:لاشك أن روحانية قوية وحسا إيمانيا

حقيقيا حينما يوجدان في الأسرة يدفعان بأعضائها،بعقوبة اكبر،نحو المشاركة المباشرة في الأنشطة الرسوبية أو الخور نية والكنيسة،الخيرية والتثقيفية والراعوية (مراكز التثقيف المسيحي)، الحركات والأخويات الرسولية،الندوات الدينية، الجمعيات الخيرية، اللجان الليتورجية والاستشارية، الفرق الدراسية للكتاب المقدس…). ولا ابلغ،حينذاك،من مثال الوالدين الملتزمين –أو احدهم – في احد هذه الأنشطة، لاسيما المتصلة اتصالا مباشرا بالتوعية الإيمانية والالتزام ألرسولي.

في مثل هذه الحالة تصبح الأسرة  المدرسة الأولى للحياة ألرسوليه والالتزام الإنجيلي وقد يمتد هذا الالتزام – من منطلق الإنجيل نفسه وبمنطلق أبعاده الحياتية-  إلى جوانب النضال الإنساني من اجل إزاحة الظلم عن المظلومين، وتوفير الخبز والكرامة للجائعين، والمطالبة بالحريات والحقوق الأساسية، ومحاربة الاستغلال والهيمنة في العلاقات القومية والدولية،بين عالم أول وعالم ثالث…

 

 

ثالثا – دور الأسرة المسيحية دور نبوي

هكذا فان انسنة البنى الاجتماعية والعلائق المتبادلة بين الأفراد والجماعات جزء من قيم مسيحية الأسرة ورسالتها، هذه الرسالة التي هي رسالة نبوية تؤديها الأسرة المسيحية ضمن الكنيسة وضمن المجتمع –وهي جزء عضوي منهما كليهما-.

فللأسرة المسيحية تأثير كبير على محيطها،اجتماعيا وإنسانيا، بتعاملها، وصداقاتها، وأمانتها، وحتى في تقاليدها وعاداتها.ذلك واقع يعرفه ويعترف به جيراننا غير المسيحيين، وإذا كان أن نعتز به، فيلزم أن نعترف أيضا بان هناك تداخلا بين الأسرة المسيحية ومعطيات المجتمع الأوسع الذي تعيش فيه. إن الأسرة المسيحية ليست جزيرة منعزلة ولا مجتمعا مغلقا،ولقد تركنا وراءنا أيام كانت الإحياء السكنية، وحتى المهنية، متكورة حول كنيستها، والقرى المسيحية لائذة بتوجيهات سلطاتها الروحية وتكاد تجهل كل شيء عن التيارات الخارجية. وإذا كنا لازلنا نحتفظ بجزر “مسيحية” هنا وهناك، فهي لم تعد كذلك في الواقع آلا جغرافيا،لان التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والانصهار الوطني، وخاصة النماذج الثقافية التي تقتحم الأسرة في عقر دارها عن طريق وسائل الإعلام الحديثة (التلفزيون، الراديو، الفيديو،الصحافة، الكاسيت، الدعاية، السينما…).

أو التي تأتيها عبر قنوات التعليم والتوجيه الخارجية (المدرسة، أجهزة التاطير الموجهة…).وحتى عن طريق السفر إلى الخارج… كل هذه المعطيات تضعنا أمام وقائع واستنتاجات جديدة لا يجوز تجاهلها، أهمها:

إن الأسرة المسيحية تواجه الظروف والتحديات الخارجية نفسها التي تواجهها

أية أسرة أخرى تشترك وإياها في الأطر الثقافية والاجتماعية والسكنية ذاتها،مضافا إليها الإرث المتوارث – وهو ليس بقليل – من خصوصية انتمائها الديني ومر دوداته الأخلاقية والمبدئية والمسلكية الخاصة..

2) إن الأسرة المسيحية (أو الكنيسة) لم تعد الطرف الأوحد في العملية التربوية. فدورها التربوي والتوجيهي قد ضمر،لا محالة،سواء بتنازل طوعي أو لا أبالي من قبلها،أو بمحاصرته على يد المؤثرات المختلفة المذكورة أعلاه.

3) مفاهيم تربوية وعلائقية جديدة جاءت “تطعم” النموذج القديم: كنمو الشخصية المبكر (لدى الأطفال)، والاستقلالية في صوغ القناعات والاختيارات، وتبدل طبيعة العلاقة بين أفراد العائلة بحيث أصبح نموذج “الأب – الصديق، و، الأم –الصديقة، مفضلا على نموذج ” الأب – الآمر” و “الأم – الخادمة – الممرضة”.

وكذلك رد الاعتبار إلى الحب والجنس، وبروز شخصية الفتاة والمرأة وارتباط ذلك بعملها المهني خارج المنزل وما ينتج عن ذلك من التزامات وتضامنات خارج الاسرة.

إن هذه البيئة الجديدة تضع الأسرة المسيحية أمام تحول حضاري وثقافي

وليس فقط أمام مجرد أزمة أخلاقية كما تدعي أوساط كنسية أو دينية  أو تقليدية.

لذا،عوض البكاء أو انتظارعبورالغيمة، كمن لا يعنيهم الأمر،ينبغي على الأهل،   قبل غيرهم، رصد قيم هذا “التحول” والتفاعل معها. والتفاعل لا يعني قبولا بديهيا بكل جديد، وإنما هو انفتاح وحوار لاكتشاف الايجابي والأفضل منه.

بقدر ما تكون التأثيرات الخارجية سلبية–أو مؤثرة باتجاه مغاير عن اتجاه الأسرة –

بقدر ذلك تتسع مسؤولية الأسرة وتتعقد.. اذ هي تحتاج إلى نضوج داخلي، إنساني وإيماني وكنسي، اكبرا عداد أولادها للحياة والتوازن والعطاء.

من هنا أهمية رسم سياسة راعوية أسرية حقيقية تهدف،في المقام الأول، إلى إعادة تنشئة الأهل أنفسهم تنشئة إيمانية جادة ومنفتحة. أما في الوجه الثاني فينبغي أن تهدف- إلى توجيه الأهل نحو إعداد أبنائهم “لاستيعاب” الإيمان كحياة وممارسة أكثر مما كمعلومات مصبوبة في رؤوسهم، ولأخذ دور فاعل وملتزم في الكنيسة،

وذلك على أسس تربوية وتثقيفية مسيحية قد لا تنطبق بالضرورة مع النموذج الذي تلقوه في زمانهم،  ولكن واقعية لتلاءم تطور أبنائهم،وهكذا، وانطلاقا من مشروع تربية أولادهم، سيمكنهم أن يكتشفوا طبيعة إيمانهم البالغ من جديد، فيعيشونه بوعي وأصالة اكبر، ويكون حينذاك للأبناء أنفسهم دور في تربية  والديهم على الصعيدين الإنساني والإيماني.

6) رسالة الأسرة المسيحية لن تكون نبوية حقا – إي لها طابع الشهادة والمثال والنداء الرمزي –إلا إذا ربت أعضائها بداء الوالدين على أن يكونوا

مسيحيين بالغين ومسؤولين. ويأتي ذلك عبر محورين:

محور اسري– توجيهي:يتمثل في جهد الوالدين في التثقيف المستمر

والمتابعة الشخصية لأبنائهم،وفي الالتزام الفعلي بحياة الكنيسة ورسالتها، من قبل الأهل والأبناء، كاسرة وأفراد. ويفترض ذلك توفير وسائل إعلامية –تعليمية متكافئة من كتب،ونشرات،ومراكز،ودورات،وسهرات إنجيلية،وهيئات أسرية دائمية أو لبعض المناسبات (مجالس الآباء والأمهات،مجموعات أسرية للدراسة وتعميق الروحانية،مناسبات العماد والتناول الأول، إعداد المخطوبين للزواج…).

محور كنسي بنيوي: يتمثل،ليس فقط بالإرشاد أو التوجيه الفوقي ولا

بالاحتواء من قبل السلطة الكنسية، بل قبل كل شيء في أن تعترف الكنيسة حقا -شعبا ومؤسسة – بان العلمانيين هم أشخاص بالغون ومسؤولون،مما يحتم خلق أو تعميق جو الحوار والمشاركة

ونتيجة لذلك يلزم أن تقوم في الكنيسة بنى جديدة ومؤسسات تعمل، من جهة، على تشجيع تبادل الرأي والمناقشة بين العلمانيين وأعضاء شعب الله الآخرين، ومن جهة أخرى على إسهام العلمانيين في حمل جزء من المسؤولية الإدارية وصنع القرار في الكنيسة، لئلا تستأثر السلطة الكهنوتية والأسقفية بالتوجيه والهيمنة. وكمثال لهذه البنى الجديدة على الصعيد العملي يمكن الإشارة إلى المجالس الخور نية والأبرشية والملية، ولجان التنسيق والدراسة في شؤون التثقيف المسيحي، والعلاقات المسكونية، والعلاقة مع الدولة، والنشاطات المسيحية المشتركة… بالإضافة إلى الهيئات العلمانية المتخصصة والحركات الرسولية.

انه لمن الأهمية بمكان أن يكون للأسرة-كاسرة وكزوجين-موضع وصوت مسموع في مثل هذه البنى،على صعيد الكنيسة الجامعة وعلى صعيد الكنائس المحلية، لاسيما في كل مايخص شؤون التربية وقضايا الأسرة (كتنظيم النسل،ومشاكل الافتراق والطلاق، والزيجات المختلطة ودورها الايجابي في الحركة المسكونية…). إذ لا ينبغي إن تبقى الكنيسة تنظر إلى الأسرة وكأنها قاصرة يجب تنظيم سيرها ومسارها دائما، كما حدث بصورة مربكة في قضية وسائل منع الحمل مع بولس السادس وبعده.

فإذا كانت الأسرة خلية الكنيسة، فهي خلية عاقلة ومسؤولة، وينبغي أن يتعرف بأنها كذلك. كما ينبغي أن تشعر بأنها موضوع ثقة ومحبة ورعاية، وبأنها جزء مكون، لا تابع للكنيسة.

ضمن هذا التصور وحده تستطيع الأسرة أن تنضج وتؤدي رسالتها الخاصة في شعب الله، وتحيا دورها النبوي في المجتمع.

الأب جرجس القس موسى

((((((((((())))))))))

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s