Posted by: abu faadii | 2013/08/02

مجلس العلمانيين.. ما هو؟

29

مجلس العلمانيين ما هو  مقال           

45

ايار

1975

30

التثقيف المسيحي- إلى أين ؟  – ملف             

46

حزيران

1975

31

التثقيف المسيحي في العراق  – ملف              

48

تشرين1

1975

مجلس العلمانيين.. ما هو؟ 

حياة الكنيسة

/ايار 1975  

      لاول مرة في تاريخ المجامع المسكونية تدارس المجمع الفاتيكاني الثاني، وبصورة رسمية، دور العلمانيين في حياة الكنيسة وفي الشهادة والتبشير، وقد خصهم بفصل عقائدي في الدستور عن الكنيسة وبالقسم الاكبر من الدستور الراعوي عن الكنيسة في عالم اليوم وبقرار مجمعي كامل خاص بهم.

     ذلك دليل واضح على الاهتمام المتزايد الذي تبذله الكنيسة في استنفار كافة طاقات بنيها لحمل الانجيل الى صلب الحياة وانعكاس للوعي المتزايد الذي يدفع ابناء الكنيسة العلمانيين الى المساهمة فعليا في حياة شعب الله واحتلال دورهم الطبيعي في الرسالة المسيحية. وهذا التيار يعمل في صفوف المؤمنين وفي صفوف الاكليروس معا لتحطيم الحواجز التي كانت تقسم شعب الله الى فريقين متباعدين، بل الى معسكرين متجاهلين: الرؤساء والمرؤوسين، الرعاة الذين يخططون والقطيع الذي يتبع.

    والوحدة المسيحية ليست فقط ان تتحد الكنائس والفرق المسيحية في وحدة كنسية عضوية، وانما هي ايضا ان تتوحد الطاقات وتقتلع التفرقات العنصرية والجنسية والعرقية والطبقية داخل الكنيسة الواحدة، فتسمى العضوية فيها التزاما والسلطة خدمة ومشاركة حقا، كما دعا المجمع الفاتيكاني الثاني.

    وفي سبيل تحقيق هذه الوحدة وانعاش المسؤولية الملتزمة، وفي سبيل اشراك العلمانيين مباشرة في هذا المشروع انشا قداسة البابا بولس السادس “مجلس العلمانيين” في ك2 1967، وقد الحق هذا المجس في آب من السنة نفسها بالدوائر الرومانية الفاتيكانية التابعة للادارة المركزية للكنيسة الجامعة.

    وفيما يلي نقدم نبذة عن هذه المجالس، مساهمة منا في خدمة الرسالة العلمانية:

    مجلس العلمانيين، اذن هيئة كنسية عليا مركزها روما تتكون من 15 عضوا و3 مستشارين كلهم علمانيون ينتمون الى 16 بلدا، يضاف اليهم خمسة مستشارين من الاساقفة من افريقيا واسيا واوربا وامريكا اللاتينية. ويرئس المجلس الكردينال موريس روا رئيس اساقفة كيوبك بكندا؛ اما سكرتير المجلس فهو المونسنيور اولنبروك البلجيكي، وهناك نائبان علمانيان للسكرتير، رجل وامراة، ويتمثل الشرق الاوسط في هيئة السكرتارية في شخص الانسة ايميه عازوري اللبنانية.

    اما اهدافه فهي، كما اعلنتها براءة انشائه، “يعمل في خدمة وتطوير الرسالة العلمانية”  ويسعى بصورة خاصة الى:

1 – تطوير هذه الرسالة على الصعيد العالمي، وتنسيق المبادرات المحلية لوضعها في تيار رسالة الكنيسة الجامعة، ويتم ذلك عن طريق:

الاتصال بالهيئات الرسمية الوطنية

والعمل على ان يصبح المجلس  ملتقى واداة حوار داخل الكنيسة، بين السلطة والعلمانيين، وفي ما بين صيغ النشاطات العلمانية المختلفة.

واقامة مؤتمرات عالمية حول الرسالة العلمانية.

 2-   مساعدة السلطة الكنسية والعلمانيين بمشوراته في ما يخص النشاطات الرسولية.

3 – تعميق الدراسات حول الاسس العقائدية لدور العلمانيين في الكنيسة.

4 – توفير واستقبال المعلومات حول رسالة العلمانيين، واقامة مركز وثائقي يخدم التوجيه العام ويقدم للكنيسة مادة  ثمينة للتنشئة الرسولية.

بكلمة، نحدد مجلس العلمانيين بانه:

علامة للمسؤولية المشتركة بين جميع  المؤمنين ضمن الكنيسة.

قناة اتصال وحوار

اداة خدمة للكرسي الرسولي والسلطة الكنسية والعلمانيين والمنظمات العلمانية..

 

نشاطاته

        يعقد المجلس جلسة عامة مرة في السنة. ويمكن ضم اهتماماته في النقاط التالية على سبيل المثال:

1 ) الاتصال والتعاون:  للمجلس صلات وثيقة  مع سائر الدوائر الكنسية المركزية، وهو على اتصال ايضا بالمجالس الاسقفية والهيئات العلمانية الرسولية المحلية. وقد تم له اللقاء الاول مع ممثلي العلمانيين بمناسبة المؤتمر العالمي الثالث لرسالة العلمانيين المنعقد في روما في ت1 1967. ويسعى المجلس الى توسيع افاقه المسكونية عن طريق تعاونه مع سكرتارية اتحاد المسيحيين ومجلس الكنائس العالمي.

    2 )  دراسات وابحاث عقائدية: يعنى المجلس بالحوار داخل الكنيسة وقد عقد مؤتمر حول  هذا الموضوع شارك فيه المجلس، في اذار 1971.

     ومن اهتماماته الاخرى الكبرى اقامة التلاحم والتعاون بين الاكليروس والعلمانيين وقد قدم وثيقة دراسية بهذا الشأن الى مجمع الاساقفة في سنة 1971، وشارك، وان بصورة محدودة، في مجمع الاساقفة الاخير (ايلول-ت1 1974) وحضره خمسة من اعضائه العلمانيين- امرأتان وثلاثة رجال(1).

      ويوجه المجلس اهتمامه ايضا بايمان الشبيبة وعلاقاتها بالدين والكنيسة. وقد اقام “نهارات دراسية” في ت1 1972 حول موضوع “المسيحي في الجامعة في السبعينات”.  

    3 )  حياة الاسرة: يتضمن المجلس قطاعا “لشؤون حياة الاسرة”. وفي اعقاب صدور الرسالة البابوية “في الحياة البشرية” تشكلت فيه لجنة لاستقصاء المعلومات والدراسات حول هذه الوثيقة لتشجيع مساهمة العلمانيين في المسؤولية الراعوية تجاه الاسرة.

   4 )  نشاطات السنة المقدسة 1975:  تدور مشاريع المجلس في السنة المقدسة 1975 حول قطبين: الاول اقامة اتصالات فردية وخاصة مع مسؤولي الرسالة العلمانية بمناسبة  وجودهم في حج السنة المقدسة. والثاني اعداد اللقاء العالمي لمسؤولي الرسالة العلمانية الذي سينعقد في روما في ت1 المقبل وستكون اهداف هذا اللقاء:

توفير وقت للصلاة والتفكير والاصغاء والتقابس بين مسؤولي الرسالة العلمانية.

استعراض حجم مساهمة العلمانيين في رسالة الكنيسة بعد عشر سنوات من المجمع

الفاتيكاني في الاطار الاجتماعي والثقافي للسبعينات.

دفع الرسالة العلمانية الى مرحلة جديدة من العطاء والزخم والمشاركة.

        اما النقطتان الرئيسيتان اللتان ستدور حولهما الدراسات فهما:

دور العلمانيين في رسالة الكنيسة ضمن العالم المعاصر

مشاركة العلمانيين في حياة الجماعة الكنسية

هذا وهناك مبادرات رسولية اخرى قام بها مجلس العلمانيين هنا وهناك، هدفها كلها توثيق ثقة الكنيسة  بجميع ابنائها وتكثيف الجهود الرسولية والمبادرات العلمانية في حياة الكنيسة الجامعة والكنائس المحلية

———————-

انظر”الفكر المسيحي” عدد 41 – ك2 1975 ص29.

 ))))))))))))((((((((((((

التثقيف المسيحي في العراق.. إلى أين؟    (1)

     التثقيف المسيحي في العراق: موضوع شائك ومتشعب الجوانب، ولولا خطورة الموضوع الذي أصبح معضلة لاقتصرت على مسالة “التعليم المسيحي”. ولكن مسالة التعليم المسيحي جزء من قضية التثقيف المسيحي الذي يطمح إلى أن ينال كافة قطاعات المسيحيين.  

لماذا يطمح التثقيف المسيحي أن ينال جميع المسيحيين؟

    للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف ما المقصود بالتثقيف المسيحي هنا عملية إدراك أسس وجوانب العقيدة المسيحية والإحاطة بمتطلبات الإيمان المسيحي. هذا من الوجهة النظرية، أما من الوجهة العملية تخطي العقيدة إلى الحياة والممارسة الفعلية.، فالتثقيف المسيحي إذن بكلمة واحدة هو التعليم الحي المعاش، ومن دون الحياة والممارسة يصبح مجرد تجميع معلومات سرعان ما تتبدد كذكريات الصبا. وهذا التثقيف يستند إلى شخص يسوع المسيح الحي وتعاليمه التي تنجلي لنا في إحداث الإنجيل والى الإيمان به الذي يعطي المعنى الحقيقي للوحي والأبعاد الحقيقية لبنوتنا لله، وينقل ألينا عبر وضمن الجماعة المسيحية أي الكنيسة. إلا أن الهدف ليس مجرد إعطاء قاعدة خارجية من التعليم الصحيح، ولا مجرد نقل “وديعة” يجب الحفاظ عليها –حتى وان كانت وديعة الإيمان– إنما قبول هذه القاعدة مبدأ حوار مع الإنسان في ظروفه الروحية والمادية المتبادلة وشرط التزام شخصي، حر وواع بالحياة بكل زخمها وطوحاتها الفكرية والزمنية. فتثقيفنا المسيحي ليس مجرد تعليم ديني نظري إنما يعانق أيضا حياة الأمة التي نحن جزء منها ويتفاعل مع طموحات الوطن وقضاياه المصيرية والتحررية ويكون عنصرا فعالا في بناء غده وتحوله الثوري. إيمان يعتنق الإنسان كله، ولا يكون مجرد ظاهرة آنية في وجوده أو مفصولا عن حياته العادية واهتماماته الرئيسية وتطوره هذا ما يطمح أن يقدمه: التثقيف المسيحي، أفلا يحق له أن يطمح أن ينال جميع المسيحيين، اوليس من  حق جميع المسيحيين أن يتزودوا بمثل هذا الإيمان؟ بل أليس من دواعي تقهقره وفقره أن يجرد من آفاقه تلك فيصبح في أعين الكثيرين أشبه بأقراص منومة أو بسندات لا رصيد لها لاكتساب الآخرة؟!

      فان نعطي ناشئتنا وشبابنا روح المحافظة على “وديعة الإيمان” دون إعطائهم مفتاح تطوريها وروح “الاقتسام” و “الشهادة” فمعناه إننا أخفقنا مسبقا لان الحياة في تطور حتمي وليس في الحفاظ على الوضع القائم، لان الوضع القائم سرعان ما يصبح متخلفا في حركة الحياة ومسيرتها الدائمة، إذن رجعيا، إذن ناقصا ومضرا   

فأين نحن؟

الوضع الحالي

    سنستعرض هنا الخطوات الايجابية والمبادرات الكنسية والرسمية والمحلية الموجودة حاليا والتي تساهم من قريب أو بعيد في عملية التثقيف المسيحي لمختلف فئات المؤمنين وأعمارهم أو مراحلهم الدراسية أو الثقافية. وسنورد بشيء من الإيجاز للإحاطة بجوانب القضية المبادرات التي توارت وقد كان لها شان في مهمة التثقيف المسيحي. ومن ثم نقيم هذه المبادرات وموقف السلطة الكنسية والشعب المسيحي منها، قبل أن ننتقل في مقال قادم، إلى الخطوات اللازمة والاقتراحات العملية.

1) التثقيف المسيحي للطلبة في المدارس:

     في عرف الكثيرين تعتبالطبيعية.المسيحية قنوات التثقيف المسيحي الطبيعية. وفي العراق اهي: ثلاث فئات من المدارس بوسعنا أن نطلق عليها صفة “المسيحية” بتحفظ ومجازا –والتحفظ ناتج عن انه بعد إلحاق المدارس الأهلية الخاصة بوزارة التربية لم يعد هناك مدارس مسيحية بالمعنى التقليدي– وما يهمنا نحن في هذا البحث هو وضع التثقيف المسيحي فيها. هذه المدارس هي:

* المدارس الطائفية الرسمية: – ومعظمها ابتدائية – وهي التي انشائها الطوائف المسيحية في ظل كنائسها. تعتبر هذه المدارس رسمية وتتبع مناهج الدولة وتوجيهاتها والاتفاق عليها. أما الامتياز الذي تتمتع به فهو أنها تؤمن التثقيف المسيحي لطلابها المسيحيين ويكون مديرها وقسم مهم من ملاكها مسيحيا، إذ إن أكثرية طلابها مسيحيون، ومعظم هذه المدارس يتواجد في المدن الكبرى.

 *  المدارس الرسمية التي أكثرية طلابها مسيحيون: وتتواجد بصورة رئيسية في القرى المسيحية في المنطقة الشمالية وفي محافظة نينوى وبعض مناطق العاصمة حيث يكثر عدد المسيحيين. وتتمتع هذه المدارس بامتيازات الفئة الأولى، وبصورة خاصة بتامين التعليم المسيحي ضمن المناهج الرسمية.

* أما الفئة الثالثة فهي المدارس الأهلية الملغاة: ومعظمها بإدارة الراهبات أو الطوائف المسيحية المعنية. وتشمل هذه المدارس روضات وابتدائيات ومتوسطات وثانويات للبنين والبنات أو مختلطة للمراحل الابتدائية. تتواجد هذه المدارس بكثافة نسبية في بغداد ثم تليها الموصل وكركوك والبصرة وسائر المدن والقرى المسيحية أو التي تضم نسبة مهمة من المسيحيين. ونظام هذه المدارس إلى تاريخ إلحاقها بوزارة التربية وشمولها بقرار مجانية التعليم كان أن تتعهد الجمعية الرهبانية أو الكنسية إدارة المدرسة والإنفاق عليها وكانت تعطل الدراسة يومي الأحد والجمعة بالإضافة إلى العطل الرسمية المدنية والدينية، وكانت تتقيد بمناهج الدولة إلى جانب توفيها التربية المسيحية لطلابها. وبعد إلحاق هذه المدارس بوزارة التربية صدرت تعليمات تقضي بان تبقى على أنظمتها السابقة في ما يخص تدريس الدين المسيحي واللغة القومية وعطلة يوم الأحد.

     وهكذا، بعد قرار إلغاء المدارس الأهلية، بقي القاسم المشترك الأعظم بين الفئات الثلاث أنها تضم أكثرية مسيحية من الطلاب مما يخولها أن تنعم بتطبيق القانون الذي أصدرته قيادة ثورة 17 تموز المظفرة والقاضي بتدريس الدين المسيحي في المدارس التي أكثرية طلابها مسيحيون. وقد شمل هذا القانون أيضا المدارس المتوسطة والثانوية المتواجدة في القرى المسيحية والأهلية الملغاة، وعددها زهاء 15.

إن قرارات مجانية التعليم وشمول جميع المدارس العراقية برعاية رسمية واحدة وتقديم فرص متكافئة لجميع المواطنين على اختلاف حجم مواردهم وجذورهم الاجتماعية ونشر روح المساواة والمواطنة الواعية الملتزمة، لقرارات صائبة لا يختلف في تقدميتها اثنان، وقد ألحقتها ثورة 17 تموز المباركة بمأثرة أخرى وهي إقرار منهاج موحد للتعليم الدين المسيحي وشكلت لجنة مشتركة من الطوائف المسيحية في بغداد وضعت منهاجا موحدا للصفوف الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة الابتدائية طبعتها وزارة التربية على نفقتها ووزعتها مجانا على الطلبة في المدارس الابتدائية الخاضعة لإلزامية التعليم المسيحي ويبلغ عددها في أنحاء القطر أكثر من 60 مدرسة.

2) التثقيف المسيحي للطلبة خارج المدارس:

لا تضم المدارس –وحتى التي معظم طلابها مسيحيون– سوى جزء صغير من الطلاب المسيحيين قد تصل نسبتهم في المدارس الابتدائية الأهلية الملغاة وفي القرى المسيحية على احسن تقدير حوالي 50% من مجموع الطلبة المسيحيين في المرحلة الابتدائية. ولكن ماذا من أل 50% الأخرى ومن تلامذة المتوسطات والثانويات الذين يرتادون الوالمسيحيين. الأخرى حيث يشكلون أقلية لا تحظى بالتدريس الديني المسيحي ضمن منهاجها؟

     في الستينات وما قبلها كانت درجة الدين تحتسب بصورة رسمية لكافة الطلبة المسلمين والمسيحيين. وفي ذلك الحين كانت الكنيسة قد نظمت التعليم المسيحي لطلبة المتوسطات لمرحلتين. (حيث يشكل المسيحيون أقلية) على شكل دروس تعطى أيام الجمع في مراكز تابعة للكنائس. وكانت لجنة التعليم المسيحي في الموصل قد نشرت مناهج خاصة لهاتين المرحلتين. إلا أن هذا القانون كان عرضة للمد والجزر بحسب مزاج وقناعات بعض المسؤولين من العهود السابقة، فقد الغي وأعيد عدة مرات إلى أن جاءت ثورة 17 تموز بالقانون القاضي بتعليم الدين المسيحي للطلاب المسيحيين في كافة المدارس التي أكثريتها مسيحيون. فعاد الكهنة إذ ذاك إلى إعطاء دروس التعليم المسيحي لطلبة المتوسطات والثانويات المسيحيين كالسابق. وكان هذا الأسلوب فقد كثيرا من فاعليته بسبب حذف درجة الدين رسميا، ولكنه لم يفقد شيئا من ضرورته وأصالة هدفه إلا وهو الاستمرار في إعطاء طلبتنا ثقافة مسيحية متطورة، غير أن التجربة توقفت في بداية الأربعينات وكانت التجربة تقتصر على محافظة نينوى ولربما في بعض المناطق الشمالية الأخرى. أما في بغداد والبصرة والمدن الأخرى فكان طلبة المتوسطات والثانويات –ولا زالوا– لا يعرفون اية محاولة في هذا الاتجاه، ما خلا تجارب محدودة وضيقة في مدينة بغداد.

    أما طلاب المدارس الابتدائية الرسمية حيث المسيحيون أقلية فكان حظهم –ولا زال– اقل بالعناية الدينية من سواهم ويقتصر على بعض الدورات الصيفية التي يقيمها هنا وهناك –وأحيانا لإعدادهم للتناول الأول فقط– بعض التلامذة الاكليريكيين أو شباب الاخويات أو الراهبات وبعض الكهنة. مثل هذه التجربة تحمل قيمة لا باس بها مضافا إلى سواها، ولكنها كالجزر الضئيلة الضائعة.

    في هذا المضمار تجب الإشارة إلى بعض تجارب بغداد حيث نشأت هناك – بين مد وجزر أيضا – لجنة أو لجان للتعليم المسيحي كان بعضها ذا صبغة طائفية لم يعمر طويلا، ولا زالت هناك بقية باقية تتلقى تثقيفا دينيا وكتابيا روحيا جديا حول بعض الكهنة ومن ثم تقدم خدماتها للخور نيات المختلفة. وكثيرا ما كان هؤلاء الشباب اليد اليمنى للكهنة في إعداد الفتيان للتناول الأول.

3) التثقيف المسيحي لطلبة المعاهد والجامعات:

     كي يبقى الإيمان موردا روحيا للحياة يجيب أن يتغذى يتحرك، وإذا أريد للدين، أي دين، أن يخدم الإنسان عليه أن يكتشف حاجات الإنسان ويطور سبل النهوض بالإنسان شطر التقدم والاكتمال تاركا ما يبلى من الطرائق ليعتنق فقط ما يعطي ويجد ويلائم متطلبات مراحل الحياة. فكان لا بد للكنيسة أن تهتم بأبنائها شباب الدراسات العليا وتقدم لهم ثقافة دينية مسيحية تتلاءم ومستواهم العلمي والفكري المتطور.

     ومنذ ظهور الجامعة في بغداد بذل بعض الكهنة محاولات جذبت نفرا من الطلاب ذوي الرغبة الأصيلة في تطوير ثقافتهم المسيحية. مثل هذه المحاولات لازالت تجدد اهتماما في بعض الكنائس من قبل كهنة رعايا وآباء كرمليين ومخلصيين ودومنيكيين. إلا أنها – هذه وتلك – على الأغلب منفردة وينقصها التنسيق والمثابرة. هذا وقد ساهم مركز القديس يوسف للآباء الكرمليين في بغداد مساهمة رئيسية في نشر الوعي المسيحي وإتاحة الفرصة لندوات ثقافية مختلفة ونشاطات دينية ومحاضرات حول الحقائق الإيمانية والإنجيل المقدس لم تقتصر على الطلبة الجامعيين بل كانت مفتوحة لكل طالب ثقافة مسيحية لا سيما من رواد المركز المذكور.

     أما في الموصل فمنذ بداية الستينات ظهرت الندوات الدينية بصورة أكثر انتظاما وتنسيقا في عدة كنائس للطلبة الجامعيين والمعهد والخريجين هدفها التثقيف الديني المسيحي وأقاموا جو من الثقة بين الطلبة والكنيسة وقضايا الإيمان والحياة والمساهمة في خلق جيل مسيحي مستنير الإيمان واع لمتطلباته، يتفاعل مع تطلعات الوطن ويلتزم بالمساهمة في بنائه التزاما حيويا.

    استمرت هذه الندوات في أجواء طبيعية حتى نهاية العام الدراسي 1972 – 1973 حين قهرتها ظروف استثنائية خارجة عنها إلى التوقف. هذا وقد شكل بعض الطلبة الجامعيين ندوة مسيحية في منتصف هذا العام (1975) مقرها نادي بين النهرين للناطقين بالسريانية كمحاولة لاستعادة ما كانت تقدمه الندوات السابقة من فوائد دينية واجتماعية.

    على غرار هذه الندوات أقيمت ندوات دينية أخرى خارج الموصل. ولكنها كلها تأثرت من قريب أو بعيد بما لاقته الرسالة في الموصل.

4) التثقيف المسيحي للبالغين:

    نقصد بالبالغين هنا جميع الذين اجتازوا مرحلة الدراسة والعمال والأسرة المسيحية.

    فإلى جانب الندوات الدينية للجامعيين وبالأهداف نفسها عملت ندوتان أخريان للموظفين والعمال في الموصل، وان على نطاق أضيف. إلا أنها هي الأخرى توقفت.

     إلى جانب ذلك عمد بعض الكهنة إلى توجيه التثقيف المسيحي إلى الأسر المسيحية عن طريق السهرات الانجولية. وهي عبارة عن سهرات عائلية بسيطة يقضيها احد الكهنة في بيت مسيحي تجتمع فيه بعض الأسر الصديقة الجارة حول نص من الإنجيل يكون أساسا للحديث عن أمور الإيمان وجوانب الحياة المسيحية، وقد نجحت تجربة السهرات الإنجيلية في الموصل والقرى المسيحية المجاورة وفي مناطق أخرى.

     وإذا كان الكتاب المقدس قد احتل مكانا مرموقا في السهرات الإنجيلية، وقد اعتمده بعض الآباء المهتمين بتثقيف البالغين أساسا لدروس التعليم المسيحي والكتاب المقدس بالمراسلة، هذه الطريقة التي لاقت في حينها رواجا وإشعاعا كان يحمل صدى نجاحها وفائدتها.

     وشهدت الموصل مبادرة أخرى في صيفي 1971 و 1972 وهي “الدورة اللاهوتية للعلمانيين” في مواضيع لاهوتية وكتابية وكنسية. وفي بغداد بعض محاولات محدودة شبيهة تهدف إلى تزويد الشباب المسيحي بوعي اكبر على قضايا الإيمان والكتاب المقدس.

     وهكذا يكاد لا يكون للتثقيف المسيحي للبالغين ذكر الآن في العراق، ويقتصر اليوم على بعض ندوات متباعدة، نصف دينية نصف ثقافية، تعقدها بعض نوادي الناطقين بالسريانية، وعلى المواعظ المتفاوتة القيمة والأثر التي تلقى أو تقرا في الكنائس في المواسم والأعياد.

5) الصحافة والنشر: وهذا يسوقنا إلى ذكر المحاولات الصحافية والنشر في عملية التثقيف المسيحي في قطرنا، فهناك مكتبة الآباء الدومنيكيين في الموصل التي ساهمت بصورة فعالة منذ سنين طويلة في نشر الكتاب المقدس في أنحاء القطر، وكذلك بعض المكتبات الدينية الصغيرة الملحقة بالكنيسة في بغداد وكركوك وقرة قوش وتلكيف. وقد نشر عدد من الكتب المسيحية لمؤلفين أو مترجمين عراقيين. أما في مجال الصحافة فنضيف ما تضطلع به ” مجلة الفكر المسيحي” في إشاعة الوعي والتثقيف المسيحي منذ ظهورها سنة 1964. هذا وهناك نشرة دينية دورية بأربع صفحات تصدر بعنوان “الكنيسة” عن بطريركية بابل للكلدان.

6) الأخويات الرسالية:

    المسيحية تبلغ أصالتها لدى المؤمن يوم يشعر بان إيمانه ليس ملكا وقفا عليه، بل وزنة يفلحها وطاقة للمشاركة، وبشرى سارة تحمل إلى الناس. هذه هي المنابع الأصيلة التي دعت إلى قيام الحركات الإرسالية في الكنيسة ومن ضمنها الأخويات الرسالية وقد عرفنا منها عندنا الأخوية المريمية والأخوية الطلابية المسيحية. هذه الأخويات لا تقتصر على إعطاء أعضائها ثقافة مسيحية وعمقا روحيا فحسب، بل تدعوهم إلى مزاولة الرسالة الإنجيلية كل في محيط عمله أو دراسته أو أسرته. ولطالما ساهم أعضائها في خدمة الكنائس وإلقاء التعليم المسيحي للاحداث وإعداد الأولاد للتناول الأول ونشر روح الصلاة وحب الإنجيل والسخاء.

هذه الرسالة العلمانية قهرتها ظروف أليمة وتوارت عن مسرح كنيسة الموصل قبل سنتين بعد أن قدم هؤلاء الشباب اعز طاقاته لخدمة الإنجيل وتجسيده في محيطاتهم بإخلاص وعطاء وفرح وبذل.

تقييم وتساؤلات

       لقد استعرضنا الجوانب والمبادرات التي ساهمت في حركة التثقيف المسيحي منذ بداية الستينات ؛ وبوسعنا، بالرغم من قربنا من هذه الفترة الزمنية وقصرها – مما يجعل عملية التقييم الكاملة سابقة لأوانها – وبالرغم من محدودية هذه المبادرات، بوسعنا أن نرى فيها بوادر استفاقة لتحريك حياة الكنيسة عندنا ومد مسيحيتنا بزخم الشباب. إلا إن مواقف السلبية أو التجاهل أو الجمود أو اللا أبالية – وأحيانا من حيث كان يلزم أن يأتي التشجيع والدعم والمساندة – بالإضافة إلى بعض الصعوبات والضعف اللذين يرافقان كل حياة تتحرك، كل ذلك ساهم في أفول بعض المبادرات أو انتكاسها وبقائنا في دوامة النقد الذاتي دون الاجتياز إلى العمل.

   نوجز مبادرات التثقيف المسيحي القائمة اليوم في العراق كالأتي:

1 – التعليم المسيحي في المدارس التي أكثريتها مسيحيون

2 – بعض محاولات منفردة وضئيلة جدا تجاه الشباب

3 – بعض دورات صيفية قصيرة لأطفال المدارس لا تنال 1% من الأولاد واقل للبنات

4 – الأخوية المريمية التي تقلصت جدا

5 – مجلة “الفكر المسيحي” ونشرة “الكنيسة”

6 – الحياة الليتورجية الطقسية التقليدية التي تتراجع شعبيتها يوما بعد يوم لاسيما عند الشبيبة، بسبب جمودها ولغتها الغربية وبعدها عن أي تطور، حتى لكانها، للكثيرين، عرضا مسرحيا يعاد كل مرة بالإخراج نفسه أمام جمهور يقتصر دوره على المشاهدة والانصراف! وما خلا ذلك لا شيء يذكر سوى تشكي الأهل والأسر المسيحية والشباب من قلة الثقافة المسيحية وإلقاء التبعة كلها على الكهنة – ولربما على الراهبات أيضا – وهؤلاء بدورهم يلقون التبعة على الأساقفة والكل يشتكون من سوء الحال. وتدور الأيام ونحن حقا من سيء إلى أسوا. قد يحلل بعض المسؤولين الكنسيين القضية في دواوينهم ويستخلصون إلى أن زمام الأمور لم يعد بأيديهم فيعلنون استسلامهم للواقع –وان كان مريرا-. والغريب في أمرنا إننا قلصنا قضية التثقيف المسيحي إلى بعض دروس سطحية تعطى للصغار في بعض المدارس.

     لاشك إن للمدارس دورا هاما ورئيسا في العملية التربوية. ولقد كانت مبادرة مشكورة وسعيدة واعترافا بحق مشروع أن تقر الدولة إلزامية التعليم المسيحي في المدارس التي أكثريتها مسيحيون، ولفتة رائعة أن توزع كتب مادة الدين المسيحي مجانا عملا بالقرار الثوري في مجانية التعليم. كما وأننا نسمن الفرصة التاريخية التي إتاحتها ثورة 17 تموز التقدمية لكنيسة العراق، على اختلاف طوائفها، ان تضع منهاجا موحدا في الدين المسيحي لكافة الطلبة في المدارس الابتدائية المشمولة بالقرار المذكور، وقد وضعته لجنة رسمية مشتركة من الكهنة. إلا أن هذه المناهج المتداولة جاءت، برأينا، هزيلة وكأنها كتبت على عجل. فقد كانت فرصة ثمينة للكنيسة أن تركز جهودها وتستفيد من ذوي الكفاءات والاختصاص الخبرة من كهنة وعلمانيين   ليس من بغداد وحسب، بل من كل أنحاء القطر، لاسيما حيث الخبرة أوسع وأقدم. بالإمكان العمل بهذه الفكرة وإعادة النظر في المنهج الحالي في الطبعة القادمة ولدى وضع مناهج المدارس المتوسطة والثانوية الخاضعة للقرار، وهذه المناهج ضرورية ملحة سيما وان أساتذة مادة الدين المسيحي ليسوا دوما أكفاء.

   أما قرار تدريس الدين المسيحي للطلاب المسيحيين في المدارس التي أكثريتها مسيحيون فيحتاج، برأينا، إلى تطوير ليأتي منسجما مع مبدأ المساواة التي يقرها الدستور لجميع المواطنين على اختلاف أديانهم ومبدأ تكافؤ الفرص الذي أطلقته ثورتنا التقدمية منذ فجرها أمام جميع المواطنين لخدمة أمتهم بأقصى ما أوتوا من قوة وزخم، وليشعروا جميعا بأنهم مواطنون على قدم المساواة وميزان مواطنتهم حجم عطائهم. واقتراحنا في هذا التطوير هو أن تضيف السلطة الثورية مأثرة أخرى مما عودتنا عليه فتعمم التعليم الديني لجميع الطلاب المسيحيين في القطر، حتى في المدارس التي لا يشكلون فيها الأكثرية، أسوة بزملائهم الطلبة المسلمين ونهيي بالسادة الأساقفة الإجلاء أن يتحركوا سوية بهذا الاتجاه. وأننا لواثقون من أن قيادتنا الوطنية تولي إذنا صاغية لكل ما من شلنه ترسيخ الوحدة الوطنية والحرية واشتراك الجميع في خيرات البلد وبناء غده الأفضل.

   للمرء بعض الحق أن يرفع يديه مستسلما ويلقي اللوم على غيره إذ هو عمل كل ما بوسعه ولم يفلح، فهل عملنا حقا، نحن ابناء ورعاة الكنيسة،كل ما بوسعنا؟ وإذا لا نتوقع أن نفلح كليا، فلماذا لا نعمل لعلنا نفلح جزئيا؟

   إننا، ويا لللاسف! لسنا دوما في مستولى المسؤولية، فما خلا بعض الانتباه المبدئي إلى قضية التعليم المسيحي للصغار لا نعير أي تحسس لحاجة الكبار إلى التثقيف المسيحي. فأين الاهتمام بالعمال والكسبة، أين الاهتمام بالأسر المسيحية، أين الاهتمام بجيل المفكرين والتقنيين، أين الاهتمام بعالم الشبيبة الواسع الذي هو أحوج القطاعات المسيحية إلى الثقافة الدينية وتطوير نظرته إلى الإيمان، أين الاهتمام بوسائل الإعلام لخدمة الإنجيل وأبعاد مبادئه في حياة الإنسان… إننا ننتبه إلى تجميل كنائسنا وتجديد أبنيتها ووارداتها أكثر من انتباهنا إلى تجميل مسيحيتنا وتجديد طاقاتها أسوة ببقية كنائس الله ودمج عطائها في حركة التطور الفكري والحضاري الذي يعيشه قطرنا.

    الم ننظر نظرة هامشية، إن لم نقل محبطة، إلى كافة المبادرات المسيحية والكهنوتية ودور العلمانيين في الكنيسة… وكأنها لا تمت إلى حياة كنيستنا بصلة.. وكأنها ليست من صلب شهادتنا المسيحية.

    مثل هذا الموقف الا مسؤول والقصير المدى نلمسه أيضا عند المؤمنين أنفسهم. فتجاوب الأهل والأولاد تجاه مبادرات التثقيف المسيحي التي ظهرت ودروس التعليم المسيحي – أيام الجمع سابقا – والدورات الصيفية مثلا، لم يكن مشجعا..

إننا لا نبغي هنا مجرد سرد السلبيات، بل زرع التساؤل الايجابي الذي يسبق العمل ويستدعيه:

هل حقا نعد مسيحية سنة 2000، وكيف؟

    اجل إن ما ينقصنا حقا هو النظرة المستقبلية ودينامية الخلق والعمل والمثارة. ومسؤولية التثقيف المسيحي وبعث المسيحية الجديدة الملتزمة هو شاننا جميعا، هو عمل الجميع قمة وقاعدة، سلطة ومؤمنين، كهنة وشبابا…

(للمقال صلة)

                                                    الأب جرجس القس موسى

 ))))))))))))((((((((((((

التثقيف المسيحي في العراق.. إلى أين؟ (2)

      في ملفنا الأسبق (عدد46 – حزيران 1975 ص 270) تطرقنا إلى الوضع الراهن الذي يسير فيه التثقيف المسيحي، بل بالأحرى الذي آل إليه في قطرنا، وقد حاولنا أن نكون موضوعيين في ذكر المبادرات الكنسية والرسمية والمحلية، التقليدية أو المستحدثة، التي ساهمت أو تساهم من قريب أو بعيد في عملية التثقيف المسيحي.

      ولقد أوردنا بإيجاز المبادرات التي كان لها شان يبعث على الأمل والتفاؤل بمستقبل مشرق لمسيحيتنا ولكنها أوقفت في عز انطلاقها أو جمدت كالندوات الدينية والأخويات ودروس التعليم المسيحي لطلبة الثانويات والمتوسطات والمعاهد والعمال وغيرها.. واشرنا إلى فرص التثقيف المسيحي التي تتضاءل كل يوم، لاسيما بالنسبة للشبيبة والبالغين، وذلك بفعل عوامل متعددة منها ما تفرضه الأحداث الخارجية على الكنيسة، ومنها ما هو ناتج عما يعتبره المؤمنون تقاعسا أو لا مبالاة من قبل المسؤولين الكنسيين، وإذا كانت هذه اللامبالاة وذلك التقاعس غير مقصودين

–فنحن لا نشك لحظة في حين النية عندهم– فهما مشوبان بكثير من العجز غير المبرر وبغياب الحس المستقبلي لديهم –وهكذا يبدو– والمعذرة أن كان تشخيصنا خاطئا!

     فإذا كان مقالنا السابق قد عكس الوضع الراهن وألقى الأضواء على بعض جوانبه، فمقالنا الحالي محاولة في المساهمة في تقديم حلول ومقترحات عملية للخروج من الصمت إلى العمل.

إزاء التحولات الاجتماعية والفكرية والثقافية والحساسية والاقتصادية.. يتحتم التحرك والالتزام

      يوم كنا صغارا كن نجلس القرفصاء في فيء المدرسة أو بين أنقاض كنيسة قديمة مجاورة ونردد بعد “أستاذا” الشماس أسئلة وأجوبة التعليم المسيحي ونتعلمها على ظهر القلب دون استفسار أو تساؤل، ونعود إلى البيت مكتفي الأذرع كما يليق بالأولاد المهذبين، حسبما كان يوصينا “الأستاذ”. جو البيت أو القرية كان مشبعا بالبساطة والتدين ومحور الأيام يدور برتابة حول الأعياد والمواسم الدينية، وكانت الكنيسة برنات أجراسها المتكررة ملتقى الكبار والصغار ليس فقط أيام الآحاد، بل حتى في بحر الأسبوع. وكانت الحفلات والصلوات، وان لا نفهم من لغتها شيئا، وقطعات البخور التي تعطر الهيكل وتغلف الحاضرين، واشتراكنا الرمزي في تلك السن بالطقوس بأثوابنا البيضاء وزنانيرها الحمراء والخضراء والزرقاء.. كان كل ذلك يسند إيماننا دون مشاكل كما سبق وسند أجيالا إيمان إبائنا وأجدادنا. وما خلا ذلك لم يكن ما ينافس بصورة جدية هذه التأثيرات على حياة الإيمان وممارساته، لا على الصعيد الفكري ولا على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو العلمي. كان والدي ببساطة وطيبة قلبه يقول لي ونحن ندرس تاريخ الإنسان القديم: ما في كتاب التاريخ خرافات، ولكن ادرسه للامتحان فقط، أما القصة الحقيقية فهي قصة ادم وحواء في التوراة!

     ولم يكن جو المدينة يختلف كثيرا عن جو القرية إلى بضعة سنين خلت. فعملية التسرب الفكري شبه معدومة ولم يكن للمؤثرات الخارجية دور حاسم في تغيير القناعات لاسيما الدينية والتربوية، وفجأة اخذ كل شيء يتبدل.. لاسيما منذ ثورة 17 تموز 1958.. بطيئا وبتأرجح أولا.. وثم منذ ثورة 17 تموز 1968 بسرعة وتخطيط وبرمجة وفكر قيادي ؛ ونحن اليوم نعاصر مرحلة تحولات نوعية واسعة وجذرية في قطرنا، عمودية وأفقية، في الفكر والاقتصاد والسياسة والثقافة وفي استخدام العلم والتكنولوجيا للتقدم، وفي كل فنون الحياة والتعبير والعلاقات.

      فمن مجتمع زراعي بدائي ومهني محدود ومقفل انتقلنا إلى مجتمع متمكن ومتطور تشكل فيه الخطط الانفجارية والمشاريع التنموية والعمرانية العامة والخاصة تحولا اقتصاديا هائلا: وهكذا وجدنا أنفسنا فجأة في مجتمع استهلاكي عانى الضنا طويلا ثم لما فتحت أمامه أبواب الرفاهية تهافت كالجائع المحروم على كل جديد وأنيق في الملبس والمسكن والمأكل وحتى المركب، حتى أصبحت كماليات الأمس ضروريات اليوم. ولا يخفي ما يتطلب كل ذلك من عمل دءوب وجهاد مستميت لزيادة الدخل ومطاردة الرزق حيث يوجد، بالتالي التخلي عن الأساليب التقليدية في الحياة والكسب وهجر البيئة الأولى ومسقط الرأس وحب الاستقلال. أما على الصعيد الفكري والثقافي فقد طرأت تحولات نوعية وكمية واسعة. وقد تفطنت السلطة إلى نواحي تخلفنا الأساسية وأخذت ترسم الخطة تلو الخطة لإيقاف التخلف وحرق مراحل الزمن للحاق بالحياة وبناء العراق الجديد على أسس علمية وموضوعية جديدة فخططت لإشاعة التعليم الإلزامي في كل مناطق العراق، ففتحت مئات المدارس وناشات المعاهد والكليات العديدة بالإضافة إلى الايفادات التاهيلية والدراسات الواسعة  إلى الخارج لإعداد كوادر هذه النهضة وفتحت مراكز محو الأمية الإلزامي في العديد من مناطق القطر وجعلت من ديمقراطية التعليم أداة وهدفا لبناء المجتمع المتكافئ. والدولة سائرة قدما وبعزم في تطبيق سياسة تربوية مبرمجة وموحدة وفي خط عقائدي اشتراكي وقومي واضح، وتولي اهتماما كبيرا بالثقافة الجماهيرية وتوعية البالغين المستمرة وعلى كل المستويات العمالية والوظيفية والنسائية والفتوة والشباب، وذلك عن طريق المنظمات والنقابات والجمعيات والاتحادات المختصة ومختلف وسائل الإعلام الاتصال كالصحافة والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والندوات والدورات…

إلى كل ذلك نضيف زحمة التيارات الفكرية والثقافية والسياسية التي تتقدم بدعوتها إلى مجتمعنا النامي لاسيما الشبيبة التي لها حساسية اشد تجاه قضايا المجتمع الآنية وتجاه النضال المباشر والالتزام بالواقع المحسوس ولا تعير كبير اهتمام بالقضايا الفائقة الطبيعة، بل تعتبرها غبية وعديمة الفائدة. وهكذا بتنا نشهد نزعة صريحة أحيانا وغير معلنة أحيانا أخرى –إلا أنها موجودة دائما– إلى فقدان الأبعاد الروحية في الحياة وفرض نوع من الانسحاب الجزئي أو الكلي إلى الخطوط الخلفية على العامل الديني عموما وأخذت من يد الكنيسة المبادرات التربوية والخيرية والتثقيفية التقليدية التي كانت بحوزتها كالمدارس والمياتم وحتى جزئيا المعاهد الكهنوتية. وحيال كل هذه التغيرات لم نلق دوما انتباها ايجابيا إلى قراءة علامات الأزمنة وحمل المسؤولية الوطنية والكنسية من قبل رجال الكنيسة، وفي كثير من الأحداث المهمة قوميا ومسيحيا كان صوت الكنيسة غائبا. وكان خليق بنا أن نستلهم كنائس العالم الثالث وأميركا اللاتينية ومواقف إخوتنا في الإيمان فيها الذين نماثلهم إلى حد كبير في ظروفنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والذين، إلى جانب جهودهم في تجديد كنائسهم داخليا، لا يتنصلون من دورهم الطليعي في تطوير بلادهم والمساهمة مساهمة فعالة ومباشرة في تحريرها الكامل.

      إننا، هنا، في استعراضنا لبعض أوجه الواقع الذي نعيشه، دينيا ومدنيا، وذكر بعض التحولات التي أصبحت من مكونات واقعنا في قطرنا واستقراء ما نحن مقدمون عليه من بنيات جديدة لا ينبغي مطلقا آخذه مأخذ الذم أو الانتقاء أو الإطراء،  فنحن إنما نورده كملاحظات باحث اجتماعي محايد –وان كان هذا اللقب كبيرا على محاولتنا الوضيعة– يقرا النتائج من مسبباتها ويستلهم الواقع لرسم صورة المستقبل.

       إن كل ما ذكرناه وما نلمسه كل يوم في الممارسة، على الصعيد الفكري والعملي خلخل العلائق القديمة في مجتمعنا ففضح المتهرئ والهزيل منا وخلق، على كل حال، أسسا جديدة تفرض منطلقات جديدة وممارسات، منها ما نفرضه هذه التحولات بالذات ومنها ما تفرضه سنة التطور والحياة بغض النظر عن أي ضغط خارجي. فإزاء كل هذه التحولات السريعة وكل الانتظارات والتساؤلات وإزاء ظاهرة عدم الاكتراث الآخذة بالتزايد بالبنيات التقليدية للكنيسة يتحتم علينا التحرك وتحمل المسؤولية تحت طائلة الموت ؛ وبدرجة أعلى يتحتم الالتزام الفوري بتثقيف جيل مسيحي واع وملتزم بكل ما تعنيه هذه المقولات من أبعاد وعمق.

تثقيفنا المسيحي ليس مجرد تعليم ديني مثالي: التزام بحياة الأمة والوطن والكنيسة

ولكن ما هو مضمون هذا التثقيف المسيحي الذي تدعون إليه؟

      هذا كان سؤال احد الشباب في ندوة عقدت في مركز القديس يوسف ببغداد قبل ثلاثة أشهر حول الموضوع الذي نحن بصدده وذلك انطلاقا من القسم الأول من بحثنا المنشور في عدد حزيران (ص 270). وهذا السؤال مطروح علينا بصورة جدية وعلى الإجابة الصريحة عليه تتوقف أمور مصيرية كثيرة في وجودنا المسيحي في هذه البلاد وفي تأدية دورنا كاملا في حياة الكنيسة الجامعة وفي تحديد الرسالة الإنجيلية وجوهر المسيحية الحية التي ندعو إليها. هذا ما يجب أن تفهمه كنيستنا في العراق، قمة وقاعدة، إذا أرادت للمسيحية أن تحيى وتحيي في هذه البلاد.

     ونقصد بعبارة “المسيحية” هنا لا المجموعة البشرية  التي تدين بالمسيحية فحسب، ولا الدين المسيحي بوصفه ظاهرة اجتماعية وعنصرا حضاريا فقط، فهذا وتلك يمكن بقاؤهما طويلا حتى بعد نزع الروح عنهما كما وهج الشمس يبقى طويلا بع غيابها ؛ إنما نقصد بالدرجة الأولى هذه الروح بالذات، اعني بها أصالة الدين المسيحي الذي نتنسمه قي الإنجيل وتسلمناه من الرسل بكل ما فيه من دينامية والهام للحياة، هذا الايمان الذي يكشف للإنسان بنوته الإلهية، ومن هذه البنوة الإلهية تنبثق دعوته إلى الالتزام والتحرر على خطى المسيح المحرر الأعظم للإنسان

–التحرر من الخوف والخطيئة وكل الاستلابات– هذا الإيمان الثوري الذي تحدث عنه كاميلو توريس وهلدر كامارا وجوليوس نيريري وروجيه غارودي وكشف عنه المجمع المسكوني الأخير ؛ الإيمان الذي هو طاقة خلاقة لا تنضب في الإنسان؛ الإيمان الذي يضع في قلب الإنسان طموحات وإمكانيات لا حد لها للإخوة والمساواة والتعاون البناء؛ الإيمان الذي يوحد الحياة بوجهيها الزمني والروحي، فإذا هو شحنة التزام جريء، لا ركود مخدر!

     مثل هذا الإيمان الواعي هو ما نبحث عنه قاعدة لتثقيفنا المسيحي للنشء الجديد والشبيبة الطالعة، لبناء عراق جديد مؤمن خلاق وكنيسة جديدة ملتزمة وجريئة.

     المقصود بالتثقيف المسيحي الذي ندعو إليه” عملية إدراك أسس وجوانب العقيدة المسيحية والإحاطة بمتطلبات الإيمان المسيحي. هذا من الوجهة النظرية، أما من الوجهة العملية فيعني تخطي العقيدة إلى الحياة والممارسة الفعلية… ومن دون الحياة والممارسة يصبح مجرد تجميع معلومات سرعان ما تتبدد..” ويستند هذا التثقيف إلى شخص يسوع المسيح الحي وتعاليمه… وينقل ألينا عبر وضمن الجماعة المسيحية أي الكنيسة”.

     فتثقيفنا المسيحي إذن ليس مجرد تعليم ديني مثالي لا يمس الحياة، وان كان كذلك لكان تنكرا للإنجيل الذي دخل في لحمة الحياة وسداها ولصاحب الإنجيل وللإنسان الذي جاء ليخدمه. فالدين لخدمة الإنسان في مسيرته نحو الله وحافز خير وتطهير ذاتي ولبناء المجتمع الإنساني الحاضر. والدين المسيحي باجلى بيان ما كان إلا وحيا وإلهاما على ممر العصور لرقي الإنسان وتحرره وزخما عقائديا لثوراته  على الظلم والاستبداد والخمول، فلا خوف منه أن هو ساهم في عملية البناء والتجديد التي يشهدها قطرنا، لا بل ذلك حق عليه   ولا خوف عليه إن هو أدى رسالته هذه وكان عنصر حركة وخلق وتطور نحو الأفضل.  

دراسة وتخطيط.. ولكل مراحل الحياة وبكل وسائل التعليم

     إن معظم المتعلقين بالكنيسة من البالغين تتراوح أعمارهم بين الأربعين والستين وكثير منهم يغلب على إيمانهم طابع التقليدية والركود الفكري والاكتفاء بالذات المجاور للأنانية وفلسفتهم فلسفة جيلهم: “كل مؤمن لنفسه!”.. ولكن حتى هؤلاء سيتوارون غدا ويبقى شباب اليوم ونشء اليوم والغد الذين تطبعهم الأفكار التقدمية والعلمية والانفتاح وتهمهم المبادئ الممتزجة بالحياة. غدا ماذا سيكون مصير إيمانهم.. هل فكرنا.. هل اعددنا لهم شيئا؟

      وإذا كانت عملية نقل الإيمان وتسليمه من السلف إلى الخلف امرأ طبيعيا وسهلا في السابق، فهي اليوم، وللأسباب والعوائل المار ذكرها، عملية تحتاج إلى جهود استثنائية تستدعي منا دراسة ميدانية جادة للواقع والمتوقع والإمكانيات والممكنات، ومن ثم التخطيط العلمي البعيد المدى ووضع برامج وأساليب متنوعة للتثقيف المسيحي قد تدعو إلى تغيير جذري للأساليب التقليدية. هذا التغير وارد ويجب أن يخضع باستمرار العوامل الزمنية والمكانية النفسية. ومن جهة أخرى لا ينبغي أن نحصر التثقيف المسيحي، كأي تثقيف في أي موضوع آخر، لا ينبغي أن نحصره في أسلوب واحد وفئة واحدة، بل يجب أن نضعه في متناول جميع شرائح المجتمع وعلى كل مراحل الحياة ونجد له “كل وسائل التعليم” حسب عبارة القديس بولس، وكل سائل لإيضاح والاتصال والتقنية التي يضعها العلم تحت تصرفنا، كالصورة والصوت المسجل والاسطوانة والشريط السينمائي والإذاعة والنشر… أضيف إلى كل ذلك وسائل الاتصال المباشر كالتعليم المسيحي في المدارس لو خارجها، الوعظ والإرشاد في الكنائس، الندوات الدينية ودروس الدين للكبار، السهرات الإنجيلية… الخ

      صحيح إن بعض هذه الوسائل غير متوفرة لدينا أو لم يعد في أيدينا كليا، ولكن هل استفدنا كل الوسائل التي بحوزتنا أو التي لا زالت مفتوحة أمامنا أو التي يمكن أن نطرقها مع قليل من روح المبادرة والابتكار والتضحية؟ لقد تضاءلت فرص إعطاء التعليم المسيحي في المدارس، ولكنها لازالت قائمة، فهل اعددنا الكوادر اللازمة والمناهج الملائمة وهل اتبعنا الطرق التربوية والنفسية الحديثة في إيصال الثقافة المسيحية إلى هؤلاء الفتيان؟ وهب أن لا يكون ثمة أي تعليم ديني رسمي في المدارس، افنبقى مكتوفي الأيدي نتباكى؟ هناك بلاد، ومنها فرنسا، لا تدخل في مدارسها الرسمية مادة الدين، ولكن الكنيسة أوجدت طرقا لتنظيم التثقيف المسيحي خارج المدارس، في الكنائس، وفي الأسر، وفي الدورات وفي مراكز التعليم المسيحي وبمناسبة المناولات الاحتفالية، واستخدمت كثير من البلدان كافة وسائل الإيضاح من صور متحركة واسطوانات وكراريس وقصص الإنجيل ومجلات مختصة، افليس من الضروري أن نفكر في الاستفادة من خبرة غيرنا؟

      قد يكون تثقيف البالغين –من طلاب وعمال وموظفين– أصعب وأكثر تعقيدا ويستوجب تحمل مسؤولية اكبر، ولكن ألا تستحق خطورة القضية وأبعادها تحمل هذه المسؤولية واسترخاص الجهود كلها؟ الشباب عموما، لا سيما طلبة الجامعات، وغدا سيكون ثلثا شبابنا في الجامعات، لا يلقون من الكنيسة لا تفهما ولا دعما ويشعرون بأنفسهم فيها غرباء. أفنعد الأمر طبيعيا؟ أفلا نحتاج إلى أن نتذكر ما أعلنته المجمع الفاتيكاني الثاني في وثيقة “التربية المسيحية”

     رقم 2: “… كي يغدو المعمدون وعيا لهبة الإيمان التي اقتبلوها وخاصة الشباب الذين هم أمل الكنيسة…” وفي رقم 10 يقول أيضا: “وبما أن مصير المجتمع والكنيسة نفسها يرتبط ارتباطا وثيقا بتقدم الشباب الذين يتابعون دروسهم العالية، فليعلن رؤساء الكنيسة ألا يألو جهدا في الاهتمام بحياة طلاب الجامعات…”

    من جهة أخرى أفلا يكون مناسبا أن تستغل بعض المناسبات المهمة في حياة المؤمن بصورة ذكية ومبسطة لتصبح فرصة تثقيف طبيعية كحفلة العماد والتناول الأول وتجديد مواعيد المعمودية وفترة الإعداد للزواج والمناسبات الطقسية والليتورجية. لم لا تطور بعض الحفلات الكنسية ويشترك فيها الشعب لتصبح صلاة وتثقيفا حقيقيا ألا يمكن التفكير الجدي في إقامة قداديس خاصة، من وقت لآخر، للصغار، مثلا، أو للشباب أو في البيوت وفي بعض مناسبات خاصة، لتكون بمثابة قداديس نموذجية بتنظيمها ونصوصها، وتطوير مشاركة الشعب والجوقات في القداديس الاحتفالية والعامة؟ لغة الموعظة وأسلوب إلقائها نفسه يحتاج إلى تطوير ليكون اقل “استعراضا” وأكثر “قربا” من مفاهيم المؤمنين واهتماماتهم. أما الأسرة فيلزم أن تستقطب اهتمام الكنيسة لكونها الأرضية الطبيعية والأولية التي منها ينطلق الشعور الديني ويمكن أن يكون لها شان اكبر بكثير مما لها في عملية التثقيف المسيحي. فيجب إعداد الأهل وتوجيههم على أنهم هم أول المربين المسيحيين لأولادهم، وان دورهم اكبر وأفضل من دور المدارس ويسبقه. فإذا فهم الأهل ذلك وعملوا به نكون قد حللنا نصف المعضلة، هناك في بعض البلدان أمهات وفتيات وشباب يجمعون أولاد الحي في منزلهم ويلقنونهم التعليم المسيحي في أوقات فراغهم. كما إن للسهرات الإنجيلية الأثر الكبير على الأسر المسيحية في إعطاء وتقوية الثقافة المسيحية وإفساح المجال أمام الصغار والكبار أن يلقوا الأسئلة ويتحاوروا بعفوية حول الإنجيل وأمور الدين.

       وماذا نقول عن الإعلام المسيحي والنشر في خدمة التثقيف المسيحي؟ أليس هذا القطاع، على اهميتة، مهملا في كنيسة العراق؟ ونحن لا تعوزنا العناصر الشابة الغنية بالفكر والقابليات، علمانية وكهنوتية، إنما قد نفتقر إلى التشجيع والثقة والدعم.

     فإزاء المحاولات الوضيعة والجزئية في مجال النشر والإعلام المسيحي التي ظهرت أو لا زالت قائمة عندنا –ونعتبر مجلة الفكر المسيحي إحدى هذه المحاولات– ماذا كان موقف المسؤولين الكنسيين منها، وماذا كان حجم مساهمتهم فيها؟

تعاون فعلي وتنسيق المسؤوليات

      ولكن في الحقيقة إن كانت عملية التثقيف المسيحي متعددة الجوانب وتستدعي استخدام وسائل وطرائق متعددة ومتنوعة، فهي عملية جماعية ومسؤولية مشتركة، وانه يخطي من يظن إن التخطيط التربوي عملية فوقية لا شان للمسيحي العادي فيها. وقد تكون الاحتكارية الكنسية والرهبانية لكل المبادرة في هذا الشأن هي احد أسباب ضعف وتقهقر التثقيف المسيحي الآن في بلدنا.

      لقد وصلنا إلى منعطف تدعونا خطورته إلى إرساء قواعد تعاون فعلي ومدروس لعملية التثقيف المسيحي بين الأساقفة والكهنة والراهبات والعلمانيين، من شباب وفتيات ونساء، وإلا لبقيت محاولاتنا كلها ناقصة وهزيلة. قد يكون من المفيد أن نذكر الدور الكبير الذي كان لأصدقاء الرسل ومعاونيهم العلمانيين، من رجال ونساء، في التبشير بالإنجيل في الكنيسة الأولى (انظر كتاب أعمال الرسل ورسائل مار بولس). إن الوقت قد حان لإعادة الثقة بالجماهير المسيحية وإشراك العلمانيين في حياة الكنيسة الروحية والليورجية والثقافية والإدارية والرسالية، فليس الكاهن أو الأسقف كل شيء، ولا يحق لهما أن يكونا كل شيء. ودعونا ولو مرة واحدة أن نخاطب بمحبة وجزيل احترام  ولكن بصراحة آبائنا السادة الأساقفة الأجلاء أن يتحملوا مسؤوليتهم القيادية الروحية لتحريك ركودنا ودعم مبادرات الحياة في كنيستنا العراقية وقيادة “الاجيورنا منتو” أي التجديد الكنسي الذي دعا إليه البابا يوحنا الثالث والعشرون. “فالأسقف”، كما قال احدهم ليس فقط حارس الحدود لئلا يتخطاه احد ويسقط. هو من يفتح الآفاق والأبواب، هو من يسمع ويثير الحديث…”.

      وعليه ندعو إلى تنسيق المسؤوليات والعمل بين الاكليروس والعلمانيين، فالعمل الجماعي مكتوب له الديمومة حتما أكثر من العمل الفردي. كما ندعو إلى تنمية وتشجيع الاختصاصات والاستفادة من الكفاءات لتطوير أساليب التثقيف المسيحي. في كنيستنا العراقية كهنة وشباب كثيرون ذوو كفاءات، منهم من اكتسبوا خبرة واختصاصا في ميادين العمل ألرسولي مع الشباب أو الأسر المسيحية أو التربية أو الصحافة والنشر ومنهم من حصلوا على شهادات عالية أو لازال بعضهم على مقاعد الدراسة في اختصاصات كنسية وعلمية وكتابية في جامعات كنسية ومدنية في الخارج. فهل تستفيد كنيسة العراق منهم وتشجعهم على وضع اختصاصاتهم في خدمة الإنجيل والتثقيف المسيحي بصورة صحيحة؟

خلاصة واقتراحات

     الخلاصة من كل ذلك هي أن قضية التثقيف المسيحي في العراق باتت من الخطورة بحيث لم يعد السكوت ممكنا، وإلا لأدركنا الموت! وان معالجتها معالجة سليمة وبعيدة المدى تتطلب دراسة ميدانية وموضوعية جادة تستند على واقع بلادنا ومسيرتها الفكرية والحضارية وتستلهم خبرة الكنيسة الجامعة؛ وان هذه الدراسة يجب أن يعقبها تخطيط يشترك في وضعه الاكليروس والعلمانيين معا؛ وان هذا التخطيط وتلك الدراسة يجب أن يتجسدا في التنفيذ الفعلي من قبل كنيستنا العراقية، برجالها ونسائها، بشبابها وشاباتها، بكهنتها وأساقفتها، برهبانها وراهباتها، متكاتفين، متواثقين، مسئولين!

  نختم بثلاثة اقتراحات:

           الاقتراح الأول: إنشاء مركز التعليم الديني لإعداد مدرسي التعليم المسيحي وإعطاء التثقيف المسيحي، قد يتفرع إلى مراكز ثانوية، أو يصبح تدريجيا معهدا للتثقيف المسيحي للعلمانيين. وكخطوة أولى نقترح إقامة دورات تاهيلية لمدرسي ومدرسات التعليم المسيحي على غرار دورات الانكليزية والرياضيات الحديثة التي تنظمه مديريات التربية في المحافظات.

            الاقتراح الثاني: تشكيل لجنة عليا على صعيد القطر ولجان فرعية محلية لشؤون الرسالة والتثقيف المسيحي وتتكون كل واحدة برئاسة أسقف من كهنة وراهبات وعلمانيين من كلا الجنسين. وتهتم كل لجنة أيضا بالدراسات والتخطيط والتنسيق والمتابعة في اختصاصها. ويكون من نتائجها أن يكون كل أسقف مسئولا عن قطاع رسولي: هذا عن التثقيف المسيحي للبالغين، وذاك عن الكتاب المقدس، والآخر عن الإعلام والنشر، وغيره عن الوحدة المسيحية… الخ، كما هو جار في مصر مثلا.

             الاقتراح الثالث: تشكيل لجنة أو هيئة وطنية مؤلفة من أساقفة ومن كهنة وعلمانيين ومن جميع الطوائف المسيحية لشؤون علاقات الكنيسة والدولة.

عسى هذه الاقتراحات والأفكار المبعثرة التي نرفعها إلى آباء كنيستنا الإجلاء وأبنائها وبناتها الغيارى تخدم قضية الإنجيل والمسيحية في بلادنا وتجعلنا أكثر حساسية لمتطلبات إيماننا.

وعساها تلقى صدى في دراسات اجتماع الأساقفة القادم!  

                                               الأب جرجس القس موسى

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: