Posted by: abu faadii | 2013/08/02

ملائكة الرحمة

ملائكة الرحمة

طاولة/تشرين الثاني1981 

    مهمة إنسانية نبيلة استهوت فتيات بعمر الزهور للعناية بالمرضى وإضفاء الأمل وإعادة البسمة إلى وجوه المتألمين والأطفال والأمهات. ولكنها مهنة شاقة ومنهكة، ولا تنال دوما ما تستحقه من تقييم في المجتمع “الفكرالمسيحي” أرادت بهذا التحقيق أن تسهم، من موقعها الإعلامي، في تقييم وتكريم مهنة التمريض والممرضات.

        قد تكون رقدت في المستشفى أو قصدتها للعلاج أو لعيادة قريب أو صديق لك فيها.. فرايتهن، بالثياب البيض، غاديات آتيات، يحيطنّ أسرّة المرضى بالعناية والعطف والسؤال عما يمكن أن يخفف من وطأة المرض أو العزلة.

       حول طاولة مستديرة أثيرت هموم وأحاسيس “ملائكة الرحمة” هؤلاء في نقاط أربع رئيسية وهي: – الدورالإنساني للممرضة – نظرة المجتمع إلى مهنة التمريض والممرضات – رعاية الثورة للمهنة – والربط بين ممارسة المهنة والالتزام لدى الممرضة.

      كن إذن خمسا، من الموصل، لبين دعوة “الفكر المسيحي” واقبلن باسمات هادئات:  زريفة هرمز (41 سنة، متزوجة وأم لأربع بنات وصبيين، 25 سنة خدمة، تعمل الآن في قسم الولادة)، نجلاء يعقوب ( 26 سنة، عزباء، 8 سنوات خدمة، تعمل الآن في الولادة أيضا)، سهام توفيق (41 سنة، متزوجة، أم لثلاثة صبيان وبنت واحدة، 25 سنة خدمة، تعمل في المركز الوقائي في المدينة)، نجلاء عزيز(30 سنة، عزباء، 15سنة خدمة، تعمل الآن في قسم الباطنية)، حبيبة عازر(24 سنة، راهبة،10سنوات خدمة، تعمل الآن في مركز الإنعاش).  

                                                             * الدور الإنساني للممرضة

ما هي الدوافع التي جعلتكن تخترن مهنة التمريض؟

      * لقد ركزت المشتركات في الطاولة كلهن على الدوافع الإنسانية التي كانت في أساس اختيارهن العمل في حقل التمريض. وكان جلوس الأخت الراهبة حبيبة في رأس الحلقة يهيئها لان تأخذ المبادرة في الإجابة:  فقالت بأنها ترى في التمريض خدمة إنسانية نبيلة جدا، ولكون هذه المهنة تتصل، أكثر من سواها، بالنفس البشرية المتألمة والمحتاجة إلى عناية وإحاطة أوسع، فإنها تراها أكثر إنسانية من سواها وذلك ما يدعوها إلى مزيد من البذل والعطاء. واستطردت تقول: “إن الشعور المتبادل بين الممرضة والمريض والترويح عنه هي سعادة تغمر المريض والممرضة على السواء”.

       أيدت السيدة سهام، أم معن، هذا الشعور حيث صرحت بحبها لمهنتها وبأنها تنسى همومها عندما تندفع في خدمة مرضاها –لاسيما الأطفال منهم–  مضفية على الجو الأليم مسحة من الإنسانية والأمومة. مثل هذه الطيبة لا بد من أن تنعكس ايجابيا على نفسية المرضى فتسهم في تخفيف آلامهم وتسريع شفائهم. وكم يسعد الممرضة أن تسمع كلمات الامتنان ومعرفة الجميل من مرضاها السابقين عندما يلتقون بها، بعد خروجهم من المستشفى، في الشارع أو في السوق أو في إحدى المناسبات.

     ولعل هذا الجانب الإنساني والنفسي تتحسسه الممرضة أكثر في قسم الولادة حيث تتأرجح حياة إلام والطفل بين الأمل المشرق والاحتمالات المفاجئة، لذا كانت المسؤولية في هذا القسم اكبر واخطر. هذا ما أشارت إليه السيدة زريفة، أم يوسف، عندما تحدثت عن العناية الخاصة والمراقبة الدقيقة والضرورية اللتين تحيط بهما الأمهات أثناء الوضع وبعده، سيما إذا تعرضن لمضاعفات مؤسفة كما حدث لإحدى الحوامل التي تعرضت لحساسية خطرة، ولولا الإجراءات الوقائية السريعة من قبلها لما نجت المريضة من الموت.

       وتكون رقة الشعور والإيمان أعمق أثناء الولادة، حسب شهادة أم يوسف ونجلاء يعقوب، فكثيرا ما تصعد المريضة صلواتها وادعيتها بصوت عال أو تتلو سورة مريم وخبر ولادتها العجيبة، فتشترك الممرضة بهذا الدفق الإيماني وتدعو مريضتها إلى الاستسلام  لعناية الله وتشجعها وترفع معنوياتها بالامثولات التي تسند شدتها وتبقيها يقظة متشوقة إلى الحدث السعيد بأقل ما يمكن من الألم.

                                * نظرة المجتمع إلى مهنة التمريض والممرضات 

بحسب ملاحظاتكنّ، ما هي نظرة المجتمع إلى مهنتكنّ والى الممرضات خاصة؟

      * قد نكون أثرنا هنا أدق نقطة في اللقاء، ذلك لان في موقف المجتمع من الممرضة انفصاما حقيقيا. فبينما يثني الناس على الخدمة الإنسانية الجليلة التي تؤديها الممرضة تجاه مرضاهم في المستشفيات أو المراكز الصحية الأخرى، وبينما يقدرون أتعابها وتضحياتها وسهرها قرب أسرتهم: نراهم ينظرون إليها، على العموم، نظرة شبه متعالية تبطن حكما قاسيا، وجائرا أحيانا، لاسيما إذا كانت الممرضة عزباء ونشطة. وتصل هذه النظرة، كما أشارت المشتركات في الطاولة، إلى أن يستبعد الخاطب أن يتزوج  بممرضة لمجرد أنها ممرضة

–وحكم أهله قد يكون أقسى–  وكان التمريض مهنة خطرة أو أحط من غيرها!

ترى ما سبب هذا الموقف الذي اقل ما يقال فيه انه غير منصف؟

       عند تحليلنا لجوانب السؤل رأت المشتركات إن الموقف السلبي من الممرضات يعزى إلى عاملين احدهما أخلاقي والثاني وظيفي: والعامل الأخلاقي يتلخص في الإطارالاجتماعي الذي تعمل فيه الممرضة حيث تأتي طالبة التمريض، عادة، في سن مبكرة وتتفتح شخصيتها وإنسانيتها في جو مختلط شبه مغلق، بعيدا عن الجو العائلي؛ يضاف إلى ذلك ساعات العمل الطويلة والزمالات الوظيفية المنفتحة مع الممرضين والأطباء وطلبة الطب المتمرنين.. وتكون العاطفة والميل إلى العبث العابر وغير المسئول في مثل هذه المرحلة أكثر يقظة واستثارة، علاوة على ظروف الخفارات الليلية المتعبة والتي تتيح عفويا، فرصة أوسع للألفة. مثل هذه الظروف الخاصة تتطلب من الممرضة يقظة ونضجا إنسانيا. ولكن أن زلت واحدة، في قليل أو كثير، فهل نحكم على المهنة كلها، وهل من العدل إن نصم “الصنف” كله؟ أو لم يزل غيرها في قطاعات أخرى؟!

       أما العامل الوظيفي فينحصر في النمط الممل والمستمر دون هوادة الذي يسيرعليه العمل التمريضي الذي لا يتحمل التأخير ولا التغيب، وما يزعج بالأكثر وينهك الخفارات الليلية المتتالية التي تنتشل الممرضة، ولا سيما المتزوجة، من بيتها وأسرتها وأطفالها. فمن الطبيعي أن لا تروق للزوج مثل هذه الغيابات الليلية المتكررة والمستمرة.

      غير إن النظرة السلبية إلى الممرضة –لاسيما في شقها الأخلاقي– وقد أخذت تتغير، والحمد لله، بصورة ملموسة بفعل تحول أكيد في الذهنية المجتمعية نحو تقييم شريف ومنصف لعمل “ملائكة الرحمة” هؤلاء وتضحياتهن. وقد ساهم مساهمة أساسية في هذا التحول الاهتمام الجدي الذي تبديه الدولة بالممرضات وبرفع مستوى المهنة علميا وإنسانيا واجتماعيا واقتصاديا. 

* رعاية الدولة 

كيف تبرز رعاية الدولة لمهنة التمريض والممرضات؟

       * التمريض، اليوم، ليس كالأمس. ومثل سائر القطاعات الخدمية التي تتصل اتصالا مباشرا بحياة المواطنين اليومية وصلته يد الثورة بالرعاية والتطوير، وما ذلك إلا جزء مما ناله قطاع الصحة عامة من اهتمام في شقيه العلاجي والوقائي ومهنة التمريض بالذات أحاطتها ثورة 17 تموز بشتى أنواع الرعاية من فتح معاهد التمريض في كثير من المحافظات، إلى تجهيز كلية التمريض بالملاكات واحدث الأجهزة والمختبرات وتوسيع طاقتها الاستيعابية، إلى عقد الندوات الثقافية والإعلامية والدورات التاهيلية والتخصصية لرفع الكفاءة العلمية والعملية للممرضات الممارسات، إلى خلق المحفزات الأدبية والمادية لتشجيع وتقييم هذه الخدمة الإنسانية والوطنية النبيلة. كما منحت الممرضات بعض الامتيازات منها تخصيص سيارات لنقلهن من بيتهن إلى مواقع العمل وبالعكس، وصرفت مخصصات مالية بدل العدوى والملابس والمكافأة النقدية في بعض المناسبات أو لخدمة معينة تطلبت منهن تضحية وعطاء استثنائيين. ولعل أفضل خدمة إنسانية قدمت لهن هي فتح دور حضانة في المستشفيات لأطفال المتزوجات منهن –وكن يعانين اشد المعاناة من مشكلة رعاية أطفالهن في الأشهر والسنوات الأولى، لاسيما إذا لم يكن للممرضة–  ألام من يعتني بأطفالها من أهلها الأقربين والساكنين بجوارها.

      هذا كله أرجعت صداه، باعتزاز، الأخوات المشتركات، وأضفن بصوت واحد إن لوزير الصحة الحالي الدكتور رياض إبراهيم فضل كبير في توفير هذه الأجواء عمليا، وأنهن يجدن لديه، سواء في الندوات العامة التي يعقدها مع الملاكات الصحية في المحافظات أو في المراجعات الخاصة، إذنا صاغية واهتماما شخصيا لسماع شكاواهن وتنفيذ طلباتهن أو رفع الغبن عنهن.

     إن مثل هذا الجو الديمقراطي والإنساني الجديد الذي توفره الثورة يربط، بصورة محكمة، بين الدوافع الإنسانية والوظيفية المعاشية لمهنة التمريض، وينعكس إيجابا على نوعية الخدمة التي تبذلها الممرضة للمواطن المريض متمثلة بالإخلاص والتضحية وبحب المهنة. ولقد ساهم هذا التقييم الرسمي فعلا في تحسين الصورة الاجتماعية للممرضة وفي تشجيع الفتيات على العمل في التمريض. 

                                                          * الممرضة المسيحية

هل لإيمانك المسيحي تأثير على تعاملك مع المرضى؟

     * “بدافع من إيماني أرى انه يتحتم علي أن افتح قلبي لكل متألم وملتجئ ففي احد الأيام جاءتني مراجعة لم تنل حقها من المعالجة مما حدا بي إلى التحدث معها برقة والاستفسار عن مشكلتها. ففرحت كثيرا بما لمسته من اهتمامي.. وفرحت أنا، بصورة خاصة، عندما بادرتني: الست مسيحية؟!”

     مثل هذه الشهادة التي نقلتها ام معن تشير إلى شيئين: الأول أن حياة الإيمان، بقدر ما تكون راسخة في القناعة الشخصية، بقدر ذلك تنعكس على الحياة العملية والمهنية على شكل شهادة معاشة في الإخلاص والتضحية والمحبة. والثاني إن ظروف مهنة التمريض تتيح فرصا كثيرة للتبادل الروحي والإنساني والأحاديث الدينية في جو من التقبل والانفتاح والبساطة، وفي بعض الحالات تؤدي الممرضة المسيحية خدمة إنجيلية جليلة عندما تتصل بالكاهن لعيادة مريض يحتاج إلى خدمات دينية لاسيما إذا كان مدنفا، أو عندما تعطي العماد لطفل مسيحي الأبوين وهو في حالة خطرة.

      وعندما سألنا عن نسبة عدد الممرضات المسيحيات، كان الجواب بأنها نسبة عالية –الثلث أو الأكثر –ولكنهن يعانين– لاسيما الطالبات منهن– من ضيق الوقت لارتياد الكنيسة، ومن فقر كبير في الثقافة المسيحية. ونقلت المشتركات اقتراحا يعكس رغبة زميلاتهن المسيحيات، الطالبات والمقيمات بصورة خاصة، في إقامة قداس دوري خاص لهن يتخلله شرح الإنجيل ودرس في التثقيف المسيحي، لمعالجة هذا الفقر ومساعدتهن على تثقيف ذواتهن دينيا وإنسانيا

      التمريض مهنة كسائر المهن. ولكنها متعبة مرهقة، تحتاج من صاحبتها كثيرا من التضحية والصبر ورهافة الحس للتخفيف عن الآلام المرضى وبعث السعادة من جديد في نفوس وأجساد منهكة.. لذا فهي أشبه ب “دعوة” منها بمجرد “مهنة” لكسب العيش. هذا ما أدلت به كافة المشتركات في الطاولة.

       إن المرء يزداد إيمانا بالقيم الإنسانية وبجدوى تضحياته عندما يتضح له إن عمله يساهم مباشرة في تقليص الآم المتألمين وبان الخدمة التي يؤديها لإخوته المرضى تجعل لماساتهم وجها إنسانيا اقل تشنجا.. فلا يحطمهم الألم.. ويبقى الأمل بابا مفتوحا للحياة من جديد.. وهي تشعر أنها كذلك كلما نظر إليها المريض نظرة انتظار، أو صاحبت الطعام أو الدواء الذي تقدمه له بابتسامة أو بكلمة طيبة، أو نادته إلى التلفون ليسمع صوت أم أو ا خ أو ابن أو زوجة متلهفة، أو عندما يصافحها مع كلمة شكر وهو يودع المستشفى معافي.

   أفلا تستحق “ملائكة الرحمة ” هؤلاء، بما يمثلنه من وجه أنساني مشرق ولطيف، كل تقدير وإكبار؟

 

                                              بمشاركة عواطف بدرية

Advertisements

Responses

  1. سبحان الله والحمد لله


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: