نحو لبنان جديد

نحو لبنان جديد – جبهة المسيحيين التقدميين 

ش. ر/ شباط 1977 

     اخذ الأمل يراود اللبنانيين في إعادة بناء لبنان بعد حرب دامت قرابة عامين خرج منه يحمل تبعة تركيبته السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتخلفة. من اجل لبنان جديد تساهم “جبهة المسيحيين التقدميين” في الدعوة إلى “لبنان علماني ديمقراطي عربي”. فما هي هذه الجبهة؟ وما هي أهدافها؟ إلى هذا السؤال يجيب صاحب المقال. 

        وطن لم يتفق أبناؤه كما اتفقوا على تمزيقه واقتسامه فيما بينهم –وكانهم الجند يتقاسمون ثوب المسيح على الجلجلة! –على مرأى ومسمع من عالم لا مبال، بل تستر البعض وراء الفوضى العامة ليأخذوا نصيبهم من الغنائم أو ليبرروا غزوهم السافر. وهكذا لعبوا– تعمدا أم انسياقا– لعبة الامبريالية ومصالح الدول الكبرى لتفتيت التضامن العربي وطبخ الحلول “الواقعية” للقضية الفلسطينية، حتى إذا كان ثمن ذلك إزالة قطر عربي،بأرضه وشعبه، من خارطة العالم، المهم أن تبقى إسرائيل، وان تبقى شوكة التحدي والترويض إزاء النفط العربي!!! من اجل الوصول إلى هذه الغاية ضربت تلك القوى الخارجية بتواطؤ عملائها في الداخل، ضربت في بعضها جميع التناقضات اللبنانية والعربية السياسية والاقتصادية والفكرية والدينية والطائفية، فكانت الحرب اللبنانية مزيجا من كل ذلك، إلا أن الجانب السياسي – الاجتماعي كان محكها المباشر، ولم تكن الطائفية (أو الدين) إلا قناعا يتستر وراءه الزعماء التقليديون من الجانبين ليدفعوا بالناس إلى الحرب “حفاظا على لبنان”. ولكن في الواقع حفاظا على مصالحهم الاحتكارية واستئثارهم السياسي والإقطاعي والعشائري! أما المقاومة الفلسطينية فقد كانت حصان طروادة للبعض وكبش الفداء للبعض الآخر وزجت زجا في هذه الحرب القذرة التي استنفذت طاقاتها وأفقرتها.

 حرب أهلية شرسة دامت ثمانية عشر شهرا ولما تنتهي ذيولها!

 ماذا سيكون لبنان الغد الذي تسلمه الرئيس الياس سركيس حطاما واشلاء؟

هل سيعيد البناء إلى ما كان ويأخذ بالصيغة اللبنانية الأسطورية التقليدية “لا غالب ولا

مغلوب”، أم يتخطى الرؤوس القديمة التي تزعمت الفتنة ويقيم الدولة الحديثة من الأنقاض؟

هل ستفكك البلاد إلى دويلات طائفية ويترك الجنوب “قاعدة فلسطينية”؟

     أسئلة ستجيب عليها الأشهر القادمة، إلا أن جوابا واحدا تفرزه الأحداث بوضوح وقوة وهو أن لبنان الغد لن يمكن أن يكون لبنان ما قبل الحرب!

        من اجل أن يولد لبنان جديد، حر وسيد ومتطور: لبنان يحتضن الأديان والطوائف والأحزاب لا بمنطق الطائفية والتحزب والأكثرية والأقلية، بل بمنطق المواطنة والعطاء، لبنان ديمقراطي يضمن دستوره لكل ذي كفاءة أن يخدم وطنه وفق كفاءته، ولا يجعل من المناصب والمسؤولية “إقطاعيات سياسية” أو”وقفا” على هذه أو تلك من الطوائف –مما يلحق الغبن حتما بالأقليات وبالقوى الوطنية والسياسية الجديدة، لبنان عربي يؤمن مقتنعا انه جزء لا يتجزأ من العالم العربي، وان تاريخه ومستقبله مرتبطان ارتباطا مصيريا به وبقضاياه: لبنان يؤمن مسيحيوه أن مسلميه ليسوا اقل لبنانية منهم، ويؤمن مسلموه أن مسيحييه ليسوا اقل عروبة منهم.

       قبل أن يحمل المتخاصمون البنادق لحسم الموقف، كل لصالحه، كانت هذه الأفكار قد وجدت حقلا خصبا لها في أوساط الشباب المسيحي، افرادا ومجموعات صغيرة، وأخذت تتمرد على الاستغلال الطبقي والفقر وعلى التركيبة السياسية القائمة على المساومات والزعامات المستغلة. وقد برز في هذه الدعوة رجال كنيسة  لم تنقصهم الجرأة.

     من هذه القوى المسيحية اللبنانية الجديدة نقدم لقرائنا جبهة المسيحيين التقدميين التي تشكلت إبان الأحداث الدامية، في تموز الماضي.

       لقد تردد كثيرا إبان الحرب اللبنانية ولدى بعض المخبرين الصحفيين الأجانب وبعض الساسة العرب في لبنان وخارجه، أن الحرب اللبنانية حرب أهلية طائفية تتطاحن فيها الملل للانفراد بالحكم والمقدرات، أو صوروها حربا دينية يتصارع فيها المسلمون والمسيحيون، وذهبوا في معادلاتهم سطحية ساذجة أن كل مسيحي يميني رجعي، وان كل مسلم يساري تقدمي! وقد روجت لهذه النظرة المغرضة إذاعات غريبة فضلا عن إسرائيل. وللنزاهة نقول بان العراق، قيادة وإعلاما رأى في القضية منذ البداية أبعادها القومية ونوابضها التصفوية للقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى كونها وليدة صراع طبقي اجتماعي – اقتصادي يرسو على تركيبة سياسية متخلفة آن الأوان لان تتغير المساهمة الفعلية في بناء لبنان الجديد تضامنت 27 منظمة وتجمعا محليا من المسيحيين الوطنيين من “جماعة الضغط” والحركات الرسولية والمنظمات الطلابية والعمالية المسيحية وفرق التقارب المسكوني الوحدوي وبعض الشخصيات المسيحية المستقلة وكونت “جبهة المسيحيين التقدميين”. لقد اتخذنا اسم المسيحيين التقدميين، يقول طارق متري الناطق باسم الجبهة –في مقابلة نشرتها صحيفتنا “الشهادة المسيحية” الأسبوعي (أيلول 1976) و “وفرنسا والبلدان العربية” الشهرية (ت1 1976) الفرنسيتان– لكي تظهر رفض الكثيرين من المسيحيين أن يحسبوا إلى جانب الاحزاب اليمينية.. طموحنا هو أن نشجع بروز دور المسيحيين الذين مكثوا في هذه الجهة “بيروت الغربية” ويريدون التعايش مع المسلمين، رافضين بذلك التقسيم الذي لوح به الجميل أو شمعون. يجب أن يمارس هؤلاء المسيحيون دورهم  في الجبهة الوطنية التي تشمل قوى اليسار وان يمدوها بالبعد النقدي”.

       تشكلت جبهة المسيحيين التقدميين في بيروت الغربية التي كانت تسيطرعليها قوات الحركة التقدمية الوطنية والفلسطينيون، إلا أن أعضاءها وأنصارها كانوا يتواجدون في الجهة الشرقية أيضا: “إننا نترقب الوقت الذي يتاح لهؤلاء المسيحيين المتواجدين في المناطق  التي تسيطر عليها قوى اليمين أن يتخلصوا من السياسيين والأحزاب “الانعزاليين” ويلتحقوا بصفوفنا في نضالنا من اجل توحيد البلاد”. ويستطرد متري قائلا : “لا شك أن قاعدتنا السياسية قادرة، في حساباتنا أن تضم إليها عددا كبيرا من المسيحيين، بالغم من الظروف الحالية (الحرب) لا تتيح مثل هذا التوسع، لان هؤلاء المسيحيين واقعون تحت الخوف، من جهة، ومن جهة أخرى لا زالوا تحت وطأة تقدير عاطفي للوضع، مما يقطع الطريق أمام كل حوار على الصعيد العقلاني”.

       وأكد الناطق باسم “الجبهة” أن هذا “التقديرالعاطفي” لم يقتصر على سكان “المعسكر الشرقي”. وجد أيضا في “المعسكر الغربي اليساري”، وقد ترجم بعدم الانضباط أحيانا فكان “لجبهة المسيحيين التقدميين” -بالتعاون مع اليسار والمقاومة الفلسطينية–  دورالتهدئة والتعقل. ويقول متري متحدثا عن البعد النقدي الذي تقدمه “جبهته” لليسار والمقاومة” كي تصان المبادئ والمنطلقات في صفاء ثوريتها وأصالة طبيعتها”: “إن احدي مهماتنا الرئيسية هي أن لا تتأثر    

سياسة المقاومة الفلسطينية واليسار بالجو الطائفي. فعلى وطنيته، وليس على دينه ، يحكم على مواطن ما.. إننا نقدم بديلا سياسيا دون أن ننصهر في اليسار، فإذا كنا، من منطق مبدئي، متضامنين مع الأهداف الأساسية للأحزاب التقدمية والمقاومة الفلسطينية، فنحن لا نتوانى في نقد بعض مواقفنا السياسية أو المسلكية”. 

      “المقاومة الفلسطينية” و”الاحزاب التقدمية” اسمان طالما ترددا في أقوال طارق متري بكثير من التعاطف، ذلك لأنه هو نفسه وكثيرون من رفاقه يعملون بتضامن –لاسيما بعد حرب تشرين–  لدعم القضية الفلسطينية على الصعيدين العربي والعالمي، لاسيما في الأوساط المسيحية والفكرية، وقد كان لهم الدور الكبير في تنظيم “الندوة العالمية للمسيحيين من اجل فلسطين” في بيروت في أيار1970. كما أن نظرة “الجبهة” إلى لبنان الغد قريبة جدا من طرح الاحزاب التقدمية، فإلى سؤال حول موقف الجبهة من المقاومة ومن الإصلاحات يجيب طارق متري: “إننا متضامنون مع المقاومة الفلسطينية، في هذا الإطار الخاص،إطار مشروع توحيد الوطن  والدفاع عن المقاومة الفلسطينية والنضال من اجل التغييرات الاجتماعية والإصلاحات  إننا نستهدف علمنة كاملة للنظام اللبناني، مما لا تحمله برامج جميع تنظيمات اليسار، لاسيما بعض الجماعات التقليدية”. ثم رفع شعار”الجبهة” وهو”لبنان علماني ديمقراطي عربي”. لا شك إن هذا أللبنان لن يخلق بين عشية وضحاها. إن مسيرة التغيير ستكون طويلة وشاقة ومؤلمة، وهناك الأحقاد والحذر وفقدان الثقة والمشردون والمشوهون  والثار… فدماء  خمسين ألف قتيل لن تجف سريعا..!  ولكن على جميع اللبنانيين، وفي مقدمتهم كنيسة لبنان، أن يبذلوا جهودا استثنائية ولمدة طويلة لتجاوز المحنة..

       هكذا فالقضية اللبنانية لا يمكن “تقزيمها” إلى أزمة معايشة بين المسيحيين والمسلمين،  والى سوء تفاهم بين اليمين اللبناني والفلسطينيين. فأية معالجة للقضية، إذا أرادت أن يكتب لها النجاح والديمومة، يجب أن تكون معالجة جذرية، اعني أن تصل إلى إسقاظ فعلي للطائفية من الحياة السياسية اللبنانية، وتبني مجتمعا ديمقراطيا يضمن تكافؤ الفرص للجميع، أفرادًا وجماعات، في المساواة والعدل والحرية، مجتمعا يمد جذوره في العالم العربي الذي هو في الواقع جزء لا يتجزأ منه، جغرافيا وتاريخيا.    

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s