هاتان اليدان

هاتان اليدان

ايار1974

       عتال أفغاني فقير يسير بخطى وئيدة مقوس الظهر وهو ينوء تحت كيس ثقيل ربطه بحبل إلى كتفيه كي يسهل حمله، رسم ظله في شمس الظهيرة المحرقة شبه صليب أتخيله يتحرك حيثما تحرك العامل الكادح.

   هذه الصورة التي وضعها الأب سيرج دي  بوركي الدومنيكي “المتافغن” على غلاف كتابه “كاهن اللامسيحيين” تنطق ببلاغة محرقة عما يمثله عالم الكادحين اليوم. وإنها تتجسد أمامي الآن بالذات في شخص هؤلاء العمال الذين أراهم من نافذتي المطلة على منخفض “ألصبنا”  الواسع الذي تحيط به الجبال من كل جانب. فيه ينابيع الخير والعطاء. أنهم على موعد مع الشمس الشارقة منذ بضعة أيام ينقلون أكياس التراب الأحمر على ظهورهم المنحنية ويفرشونها على طبقة خفيفة من الإسفلت الساخن فوق أسطحه مجموعة من الفنادق الشعبية.  لقد أخذت تنمو هذه المنشات السياحية بسرعة، كبنايات الأساطير، هنا وهناك وبإشكال وألوان مختلفة، فتحول هذه القرية الصغيرة الآمنة(1)، التي ما كانت تتعدى الثلاثين بيتا قبل سنوات، إلى مصيف مزدحم تتشابك فيه اللهجات والقوميات والأزياء.

    الطبيعة خرساء، وان كانت رائعة الجمال، إلى أن تعطيها النطق “كلمة” الإنسان، والجبال جامدة وان شمخت إلى السماء، إلى أن تحركها سواعد الإنسان، وسيبقى الصخر صخرا والشربين مجرد نبتة والجدول ماء كسولا ما لم يخلق منه الإنسان أغنية وشعرا وإبداعا.

    قبل أيام كنت في زيارة صديق فنان شاب من الهواة، وبعد التحية والسؤال أراني بعض أعماله على الخشب. ومما أراني قطعة خشب تكاد تكون متحجرة وجدها بين مهملات المنزل وقال لي: سأجعل منها إيقونة. فابتسمت ضانا انه يمزح. واتاني بعد أيام متهللا واخرج من حقيبته الجلدية أيقونة رائعة بارزة تمثل وجها وقورا لمسيح بيزنطي القسمات.

–  بكم يوما صنعت ذلك؟

– بثلاثة أيام

     ثلاثة أيام قضاها صديقي متقرفصا في ظل توتة عتيقة يضرب أزميله برفق على الخشبة الصلبة ليحقق  المثال الذي “حبل به” في ذهنه أولا، فله الحق في أن يفرح بعمل جميل أنجبه. لقد كان بوسعه أن يرافق زملاءه في رحلتهم الترفيهية ذلك اليوم، أو يتسكع هنا وهناك كما يصنع غيره، ممن هم في عمره، بلا هدف، طيلة أيام العطلة الصيفية، غير أن الحياة ما كانت لتدب في الجماد، وما كان للإيقونة أن تبصر النور لولا جهده ومثابرته وإرادته، ولما تحولت الطاقة الكامنة فيها إلى حياة ووحي. لقد روحنت أنامله  القابضة على الأزميل بعزم هذه المادة الجامدة، وكفت أن تكون قطعة نكرة، قطعة أثاث كانت النار ارحم قدرعليها، ولعلها لم تنج إلى اليوم إلا بأعجوبة.

      هذه الإرادة وهذا الجهد كفيلان بان ينقلا الجبال ويجعلا من الصحراء جنة عدن، فتنبس الحياة حيث مرت إصبع إنسان، وتتكلم الطبيعة وتبتسم الحقول وتومي الشلالات والسدود وكل ما امتزج به عرق الجبين البشري لتقول كلها بصوت واحد: إصبعان خلقا العالم: إصبع الله وإصبع الإنسان، ولن تبلغ الخليقة كمالها إلا بتعاون الاثنين.

        لقد قال الكتاب: “وتصبحون إلهة”. إني أظن أن معنى العبارة يتعدى هذا التفسير اللاهوتي التقليدي الذي بموجبه تعني أن الإنسان مدعو لان يشترك في حياة الله بالنعمة والمجد السماوي، وانه، بالمسيح المتانس، قد “تآله”. لماذا لا نعود بها إلى معناها البدائي حيث يعد الله شعبه بان يصبحوا كمثل تلك “الآلهة” المسلطة، بحسب الميثولوجيا الوثنية القديمة، على عناصر الطبيعة ومكامن الحياة. لنجرد القول من أي سحنة وثنية، فيكون معناها أن الإنسان مدعو ليشارك الله الواحد الأحد سلطته وسيطرته على الكون: “فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم… وقال لهم: إملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وطير السماء وجميع…” (تكوين1: 27 – 28).

      اجل لقد زرع الله بذور الحياة في الكون ووضع فيه طاقات لا حد ولا حصرلها، إلا أن هذه الطاقات قد تبقى راكدة إلى ما شاء الله إذا لم تحركها إصبع الإنسان، والأرض لا تعطي ثمرها إذا لم تفلحها يد الإنسان.

       لقد جذبت انتباهي دوما حقول القمح الشاسعة التي تغطي سهول بلادي تنبعث فيها الحركة من تشرين إلى تموز، فتبدو ربيعا وكأنها سجادة اصبهانية خضراء مزركشة بألف لون ولون، ثم تأخذ سيماء الذهب صيفا، حين تزأر فيها الحاصدات ليل نهار، أو تتهادى فيها أغنيات الحصادين ثملة، وأقول: هذا الجمال والخير ثمرة كم من الجهد والسهر والأمل!… وثمرة كم من الجهد والتعب والقلق هذه البنايات التي تحجب وجه الشمس عن سكان المدن العصرية! ترى كم من العرق والدم “ينقد” الكادح المسكين كل يوم ثمنا لهذه الكسرة التي يتقاسمها مع زوجته وأطفاله!

        ليس في نيتي أن ادخل في مناظرة  ديالكتيكية جدلية دفاعا عن العامل –ذلك ليس في هدفي المباشر الآن– فما أريده هو إلقاء نظرة بسيطة، نظرة مؤمن “مفتون” يكشف عن “خطى” سيده في هذه الطبيعة التي تدر الحياة والعطاء وإبراز شان الإنسان الذي يشترك معه في إخصابها وتطويرها بمجهوده المتواصل وعمله الدائب. فالأخاديد التي يحفرها العمل على وجه العامل هي سيماء الله الخالق على محياه، ويده المخشوشنة هي أشبه بيد الإله الممتد نحو ادم، الإنسان الأول الذي خرج توه إلى الوجود، في لوحة ميكيل أنجلو الرائعة. أنها تذكرني بأيدي عاملين كادحين من الأولين، احدهما نجار وابن نجار من قرية فلسطينية تدعى الناصرة، واسم النجار يسوع –نجار تغلغل بعمله أعمق فأعمق في تضاعيف النفس البشرية: والآخر حائك، صانع خيم من بلدة تركية، طرسوس، اسمه بولس، حرص دوما أن يكسب قوته وقوت ذوويه “بتعب كتفيه وعرق جبينه”: “إني لم اشته من احد فضة أو ذهبا أو ثوبا، وانتم أنفسكم تعلمون أن هاتين اليدين كانتا تخدمان حاجاتي وحاجات الذين كانوا معي” (أعمال 20 :23). أفًلًيْسَ ذو مغزى أن يكون السيد قد اختار حالة العمال لنفسه، وان يكون قد دعا أعوانه الأولين من بين الصيادين والكادحين ويستوحي معظم أمثاله من بيئة العمل والحقل والصيد؟

      إن الأكثرية الساحقة من سكان العالم هم عمال وكسبة يكدحون للقمة العيش، فكم هي باهظة الثمن!

       ولكن مهما كان مجهود العامل كبيرا فهو ليس بشيء إذا ما صينت كرامته، فالعامل الذي يتقاضى أجرة أوطأ من الجهد المبذول أو الكفاءة التي يبديها، مثلا، يشعر وكأنه باع شيئا من ذاته، قطعة من حياته، كمية من دمائه ولم يقبض شيئا. إن كرامة الإنسان في العامل –كما في كل إنسان– هي فوق كل أجرة، فهو ليس آلة صماء ولا عبدا مشترى. ولكن هناك من لا يزال يفكر غير ذلك، لذا لا زال الظلم “يحبل به” و”يتكاثر” في العالم، ويعجب أولئك الذين “أنجبوه”  كيف إن الحقد متعشش بعد في قلوب الناس! 

     ساقتني إجازة قصيرة إلى بلدتي، وبالرغم من مضي عدة سنوات على الحادثة، فقد ظلت عالقة في ذهني”!

     كنت عائدا من زيارة فصادفت سيارة شحن ضخمة (بوزينك) جاثمة في وسط الشارع محملة بأكياس السكر، وقد لاحظت بوادر مشاجرة تدور، فسالت:

ما القصة؟

اختلاف بين السائق صاحب الشاحنة وبين الحمال.

        فقد كان الأول يصر على أن لا يحرك سيارته بوصة واحدة من الشارع المعبد إلى الطريق الترابي بحجة انه غير صالح للسير –وتحققت أن ذلك كان مجرد ادعاء ومبالغة في الحرص، لان شاحنات كثيرة سلكت من قبل في ذلك الطريق ذهابا وإيابا – وبعد جدال طويل ما كان من الحمال المسكين إلا أن يرضخ وينوء تحت حمله الثقيل مسافة 300 متر في الطريق  الصاعدة إلى مخزن التاجر المستورد، وقد ارتقى “جلجلته” أكثر من عشرين مرة، بعدد الأكياس المبتاعة وبثمن بخس جدا!

الشاحنة الموقرة –لسوء حظ العامل– لم تصمم لتسيرعلى غيرالطرق المعبدة!!! 

—————–

 سرسنك، حيث كتب هذا الموضوع في صيف 1972

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s