Posted by: abu faadii | 2013/08/02

يا ليتك أتيت بالمسيح معك!

يا ليتك أتيت بالمسيح معك!

شباط 1975 

     كان ذلك في صيف عام 1968

     كنا قد عقدنا النية، أنا وصديق لي من أصدقاء الطفولة الأوائل، أن نحمل فرح القيامة إلى مجموعة من العمال المسيحيين في قرية (الحويجة) تبعد حوالي ستين كيلو مترا. عن مدينة الذهب الأسود.

      لم يكن صديقي يملك سيارة، إلا انه يحسن القيادة، فاستعار “فولفو” احد الاصدقاء. وانضمت إلينا في ” البعثة الفصحية” زوجته الشابة الضحوك وسرنا في محاذاة خطوط الأنابيب المطمورة في حقول الحنطة والتي تضخ ثرواتنا النفطية إلى أحواض المتوسط ومنها إلى العالم. وكان الطريق يتموج بنا فتترنح سيارتنا ذات اليمين وذات الشمال:

حقا أنها المجازفة أن نسلم أرواحنا بيديك!

 امتعض “سائقنا” الأشقر إلا انه كظم غيضه ولم ينتبه إلى حفرة باغتته، فتلقينا هزة عنيفة عانقت فيها أنوفنا جدران السيارة.

هذا جزاء الافتراء!

     وتغلغلنا في طريق ترابي بين صفين من الأشجار الظليلة.

     أخيرا لاحت البيوت الطينية الواطئة وقد توسطت فناء كل منها شجرة توت عتيقة واجتزنا شارع البلدة الرئيسي ذا الاتجاهين، وقد يكون أجمل ما فيها بخط نخيله الوارف، بالرغم من فوضى الدراجات والعربات والحمير والسابلة والأطفال الذين جعلوا منه ساحة لا لعابهم.

أين بيت فلان ياولد؟

    فانطلقت عشرة أصوات متزاحمة صاخبة:

أنا اعرفه، أنا اعرفه… سأركب معكم لأدلكم…

     وركب احد العشرة بدا أنجب من الآخرين، وصار ينظر إلى زملائه بخيلاء. لقد نجح في  استقطاب اهتمامنا به وانفرد بمتعة مرافقتنا.

   سر من هنا… إلى اليمين… انتبه إلى الحفرة… انه البيت الذي ترى بابه – باب تنك مفتوحا.

ما اسمك؟

اسمي؟… اسمي محمود… حمادي…حمد، كما شئت. إني أجيب على من يناديني بأي

اسم من هذه الأسماء… وصلنا.

    وقفز على الأرض قبل أن يتوقف المحرك وطرق الباب:

جالكم قس… جالكم قس

     وخرج أصحابنا بسرعة وبوغتوا بقدر ما فرحوا بوجودنا إمامهم في ظهيرة العيد،وتقدم كبيرهم، وهو أربعيني اسمر عريض الكتفين، وصافحنا بحرارة:

أهلا وسهلا بك يا أبونا… شرفتنا… أهلا،  أهلا… ثم رق صوته وحدق بي:

يا ليتك أتيت بالمسيح معك!

قالها بعفوية أطربتني وأثرت في.

فعلا، لقد أتيت بالمسيح معي. جئت لأقدس لكم. ألا يجدر أن تحتفلوا انتم أيضا بعيد

القيامة. بما إنكم لا تستطيعون المجيء إلى المسيح، فالمسيح  ياتي إليكم. ألا تريدون؟

وكيف لا نريد؟ ألف أهلا وسهلا بك وبالمسيح!

البيت؟ سقفه عارضات خشبية خشنة تنوء تحت البردي وطبقات التراب الكثيفة.

أخبروا سائر المسيحيين من موظفين وعمال، وقولوا لهم بان القداس سيكون في الساعة الثانية عشرة.

        بيوتهم متقاربة، لا شيء يميزها عن سائر المنازل سوى صور القديسين والصلبان التي تزين جدرانها من الداخل ومظهر النظافة البادي بوضوح. لقد أتوا هنا لكسب معيشتهم ولكنهم لم ينسوا أن يصطحبوا معهم ما يذكرهم بقريتهم وبأنهم للمسيح  أينما حلوا. يزاولون الحياكة وصناعة البسط الصوفية ومنهم بعض الباعة المتجولين الذين تحتوي خرجهم كل شيء، من السكر والشاي والمرايا والعطور إلى إبرة الخياطة وصيدلية متنقلة.

     وضعنا عارضة خشبية فوق اكياس الحنطة المكدسة في وسط الغرفة، بينما استمر الحديث عن إعمالهم، وبسطنا عليها شرشفا ناصعا طرزته بيدها بنت مضيفنا السمراء.

      ولكي يكون فرش المذبح مستوحى كله من البيئة المحلية، ومن إنتاج محلي خلعت “شالها” الموشى بالحرير والنقوش البدائية المختلفة ووضعته فوق الكل ليحمل ألكاس والصينية.

      ثم انزل احدهم من الحائط صليبا صدفيا –هدية صديق من حج إلى القدس– وتجمع المؤمنون في “الكنيسة”.

إلى ان يأتي الباقون سادخل الغرفة المجاورة “للاعترافات”.

وقاطعتي احدهم مع غمزه عين معبرة وأضاف باتجاه رفاقه:

وتحرضوا بعضكم البعض على الاقتراب من المائدة، لا سيما الذين لهم عدة سنوات

ولم…

وقطع عبارته مشيرا الى كهل يدخن سيكارة لفها قبل قليل.

وجعلت من كيس آخر للحنطة منبرا للتوبة، غير ان الكهل اكتفى بان دعاني بعد قليل لنبدا القداس

      وبدانا القداس في جو خاشع وحملت الخبز والخمر على يدي في التقدمة وتمتمت في قلبي: “يارب، اقدم لك مع هذه البرشانة –وقد كانت قطعة خبز من الذي “عجنوه وخبزوه” هم بايديهم– اقدم لك اخوتي هؤلاء الذين زرعتهم هنا ليحملوا اسمك باباء وامانة. اقدمهم لك مع امانيهم والامهم وعرق جباههم، وضع البركة في اعمالهم. وفقهم. وهب ان يضيء نورهم قدام الناس فيعكسوا صورتك دون تشويه. اجعل ذلك البائع المتجول ان يحملك معه في كل ضيعة يقصدها. واحرسه من مخاطر الطريق واعده سالما الى زوجته واطفاله”.

     واذ لم يكن لنا “شمعدانات” حمل طفلان الشمعتين بايديهما طيلة القداس.

     وقرا سائقنا وشماسنا الاشقر الرسالة:

“… وانه قد مات عن الجميع لكي لايحيا الاحياء لانفسهم في ما بعد، بل الذي مات وقام لاجلهم… والكل من الله، الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح، وائتمننا على خدمة المصالحة… واودعنا كلمة المصالحة. فنحن اذن سفراء المسيح، كانما الله يعظ بنا…” (2 قور5 11: 11)

    “سفراء المسيح… كانما الله يعظ بنا”

    لا زالت هذه العبارة ترن في اذني، منها استوحيت “موعظتي” بعد الانجيل، موعظة قصيرة اردت ان اضع فيها بكلمات قليلة كل ما كان يوحي لي به وجود اولئك العمال هنا بعيدا عن ذويهم. لقد ذكروني باكيلا وبريسكلا كيف حملا معهما كلمة الخلاص حيثما حلا:

     “لقمة العيش هي التي ساقتكم الى هنا بالدرجة الاولى، هذا ما لا اشك  فيه .ولكنني اضرب صفحا عن التضحيات التي ساقتكم الى هذا الاغتراب الطوعي. انما اعلموا هذا: انتم هنا شهود للمسيح، انتم سفراء المسيح، تحملونه معكم اينما حللتم. كل منكم في هذا المحيط –وانتقل فكري الى كل هؤلاء الاخوة المنتشرين في جميع انحاء القطر، بحكم وظائفهم او سعيا وراء رزقهم– كاهن يعلم ورسول يبشر ورائد يزرع كلمة الخلاص والفرح. بقدر ما تندمجون بجيرانكم وتخلصون مع زبائنكم وتذكون اشعاع الايمان الانجيلي حواليكم بحب واعتزاز، بقدر ذلك تتيحون لهم اكتشاف الله ومعرفة المسيح. اسماؤكم، لغتكم، سيماء اوجهكم، كلها تنطق بالمسيح،  فلا يمكنكم ان تتناسوا دوركم: انتم نور وملح وخميرة. من جهة اخرى يريد المسيح ان تقراوا اسمه في كل وجه تلتقون به، في كل انسان تصغون اليه، تستقبلونه، تقاسمونه خبزكم، تتبادلون معه الراي. الله يعظ بكم… “انه ينتظر منكم ان تكونوا منائر المحبة، كما كانت الجماعة المسيحية الاولى:  

     “انظروا كم انهم يحبون بعضهم البعض” –وقد تطرقت الى هذه النقطة بايعاز، لان اختلافات كانت تعكر صفاء العلاقات بعض الشيء– لا تدعوا اختلاف الرايء يفرق في ما بينكم ويلوث شهاتكم المسيحية. لا تنسوا بانكم هنا باسم المسيح، والمحبة هي ابلغ الشهادات…” ولاحظت بعض النظرات تحدجني. لقد فهموا ما ارمي اليه.

      وكنت اشعر وكاني احد اولئك الرسل الاولين يقود صلاة جماعة من تلك الجماعات المسيحية الاولى في منزل احدهم. وكم كان فرحي عظيما عندما تقدم الحاضرون من الاوخارستيا… الا ذلك الكهل!

     وعندما اطفا الطفلان شمعتيهما فكرت وانا اقبل اطراف “المذبح”: علينا الان نحن ان نضيء.

     وبعد “عشاء الرب” تقاسمنا غداء الاخوة، غداء المحبة.

     لقد قدموا لنا اطيب وانظف والذ ما عندهم من طعام، ولكن بساطتهم وعفويتهم وايمانهم واريحيتهم كانت اعظم ما قدموا. ففهمت ان الضيافة ليست بما يقدم، بل كيف يقدم. وفهمت ان الضيافة جزء لا يتجزاء من وصية المحبة. وفهمت ذلك اليوم قيمة اخرى من قيم الضيافة والمشاركة المسيحية:  لقد برزت امامي، وكانها احرف فوسفورية خفية، هاتان الكلمتان اللتان يراهما الزائر في مدخل “اخوات”اخوة واخوات يسوع الصغار: “اهلا وسهلا”. لقد برزتا امامي هنا –انا الذي تعوت عليهما–  في جدة الانجيل الدائمة ازاء انغلاقية الفرد المعاصر في عالمه الاناني الصغير وانشغاله في ذاته، في مشاكله الخاصة، في طعامه هو، في نجاحه بكل وسيلة، في رفاهيته قبل كل احد، في اصالة ثقافته وحدها، في قدسية قوميته ولغته، في عدالة قضيته هو. هو وحده المنْعَم عليه وصعاليك غيره!

ما  العالم؟

      يجيبك انسان الحضارة المعاصرة المتسلح بالتقنية والعلم (!)

     العالم؟ انا… وثم الاخرون…

     الانسان ليس جزيرة، كما يقول المثل الانكليزي.  No manu،s l landانه جزء من كل، ولا يحقق ذاته الا مع غيره. فكم بالاحرى لا يجوز للمسيحي ان يتكورعلى ذاته فبقدر ماينفتح على اخيه في محيط عمله، الفكري او المهني او الوطني او العائلي بقدر ما يجسد في ذاته هذا العالم الواسع الذي يدخل اليه عبر الجريدة او الراديو او الشاشة، بقدر ذلك سيحقق انسانيته ويتجسد المسيح بواسطته في اخوته.

    في طفولتي –واذكر ذلك بوضوح– كنت ارافق والدتي واخي الكبير كل ربيع الى البادية للعناية باغنامنا التي كانت بعهدة راعينا المسلم “عمي صالح”. كنا طيلة شهرين، نسكن مع اسرته في خيمة واحدة وننتقل سوية على ظهور الجمال، جماله، من “دوار” الى “دوار”، حيث يوجد ماء وكلأ، وكنا نتقاسم الطعام الواحد، مرة من زادهم ومرة من زادنا. لقد كنا اسرة واحدة، لم يكن احد من القبيلة ينظر الينا كغرباء. كنا اسرة من اسر القبيلة نشاركهم الحل والترحال، وننضم، انا واخي، الى مجلس الشيخ لشرب القهوة وتبادل الاخبار وسماع ملاحم القبيلة.

    ولا زلت اذكر كيف كانت امي تجلس في ذيل الخيمة تصلي سبحتها الخشنة ووعاء الحليب الخشبي امامها بانتظارعودة القطعان عصرا من المراعي.

    عندما اعود اليوم الى تلك الايام ارى حضورنا كان عطاء وانصبابا متبادلين وانفتاحا يتيح للمسيح ان “يرشح” من اقوالنا ومن حياتنا. لقد كان للانجيل نكهة خاصة وبسيطة… 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: