الفكر المسيحي 1986

مجلة الفكر المسيحي 1986

81

إنجيل برنابا  بحث في تكوينه كتاب

212

شباط

1986

82

 مقابلة مع الدكتور موريس اسعد    

ايار

1986

83

كوبا.النسيم يهب على الكنيسة ملف                

216

حزيران

1986

84

  المجمع المسكوني الفاتيكاني2  

219

ت1– ت2

1986

85

  الزيارة البابوية الثالثة لفرنسا ش.ر           

220

كانون1

1986

 ((())))))))

1986 المقالات: 

إنجيل برنابا  بحث في تكوينه واصله

 

كتاب/شباط1986 

“إنجيل برنابا” عنوان كلما أثير أثار فضولا متميزا لدى القاري العربي وأفاق مئات الأسئلة(1). ولويجي سيريللو، الأستاذ في جامعة السور بون يلج موضوعا شائكا ومعقدا ومتداخلا عندما يختارهذا “الإنجيل” موضوعا لأطروحته(2). ولكنه لا يتناول الموضوع من زاوية جدلية لمناقشة صحة طروحات “برنابا” أوعدم صحتها من الناحية العقائدية، وإنما يحقق أكاديميا وعلميا المخطوطة الوحيدة الموجودة “لإنجيل برنابا” وهي محفوظة في المكتبة الوطنية في فيينا (النمسا) تحت الرقم 2662 وباللغة الايطالية القديمة.

ان أول ما  يلفت القاري العربي في هذه المخطوطة هي الهوامش المبعثرة في حواشي المخطوطة باللغة العربية، ومعظمها لوصل النص بالتلميحات الكتابية والآيات القرآنية خاصة، إما لغتها فركيكة لا توحي بأنها من عربي أصيل أو متضلع، وكذلك خطها. أما النقطة المحورية التي يدور حولها النص فهي إن يسوع يعلن ا ن آخر سيأتي بعده لاستكمال الوحي، هو محمد خاتم الأنبياء، وهذا التقليد الإسلامي العريق ينسبه “الإنجيل” الذي نحن يصدده إلى احد تلامذة يسوع، برنابا. وهنا يثار سؤالان:

1 – على م تستند شهادة “برنابا” هذه؟

2 – ما هي الحلقات التي تتيح الوصل بين هذه “الشهادة “المحورية، ونص “الإنجيل” الوارد في مخطوطة فيينا العائد إلى القرن 18، و “إنجيل برنابا” المفقود والمذكور في مجموعة الكتب المنتحلة في القرن الأول؟

للإجابة على هذين السؤالين ينطلق سيريللو من المخطوطة من ثلاثة محاور تتكامل في ما بينها:

أ – دراسة طبيعة الخط والمخطوط

ب – النقد الأدبي واللغوي للنص

ج – النقد التاريخي حيث يبحث عن البيئة الدينية والاجتماعية التي كتب لها وفيها هذا “الإنجيل”.

ويتضمن تحقيق لويجي سيريللو قسمين، خص الأول لدراسة تركيبة واصل “إنجيل برنابا”، والثاني يحتوي النص المصور للمخطوطة مع ترجمته الفرنسية، ويقع الكل في 600 ص من القطع الكبير. ويشتمل القسم الأول على تسعة فصول مع خلاصة عامة:

في الفصل الأول:  يرى المحقق إن تجليد المخطوط شرقي، ومن أسلوبه يعود به إلى الثلث الثالث من القرن 16. أما طبيعة الخط فرديئة واللغة ايطالية قديمة تعود إلى منطقة البندقية في منتصف القرن 16. ومما يستدل به المحقق إلى تلك الحقبة مؤشرات أخرى منها النقطة على حرف مما لم يكن موجودا قبل القرن 16، غير أن المخطوطة لا تحمل أي تاريخ صريح سوى أنها مهداة بديباجة لاتينية وبخط مغاير إلى الأمير اوجين أمير سافوا في 20 حزيران 1713.

إلى جانب هذه المخطوطة، أو بمعزل عنها، ذكر البحاثة الغربيون، ومنهم أدريان ريلا ند في كتابه “الديانة المحمدية” الصادرعام 1717، إن “للمسلمين أيضا إنجيلهم ومخطوطته موجودة بالعربية والاسبانية”. وفي 1734 ورد أن المخطوطة الاسبانية مترجمة عن الايطالية. ولكن المحقق يقارن بين النص الاسباني ونص فيينا الايطالي الأقدم فيجد فروقات كثيرة في المبنى وان الاسبانية خالية من الهوامش العربية، فيستدل إن مخطوطة فيينا التي يدرسها ليست الأولى، وان كانت الوحيدة حاليا.

في الفصل الثالث: يتطرق المحقق إلى البنية الفكرية “لإنجيل برنابا”، فيرى أن مشروعاً عقائدياً لدعم “الدين الحقيقي” الحنفي الواحد يجمع ما هو مشترك بين ديانات الكتاب الثلاث، فيعتمد تقاليد يهودية – توراتية، ومسيحية – إنجيلية، وإسلامية قرآنية.

في الفصل الرابع: يحلل عنوان “الإنجيل” ومقدمته وخاتمته. فمنذ المقدمة يعطي المؤلف “برنابا رسول يسوع الناصري”، النبرة الجدلية – الصدامية لإنجيله الذي يوجهه “إلى جميع سكان الأرض”ضد أولئك” الذين يعلمون تعليما كافرا بتسميتهم يسوع ابن الله، ويرفضون الختان عهدا ابدياً مع الله، ويأكلون اللحوم المحرمة، ومنهم بولس نفسه”.

هذه المقدمة يعيدها المحقق إلى بيئة مسيحية – يهودية أكيدة، ويرى فيها صدى واستمرارا للتيار اليهودي في المسيحية الناشئة ضد ابتعاد بولس عن شريعة موسى. أما الخاتمة –وهي غائبة في المخطوطة الاسبانية– فهي عودة إلى طروحات المقدمة ضد بولس. ويرى المحقق إنها قد تكون لمؤلف آخر، ولربما بيد شخص مسلم تماما لاحتوائها الاعتراضات الإسلامية الأساسية حول بنوة المسيح الإلهية وقيامته.

أما الفصل الخامس: فيحتوي تحليلا مقارنا لطروحات “إنجيل برنابا” (مع طروحات الفكر المسيحي التقليدي والعهد الجديد بالذات، أي الأناجيل الأربعة القانونية وأعمال الرسل وكتاباتهم، حول رسالة يسوع وشخصه، واهم هذه الطروحات “البرنابية” التي يلاحظ  تأثير التقليد الإسلامي واضحا فيها:

أ – الإنجيل هو الكتاب السماوي المتضمن الوحي النازل في يسوع. فالملاك جبرائيل يقدم الإنجيل ليسوع كمرآة نازلة في قلبه عما هو فوق، وما يقوله يخرج منه.

ب – يسوع يقدم نفسه كنبي جوابا لمن يدعي بانه “ابن الله”.

ج – يسوع يعلن مجيء المسيح من ذرية إسماعيل واسمه احمد، كما ورد في القرآن

د – يهوذا اخذ محل يسوع في الصلب.

ه – في الدينونة الأخيرة  تكون الأولوية ليسوع محاطا برسله (ف19) وفي فصل 54 تبدو الأولوية لمحمد.

ومن قرائن النص العديدة يستخلص المحقق… إن مؤلف “برنابا” يبدو مسيحيا مهتديا إلى الإسلام، وقد كتب مابين 1300– 1349. وبرهانه على هذا التاريخ النص البرنابي التالي:

“والسنة اليوبيلية التي تأتي الآن كل مئة سنة ستعود سنويا في كل مكان من اجل المسيح” (ص208، 211، من المخطوطة). والحال إن عادة الاحتفال اليوبيلي كل مئة سنة وضعها البابا بونيفاس الثامن في 23 شباط 1300، ثم جعلها البابا كليمان السادس كل خمسين سنة، وذلك في 27 ك1 1349.

في الفصل الثامن:  يبحث المحقق في موقع التقليد الفريسي في “إنجيل برنابا”، ويبدو أن “الفريسيين الحقيقيين” (الذين يميزهم برنابا عن الفريسيين ألأردياء الذين قاوموا يسوع في زمانه) هم النخبة المختارة الأمينة لتعاليم المسيح الذين يتجاوبون مع أهداف “إنجيل برنابا” ويربطهم باخنوخ وإيليا. ويرى المحقق في هؤلاء الفريسيين نموذجا من الحياة الصوفية المنقطعة القشفة التي عاشها رهبان في منطقة جبل الكرمل بفلسطين ينتمون إلى اخنوخ وإيليا. ويبدو أن جماعة من النساك المسيحيين والمسلمين عاشوا فعلا على جبل الكر مل في نهاية القرن12 في شركة صوفية تشبه ما يطرحه برنابا في “الدين النبوي الواحد منذ إبراهيم وحتى محمد”.

الخلاصة

ويختم المحقق دراسته بخلاصة عامة يضمنها الاستنتاجات التي وصل إليها وأهمها:

لا يمكن نسبة كل أجزاء “إنجيل برنابا” إلى مؤلف واحد.

هناك أصل قديم، والى الأصل القديم إضافات لاحقة. والقديم مضمون في النص الحالي، جزئيا أو كليا.

لا علاقة أكيدة البتة بين “إنجيل برنابا” الحالي وما قيل عن إنجيل منتحل منسوب إلى برنابا.

اختلالات داخلية في النص والمضمون، ومادة مجمعة من آفاق وتقاليد قانونية ومنتحلة (مسيحية – إسلامية – يهودية – جغرافية – تاريخية – رهبانية…)

حبكة موجهة ضد بولس.

تأثيرات التيار المسيحي المشوب بالميول اليهودية.

بيئة مسيحية – يهودية من سوريا وفلسطين.

أصل النص شرقي قد يكون مر بمراحل تكوينية إلى أن وصل الغرب.

التأثيرات والطروحات الإسلامية لربما جاءت لاحقا في توليف جديد.

البيئة الطبيعية التي نما فيها هي بيئة الفريسيين الحقيقيين، ولربما كانت مثل هذه الجماعة  همزة وصل بين إنجيل برنابا المنتحل الأصلي و “إنجيل برنابا” الحالي موضوع الجدالات المسيحية – الإسلامية.

ايدولوجية التوافق الإبراهيمي لتوحيد الديانات الثلاث في الوحي الواحد وتحقيق رسالة يسوع في محمد. 

—————–

كان اول مقال عنه في “سلسلة الفكر المسيحي” رقم 27 لعام 1966، بقلم الاب ميخائيل جميل

Evangile de Barnabe , Recherehes sur la composition et l,origine.

par luigi CIRILLO , Ed. Beauchesne, paris 1977 (600

p.)

  (((((((())))))))))))

كوبا. النسيم يهب على الكنيسة

ملف/حزيران1986

كوبا.. هذه الجزيرة التي تطفو على سطح المحيط الأطلسي وحل فيها كريستوف كولومبو عام 1492 –وقد ظن أنها اليابان!– وأصبحت مفتاح العالم الجديد، تعد من أولى بلدان أميركا اللاتينية التي تلقت بشرى الإنجيل. إلا أن الكنيسة الكوبية ظلت تعاني طيلة قرون عديدة من التذبذب والاضطرابات، وقلما حظيت بفترات سلام وازدهار، سواء أبان الاستعمار الاسباني، أم في ظل النظام الجمهوري أم في عهد الثورة الماركسية!

ولقد بقيت كنيسة كوبا في الظل طيلة أل 27 ستة الأخيرة، أي منذ أن تسلم فيدل كاسترو زمام السلطة… فهي اليوم تشهد “انفراجا”يلفت الانتباه، افتتحه”القائد الأكبر” وقد اعتبرته الكنيسة منعطفا هاما يطوي صفحة على أزمنة التجاهل والمجابهة ويفتتح عهد الحوار والتضامن، هذه التجربة الكوبية يقصها الأب جرجس القس موسى في هذا الملف. 

“فيدل والدين”: تحت هذا العنوان خرج في البرازيل في ت1 1985 كتاب هو الأول من نوعه عن الزعيم الكوبي فيدل كاسترو. والكتاب حصيلة مقابلة صحفية عملاقة مع كاسترو استغرقت 23 ساعة، أجراها الراهب الدومنيكي البرازيلي الصحفي الشهير فراي بيتو. وقد بيع من الكتاب زهاء مليون نسخة وطبعته الثالثة نفذت، فصار يباع في السوق السوداء، وقد ترجم إلى عدة لغات. وكان أول لقاء بين الرجلين في 19 تموز 1980. في نيكاراكوا في منزل من أصبح في ما بعد نائب رئيس الجمهورية، سيرجو راميريز، وبحضور الأب ميكيل دسكوتو وزير خارجية نيكاراكوا. إلا أن المقابلة التي انبثق منها الكتاب لم تتم سوى في أيار 1985 في هافانا عاصمة كوبا.

ولكن ماذا يضم الكتاب الذي أثار كل هذه الضجة؟ أول فكرة حركت الصحفي – وهو لاهوتي ومنشط لجماعات القاعدة ومستشار للعمل الراعوي العمالي في ساوباولو – كانت سبر فكر الزعيم الماركسي الذي طالما استحوذ على تفكيره حول “قضية الإيمان في نظام اشتراكي “. وجاء الكتاب لا يحمل من فكر كاسترو حول الدين سوى بضع  صفحات، ولكنها كافية لاعتبار المشروع حدثا في حد ذاته، إذ أنها المرة الأولى التي يتحدث فيها سيد هافانا بهذا الوضوح عن الموضوع. اجل “.يخيب أمل من يتوقع طرحا منهجيا حول العلاقات بين المسيحية والثورة، بين الإيمان والماركسية، ولكنه سيجد مرونة تسترعي الانتباه في أقوال كاسترو – تكاد لا  تنطبق مع الصلابة الثورية التي يعرف بها – حول الكنيسة وحول إمكانية مساهمة المؤمنين في”مشروع التجدد الاشتراكي للثورة الكوبية، هذا المشروع الذي يتفق تماما، بحسب تعبير كاسترو نفسه، مع ما يمكن اعتباره طموحات مسيحية، كإطعام الفقراء واكسائهم وتثقيفهم وتوزيع الأراضي وتوفير فرص عمل.. الخ “.

لاشك أن أبواب هذه “المساهمة” قد أغلقت، ولا زالت مغلقة عمليا حتى الآن بوجه المسيحيين، ولكن فيدل يقول بان سبب ذلك كان رفضهم “التاريخي” للثورة، وليس إيمانهم (وهذا التمييز جديد على لسان كاسترو). كما أن هذا “الإقصاء” متأت من ممارسة الحزب الشيوعي “لضرب من العنصرية الحزبية” في احتكار القرار والقيادة، يغترف بوجوده فيدل كاسترو نفسه، ولكنه يعزيه إلى ظروف قيام الثورة “حيث كان الدين أداة بيد أعداء الثورة”، مما حدا بحزب الثورة إلى إعلان إلحاده وتبني الماركسية – اللينينية لتسليم الثورة إلى أياد أمينة. ولكن كاسترو لا يقدم هذا الخيار كبديل حتمي، ولا حتى “كمثال يجب أن يحتذى”. فهو يصرح لمحدثه الصحفي: “من الناحية السياسية والثورية، ما فعلناه لا ينبغي أن يؤخذ كنموذج”. ويذهب في اعترافاته إلى أن الكنيسة الكوبية والحزب الشيوعي الكوبي يجب أن يتجاوزا مرحلة التعايش السلمي ليأخذ درب التعاون “لخدمة الشعب”، إذا “ينبغي على جميع من يملكون طاقات ثورية أن يتحدوا بعمق بغض النظر عن قناعاتهم الدينية”.

ترى، ما معنى هذا التغيير في اللغة والتعبير؟ أيكون كاسترو قد اكتشف فضائل جديدة عند المسيحيين بعد أكثر من25 سنة من فرض الصمت عليهم؟ أم أن معطيات جديدة على الساحة الكوبية وخارجها تفرض عليه أسلوبا جديدا من التعامل؟. أما هو فيقول: ” إنها قضية جمالية. فالثورة عملية يجب أن تتكامل.. إنها قطعة فنية “. ومعنى ذلك أن التمييز العنصري الذي يمارس بحق المسيحيين يمكن أن يظهر بمثابة لطخة في هذه اللوحة! 

أولا: الحركة الكاسترية وتطورها إلى ثورة ماركسية – ومصير الكنيسة فيها 

في ك2 1959 تمكن فيدل كاسترو مع قبضة من رفاقه “الملتحين ” المنتمين إلى حركة السادس والعشرين من تموز(1) من إسقاط الدكتاتور باتيستا  بعد 3 سنوات من حرب العصابات. وكوبا اليوم “جمهورية اشتراكية ” ونظامها السياسي “ديمقراطية شعبية تعتمد على حكم الحزب الواحد”، هو الحزب الشيوعي الكوبي. غير انه من المفيد أن نتذكر أن الثورة الكوبية لم تكن منذ البدء ماركسية – لينينية وان بين رفاق الساعة الأولى كان ثمة عدد من المسيحيين –وفيدل كاسترو يعترف بذلك دون مواربة في مقابلته مع فراي بيتو-، وان فيدل نفسه (وهو تلميذ لإخوة المدارس المسيحية وللآباء اليسوعيين الذين يمتدح تعليمهم) لم يصبح شيوعيا بالمعنى ألحصري إلا بعد محاولة اجتياح خليج الخنازير في نيسان 1961 من قبل الولايات المتحدة وانهيارالعهد الباتيستي البائد. ففي 2 من ك1 من تلك السنة أعلنت كوبا رسميا نظاما ماركسيا شيوعيا ودخلت في مدار موسكو، وصار ما صار.

ومنذ ذلك الحين برزت شخصية فيدل كاسترو “قائد اكبر” (Lider Maximo) بتحديه الاميركان على أبوابه، ووضع كوبا في واجهة دول العالم الثالث، ومد إصبعه في كل حركات التحرر في القارة اللاتينية، وأصبحت كوبا محجة الثوار من كل إنحاء العالم وشوكة مزعجة للاميركان  في عقر دارهم(2).

لقد مضى اليوم 27 عاما على استلام كاسترو مقاليد الحكم في كوبا من دون منازع وفي ظل نظام اشتراكي احادي تبدو قدمه راسخة، بعد أن نجح في فرض إصلاحات اقتصادية واجتماعية لا يستهان بها، وليس اقلها الإصلاح الزراعي ومحو الأمية حيث تسجل كوبا أعلى المستويات العالمية في التعليم بحسب إحصائيات اليونسكو (92% من 6 – 16 سنة). 

والكنيسة في كل ذلك؟

في عام 1960، يوم لم تكن كوبا قد أصبحت ماركسية – شيوعية بعد، كانت الجزيرة تعد زهاء 7 ملايين، وكانت كنيسة كوبا تضم 2225 راهبة و 723 كاهنا، معظمهم غير كوبيين (بمعدل كاهن واحد لحوالي 10000 نفس). غير أن انتقال الثورة إلى الشيوعية قلب الأوضاع كلها بدءا من هبوط عدد الكهنة إلى 220 والراهبات إلى 191 (أرقام 1964) بسبب الطرد أو مغادرة البلاد خوفا، وتأميم المدارس، وتصعيد حدة الخلاف بين الدولة والكنيسة، ووقوف هذه الأخيرة بصورة عامة إلى جانب الطبقات المالكة السابقة والمعادية للثورة، وحصر النشاط الديني بين جدران الكنائس، وإقصاء المسيحيين المعتلنين عن أي دور سياسي أو وظيفة رسمية في الدولة.. وقد وصل عدد الكهنة في 1978 إلى 198 فقط، أي بنسبة كاهن واحد لكل 46600 –وهي أدنى نسبة سجلت– وان كان 80%  منهم كوبيون. وتقول إحصائية كاثوليكية –هي الأولى من نوعها–  تمت عام 1983 أن 40 % من الأطفال الكوبيين يقتبلون العماد، غير أن فرص التنشئة الدينية -وهي لا تعطي إلا في الكنائس– ضئيلة جدا، وقد يلاقي ذوو الأطفال الراغبين فيها مضايقات إدارية لثنيهم عنها.

غير أن العلاقات (الدبلوماسية) بين الكرسي ألرسولي وكوبا لم تنقطع أبدا حتى في أحلك الأيام، وللسفير البابوي المونسنيور زاكي الفضل الأكبر في إبقاء الحوار مفتوحا. وبعد الانفراج تكللت جهوده بتعيين مطران جديد للعاصمة عام 1981 هو جيم اورتيغا الذي يقول بواقعية تختلف عن سلفه بان النظام الكاستري أمر واقع، وعلى الكنيسة أن تقبله وتتصرف تجاهه “باحترام وتفهم” متجاوزة “حقبة المجابهة”. 

ثانيا.. الانفراج.. والآمال

لوعدنا إلى الكتاب الذي اشرنا إليه في مفتح هذا الملف لخرجنا بهذه الحصيلة وهي انه يمثل نافذة من الثورة الكوبية منفتحة نحو أميركا اللاتينية، ولربما تخفيفا من طوق الانغلاق الحزبي، وضوءا اخضر أيضا للتقرب من المسيحيين، ومن الكنيسة الكاثوليكية بالذات، للخروج بكوبا من أزماتها الاقتصادية والإقليمية.

ولكن، إذا قلنا بان سياسة “الأمر الواقع” هي التي تقود الكنيسة إلى تجاوز”حقبة المجابهة” والانفتاح على الثورة، لماذا لا نقول أيضا بان جزءا مهما من الانفراج “الكاستري” تجاه المسيحيين يعود إلى مجريات الأمور في نيكاراغوا حيث يلعب المسيحيون الملتزمون –ومنهم كهنة ورهبان–  دورا نضاليا رائدا في مسيرة التغيير الثوري. ولا نشك في ذلك عندما نعرف أن علاقات متينة تربط بين زعماء الثورتين الكوبية والنيكاراغوية. وبوسعنا أن نقول مع شارل أنطوان، المحرر في مجلة “دراسات” الفرنسية (ايار 1984) بان “الطريقة التي بها ستتوازن العلاقات بين الكاثوليك النيكاراغويين والثورة الساندينية ستكون العامل الحاسم في حل أو تجميد القضية الدينية في جزيرة كوبا”.

في انتظار ذلك، طريق الانفراج سالك في كوبا، وشهادات حسن النوايا في السنوات الأخيرة معبرة عند الطرفين، نكتفي بالإشارة إلى أهمها، إضافة إلى المقابلة الصحفية الأنفة، ومنها:

إعلان مجلس أساقفة كوبا في 6 ك2 1981 “رفضهم المسبق لكل هجوم مسلح وكل حصار

مهما كان نوعه ضد كوبا ” – وكان الإعلان موجها بالدرجة الأولى إلى الولايات المتحدة.

حضور وفد حكومي عام  1981في حفلة تنصيب مطران هافانا الجديد جيم اورتيغا.

إطلاق سراح الشاعرين الكوبيين الكاثوليكيين ارماندو فالا داريس في ت1 1982 وبعد 21

سنة قضاها في سجون….، وجورج فالس، في 1984، بعد 20 سنة… وغيرهما.

زيارة رئيس مجلس أساقفة فرنسا المطران جان فيلنيه لكوبا في أيار 1984 والتقاؤه باركان

الحكومة وبزعماء الكنيسة.

في حزيران 1984 فيدل كاسترو يحضر شخصيا، ولأول مرة منذ 1961، احتفالا دينيا في

كنيسة بروتستنتية لإحياء ذكرى مارتن لوثر كنك، ويلقي كلمة حماسية بالمناسبة.

زيارة وفد من أساقفة الولايات المتحدة لكوبا واستقبال فيدل كاسترو لهم لمدة 5 ساعات في

ك2 1985.

أول زيارة رسمية يقوم بها لكوبا في شباط 1985 المونسنيور داريو كاستربون السكرتير

التنفيذي لمنظمة مجالس أساقفة أميركا اللاتينية.

دعوة فيدل كاسترو وفدا من أساقفة كوبا وشخصيات كنسية ودينية أخرى من المكسيك

وشيلي وفنزويلا وبوليفيا والأرجنتين إلى مؤتمر الديون الخارجية لأميركا اللاتينية وجزر الكاريبي في تموز / آب 1985.

أول لقاء رسمي بين أساقفة كوبا وفيدل كاسترو في أيلول 1985، واتفاق الطرفين على

جدول لقاءات دورية بين السلطات الحكومية والأساقفة.

في مقابلة مع فراي بيتو وفي مناسبات أخرى، كاسترو يعبر عن ترحيبه بزيارة يوحنا بولس

الثاني لكوبا والتحدث معه عن قضايا أميركا اللاتينية وعن السلام العالمي، وكشفه النقاب عن أن دعوة بهذا الخصوص وجهت إلى البابا منذ 1979، وتلبيتها منوطة بالبابا نفسه.

غير أن المؤشر الأكبر للنسيم الجديد الذي يهب على كنيسة كوبا هو، من دون أي شك، اللقاء الوطني العام لكنيسة كوبا الذي عقد في هافانا العاصمة من 17 – 23 شباط الماضي، والذي ما كان له أن يتم لولا الضوء الأخضر من الزعيم الكوبي نفسه (انظر ف.م.آذار / نيسان 1986). وقد جاء هذا المؤتمر بمثابة مراجعة حياة عميقة لكنيسة كوبا –وقد طهرتها سنوات الشدة والفقر–ودراسة وضعها وفرص العمل والحياة لها تحت نظام ماركسي ملحد– وقد اشترك في هذا اللقاء أساقفة البلاد السبعة و 174 مندوبا من الكهنة والرهبان والعلمانيين، وقد شكل هؤلاء الاخيرون ثلثي المؤتمرين (115)، وقد بدا الإعداد لهذا المؤتمر بحملة إعلامية واستطلاعية واسعة منذ 1984 بقصد رسم توجيهات التجدد الكنسي والحوار.

وفيما يخص العلاقات بين الكنيسة والدولة، فقد تضمنت الوثيقة التي أعدتها الأبرشيات، والتي اتخذت أساسا لمناقشات المؤتمر: أن الكنيسة تختار بوضوح طريق الحوار المباشر والصريح مع الدولة وترغب في فتح ستراتيجية من المصالحة الوطنية، وإنها قد تجاوزت مرحلة الصمت إلى قبول واقع الثورة، ولكنها تطالب في الوقف عينه بإجراء تعديلات –ولربما أساسية– في سياسة الدولة تجاه المؤمنين كي يعود هؤلاء إلى كامل دورهم القومي في البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فتطالب الوثيقة بتكافؤ الفرص السياسية أمام كل المواطنين في الوقت الذي هي حكر ألان بيد الماركسيين وحدهم. بكلمة واحدة تنطلق أسس الحوار المطروح من مبدأ الاعتراف بالمواطنة الكاملة لجميع الكوبيين، ماركسيين ومؤمنين.

هكذا جاء هذا المؤتمر المسيحي العام –الذي عقب مؤتمر الحزب الشيوعي الكوبي الثالث بأسبوع واحد فقط(3)– نقطة تحول حقيقية في حياة كنيسة كوبا وتكريسا رسميا لا رجعة عنه لسياسة الانفتاح. خاتمة: لترأس الكردينال بيرونيو المؤتمر باسم البابا تأثير مزدوج لفعالية المؤتمر وتطبيقاته العملية، سيما وان الرئيس كاسترو قد استقبل بحفاوة متميزة المبعوث البابوي. 

خاتمة:   حوار الحياة.. والإنسان

إن الحوار الذي كرسه المؤتمر الوطني الكنسي مع الدولة هو حوار ذو اتجاهين: الأول يقضي بان يعترف الطرفان الواحد على الآخر ويلتقيا لتسوية جملة من القضايا اليومية  والثاني يتعدى التعايش إلى الحياة والعمل سوية، فالحوار. إذن، “حوار الحياة”.. والإنسان، و”المشاركة لا تعني الانصهار” كما توضح نصوص المؤتمر؛ وإذا كانت القاعدة (من المؤمنين وبعض أعضاء الاكليروس) اقل تفاؤلا من الأساقفة والكوادر تجاه النتائج العملية لهذا الانفتاح، فالرهان منوط الآن بتقبل الدولة كامل شروط اللعبة، أي بتغيير سياستها في التعامل الفعلي والفكري والتشريعي مع المؤمنين.

إلى هذا الرهان نوهت المذكرة التي رفعها المجلس المسكوني البروتستنتي لكنائس كوبا إلى فيدل كاسترو في ت2 1985 حين أشارت إلى أن الوقت لربما قد حان لاستصدار تشريع يعترف للمسيحيين بوجود اجتماعي كامل، ويتيح لهم الوسائل القانونية الطبيعية لتأدية رسالتهم، مثل استخدام وسائل الإعلام، وإعادة النظر في مناهج التعليم الرسمية لتصفيتها من النصوص المعادية للدين، وإلغاء فقرة الانتماء الديني في استمارات الطلبة المتقدمين للدراسة الجامعية الخ…

إن جل ما فعله الحزب الشيوعي الكوبي الحاكم على الصعيد الفكري تجاه القضية الدينية هو مبادرة اللجنة المركزية في ك2 من هذا العام إلى دعوة الأب الدكتور فرانسوا هوتار أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوفان الكاثوليكية (بلجيكا) لإلقاء سلسلة من المحاضرات حول علم الاجتماع الديني ل 5 من كوادر الحزب في هافانا. وفي نية اللجنة المركزية إيفاد عدد آخر من كوادرها لهذه الدراسة في جامعة لوفان  نفسها، وما ذلك إلا مؤشر إلى هذه الحاجة لإيجاد قاعدة فكرية جديدة للتوفيق بين الفكر الماركسي وأساليب عمله والفكر المسيحي ومنظوره.

وبانتظار التطبيع الكامل –وقد لا يكون غدا– تستفيد الكنيسة من جو الانفراج النسبي العام لتنظيم صفوفها، وترى العائدين إلى الممارسة الدينية يزدادون وكذلك الاهتداءات إلى الإيمان من بين صفوف الشباب. والعماذات التي كانت في هبوط منذ 1960، أخذت تتضاعف سنويا بالرغم من تراجع الولادات. 

————————— 

– تيمنا بهجوم كاسترو ورفاقه الأوائل في 26 تموز 1953 على معسكر مونكادا

وبدء الحركة الكاسترية.

– كوبا، اكبر جزر أرخبيل الانتيل، تقع في المدخل الشرقي لخليج المكسيك إلى الجنوب

من سواحل فلوريدا بحوالي 1250.

– في تقريره الرسمي للمؤتمر لم يخص فيدل كاسترو المسيحيين سوى بثلاث جمل،

ولكنها أساسية للدلالة على التغيير الطارئ في فكر القادة الكوبيين: اثنتان للتأكيد على الطابع التقدمي لبعض الديمقراطيات المسيحية في أميركا اللاتينية وعلى أن الاشتراكية لا يمكن أن تبنى من دونهم، والثالثة لامتداح لاهوت التحرير ” باعتباره ليس فقط تجربة مخلصة لالتزام جانب الفقراء من قبل أشخاص يعبرون هكذا عن مسيحية أصيلة، وإنما لأبعاده السياسية بوصفه تعبيرا  لرغبة  عدد كبير من المسيحيين في بناء عالم تسوده الإخوة والمساواة والعدل بين الناس، وذلك انطلاقا من قناعاتهم الدينية”.

مع 100 الف مؤمن يمارسون ديانتهم علنا من مجموع 12مليون مواطن تبدو الكنيسة الكاثوليكية الكوبية اقلية ضئيلة نسبة الى اقطار اميركا اللاتينية الاخرى. ولكن من الخطا ان ننسب ذلك الى مجرد ضغوط 27 سنة من النظام الماركسي الالحادي. فالحقيقة هي، كما يقول المنسنيور سيسبيديس سكرتير عام مجلس اساقفة كوبا. ان المجتمع الكوبي لم يتلق تثقيفا مسيحيا عميقا ابدا، وان قطاعات عديدة من الشعب، ومنهم السود، لم يتلقوا الا تنشئة دينية سطحية “. مع ان البدايات كانت تبشر بالخير. 

كنيسة اقلية دائما..

مع 100 ألف مؤمن يمارسون ديانتهم علناً من مجموع 12 مليون مواطن تبدو الكنيسة الكاثوليكية الكوبية اقلية ضئيلة نسبة الى اقطار اميركا اللاتينية الاخرى. ولكن من الخطأ أن ننسب ذلك الى مجرد ضغوط 27 سنة من النظام الماركسي الألحادي. “فالحقيقة هي، كما يقول المونسنيور سيسبيديس سكرتير عام مجلس اساقفة كوبا، أن المجتمع الكوبي لم يتلقً تثقيفا مسيحيا عميقا ابداً، وان قطاعات عديدة من الشعب، ومنهم السود، لم يتلقوا إلا تنشئة دينية سطحية”. مع ان البدايات كانت تبشر بالخير.

فقد قدم المبشرون الاوائل من الاباء الدومنكان الاسبان منذ 1512، وفي 1518 اعلن اول مطران لسانتياغو تصميمه على اقامة كنيسة كوبية محلية تماماً برسامة كهنة من السكان الاصليين. غير ان التجربة اجهضت. بل ظلت كوبا طيلة القرنين 16و17 وحتى 18 بمثابة محطة استراحة وعبور للكهنة والراهبات المرسلين في طريقهم الى اقطار اميركا اللاتينية الاخرى، وقلما اهتمت الجمعيات الرهبانية التي مرت بالجزيرة بتبشير السكان. لذا جاء القرن19 وكنيسة كوبا غير ذات ثقل يذكر على المجتمع الكوبي، وهي تعاني عائقين رئيسين، وهما: عدم اندماجها في الشعب من جهة، ومن جهة اخرى ابتعاد طبقة البرجوازية التجارية والمثقفين الكتحررين عنها.

ولما استلم المتحررون الحكم في اسبانيا سرت سياستهم المعادية للدين في كوبا ايضا (وكوبا مستعمرة اسبانية آنذاك)، ومن نتائجها تطبيق القرار القاضي بالغاء الجمعيات الرهبانية عام 1836، فترك الكهنوت او الرهبنة عشرات المئات وهاجر غيرهم وصودرت ممتلكات الاديرة والكنائس، وشغرت ابرشيات من اساقفها، ولما خفّ الاضطهاد في نهاية القرن19 حاولت الكنيسة الوقوف على اقدامها باستحداث ابرشيات جديدة وفتح المدارس والكليات، غير ان الاكليروس كان في اغلبيته الساحقة اسبانياً موالياً للعرش الاسباني، مما أفقده ثقة الوطنيين. ولما استولى هؤلاء على الحكم وطردوا الاسبان واقاموا النظام الجمهوري عام 1898 تحت ظل الماسونية المعادية للدين تلقت كنيسة كوبا ضربات جديدة، سيما وانها كانت قد وقفت الى جانب الشعب في هذه المرة ضد الحكم مدافعة عن حقوق العمال والفلاحين.

في نهاية درب الصليب الطويل هذا جاء دستور 1940 الذي اعترف بحرية الدين لتتنفس الكنيسة الصعداء قليلا. فاعتمدت في عملية تجديد قواها على العلمانيين باقامة وتشجيع حركات ما يعرف بالعمل الكاثوليكي، ومن فروعه الجامعية انبثق حزب سياسي باسم “الديمقراطية الاجتماعية المسيحية”، وعشية الثورة الكاسترية كان 90% من الشعب الكوبي يعتبر كاثوليكياً. ولما قامت الثورة انضوى الى صفوفها عدد من الكاثوليك. غير ان اغلبية المسيحيين كانوا في وضع الانتظار والترقب اسوة بموقف اساقفتهم اللامحدود عموماً.

وجاء انقضاض الحزب الشيوعي على واجهة الثورة لتنفض الكنيسة الكاثوليكية يدها من الثورة تماماً. وجاء الهجوم الفاشل على خليج الخنازير الذي اشترك فيه كاثوليك معارضون في نيسان 1961 بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير فتمت القطيعة، واممت المدارس الخاصة، ومنع التعليم الديني، وطرد مئات الكهنة (وبينهم كوبيون) والاف الراهبات، وأعلنت شيوعية الدولة رسميا.. فانكفأت الكنيسة على ذاتها، واعتبر الكاثوليك “كطفيليين” “ومعادين للثورة”.. حتى جاء الانفراج الحالي..

  (((((((()))))))

العدد218-219-1986عام

المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني

بعد عشرين عاما

لأشك ان المجمع كان في حياتنا وفي جيلنا (جيل الذين تجاوزوا العشرين او بلغوها في 1959،سنة اعلانه ) الحدث الاكبر ،وقد عشناه كعملية تحرر وانعتاق  بل انه يشكل ابرز حدث على الاطلاق في حياة الكنيسة في القرن العشرين ولكن لنعد الى الوراء قليلا ونلقي الضوء على الخلفيات الثقافي التي وجهت طروحاته وتحكمت في فرص التطبيق العملي لهذه الطروحات سلبا او ايجابا

اولا:استقبال المجمع

ان الخلفية الثقافية الاوربية هي التي طغت على عمل الهيئة المجمعية .ذلك واقع لاينكر .لأن معظم الكوادر الفكرية والتوجيهية والادارية للمجمع (من لاهوتيين واساقفة وقادة الرأي _بما فيهم وسائل الاعلام _)كانوا من اوربا .وكانوا بالضرورة تحت تأثير ماتعانيه كنائسهم مباشرة ،ولايعكسون معانيات غيرهم ألامن منظارهم الذاتي .في اية اجواء كانت تعيش كنائس اوربا اذ ذاك ،اذن ؟

في الستينات _اي في غضون المجمع وما بعده مباشرة _خضت المجمع الاوربي احداث فكرية وايديولوجية وانقلابية ،وأهم مااتسمت به تلك الخضة معارضة

سياسة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني

  تحت تأثير ماتعانيه كنائسهم مباشرة ،ولايعكسون معانيات غيرهم ألامن منظارهم الذاتي .في اية اجواء كانت تعيش كنائس اوربا اذ ذاك ،اذن ؟

في الستينات _اي في غضون المجمع وما بعده مباشرة _خضت المجمع الاوربي احداث فكرية وايديولوجية وانقلابية ،وأهم مااتسمت به تلك الخضة معارضة عامة للمؤسسات ونفض نير القيم التقليدية والاطر الموروثة ،اجتماعية كانت ام دينية ام

سياسية ام اخلاقية ،ووسم الافق نهوض يساري عام (حركة الشباب في فرنسا : ايار 1968).وقد وصلت الريح الى داخل الكنيسة واختلطت بجو الانفتاح المجمعي التحدي والابداعي ،فحركت امورا كثيرة في عادات ترتيب الاثاث ،وألقت من النافذة بكثير مما عفا عليه الزمن ويحتفظ به كل بيت عتيق ،وغيرت مواقع الجلوس حول المائدة (العلمانيون الجماعية الاسقفية مع البابا)،وأدخلت تقاليد جديدة على الاسرة وعلى علاقاتها بالخارج (الحركة المسكونية العلاقة مع الديانات ،التعددية في الوحدة ايمانيا وفكريا ،التضامن مع القضايا الانسانية : لاهوت التحرير )

ولكن عندما قلنا بان عمل الهيئة المجمعية كان موسوما بالخلفية الثقافية الاوربية ،كنا نعني ايضا وخاصة ان التيارات الفكرية والراعوية والرسولية التي كانت تحرك الطليعة المسيحية الاوربية قبل 1959 هي التي عينت اتجاهات المجمع .وفي مقدمة هذه التيارات التي اعدت المجمع ،من قريب او بعيد حركة الدراسات الكتابية ، والتجديد الليتورجي والحركة المسكونية والانفتاح على العالم وقيمه ورسالة العمانيين والتوجه الحديث في البحث الاهوتي …هذه التيارات والحركات التي نمت

)))))))(((((((((((((

الزيارة البابوية الثالثة لفرنسا 

ش.ر/كانون الاول 1986 

في 7ت1 الماضي أكمل يوحنا بولس الثاني رحلته رقم 31 خارج ايطاليا، وهي زيارته الثالثة لفرنسا (الأولى عام 198: باريس وليزيو، والثانية عام 1983: لورد) والتي شملت ليون، مهد المسيحية الفرنسية، وتيزيه وآنسي وآرس – بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كاهنها القديس “خوري آرس”.

ومن ليون أطلق قداسته نداء إلى العالم لوقف المعارك، اقله طيلة يوم 27 ت1، حين سيجتمع في اسيزي (ايطاليا) ممثلو الكنائس المسيحية والديانات غير المسيحية ليوم صلاة عالمي من اجل السلام.

يستعرض المقال التالي زيارة البابا الراعوية للوسط الشرقي من فرنسا. 

قام يوحنا بولس الثاني بثالث زيارة له لفرنسا (ألحادية والثلاثين خارج ايطاليا) من4ت2 الماضي. وقد جاءت هذه الزيارة أكثر من غيرها كحج حقيقي على خطى قديسين عبقت هذه البقعة من ارض فرنسا (الوسط الشرقي) بشذى سيرتهم الإنجيلية والتزامهم الإنساني والرسولي، وطارت شهرتهم بعيدا خارج فرنسا. أربعة أيام حافلة ومشحونة بالحركة زار البابا خلالها كلا من مدينة ليون، عاصمة غاليا القديمة وبوابة المسيحية إلى فرنسا في القرن الثاني، وقرية دارديلي مسقط رأس القديس يوحنا فياناي المعروف بخوري ارس، وارس رعيته، وتيزيه التي ارتبط اسمها بالجماعة الرهبانية البروتستنتية ذات الروح المسكونية الفريدة وبالشباب الذين يقصدونها من كل إنحاء العالم، وباري لمونيال من حيث انطلقت عبادة قلب يسوع إلى العالم،   وانسي موطن القديس فرنسيس الساليسي.

كانت ليون المحطة الأولى والقاعدة التي ينطلق منها البابا ويعود إليها للمبيت. وقد استهل زيارته بمخاطبة الرئيس ميتران الذي كان في استقباله في المطار متحدثا عن دور فرنسا في العلاقات الدولية: “فرنسا.. يعتمد على نظرتها السخية والواقعية للمساهمة في إخماد التوترات وإقامة العدالة، وتثبيت السلام، وتوسيع التعاون المثمر مع أقطار العالم الثالث على أسس الكرامة والعدل”. وقد أهدى البابا للرئيس فرانسوا ميتران إحدى باقات الورد التي قدمها له الأطفال قائلا وهو يبتسم: “أنها بمناسبة عيدك اليوم، عيد مار فرنسيس” أما الخطوة الأولى التي افتتح بها يوحنا بولس الثاني زيارته الراعوية فكانت مبادرة مسكونية حيث كان ممثلو الكنائس الشرقية البروتستنتية في انتظاره في ملعب “الثلاث غاليات” حيث استشهد عدد من المسيحيين الغاليين الأولين في اضطهاد الإمبراطور الروماني مارك اوريليوس عام 177. فبعد أن قبل البابا موقع الاستشهاد استمع إلى كلمة الكنائس الشقيقة يلقيها المطران الارمني الأرثوذكسي زكريان بان “المسيحية جاءت إلى فرنسا من الشرق على يد القديس ايريناوس. من هنا مساهمات ليون المتميزة في حقل المبادرات الوحدوية منذ زمان  الكنيسة الواحدة غير المنقسمة:.

وفي نهاية الاحتفال فاجأ البابا حشود المؤمنين والعالم بنداء لم تتضمنه مناهج الزيارة يدعو إلى جعل يوم 27 ت1 يوم هدنة عالمية تتوقف فيه الحروب والصدامات المسلحة وأعمال العنف، بمناسبة يوم الصلاة من اجل السلام الذي دعا إليه اسيزي جميع رؤساء الأديان في العالم.

وفي ليون أيضا كان التجمع الضخم (300000) في ساحة معرض “اوراكسبو” عصر اليوم نفسه للقداس الكبير الذي أعلن البابا في غضونه قداسة الطوباوي الأب أنطوان شفرييه، الكاهن الليوني، مؤسس جمعية البرادو في القرن 19 التي تضم كهنة يختصون بخدمة الأوساط الفقيرة. وقد نطرق البابا في خطابه إلى البلدان الفقيرة ومسؤولية البلدان الغنية تجاهها قائلا: “أن الشعوب الفقيرة لا تلتمس صدقة، وإنما تطالب بان تؤخذ مشاكلها بعين الاعتبار، وان تسم العدالة علاقات التبادل التجاري والاستثمارات، والتضامن والسخاء إبان الأوضاع الحرجة، والعون على المدى البعيد لكي تستطيع تحقيق نمائها بنفسها، وفوق كل شيء تطالب بالاحترام والكرامة” وكانت للبابا في لقاءات أخرى مع المجالس الأسقفية والخور نية، وهيئة الأساقفة الفرنسيين، والهيئة التدريسية وطلبة الجامعة الكاثوليكية في المدينة وممثلي الجالية الإسلامية.

أما التجمع الكنسي، الكبير –والبابا يخص الشباب دوما في زياراته العالمية بلقاء خاص– فقد كان يوم الأحد في ملعب جيرلاند. بلاتيني ومارادونا والخمسين ألف شاب (+ 30000 خارج الملعب) كان يدعى في ذلك اليوم “يوحنا بولس”،  وحتى ساعة متأخرة من الليل شقت حناجرهم بالغناء والهتاف، ألف شاب وشابة مثلوا أمام البابا على أنغام موسيقى الروك، رقصا وكلاما، مشاهد من حياة بعض شهود الإيمان الكبار. والبابا، يرافقه الكاردينال ديكورتراي رئيس أساقفة ليون، يستمع بارتياح إلى أسئلة الشباب – حتى المثيرة منها: “أيها الأب الأقدس، ألا يحدث لك ان تشك؟ حدثنا عن الكنيسة، ولكن لا الكنيسة التي تتكلم عنها الكتب! ويجيب إليها مباشرة. ويختم البابا السهرة قبيل منتصف الليل بصلاة “أبانا الذي” معهم، فتحيط طفلة عنق البابا “بايشارب” ملون، فيلوح البابا: “يا شباب، اجل، إن للكنيسة مستقبلا. إننا نعتمد عليكم. فانا، مع أساقفتكم، أرسلكم إلى الرسالة”.

في كنيسة المصالحة في تيزيه كان في انتظار البابا 5000 شاب وشابة من مختلف بلدان العالم. وإذ اعتذر لهم عن قصر زيارته قال لهم: “البابا يمر هنا مرورا فقط. ولكن المرور بتيزيه هو كالمرور قرب نبع ماء”. ثم قال: “الكنيسة بحاجة إليكم. لا تكتفوا بالانتقاد السلبي أو بانتظار أن يتحسن الشخص الفلاني أو المؤسسة الفلانية. انطلقوا إلى الكنائس والحركات والجماعات المختلفة” (وأصلحوها بأنفسكم).

في باري لمونيال مئة ألف شخص لوحوا للبابا بمناديلهم الملونة واستمعوا إليه في القداس الجماهيري في الهواء الطلق يكلمهم عن قيم الأسرة والحب والأمانة وقدسية الحياة. وقد زار دير الراهبات حيث عاشت القديسة مرغريثة مريم ونشرت عبادة قلب يسوع في القرن 17.

أما زيارة ارس فقد اتسمت بجو عائلي بعيد عن صخب التجمعات الكبرى حيث قدمت أمهات القرية أطفالهن للبابا، فقبل واحتضن ولاطف ورفع بيديه وبارك: “إني جئت حاجا بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كاهن رعيتكم القديس خوري ارس”. وبعد صلاة صامتة أمام قبر القديس زار البابا غرفة نوم خوري ارس وداره الوضيعة المحاذية للكنيسة. وفي قرية شفيع الكهنة أراد أن يلتقي باكليروس كنيسة فرنسا، حيث استقبله في المرج المشرف على القرية 3500 كاهن بثيابهم الطقسية البيضاء، و 1300 طالب اكليريكي و 150 أسقفا و 100 شماس إنجيلي مع زوجاتهم وأولادهم. ودعاهم إلى تعميق علاقتهم الحميمة بشخص يسوع، إذ لا سخاء إنجيليا من دونها: “أن الرسالة والحوار الإنجيلي يقتضيان انتماء مسيحيا راسخا”.

أما المرحلة الأخيرة من الزيارة البابوية فكانت لمدينة آنسي التي استقبلته بآلاف البالونات التي لونت سماء بحيرتها الوادعة، لكل قارة لونها، وذلك رمزا إلى المرسلين والمبشرين الذين انطلقوا من هنا لنشر الإنجيل في القارات الخمس. وفي انسي قبر أسقفها القديس فرنسيس السالسي والقديسة جان دي شانتال اللذين أسسا فيه رهبنة “الأخوات الزائرات” عام 1610 لرعاية الفقراء، وقد زارهن البابا ومهر توقيعه في كتابهن الذهبي، ثم أقام قداسا جماهيريا في الهواء الطلق على ساحل البحيرة بمناسبة عيد الوردية اشترك فيه معه 60 أسقفا…

وكما كان الرئيس  الفرنسي قد استقبل البابا لدى قدومه، فقد ودعه في المطار مساء الثلاثاء 7/10 لدى عودته رئيس الوزراء جاك شيراك ليُسمع البابا يخاطب الفرنسيين بشخصه قائلا: “ما أسعدكم أيها الأصدقاء أن يكون لكم في فرنسا مواضع حج للقداسة.. إن القديسين يروننا طريق التجدد الصحيح.. فلتستمر فرنسا في تكريم عبقرية الروح والقلب”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s