Posted by: abu faadii | 2013/08/03

الفكر المسيحي 1987

مجلة الفكر المسيحي 1987

86

أطول رحلة بابوية          ش.ر             

221

كانون2

1987

87

كنيسة اليابان..الأولوية للتبشيملف                   

222

شباط

1987

88

سينودس العلمانيين أم للعلمانيين ش.ر             

226

آب / ايلول

1987

89

مقابلة مع الكردينال روجيه اتشيغاري       

227

آب/ ايلول

1987

90

الأسس الكتابية للاهوت التحري-ملف                      

229

تشرين2

1987

91

   الدورات اللاهوتية ، مدرسة تحقيق    

230

كانون1

1987

1987 المقالات:

أطول رحلة بابوية

ش.ر/كانون الثاني 1987

       49000 كم. قطعها يوحنا بولس الثاني في 13 يوما (18 ت2– ك1 1986) زار خلالها 6 أقطار في جنوب الشرق الأقصى تفصلها عن بعضها مساحات شاسعة من البحار والمحيطات:

       بنغلادش. سنغافورة، جزر فيجي، نيوزيلاند، تسمانيا، استراليا، جزر سيشيل. وألقى خلالها 5. خطابا في 17 مدينة. ماراثون حقيقي..ولكن  ليس ركضا على الأقدام، بل على متن طائرة! والكاثوليك في كل هذه المناطق النائية لا يشكلون سوى أقليات طالما حوصرت بعيدا عن الحياة العامة، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، كما كان الشأن خاصة في استراليا الانكليكانية التي استأثرت بالحيّز الأكبر من الزيادة البابوية.

      بنغلادش، بلد الأكثرية الإسلامية (86% من أصل 98 مليون، وقد دخله الإسلام في القرن 15) والأقلية المسيحية الضئيلة (0,2%، وقد دخلته المسيحية في القرن 16)، هذا البلد استقبل البابا في المحطة الأولى من رحلته العالمية رقم32، ليسمعه يكلمه عن ضرورة الحوار المسيحي– الإسلامي والانفتاح على الأديان:

     “عليكم أن تسعوا لتبينوا لإخوانكم المسلمين ولمؤمني التقاليد الدينية الأخرى بان إيمانكم المسيحي، عوض أن يضعف اعتزازكم وحبكم لوطنكم، هو الذي يدفعكم إلى تقدير واحترام ارث بنغلادش الثقافي والتراثي”. هذا ما أعلنه في دكا العاصمة أمام زهاء 25000 مؤمن في أثناء قداس جماهيري رسم فيه 18 كاهنا بنغلادشيا. وفي لقاء آخر في فناء كاتدرائية دكا مع حوالي 6000 شخص من القوى الروحية والتوجيهية في البلاد، بينهم العاملون في المؤسسات التربوية الكاثوليكية، خاطب البابا الأساقفة بان يكونوا “معلمين وآباء وإخوة وأصدقاء” لكهنتهم، وحرضهم على قيادة الجماعة المسيحية “لخدمة الفقراء، بهدف إقامة مزيد من العدالة في الشؤون الإنسانية”.

       وكنيسة بنغلادش على فقرها وضالتها (174000) كاثوليكي، 6 أساقفة كلهم بنغلادشيون، 50 كاهنا و 180 راهبة، منهم 102 أجانب) كنيسة نشطة، وللعلمانيين فيها دور حيوي سواء في نشاطاتها الرسولية أو في مؤسساتها التربوية والاجتماعية، وقد اكتسبت شعبية في البلاد بما قدمته من مساهمة وخدمات اجتماعية في السبعينات في أعقاب حرب التحرير واستقلال البلاد عن باكستان.

       بعد 24 ساعة قضاها في بنغلادش الفقيرة (19 ت2)، توجه البابا إلى سنغافورة، جزيرة الشبع والرفاهية (20 ت2). وفي الخمس ساعات التي قضاها هناك أقام قداسا في ملعب المدينة اشترك فيه معه كاردينالات و 20 مطرانا و 150 كاهنا جاء بعضهم من الأقطار المجاورة. وبالرغم من جو ماطر طوفاني، فقد حضر القداس جمهور قدر ب 70000 شخص، بينهم عدد من غير المسيحيين، تحدث فيه البابا عن وحدة الإيمان والمحبة التي تضم المؤمنين من أي جنس كانوا. وقال مشيرا إلى الروح ذاته الذي يلهم الكنيسة في كل مكان: “الروح القدس هو عينه في سنغافورة وروما”. ثم أشار إلى دور كنيسة سنغافورة في المساهمة الفاعلة في إرساء السلام والعدالة. وفي خطاب أثار القضية الشائكة لتنظيم الأسرة وحقها في تربية أبنائها “من دون إكراه أو ضغوط “.

       وقفة أخرى في جزر فيجي (21 ت2) حيث استقبل بحسب تقاليد قبائل تلك المناطق. فأهدوا له ناب حوت مصقول وهم يرقصون وظهورهم عارية وعلى احقائهم تنورة من الحشائش، وفي اعناقهم قلادة من أسنان سمك القرش وعلى وجوههم رسوم ورموز قبلية، وقدموا له شرابهم القومي في قشر جوز الهند. بعدها وجه البابا خطابا قصيرا ركز فيه على الجانب المسكوني للعلاقات المسيحية، علما بان المسيحيين يشكلون 50% من سكان الجزر من أصل 650000 نفس (38% بروتستنت و 8% كاثوليك). وأقام قداسا في الهواء الطلق أمام حوالي 20000 مؤمن بينهم وفود جاءت من تاهيتي وجزر ماركيز وفاناتو وكاليدونيا الجديدة.

      من هناك طار إلى نيوزيلاندا (22–24ت2) حيث زار أوكلاند وويلنغتون وكرايستشرش. ويشكل الكاثوليك في الجزيرة 13% من السكان البالغ عددهم 2،3 مليون، أما البروتستنت فيشكلون 47% (30 % انكليكان وهم أحفاد الانكليز الذين استعمروا البلاد في القرن 19، و 17 % من المشيخيين). أما البقية فهم من قبائل الماوري الأصليين.

       ثم جاءت المرحلة الرئيسية لرحلة البابا، استراليا (24– 30 ت2) حيث زار مدن كامبيرا وبريسبان وسيدني وهوبارت وملبورن وداروين والبس سبرنك وادلائيد وبرت.

       ويشكل الكاثوليك في استراليا 26 % من أصل 15,5مليون. وإذا كانوا في السابق من أصول ارلندية وايطالية وبولونية ويوغسلافية، فقد تطعمت صفوفهم في الآونة الأخيرة من فيتنام والفيليبين والصين ولبنان والبلاد العربية الأخرى. وهذا التنوع يفتح آفاقا من الثراء والخبرة والحيوية لكنيسة استراليا بالرغم من الركود والتقليدية اللذين توسم بهما عادة السلطة الكنسية. ولعل تماسك الجماعة الكاثوليكية في السابق حول ذاتها من جراء إبعادها عن الحياة العامة هو الذي حافظ على كيانها وديمومتها. الأحوال تبدلت ووجودها لم يعد نكرة، وزيارة الباباوات (بولس السادس في 1970) لا بد أن “تفجر الشرنقة”…

      اسم بريسبان استأثر ببرهة انتباها غير وارد في برنامج البابا يوحنا بولس الثاني عندما ألقت سلطات الأمن القبض على شاب متهور خطط لإلقاء قنبلة على البابا “لأنه يملك مالا كثيرا”، كما صرح للشرطة. باستثناء ذلك سار كل شيء بحسب المنهاج المرسوم حيث صب البابا لقاءاته على أصناف أخرى من “المخلوقات” ومنهم الصحفيون.. والدببة الاسترالية البيضاء. وقد التقى بالصحفيين سوية في احد الملاعب حيث خاطب رجال الصحافة بعد أن التقطت له صورة وهو يلاطف ويحتضن دبا صغيرا، قال: “وسائل الإعلام قوة، وعليها تقع مسؤولية ليس فقط أن تخبر عن الشر، بل أن تساعد في استئصاله، ليس فقط أن تخبرعن الأفعال الحميدة، بل أن تشجع عليها أيضا”. بعدها التقى بالمرضى والمعوقين.

       من هناك نزل إلى سدني العاصمة الاقتصادية والتقى بالعمال وأساقفة البلاد. وفي سياق حديثه معهم أكد على قرب صدور وثيقة رومانية حول موقف الكنيسة من الأبحاث البيولوجية وعلاقتها بالأخلاقية المسيحية. ولعل هذا الموضوع كان من اخطر المواضيع التي أثارها البابا في رحلته إلى استراليا، إلى جانب موضوع السكان الأصليين. وقد عاد إليه مرتين أخريين، الأولى مع الجامعيين الاستراليين في سدني، والثانية في مستشفى الأمومة الكاثوليكي في مدينة ملبورن التي تعتبر في الطليعة فيما يخص الأبحاث البيولوجية والاجتماعية والإخصاب في العالم. فأشار البابا إلى علاقة البحث العلمي  بنوعية الحياة البشرية وقال: “إذا فصل العلم عن مردوداته الأخلاقية والأدبية، فلا يمكنه مطلقا أن يقود البشرية إلى حياة أفضل”.

     وفي ملبورن أيضا –التي تسكنها جاليات كاثوليكية من حوالي 30 جنسية مختلفة– عقد البابا مؤتمرا صحفيا من نوع خاص: الصحفيون كانوا أطفال مدرسة الرعية ما دون العاشرة من عمرهم جالسون على الأرض بين كتبهم ولعبهم يسالون البابا وهو جالس على كرسي المعلم  منشرحا:

أبانا الأقدس، هل حقا تلعب كرة القدم كحارس مرمى؟

كنت العب كرة القدم منذ زمن طويل، ولكن ليس دوما كحارس مرمى.

لماذا تلبس اللون الابيض دائما؟

هذه هي العادة.

هل تحب الموسيقى؟

أحب الموسيقى الكلاسيكية ولكني أحب الإيقاعات العصرية والروك أيضا.

         أما قنبلة الرحلة كلها فقد ألقاها البابا يوم 29 ت2 في أليس سبرنك في وسط استراليا حيث رفع صوته محتجا بشدة ضد سياسة “التهجير” و “التفرقة العنصرية” بحق السكان الاستراليين الأصليين.

        فبعد أن امتدح البابا عراقة التاريخ والتراث التي تعكسها “أغانيهم وحكاياتهم ورسومهم ورقصاتهم ولغاتهم” خاطبهم قائلا: لا ينبغي أن تموت عبقرية شعبكم وكرامته. ثم دعاهم إلى “الاتحاد” لنيل “انبعاثهم”، وطالب المسؤولين معاملتهم معاملة المواطنين الأصليين “ليسيروا مرفوعي الرأس”: “انتم جزء من استراليا واستراليا جزء منكم”.

      ويعيد علماء الآثار وجود هذه القبائل على ارض استراليا إلى حوالي 40 ألف سنة، ويرجحون أن يكونوا من أصول أسيوية. وتعكس تقاليدهم عبقرية متميزة تظهر في دقة نظامهم الاجتماعي وتراثهم الثقافي وعلاقتهم الوجدانية بالأرض التي يعتبرون أنفسهم عنصرا منها فلا يتلفونها. لا آلهة لهم ولا أصنام وإنما يكنون صلة عميقة بأجدادهم وبالأرض التي عاش هؤلاء في كنفها.

     لدى مجيء الانكليز في نهاية القرن 17 كان مصير هؤلاء الأقوام الطرد والاستئصال من أراضيهم والإبادة كالحيوانات الضارة التي تقضم مزارع المستعمرين. في 1770 كان يقدر عددهم ب 300000، وبعد مرور قرن لم يبق منهم سوى 60000. ثم خفت المطاردة. في 1967 صدر قانون بتجميعهم في مناطق محددة وشبه مغلقة (في أليس سبرنك يشكلون 1/5 السكان: 5000 من أصل 24000). وفي إحصاء 1981 كان عددهم الكلي 160000،  

     غير أن “اقتلاعهم” من جذورهم الجغرافية والثقافية من جراء التهجير والتهميش جعل من هؤلاء السكان الأصليين لاجئين وغرباء ومحاصرين في عقر دارهم. بالإضافة إلى البؤس الاقتصادي الذي يعيشون فيه والغربة الاجتماعية التي يحسون بها تجاه الحضارة الحديثة. إلا أن الكنيسة تقف بجانبهم وتحسس أوضاعهم أكثر فأكثر.

      لحقوق وإنسانية هؤلاء لم يتردد البابا من أن يقيم نفسه محاميا ومدافعا بوجه البيض الوافدين، قبل أن يغادر استراليا عائدا إلى روما بعد محطة أخيرة في جزر سيشيل (1 ك1) في المحيط الهندي، جنوب شرق مدغشقر.

 

(((((((())))))))))

كنيسة اليابان… الأولوية للتبشير

ملف / شباط1987

 

     اليابان: ثالث العمالقة التسعة الكبار في نادي الدول الصناعية. وفرة مادية، رفاهية، التكنولوجيا في أعلى مستوياتها وتشكيلاتها .. ومع ذلك الياباني اليوم يشعر بالجوع والعطش .. انه يبحث عن الروح، عن معنى للحياة.

    الكنيسة الكاثوليكية ترفع شعار الأولوية للتبشير.. فتعقد مؤتمرها الوطني الراعوي العام لتنسيق العمل. ولكنها تريد بناء مسيحية يابانية أصيلة نابعة من رافدي الإنجيل والإرث الروحي والفكري الياباني. هذا ما يعكسه الأب جرجس القس موسى في الملف التالي: 

       اليابان …

       أول ما يتوارد إلى ذهنك وأنت تسمع هذه الكلمة أسماء سحرية أخرى مثل تويوتا، داتسن، ميتسوبيشي، مينولتا، كونيكا، يوكوهاما، هوندا، سانيو .. ومئات الأسماء الأخرى من عالم الالكترونيات والأجهزة المطبخية والإنشائية والزراعية وتشكيلات لا متناهية من المعدات والآلات الكبرى والدقيقة ذات الوظائف المختلفة التي غزت أسواق العالم في الشرق وفي الغرب … وحتى هذه الشفرة الأنيقة التي افتح بها رسائلي (Made in Japan).

         في هذا الملف لن أتحدث عن تقدم اليابان المدهش ولا عن هذه الزحمة من المنجزات الصناعية المثيرة التي جعلت من اليابان ثالث دولة صناعية في العالم تنافس عمالقة الغرب في عقر دارهم، بعد أن “بطحها” هؤلاء عسكريا عام 1945، وإنما سأحاول الإجابة على سؤالين أساسيين وهما:

       الوفرة المادية والتقنية في المجتمع الياباني الجديد هل تركت لله مكانا، وهل أشبعت المادة الروح اليابانية حقا؟ ما هو جواب الكنيسة إلى كل ذلك؟

المؤتمر الوطني الراعوي العام

        في ختام اجتماعهم الاعتيادي المنعقد في طوكيو في حزيران 1984 اصدر الأساقفة اليابانيون الكاثوليك بيانا استعرضوا فيه أولويات الكنيسة في اليابان منذ السبعينات. فذكروا بالرسالة الراعوية المشتركة التي نشروها في حزيران 1972، في خط المجمع الفاتيكاني الثاني، بعنوان “إعلان الإنجيل للمجتمع”. وقد تضمنت الرسالة محاور رئيسية ثلاث هي: إعلان الإنجيل، شهادة الحياة المسيحية الأصيلة، بناء جماعة مسيحية حقة.  وفي 1974 بحث سينودس الأساقفة موضوع “التبشير بالإنجيل للعالم المعاصر”، وفي هذه المناسبة نشرت لجنة الرسالة  والعمل الراعوي التابعة لمجلس الأساقفة بيانا في 1976 “التبشير بالإنجيل في اليابان”. وفي 1977 انشأ الأساقفة  “المركز الرسالي والراعوي في اليابان”. وبعد سنتين نشر المركز توجيهات بعنوان “نحو تبشير المجتمع الياباني بالإنجيل”. وقد حثت هذه التوجيهات كنيسة اليابان أن تبدأ بتبشير نفسها بنفسها في مجتمع الوفرة الذي يسم اليابان كما حثها على أن تعمل بجد لتبشير المجتمع، ولكن مع انتباه خاص “إلى الضعفاء من إخوتنا وأخواتنا” وتركيز على “اليابان من زاوية انتمائه إلى البيئة الأسيوية”. وفي آذار 1982 نشرت لجنة الرسالة والعمل الراعوي الأنفة الذكر رسالة مفتوحة بمناسبة زيارة البابا لليابان (شباط 1981) بعنوان “لنشارك أصدقاءنا بهبة عمادنا”.

       وهكذا نجد فكرتين رئيسيتين تسيطران على اهتمام الأساقفة اليابانيين منذ السبعينات وهما: توسيع نشاطات التبشير المباشر بالإنجيل، وتبشير المجتمع. ويعمل الأساقفة على أن يعم هذا الجهد كافة قطاعات الكنيسة ويتجند له العلمانيون والكهنة والرهبان والراهبات. فقد جاء في بيان الأساقفة الذي اشرنا إليه في بداية هذه الفقرة: “ينبغي على كل كاثوليكي منا أن يكون رسولا وينقل فرح الإيمان إلى إخوته وأخواته الذين لم يجلسوا بعد على مائدة المسيح. ينبغي أن نقود خلقا كثيرين إلى العماد ونكون وإياهم معاونين في مشروع الخلاص”.

         في سبيل ذلك يعلن الأساقفة عن خطة عمل تتم على ثلاث مراحل:

         أ –  تنشئة الأبرشية والخورنات على أن تصبح جماعات مبشرة.

         ب – وضع السبل الكفيلة لخلق روح التعاون مع الرهبان والمرسلين والمؤسسات الكنسية الأخرى كالمدارس والنشاطات الاجتماعية.

         ج – عقد مؤتمر وطني راعوي عام يضم الأساقفة والكهنة والرهبان والعلمانيين والراهبات لتنشيط عملية التبشير بالإنجيل.

         هذا المؤتمر سيعقد في خريف هذا العام (1987). وهدفه واضح ومحدد ويتلخص في بعث الوعي الشامل في كل قطاعات الكنيسة اليابانية تجاه التبشير بالإنجيل واتخاذ السبل الجديدة ميدانيا لإنجاحه أفقيا وعموديا، أي كما ونوعا.

الأولوية  للتبشير… لماذا؟

ولكن ما هي أسباب ودوافع هذه “الاقتحامية” الجديدة في كنيسة اليابان؟

      لاشك إن العوامل؟ إنجيلية تنطلق من مبدأ الالتزام بنقل بشرى الخلاص والحياة إلى الناس، غير أن في البيئة اليابانية المعاصرة عوامل تتيح، بايجابياتها وسلبياتها، لهذه الضرورة المبدئية أن تصبح مشروعا له فرص النجاح، مما يدفع الكنيسة بهذا الاتجاه.

         ما هي هذه العوامل؟

         أ – بين المادة والروح: يتميز الشعب الياباني بإرادة صلبة في البناء والتفوق وبضمير مهني عميق يسبق أحيانا الجانب الشخصي والأسري من الحياة، مما يجعل منه شعبا منتجا دؤوبا. ففي غضون أربعين عاما انتقل من بلد مهزوم عسكريا، محطم الأوصال والمؤسسات، منهار اقتصاديا ومعيشيا، منغلق على ذاته إلى بلد من ارقي دول العالم في كافة الميادين. معدل الحياة فيه يشكل أعلى نسبة في العالم (8. سنة للنساء و 75 للرجال)، مجتمع رخاء وشبع واكتفاء. وفوق هذا كله شعب مثقف ومنفتح (126 صحيفة يومية، اثنتان منها تصدران بسبعة ملايين نسخة، 300000 كتاب في السنة مع 800 مليون نسخة، 107 محطة راديو خاصة، 54 قناة تلفزيونية أهلية).

        ولكن دخول  اليابان في نادي الدول الصناعية الكبرى لم يستثنها من الأمراض التي تعاني منها كل المجتمعات الاستهلاكية والرأسمالية. وأول هذه الإمراض التهافت على المادة والحياة السهلة القريبة الأهداف مع ما ينسحب على ذلك من معضلات اجتماعية خطيرة لم يكن يعرفها المجتمع الياباني المحافظ سابقا مثل: ازدياد حالات الطلاق، تخلخل استقرار الأسرة وما يجره ذلك على الأولاد، جو الامتحانات الخانق حيث يثقل الأهل والمدرسة كاهل الطلبة حتى الإرهاق منذ طفولتهم في سبيل الحصول على تأهيل للمعاهد والجامعات الشهيرة، استلاب الشخصية نتيجة للمكننة العالية في العمل، والبحث الدائم وعلى كل المستويات عن الربح ..

        ولكن”هذه البحبوبة الاقتصادية سئمنا منها، اليابان تعب من جراء نموه الاقتصادي”، يقول الأديب الياباني الكاثوليكي شوساكو اندو الذي يستطرد قائلا: “إننا نبحث عن شيء يعطينا معنى للحياة”!

        صراع المادة والروح هذا يعانيه الشباب أيضا وخاصة إذ يشعرون بفراغ وضياع وهم أمام مفترق: فقدان القيم التقليدية من جهة، وعجز الحضارة الصناعية المادية على أن تشبعهم تماما من جهة أخرى، فيهرب الكثيرون منهم من ذواتهم وإخفاقاتهم بتناول الكحول والمخدرات، أو يختاروا طريقا ثالثا بانسياقهم وراء “ديانات جديدة” كديانة “الأرض الطاهرة” المتفرعة عن البوذية والتي تعتمد بعض الخبرات الصوفية والباطنية، أو البدع المستوردة من الغرب كشهود يهوه، أو من كوريا كإتباع مون الذين ينتشرون خاصة في الجامعات. وتلتقي هذه البدع أو “الديانات” كلها في ما تفرضه من سلوكية متشددة بوجه التحرر المادي والأخلاقي المحيط، وتكمن جاذبيتها بما توفره لهم من مظاهر الروح الجماعية والتضامن الداخلي والعودة إلى الطبيعة والبساطة، والانعتاق ن العقد النفسية، والعودة إلى الذات والمسؤولية الشخصية أو تهد الدولة او المؤسسة الصناعية للفرد بكل حاجاته المادية.

          تجاه هذه المعضلات الاجتماعية المستجدة وهذا الانفصام الوجداني في الشخصية اليابانية المعاصرة تتساءل الكنيسة: ترى، أليس بمقدور الإنجيل أن يساهم ايجابيا في الحلول؟ اليس بمقدوره أن يقدم الطرق الكفيلة بتحقيق التحرر الحقيقي والعميق الذي يتوق إليه المجتمع الياباني الحديث؟ سيما وان الديانات التقليدية الكبرى الشنتوية والبوذية، لم تعد تستهوي كالسابق، فضلا على أن الشعب الياباني شعب روحاني بطبيعته بالرغم من مظاهر المادية ويتقبل دور الله في حياة الإنسان، يقدس حرية الآخر، شعب رقيق مسالم.

           فيستخلص الأب نيميشيجي اليسوعي الياباني قائلا: ” هكذا، فان الشعب الياباني ينتظر بفارغ صبر، وان بغير وعي على الأغلب، كلمات الحياة والرجاء آلاتية من المسيح “.

          ب – جو الحرية: يبلغ عدد سكان اليابان الكلي (120 مليونا)، والديانتان الرئيسيتان الكبريان هما الشنتوية، وتعتبر الدين القومي للبلاد حيث أنها دين العائلة الإمبراطورية، والبوذية، وهي دين أغلبية الشعب بمذاهبها المختلفة. أما المسيحية فلا تتجاوز نسبتهم 1 %، والكاثوليك أنفسهم لا يعدون أكثر من  0,3  – 0,4%،  ومع ذلك فالمسيحية تتمتع بالحرية الكاملة، ولا شيء يعيق نشاط الكنيسة التربوي أو التثقيفي أو التبشيري، لا على صعيد الدستور ولا على صعيد الأشخاص أو المؤسسات أو الأديان الوطنية المسالمة الأخرى. فالباب مفتوح على مصراعيه لتغلغل الإنجيل في المجتمع الياباني الجديد. المسيحية لم تعد نعتبر ديانة مضلة محتقرة أو غير يابانية. وللمدارس المسيحية دور أكيد في إزالة الأحكام السلبية القديمة وهي نعم المدخل لحوار ودي بين المسيحيين وغير المسيحيين. كما أن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني لليابان عام 1981 ساهمت مساهمة كبرى في رفع شان المسيحية وجاذبيتها –والكثلكة  بالذات– لدى الرأي العام الياباني. ومن بعض دلائل هذا التحول أيضا أن معارض وبرامج تلفزيونية عديدة صارت تخصص لمواضيع مسيحية من زاوية متعاطفة جدا، وصدرت طوابع بريدية تخليدا لذكرى المسيحيين الأربعة الذين أوفدهم اليابان إلى بابا روما في القرن السادس عشر.

          هكذا إذن… يقول الأب نيميشيجي الأنف الذكر “تلاشت معظم الحواجز التي تجمعت عبر الأجيال لمنع الشعب الياباني من إيجاد الإيمان بيسوع… لقد هوت الجدران، وأشرقت الشمس في الأفق، وانفتح الباب الذي أوصد بإحكام، وعاد أوان لقاء المسيح مع اليابان”.

عودة إلى التاريخ 

         اجل، إن بين بدايات المسيحية في اليابان والليالي الحالكة التي مرت بها وبين أجواء اليوم الحبلى بالرجاء لبون شاسع.

          فلقد نزل فرنسيس كسفاريوس اليسوعي الاسباني على البر الياباني في 15 آب 1549 مع راهبين آخرين مبشرا بالإنجيل، ولكن ما عتم أن غادره بعد سنتين بنتائج غير ذات بال. وفي 1552 أرسل إليه من الصين قبيل موته، مبشرين شبابا آخرين … وكان عدد المعمدين بعد خمسين سنة 300000 مسيحي.

         غير إن الحكومة المركزية رأت في الدين الجديد الذي حظي بتأييد الحكام الإقطاعيين في الجزر الجنوبية تهديدا لها وخطرا وافدا من الخارج، فلاحقت المسيحيين وسقط الشهداء ألاولون في ناكازاكي عام  1597، وفي 1613 صدر قرار باستئصال الدين المسيحي في البلاد، وطرد المرسلون، وطورد المسيحيون بضراوة وزجوا في السجون وفي المياه الكبريتية، وفي 1634 أغلق اليابان تماما بوجه الأجانب.

         وبعد قرنين من الزمن اضطر اليابان لعوامل اقتصادية وعسكرية إلى فتح أبوابه للخارج.. فجاء كاهن فرنسي يدعى بيتيجان وبني كنيسة صغيرة في ناكازاكي لخدمة الأوربيين مبدئيا. وحدثت المعجزة يوم 17 آذار 1865 حيث قصده نفر من الفلاحين والنساء اليابانيين من بقايا المسيحيين القدامى الذين حافظوا على إيمانهم مدة تنيف على المئتي سنة من دون كنيسة ولا كاهن. وكانت تلك النواة لانبعاث أكثر من 20000 مسيحي مبعثرين في إرجاء البلاد، وخاصة في جزيرة كيوشو الجنوبية. وثارت ثائرة السلطات المحلية من جديد، فسقط الآلاف من المسيحيين شهداء، من بينهم أول كاهن ياباني يدعى بولس هوندا.

           وكان على المسيحية أن تنتظر عام 1889 ليعترف لها الدستور الياباني رسميا بالحرية في عهد الإمبراطور ميجي. واكتسبت هذه الحرية في المئة سنة الماضية طاقات أكثر فأكثر ثراء واتساعا، حيث يبلغ عدد المسيحين اليوم، بحسب إحصائيات 1986، زهاء مليون، والكاثوليك 432850 (البروتستنت أكثر بقليل)، وقد اقتبل العماد في غضون العام المنصرم 10000 بينهم عدد كبير من البالغين، وتتمتع الكنيسة بحيوية كبيرة في اكليروسها وعلمانييها وراهباتها ومؤسساتها التربوية والاجتماعية والثقافية التي تعد بالمئات. وما العدد المتزايد من غير المسيحيين (30000 من 1975 – 1985) الذين يتوجهون إلى الكنيسة للاحتفال بزواجهم بحسب الطقوس المسيحية إلا دليلا على هذه الجاذبية التي تحدثها المسيحية على الجيل الياباني الجديد.

ثوب ياباني لمسيحية يابانية

        في مقاله الذي ضمنه تصوره لطبيعة ومراحل التبشير بالإنجيل لليابان اليوم(1)، يقدم الأب نيمشيجي المار ذكره مثال كوريا وينسج على منواله طموحا للوصول إلى عشرة آلاف عماد للبالغين في السنة.

        ولكن التبشير بالإنجيل ليس مشروعا أفقيا وحسب، وإنما تهمه النوعية والأصالة أيضا. كنيسة اليابان لم تمهل هذا الجانب لذا فهي تعمل بجدية في اتجاهين: لبنى الكنسية الراعوية واللاهوتية، والتجذر الثقافي. وكلا الاتجاهين يصبان في نهر واحد إلا وهو إعطاء وجه ياباني أصيل للمسيحية اليابانية.

        ففي الاتجاه الأول يدعو الأساقفة في رسالة مفتوحة وجهوها إلى الكهنة والمؤمنين قبيل انعقاد المؤتمر الراعوي العام، إلى “إعادة النظر في سبل التبشير السابقة والبحث عن مداخل جديدة. ويوضحون قائلين: “هذا لا يعني إدانة الجهود المبذولة حتى الآن، وإنما النظرة التي نلقيها على كنيستنا اليوم تثير عدة أسئلة: هل هي منفتحة على المجتمع كما ينبغي؟ وضع الكنيسة من حيث ضخامة التخصيصات المادية للعمل الراعوي تجاه المؤمنين، واكليروسها المنهمك في إدارة النشاطات الداخلية.. والمفردات المستهلكة والمواعظ البعيدة عن واقع الحياة اليابانية.. تلك معضلات لا تحل بين ليلة وضحاها. مفهوم الكنيسة والاسر، وصورة الكاهن والعلمانيين الجامدة.. كل هذا يتطلب مراجعة للمنطلقات الفكرية اللاهوتية”(2).

        أما الاتجاه الثاني الذي تقوده النخبة من المفكرين والكتاب والمتصوفين الكاثوليك اليابانيين فيستهدف استبدال “البدلة غير المناسبة التي تلبسها المسيحية اليابانية” على حد تعبير شوساكو اندو، واعتماد صيغة “تعميد” القيم اليابانية التقليدية الإنسانية  والدينية التي لا تتنافى والإنجيل وإعادة صياغتها ضمن التصور المسيحي كجزء مكمل للإرث الإنجيلي، بذلك تتخلص الكنيسة اليابانية من القوالب الغربية الجاهزة المستوردة وتصبح جزءا من التراث الثقافي الياباني. ويتضمن ذلك ما يتضمن استلهام القيم البوذية في الرحمة الإلهية الشاملة، والرقة تجاه الكائنات الحية، والصمت، والصلاة التأملية العميقة. في عمق هذا التقليد بالذات يعرف الدومنيكاني الياباني اوشيدا مبادئ “الزن المسيحي” في العودة إلى أعماق الذات الهادئة والاتحاد بالله وبالطبيعة، وذلك منذ انشأ أول منسك للزن المسيحي عام  1963. اما الشنتوية  فتقدم  قيم التضامن مع الطبيعة، والترابط الأسري الداخلي ومع الأسلاف، وخبرة الانسجام الباطني الموسوم بانشراح الوجه كانعكاس لانسجام الطبيعة والمجتمع. الم تصرح إحدى المهتديات  تدعى تاكوشي لمراسل أجنبي: “سأظل مسيحية ما دامت المسيحية تعني الفرح”. الكونفوشية بدورها تقدم قيم الإنسانية، والشعور بالمسؤولية، وروح التعاون، والحس الجماعي. ترى أليست كل هذه القيم ثراء ينسجم مع الإنجيل وينعش مسيحية اليابان والكنيسة الجامعة!

        أضف إلى ذلك أن الدعوة الإنجيلية تتضمن نداء إلى العمل من اجل العدالة والتحرر ورقي لإنسان والتضامن مع الفقراء والوضعاء. بهذا يشارك المسيحي في حب الله الشامل. أليس ذلك ما يحاول عيشه الكهنة البراد وزيون كعمال في كاواسكي، أكثر المدن اليابانية الصناعية “بروليتارية”؟  وهذا بالذات ما حدا بأحد الأساقفة اليابانيين إلى دعوة راهباته إلى عدم التفرد بمدارسهن ومؤسساتهن الاجتماعية واهتمامهن لخدمة الطبقات المترفة  والبورجوازية  فقط ، كما هو الحال في أحيان كثيرة، بل لينحدرن إلى خدمة الطبقات الدنيا ويعشن تضامن المسيح مع الفقراء وصغار الشعب أيضا(3).

        هذه هي كنيسة اليابان الحديث:  كنيسة شابة، ممتلئة بالحيوية والطموحات الإنجيلية. كنيسة لها طعم سفر أعمال الرسل، ولكن وسط الأزمنة الصناعية الحديثة. في حرارتها وعنفوانها تريد في جيل واحد أن تستثمر ما حققه غيرها في عشرين جيلا. كنيسة تريد أن “تنفذ إلى دم اليابانيين وفي كيانهم وجذورهم” بحسب تعبير رئيس أساقفة طوكيو المطران شيرايا ماجي. 

————————–

 – Mission de LEglise du Japon (Dec. 1986)

انظر ف . م . ك1 1974: المسيحية في اليابان.

– ICI – 15-12-64: Japon, Etre  Pauvres 

الروائي الياباني الكاثوليكي شوساكو اندو

     “الياباني يفضل ديانة امومية، رقيقة، متفهمة، على ديانة أبوية، باردة، قاسية. فإذا ما وجد اليابانيون في الإنجيل بعده الامومي والحبي، فبوسعهم إذ ذاك أن يتعلقوا به”.

     “إننا في حالة بحث عن شيء يعطي المعنى للحياة. افليس مدهشا ومؤشرا بليغا أن يكون لنا هذا العدد الكبير من الكتاب المسيحيين؟”. “لقد لقنوا المسيحية في قوالب غربية. ولكن ثمة كهنة يابانيين شباباً يحركون الأمور بشكل آخر”. 

                                     (عن مقابلة في “لاكروا” – 28 ت1 1981) 

اليابان

      مجموعة جزر سابحة في المحيط الهادي إلى الشرق من الصين. أهمها جزيرة هوكايدو شمالا، هونشو في الوسط –وهي أكبرها– فيها العاصمة طوكيو (8،5 ملين)، وكيوشو وشيكوكو جنوبا. المساحة الكلية 372313 كم2. السكان 120 مليون.

التاريخ المسيحي

1549:  مجيء القديس فرنسيس كسفاريوس كأول مبشر

1582:  82 مرسلا، 200 كنيسة، 150000 مسيحي

1597:  استشهاد 26 مسيحيا صلبا في ناكازاكي

1610 :   طرد جميع المرسلين الأجانب

1613:  الاضطهاد الكبير، منع المسيحية، استشهاد الآلاف

1858:  عودة المرسلين، أول كنيسة في يوكوهاما

1865:  اكتشاف وجود “بقية” من المسيحيين القدامى في ناكازاكي

1870 :   اضطهاد جديد

1889:  منح الحرية الدينية دستوريا

1891:  وإقامة أساقفة وتنظيم الأبرشيات

1927:  رسامة أول أسقف ياباني: هاياساكا

1940 :   كل الأساقفة يابانيون. اعتراف الحكومة رسميا بالكنيسة الكاثوليكية

1960 :   أول كاردينال ياباني: بطرس دوي

1973:  في البرلمان 12 مسيحيا من أصل 491، 4، 2 % من أعضاء المجلس الأدنى

1981:  زيارة البابا يوحنا بولس الثاني

1984:  مجلس الأساقفة يقر أولويات التبشير

1987:  المؤتمر الوطني الراعوي العام 

 

الكنيسة الكاثوليكية في أرقام

432850. (المسيحيون ككل زهاء مليون)

16 أبرشية/ مجلس أساقفة مركزه ناكازاكي /23 أسقفا وكردينال واحد / 1936 كاهنا / 395 راهبا / 7136 راهبة / 1378 معلما علمانيا للتعليم المسيحي / 198 تلميذا كهنوتيا / 12 جامعة كاثوليكية مع 25000 طالب بينهم 1250 كاثوليكيا /28 معهدا عاليا و 172 إعدادية و 55 ابتدائية مع 300000 طالب / 602 روضة للأطفال.

                                         (أرقام 1985 عن “تبادل فرنسا / أسيا” ومصادر أخرى)

الراهب الدومنيكاني الياباني اوشيدا معلم الزن المسيحي

  “يجب أن نحيا إيماننا حقا، أن نصلي حقا، أن ندخل أجواء التأمل حقا.. فغالبا ما نثرثر كثيرا!

ما الفرق بين البوذية والمسيحية؟

 الجواب في قصة هذه الراهبة البوذية التي حضرت قداسه وخرجت وهي تبكي: “لقد

كانت هنا حقا، لقد شعرت بها من دون أن انظر إليها… وعندما سألتها ماذا حدث، قالت لي: “في البوذية اتحاد بين بوذا وبيننا، اتحاد بين كائنين، أما عندكم، فيد الله تظهر أمامنا واضحة”. لقد بكت، وكان ذلك حقا إشراقا (دنح) لها”.

                                             (عن “لاكروا” – 15– 16 ك1 1985) 

((((((((((()))))))))))))

سينودس العلمانيين أم للعلمانيين؟ 

ش.ر/حزيران- تموز1987 

        خلال 22 عاما بعد اختتام المجمع المسكوني عقد سينودس الأساقفة العام 6 دورات اعتيادية: في بعض القضايا الراعوية الملحة (1967). في موضوعي “الخدمة الكهنوتية” و “العدالة في العالم” (1971)، وكان موضوع الدورة الثالثة “الكرازة بالإنجيل” (1974)، والرابعة “تعليم مسيحي لعصرنا” (1977)، والخامسة “دور الأسرة المسيحية” (1980)، والسادسة “المصالحة والتوبة” (1983).

المقال التالي يضعنا في جو السينودس عشية انعقاد دورته السابعة حول (دعوة العلمانيين ورسالتهم في الكنيسة ). 

       من 1 – 30 ت1 1987 سيعقد في روما سينودس الأساقفة الكاثوليك العام. و”السينودس العام” مؤسسة أسقفية استشارية حول البابا انبثقت من المجمع الفاتيكاني الثاني لتعميق دراسة بعض القضايا الراعوية الهامة في حياة الكنيسة واتخاذ التوجيهات العملية على صعيد الكنيسة الجامعة للتنسيق بين العقيدة والحياة. وأعضاء هذه “المؤسسة” قانونا هم البطاركة والكرادلة ورؤساء المجالس الأسقفية الوطنية. أما الخلاصات والتوصيات فلا تأخذ قوة القانون أو التعليم الرسمي إلا إذا اقرها البابا في منشور أو وثيقة تصدر باسمه. وبما أنها مؤسسة أسقفية صرف ولا يدخلها سوى الأساقفة، فقد تبحث في قضايا تهم غيرهم من المؤمنين –ولربما تهم هؤلاء مباشرة وبالتخصيص– من دون حضورهم. هكذا كان في “سينودس الأسرة” مثلا (1980)، وهكذا سيكون، على الأرجح، في “سينودس العلمانيين” في الخريف المقبل. إلا إذا حضر بعض ممثليهم كمراقبين من دون حق التصويت، كما تردد في بعض الأوساط الرومانية.

      ولكن إذا كان حضور العلمانيين غائبا عن قاعة السينودس فآراؤهم  ورغباتهم ستجد صداها حتما – وان بصورة غير مباشرة، عبر ما سيعكسه الأساقفة الأعضاء. ففي 28 نيسان الماضي قدم كل من المونسنيور جان سكوت (بلجيكا) السكرتير العام للسينودس ومعونة المونسنيور ادمون فرحات (لبنان) “ورقة العمل” التي “تجمع وتنسق بصورة عقلانية” المقترحات والآراء التي نتجت عن الاستطلاع الواسع الذي كان قد أرسل منذ شباط 1985، وبالتنسيق مع المجلس ألحبري للعلمانيين، على شكل 16 سؤلا موجها إلى كافة السينودسات البطريركية الشرقية والمجالس الأسقفية، والمجامع الرومانية، واتحاد رؤساء الرهبانيات. وقد تلقت السكرتارية العامة للسينودس 80 جوابا من أصل 142، أي ما يساوي 56% وهي نسبة تبقى دون الطموح إذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية الموضوع المطروح للبحث ألا وهو “موقع العلمانيين في حياة ورسالة الكنيسة”. ترى هل يكون السبب عدم تحمس الأساقفة في استمزاج أراء العلمانيين حول تصورهم لموقعهم ودورهم في الكنيسة أم عدم تحمس العلمانيين أنفسهم في انتظار شيء يذكر من مؤسسة لا تعطيهم الكلام إلا بالتقطير عبر أساقفتهم. أم أن نضوج الحس الكنسي والوعي الديني لدى العلمانيين هو دون المستوى المطلوب لاستمزاج أرائهم بصورة فاعلة؟!  مهما يكن من أمر، يبدو أن  الكنائس الثرية في تاريخها ومواردها ووسائل إعلامها وطاقات أعضائها ومنظماتها واختصاصييها قد أحسنت استغلال فرصة الاستطلاع بصورة أفضل من غيرها، فأوصلت آراءها في الوقت المحدد، بينما تأخرت الكنائس الأخرى. غير إن أجوبة أخرى وصلت روما عبر قنوات غير القنوات الأسقفية الرسمية، وذلك عبر125منظمة وحركة علمانية وطنية وأبرشية ومحلية، إضافة إلى بعض العلمانيين الفرادى الذين بعثوا بآرائهم مباشرة إلى الفاتيكان.

      وتذكر “ورقة العمل” التي تحمل عنوان “دعوة العلمانيين ورسالتهم في الكنيسة وفي العالم، عشرين عاما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني” أنها ليست بحثا متكاملا حول العلمانيين، بل انعكاسا للضرورات الجوهرية في الكنيسة الجامعة. وتقسم “الورقة” إلى 3 فصول:

 نظرة إيمانية إلى البشرية المعاصرة

مشاركة العلمانيين في دعوة الكنيسة ورسالتها

 شهود المسيح في العالم.

       وقد أشار السكرتير العام في سياق تقديمه “لورقة العمل” إلى ضرورة انعكاف السينودس المقبل على وضع الأسس اللاهوتية لمشاركة العلمانيين في رسالة الكنيسة، والتمييز بين الكهنوت العام الذي يشترك فيه كافة المعمدين والكهنوت الخدمي، مع تسليط الأضواء على العلاقة العضوية والرسولية بين الكهنة والعلمانيين، كما أوضح المونسنيور سكوت أن موضوع دور المرأة في المجتمع وفي الكنيسة سيكون احد المحاور المهمة في أعمال السينودس.

      من جانب آخر ذكرت “النشرة الكاثوليكية الفرنسية للصحافة والأنباء (13 أيار) أن رسالة بابوية إلى السادة الأساقفة رافقت “ورقة العمل” لتوضيح أهداف السينودس الذي سيعني “بأوسع شريحة من شعب الله، اعني بهم العلمانيين الذين، بقوة عمادهم، يشكلون مع الرهبان والاكليروس الأسرة الكبرى التي نسميها الكنيسة هذه “الشريحة الأوسع” أبى البابا إلا أن يسمع آراءها  مباشرة قبل السينودس، حيث دعا مجلس العلمانيين التابع للفاتيكان وبتوجيه من البابا نفسه إلى مؤتمر علماني عقد في “روكا دي بابا” بالقرب من روما من 21 – 25 أيار المنصرم. فقد اشترك أكثر من 200 رجل وامرأة يمثلون المنظمات العلمانية الرسولية والراعوية الوطنية والدولية بالإضافة إلى علمانيين ملتزمين مستقلين لمناقشة “دور ورسالة العلمانيين في الكنيسة” ورفع مقترحاتهم إلى آباء السينودس أملين بان تؤخذ بعين الاعتبار. فقد خاطبهم الكردينال بيرونيو رئيس مجلس العلمانيين قائلا: “إنكم جئتم لا لكي تستمعوا إلى الخطابات، بل لكي تعكسوا خبراتكم، وتتبادلوا الآراء، وتعبروا عن تخوفاتكم. وآمالكم.. والطريق لذلك هو الحوار…”.  وقد كان لحضور أعضاء مجلس سكرتارية السينودس شخصيا، من كرادلة وأساقفة، الأثر المعبر عن جدية رغبة البابا في سماع العلمانيين وإدخال أرائهم إلى قاعة مناقشات السينودس المقبل. وقد عبر عن ذلك لدى استقباله أعضاء المؤتمر 23 من أيار. فقد أشار قداسته في كلمته إلى المؤتمرين “بتميّز مساهمتهم”، وشجعهم على المضي قدما في المشاركة في حياة الكنيسة، وقال بان هذه المشاركة  “هي مشاركة حقيقية في المسئولية التي تتطلب التزاما مستمرا تعتمد عليه الكنيسة”. كما تحدث عن “التكامل الحقيقي”، بين الكهنة والعلمانيين، من دون وضعهم كأنداد لبعضهم البعض.

     أما تيريزا ايشوي (ماليزيا) – وهي إحدى العلمانيين الأربعة الذين تحدثوا في حضرة البابا، فقد ركزت على ضرورة الثقافة “الواقعية  والوجودية” للعلمانيين الملتزمين وليس فقط إلى الثقافة اللاهوتية والنظرية للاضطلاع بمسؤولياتهم المسيحية في “الأسرة والمجتمع والعالم”.

    وهكذا ترتسم علامات جديدة للأزمنة الكنسية في الأفق: فلربما “عهد العلمانيين والعلمانيات” في الكنيسة قد افتتح حقا.. قد لا يكون هذا العهد إلا في أول الطريق.. المهم انه قد ابتدأ في اعلي المستويات.. ولم يعد العلمانيون –أقلة من حيث المبدأ والطموح– مجرد “أعوان” للتنفيذ وملء الفراغات يلجا إليهم الاكليروس في الأوقات الحرجة. فتمايز الأدوار والمسؤوليات في الكنيسة يجب أن يكون صيغة من صيغ الالتزام الفعلي لا ضربا من ضروب الطبقية أو التبعية، وذلك بحسب ما يؤتي الروح كل واحد حسب موقعه ومواهبه، وانطلاقا من منهج لاهوتي–كنسي– كتابي-  واضح وثابت.

((())))))))))))))

الأسس الكتابية للاهوت التحرير 

ملف/تشرين الثاني1987 

         “الوقوف إلى جانب الفقراء والعمل على تحريرهم…” هذا الشعار لم يعد وقفا على الايدولوجيات! وحين يرسو”لاهوت التحرير” على منطلقات تعطي الأولوية للمظلومين والمقهورين والمستضعفين….، فلأنة يستلهم أسسه من الكتاب المقدس والعهد الجديد بنوع خاص: أليس الإنجيل بشرى خلاص وتحرر؟.

       ففي مناخ أميركا اللاتينية ولد لاهوت التحرير للإجابة إلى حاجة شعوبها إلى تحرير يكون في منطق الإنجيل. إلى اكتشاف الأسس الكتابية التي يعتمدها هذا اللاهوت يدعونا الأب جرجس القس موسى في هذا الملف. 

         “لاهوت التحرير”! عبارة طالما أُشتُمّتْ منها رائحة البارود والهرطقة في الأوساط الرومانية.. حتى فرضت نفسها أخيرا على القاموس الكنسي الرسمي ذاته.. لاسيما بعد المناظرات التي تقابل فريقا القضية: الكاردينال راتز ينغر، رئيس مجمع عقيدة الإيمان، ولاهوتي التحرير في أمريكا اللاتينية، الراهب الفرنسيسكاني البرازيلي ليوناردو بوف، احد ابرز أقطاب لاهوت التحرير(1).

        في هذا الملف، ليس الجانب ألجدالي الذي يهمنا، وإنما البحث في المنطلقات الواقعية التي أوجدت تيار “لاهوت التحرير” لنفضي، من ثم، إلى المراجع الكتابية التي يعتمدها هذا اللاهوت في دعم وتبرير نظريته التحررية وتثبيت مسارها ضمن البحث اللاهوتي المسيحي العام وكجزء مكمل له، من جهة، ومن جهة أخرى كوجه من أوجه التزام الكنيسة الفعلي قضية الفقراء والمحرومين.

نشأة لاهوت التحرير

          لاهوت التحرير نشا في أميركا اللاتينية: ذلك واقع تاريخي ولأوضاع أميركا اللاتينية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إبان الاستعمار البرتغالي والاسباني وفي عهود الدكتاتوريات العسكرية الوطنية المعاصرة، فعل المحرك المباشر والأساس لظهور ألتبار التحرري في الحس الكنسي هناك منذ الخمسينات وخاصة الستينات. وقد ترجم هذا الحس الذي انطلق من القاعدة أول ما انطلق، التزام بعض الكهنة والرهبان والعلمانيين فعليا قضايا الفلاحين بوجه استغلال كبار الملاكين والأنظمة السياسية التي كانت تساندها. فنشأت في الكنيسة حركة توعية واسعة، بين صفوف الطلبة الجامعيين والعمال والفلاحين، وقامت فرق ما عرف بجماعات القاعدة(2) لتحليل الواقع ومعالجته انطلاقا من الرؤية الإيمانية.

         أما القاعدة الفكرية التي كانت تعتمدها هذه النخبة –وكانت معظمها تنتمي إلى الطبقة الوسطى–  فكانت تستقيها من كتابات جاك ماريتان ونظريته في الإنسانية الكاملة، وعما نوئيل مونييه أبي الشخصانية الاجتماعية، وتيار دي شاردان ونهجه في التطور التقدمي، وهنري دي لوباك وإبعاده الاجتماعية للعقائد المسيحية، ومن لاهوت العلمانيين لدى ايف كونغار، والعمل لدى ماري –دومنيك شنو. كلهم مفكرون ولاهوتيون فرنسيون معاصرون بارزون كان لهم شان في إعداد وإثراء أبحاث وتوجهات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي جاء بدوره كزخم نظري متميز– سيما وانه صادر عن السلطة الكنسية الجامعة نفسها –لتبرير هذا النهج في البحث لإيجاد لاهوت تقدمي يعني بنماء الإنسان وتحريره، ولإثارة حيوية جديدة وروح نقدية في أسباب العمل الراعوي. ولقد تزامن هذا الاتجاه وتعزز مع قيام الحركات الشعبية والجماعات المسيحية الملتزمة في النضال من اجل تحرير اجتماعي وسياسي منفتح على تحرر كامل وشامل للإنسان الأميركي اللاتيني. وجاء ذلك كجزء من سياق حركة الانعتاق التاريخية التي انتهجتها “الأطراف” (= العالم الثالث) لتتحرر من تبعيتها “للمركز” (= العالم الأول: الغرب الصناعي ).

         ففي جو الحوار هذا، بين كنيسة مجمعية منفتحة ومجتمع أميركي لاتيني في غليان، بين إيمان مسيحي ملتزم ورغبة ملحة في التغيير والتحرر انطلاقا من القاعدة، وضعت الأسس الفكرية الأولى للاهوت التحرير. وبفضل جو الإبداع والحرية الفكرية التي أتاحها المجمع الفاتيكاني الثاني منذ بداية الستينات نشطت الدراسات والمؤتمرات أللاهوتية حتى أفضت إلى ظهور أول كتاب أساسي لطروحات لاهوت التحرير، عام 1971، لكوستافو كوتيريز (بيرو) بعنوان “لاهوت التحرير، آفاقه”، تبعه في 1974 كتاب أساسي آخر بعنوان “يسوع المسيح المحرر” لليونارد بوف (البرازيل). وهكذا بدأت مرحلة التنظير لإعطائه الركائز العقائدية والإبعاد الكتابية التي تجعل منه نهجا لاهوتيا حقا.

بين التنظير والعمل

            وأولت هذه المرحلة اهتماما بصورة خاصة بثلاثة مواضيع، هي: الروحانية، لاهوت  شخص المسيح، ولاهوت الكنيسة، لما لهذه المواضيع من صلة مباشرة بالصورة التي تعكسها الكنيسة (عن ذاتها وعن علاقة عقيدتها في المسيح)، تجاه المحرومين وقضية تحررهم. فلاهوت التحرير، منذ البداية، أراد الربط المباشر بين النظرية والفعل، بين العقيدة والممارسة. ولقد التزم فعلا كثير من رواده –من لاهوتيين ورعاة كنسيين ومجاهدين علمانيين– العمل المباشر أو الراعوي في الأوساط الشعبية المحرومة، ومنها استلهموا دينامية هذا الربط على الصعيدين الفكري والعملي لجعل عملية التحرر عملية معاشة وفعلية، لا مجرد تصورات روحانية أو غيبية. ذلك إن الخطاب اللاهوتي لا يكون واقعيا ومفيدا إلا إذا مر من مرحلة “النظر” التحليلية إلى مرحلة “الحكم” اللاهوتية، وصولا، ومن خلال الخبرة الواقعية، إلى مرحلة “العمل” الراعوية.

         هكذا، إذن، تدرج لاهوت التحرير من خطوة تمهيدية أولى انطلقت من وعي مرير لقضية المحرومين، إلى عملية اهتداء روحية تضمنت، في خطوة ثانية “اهتداء طبقيا”، على حد تعبير ليوناردو بوف(3)، دفع إلى تضامن فعلي مع قضية المحرومين والمساهمة، بشكل أو بآخر، وعلى ضوء الإيمان الملتزم، في عملية تحريرهم، ثم جاءت الخطوة الثالثة في تنظير هذا الالتزام، وقوامه العلاقة الجدلية بين العقيدة (الإيمان) والممارسة (المحبة)، وفق ما جاء لدى بولس الرسول في ” الإيمان الفاعل بالمحبة” (غلاطية 5: 6).

         فبعد ملاحظة واقع المحرومين واستقراء مسبباته البعيدة والقريبة على ضوء التحليل الاجتماعي والعلوم الإنسانية المختصة تأتي الأسئلة الأساسية التي يلقيها اللاهوتي على نفسه:

كيف يستعيد الإنسان المستعبد حريته التي خلقه الله فيها؟

كيف يكون المسيحي مسيحيا في عالم محروم بائس؟

أي جواب يعطي الكتاب المقدس لهذين السؤالين؟

كيف يجسد المسيحي جواب الكتاب المقدس واقعيا؟

          أو بكلمة واحدة، أمام بؤس البؤساء ما هو موقف المسيحي: هل اسكت واجتاز، أم يدفعني إيماني لان أتحرك وأفكر في إخراجهم؟ وكيف؟

          في الإجابة إلى هذه الأسئلة يتكون لاهوت التحرير.

الأسس الكتابية المعتمدة

       الكتاب المقدس كلمة الله إلى البشر. وتفسير هذه الكلمة يستوعب قراءات مختلفة –ولكن غير متضاربة– ومتنوعة بتنوع حاجات البشر. أما القراءة التي ينتقيها لاهوت التحرير–  من دون أن ينكر سواها –فهي التي تنطلق من منظور المحرومين والمقهورين لتحريرهم. “فمن قلب الوحي الكتابي الكبير، يقول ل. بوف، ينتقي (لاهوت التحرير) المقولات الأكثر دلالة باتجاه الفقراء، مثل: الله أبو الفقراء ومحامي المقهورين، التحرير من العبودية، النبوة بعالم جديد، الملكوت المعطي للفقراء، الكنيسة بصفتها شركة تامة…”)(4).

         أما دوافع لاهوت التحرير للتضامن مع “فقراء الأرض” هؤلاء، فلانة يرى في ذلك تأدية عبادة لله واتحادا مع المسيح، للأسباب التالية:

        أ – لان الله، بحسب الكتاب المقدس، هو اله حي ويدافع عن كل حياة (خروج 3: 7- 9)، داعيا إلى نصرة المظلومين (اشعيا 1: 10 – 17؛ 58: 6 – 7).

         ب – لان المسيح اخذ جانب الفقراء واليهم وجه رسالته أول الكل: “مسحني لأبشر المساكين…”.(لو 4: 18 – 19)، وأقام نفسه محاميا ومدافعا عنهم بوجه الأقوياء حتى بذل حياته دونهم بتضحية الصليب (يوحنا 15: 12 – 13؛ يوحنا 2: 9 – 10).

         ج – لان الدينونة على هذا التضامن تقوم: “كنت جائعا فأطعمتموني…كنت غريبا فآويتموني… كنت محبوسا فأتيتم إلي… إن كل ما صنعتموه إلى واحد من إخوتي هؤلاء فلي قد صنعتموه… الخ (متى 25: 31 – 46).

         د – لان الرسل –والكنيسة الناشئة– منذ البداية اهتموا بالفقراء (أعمال ف 2، 4؛ غلا 2: 10). والمجمع الفاتيكاني الثاني نفسه كانت له مواقف متميزة في “الاختيار الانتقائي” لجانب الفقراء.

        فنصوص الكتاب المقدس تصبح هنا كالمرآة العاكسة، أو كالضوء الذي بنوره نقرا واقع المحرومين. وبهذه القراءة يتضح لنا كلام الله كلاما فاعلا.. اليوم نعيد اكتشاف ديناميته وطاقته الكامنة والقمينة باستثارة التغيير. والتغيير الذي ترمي إليه هذه “القراءة” الجديدة – القديمة فهو التغيير الذاتي (الاهتداء الشخصي). وتغيير التاريخ أو البنى باتجاه “الثورة”. وكلا التغييرين ينسجمان تماما في مراميهما مع روحانية الديانة الكتابية المنفتحة والداعية إلى التجدد وتجاوز الذات باستمرار. لذا تكتسب عملية إعادة النص الكتابي. لدى تفسيره. إلى بيئته التاريخية والاجتماعية زخما كبيرا لفهم أبعاده اليوم وعكسه على واقع مستضعفي اليوم، ولاندفاع الفعل التحرري، كما في قصة ألسامري الصالح،  مثلا، وموقفه الإنساني الملتزم من الجريح الغريب عنه جغرافيا ومذهبيا… وغيرها.

الأسفار التي يخصها لاهوت التحرير بتفضيله

          لا شك إن شخص يسوع المسيح ومواقفه الفعلية في التاريخ – التاريخ الذي كان تاريخه الشخصي في زمان ومكان معينين –سيكون الملهم الأول والأساس لاختيارات لاهوت التحرير. لذلك يأتي الإنجيل– والعهد الجديد عموما– في مقدمة الأسفار التي يعتمدها لاهوت التحرير. فقراء الإنجيل تأتي هنا لإنارة الواقع وإخضاعه للتجدد والنقد والتحول الدائم نحو الأفضل وانسنة الإنسان، أكثر فأكثر، حتى يبلغ “قامته الكاملة” بحسب تعبير القديس بولس، ووفقا لمشروع يسوع المسيح في “ادم الجديد”. وذلك ليس بالحديث وحده، مهما كان للكلمة من بلاغة وقوة ضاغطة، بل بالالتزام الفعلي أيضا. هكذا يستعيد الإنجيل مصداقيته كعنصر تحرير بنظر ملايين المحرومين، ويتجلى حنان الله نحو المستضعفين بوجه أنساني يبعث الأمل والحياة. وهذه المصداقية تقطع دابر استغلال الإنجيل لخدمة ايدولوجية سياسية أو اجتماعية معينة.” فإعادة قراءة الإنجيل انطلاقا من التضامن مع الفقراء والمقهورين يقول كوستافو كوتيريز، تتيح لنا فضح استخدام الإنجيل من قبل الأقوياء ووضعه تحت تصرف مصالحهم… لان كلام الرب يتوجه إلى كل انجاز تاريخي ليضعه ضمن الرؤية الأوسع للتحرر الكامل والجذري الذي يؤدى به المسيح، رب التاريخ”(5).

          أما الأسفار الأخرى التي يستقي منها لاهوت التحرير ركائز بحثه واستنتاجاته فهي:

سفر الخروج لأنه يسرد قصة أول عملية تحرر سياسية – دينية لشعب من العبيد

أصبح، بفعل “مبادرة إلهية” شعب الله الحر. مع ما تحمله هذه الريادة من عناصر المثالية والنموذج والعبرة.

أسفار الأنبياء (وفي مقدمتهم اشعيا وارميا) للبعد الشمولي لرسالتهم، ولدفاعهم العنيد

عن موقف الله المحرر؛ لعدم مساومتهم في فضح المظالم؛ ولمطالبتهم بحقوق الصغار والوضعاء، وتبشيرهم بالعهد المسيحاني الآتي.

سفر أيوب حيث الله المحرر –والبار وحده–  يدافع عن الفقير ويغمر المحروم بهباته،

ويحرره، وان بدا صامتا لفترة.

سفر أعمال الرسل لأنه ينقل الصورة المثالية للجماعة المسيحية الاولى، جماعة

متحررة ومحررة، وعائشة في تضامن وفرح ابناء الله.  

سفر الرؤيا حيث الانفتاح الدائم إلى ما هو جديد، إلى سماء جديدة وارض جديدة تحل

محل العالم القديم المثقل بإمراضه وأسباب انحلاله. في هذه “الأرض يسكن الله مع الناس.. ويمسح كل دمعة من عيونهم.. فيكون كل شيء جديدا” (رؤي 21: 1 – 6).

وهناك أسفار أخرى تلقى صداها لما تحويه من نماذج تحرر وطموح نحو الانعتاق مثل

أسفار عزريا ونحميا والمقابيين والمزامير التي تتحدث عن الله المحرر، ومثل الأسفار الحكمية التي تعكس حكمة الشعوب، إذن فلسفتها في الحياة ومعالجة الواقع.

        وكما أن لاهوت التحرير، بعودته إلى الكتاب المقدس. إنما يستلهم الركائز العقائدية التي تبرر سعيه التحرري وتدعم بنيته اللاهوتية في تواصل مع البحث اللاهوتي المسيحي العام، فباسم هذا التواصل عينه، وفي حركة انفتاح إلى التيارات الدينامية في تاريخ الكنيسة، يعود إلى التقليد الكنسي العام والى شهود الإيمان عير الأجيال بحثا عن نماذج له: (البعد التحرري في خبرات بعض المصلحين والقديسين ومؤسسي الرهبانيات الكبرى: أمثال فرنسيس الاسيزي وسافونارول وكاترينا السيانية وغيرهم ).  كما إن موقف لاهوت التحرير من “تعليم الكنيسة الاجتماعي” الذي تحمله الوثائق الكنسية الرسمية موقف “منفتح  وايجابي”، ولاهوت التحرير يرفض أن يعتبر “رؤية منافسة” لتعليم السلطة الكنسية. فإذا حمل “التعليم الرسمي” التوجيهات الكنسية الكبرى للعمل الاجتماعي، فلاهوت التحرير يحاول “تنسيق” هذه التوجيهات ضمن نظريته والخروج بها إلى حيز الفعل الخلاق، وفق ظروف العالم الثالث الواقعية، في هذه البيئة أو تلك.

الطروحات الرئيسة التي يتمحور حولها لاهوت التحرير

         فإذا ما أردنا إيجاز الطروحات الرئيسة التي يتمحور حولها لاهوت التحرير، انطلاقا من واقع معانيات العالم الثالث – وأميركا اللاتينية بالذات حيث نشا– وعلى ضوء الكتاب المقدس الذي تستفتيه هذه الطروحات، لأمكننا تحديدها على النحو التالي:

       1 –  الإيمان الحي والحق يتضمن ممارسة  التحرير بالضرورة. أو بعبارة أخرى يجري

التركيز على البعد العملي للإيمان الكتابي وارتباطهما العضوي، لان “الإيمان من دون أعمال عقيم “(يعقوب2: 2”). فالأرثوذكسية (الإيمان القويم) تسير يدا بيد مع الارثوبراكسية (العمل القويم) (ل. بوف).

      2 – الإله الحي الذي يقف إلى جانب المقهورين –كما فعل بوجه فرعون في سفر الخروج–  لأنه يريد الحياة للإنسان (خروج 3: 7 – 8؛ ارميا 21: 22).  

       3 – انطلاقا من حياة الثالوث الذي هو شركة –ينبغي على الأسرة البشرية أن تعيش في شركة وتضامن، لا سيما تجاه المحرومين والضعفاء.

       4 –ملكوت الله، -الذي هو مشروع الله في التاريخ وفي الأبدية، يبدأ من هنا (لو 17: 21). فمستقبل الإنسان الاخيري يبدأ من هذه الحياة بتحرير الإنسان الكامل وإرساء قواعد ملكوت الله، أي المجتمع الجديد في المسيح؛ ملكوت ينمو بنمو الحرية والعدل والحب والسلام بين الناس وفي قلوبهم.

      5 – يسوع، ابن الله، الحامل مضايقنا على كتفيه ليحررنا منها (فيلبي 2: 6- 11؛ مرقس 10: 45). وهذا التحرر يبدأ من قلب تاريخنا الإنساني “مسحني لأبشر المساكين”. أما قيامته فتاتي كفعل التحرير الواقعي له شخصيا وكفعل رجاء بمصداقية الملكوت الذي نادى به.

       6 – الروح القدس، “أبو الفقراء” –وفاعل التحرير، إذ انه يكمل عمل– المسيح ويحفظ شعلة الرجاء بالملكوت متيقظة حية أبدا.  

       7 – مريم، ابنة الشعب، ودورها النبوي والمحرر (موقفها في قانا الجليل: يو 2: 3 ). نشيدها الثوري في الزيارة (لو 1: 51 – 53).

       8 – الكنيسة موضع وأداة التحرير، لان الرسالة الإنجيلية التي تحملها إلى العالم هي رسالة تحرير ومشاركة. وقبل أن تكون مؤسسة هرمية فهي جماعة المؤمنين الذين ينبغي أن يحيوا إيمانهم بروح الحب والخدمة والتضامن. والكنيسة تكون موضع التحرير من خلال الجماعات الصغيرة التي تكونها، حيث يلتقي الإيمان بالحياة، والإنجيل بعلامات الأزمنة.

       9 – حقوق الفقراء هي حقوق الله. فلقد قال أساقفة أميركا اللاتينية في بويبلا: “إن محبة الله بالنسبة ألينا، اليوم، ينبغي أن تصبح فعل عدالة تجاه المقهورين، وجهدا لتحرير الأكثر حرمانا رقم (327). والفقراء الذين يقصدهم لاهوت التحرير بالدرجة الاولى هم هؤلاء المحرومين اجتماعيا واقتصاديا وتفرض عليهم الأنظمة بالبقاء كذلك عرضة للاستغلال واغتناء الأغنياء سواء بتركهم ضحية للتخلف وجفاء الأرض، أو بالاستغلال المباشر وظلم الملاكين الكبار. كما أنهم كل ضحايا التفرقة العصرية أو الجنسية وغيرها من إشكال الحرمان والقمع.

       10 – مبادئ لاهوت التحرير ليست مجرد تنظير فكري، وإنما ينبغي أن تنعكس على السلوكية الشخصية وتترجم في الالتزام الفعلي. وما تستهدفه هو تغيير طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الرأسمال والعمل، واجتثاث أسباب المظالم والتفرقة بين القوميات والثقافات والأجناس.

      11 – وضع المرأة الاجتماعي، وهو جزء أساس –لا هامشي– من عملية التحرير الكامل للإنسان.

      12 – وهناك تحديات أخرى منها النظرة النقدية إلى الممارسة الاقتصادية والسياسية.. التي يعالجها لاهوت التحرير حاليا لوضع أخلاقية إنجيلية تأخذ بعين الاعتبار الإنسان وتضامن الشعوب قبل الربح والاستهلاك والسيطرة.  

خاتمة

        إننا لم نقل كل شيء عن لاهوت التحرير، ولا تطرقنا إلى مخاطر الزلل التي قد يتعرض لها، ولا هذا كان هدفنا. وإنما أردنا إلقاء الضوء على الركائز الكتابية التي يعتمدها هذا النهج من البحث اللاهوتي وحسب.

        ولكن يمكننا القول في ختام هذه المحاولة، بان لاهوت التحرير، إذا كان لا يزال في طور الشبوبية – حيث انه بالكاد قد اجتاز عتبة العشرين من عمره – فحضوره إلى الساحة الدولية كنضال مسيحي، نظري وعملي، حضور له مكانته، وعلى ثلاثة أصعدة: لاهوتية وكنسية، واجتماعية، سياسية.

        ففي مجال التيارات اللاهوتية المعاصرة يتسم لاهوت التحرير بدينامية خاصة ويعتبر عنصرا ملهما لحيوية البحث اللاهوتي في أقطار العالم الثالث خاصة، ليس في أميركا اللاتينية، موطنه الأصلي وحسب، بل كذلك في أسيا وإفريقيا، وفي أوربا أيضا تدرس في الجامعات والمراكز اللاهوتية، أكثر فأكثر.

       أما في المجال  الكنسي فهو يستحث قيام جماعات كنسية وقاعدية مسؤولة، ويساهم بصورة مباشرة في تجديد المفاهيم الكنسية ومواقفها الايدولوجية والفعلية تجاه الجماهير المحرومة ومشاكلها (مدلين. بويبلا). فهو، بذلك، يمارس دورا نبويا ( تجاه الرعاة وتجاه القاعدة).

       وهذا ” الدور النبوي” يمارسه تجاه المجتمع المدني، حيث يصبح “علامة” لبشرى الإنجيل المحررة التاريخية الثورية فلقد انتشل من يد الماركسية احتكارية التحدث باسم الكادحين وعملية التغيير التاريخي.

       وهكذا يصبح الإيمان من جديد طاقة للتجدد والتحرر وتجاوز الذات، ليس على الصعيد الفردي وحسب، بل على الصعيد الجماعي أيضا، ولا يعود الدين أفيونا للإنسان، كما زعموا.   

————————

 انظر ف . م . ك2 وايار وآب/ايلول 1985؛ و ك2 1986

 انظر ف . م . حزيران 1977

Q uest- ce que theologie de la liberation p . 43 – 44

 المصدر نفسه p. 60

 La force historique des pauvres ,p. 59.  

المصادر:

Leonardo  et Clodovis BOFF: Quest- ce que la theologie de la liberation?, Cerf 1986

Leonardo  BOFF: Jesus –  Christ Liberateur , Cerf 1982

Gustavo  GUTIERREZ: La Force historique des pauvres , Cerf 1986

Gustavo  Gutierrez:   La Dieu  de La vie , Cerf 1986

 

((((((((((((())))))))))

الدورات اللاهوتية “مدرسة. وكنيسة”   

تحقيق/كانون الاول1987

        الدورة اللاهوتية يوم عيد… الدورة اللاهوتية مهرجان فكري.. الدورة اللاهوتية ملتقانا المفضل.. الخ. هذه العبارات وغيرها من العبارات سمعتها من طلبة الدورات اللاهوتية للعلمانيين في كل من الموصل وبغداد. شباب وفتيات،  من مرحلة الإعدادية والجامعيين والخريجين والموظفين، وبعض الراهبات من مختلف الجمعيات الرهبانية، وحتى من الكهول والشيوخ المتقاعدين.. يعودون منشرحين إلى كراسي الدراسة بضجيج تلامذة الابتدائية ولربما بشيطناتهم أيضا، يدفعهم الفضول الفكري للتعمق في جذور إيمانهم عبر الدراسات اللاهوتية، أو الاطلاع على الصيغ الجديدة في تفسير وفهم الكتاب المقدس، أو النبش عما غلفته  الأيام من تاريخ كنيستنا المشرقية بظلاله وأنواره، أو استقصاء ما تقوله الفلسفة عن الإنسان.. هذا المجهول! 

الأهداف

         للدورة ثلاثة أهداف رئيسية، يقول المطران كوركيس كرمو، راعي أبرشية الموصل الكلدانية التي منها انطلقت البادرة وبرعايتها تعمل الدورة اللاهوتية في الموصل، وهذه الأهداف هي: 1- خلق جيل مسيحي مثقف دينيا  واع لمسؤولياته؛ 2– إعداد كوادر متخصصة للتعليم المسيحي باكتساب ثقافة أعمق؛ 3– تهيئة الراغبين في الكهنوت من المتزوجين ومتابعة دعوتهم. أما الأب يوسف توما الدومنيكي مدير دورة بغداد فيقول:

إن هدف دورتنا هو إعطاء ثقافة دينية لاهوتية عميقة لكل مدرسي التعليم المسيحي

علميا وروحيا وتربويا. وتزويد الخورنات بالمدرسين الكفوئين، أما هدفنا الثاني فهو أن تعم هذه” الثقافة الدينية اللاهوتية” اكبر عدد من المؤمنين، لذا نترك الباب مفتوحا لكل من يريد التعمق، ولم يكن هدفنا إعداد كهنة أو راهبات. هكذا، إذن، تلتقي الدورتان اللاهوتيتان، في الموصل وبغداد، في كونهما “مدرسة” للتثقيف المسيحي المعمق والمركز للعلمانيين البالغين. 

لماذا جئت؟

         ولكن ماذا يقول الطلبة؟

“لماذا جئت إلى الدورة”. سؤال وجهناه إلى بعضهم من دون انتقاء مسبق للأشخاص –

فكشفت الأجوبة عن عطش إيماني وفضولي علمي، صدى لمعاناة حقيقية. قالت رجاء إبراهيم ككي (مهندسة – السنة الأولى، الموصل): “جئت لأجد أجوبة عن تساؤلاتي حول الله والإيمان”. وقالت بشرى فرج (بكالوريوس إحصاء – السنة الأولى، بغداد): “جئت لتلبية رغبة قديمة لفهم وترسيخ القناعات التي كانت قد بدأت ترتبك عندي في القضايا الدينية، حيث رأيت إن ما تعلمته غير كاف أو لا اقتنع من صيغه القديمة”. وأجاب سليم موسى كوكا (خريج إنتاج معادن – السنة الثانية، بغداد): “ثقتي بكفاءة المدرسين جعلتني أفكر بأنهم سيحدثون انقلابا في المفاهيم التي تسلمناها حول تساؤلات داخلية.. فجئت”. بسام حنا يوسف (خريج إدارة واقتصاد – السنة الثانية، الموصل) جاء “لزيادة معلوماته، فهو يحب التعمق في قضايا اللاهوت”. أما عمانوئيل نيسان (خريج معهد أمريكي للغة الانكليزية– السنة الثالثة، بغداد) فيضيف عنصر”التسلية إلى رغبته في الاطلاع على تطور التدريس الديني”. “بعد تباعد عن الكنيسة، يقول يوسف نعوم فرج (عقيد مدفعي متقاعد – السنة الأولى، بغداد) اشتقت إلى العودة إلى المبادئ المسيحية لإنماء أفكاري ومعلوماتي ورؤية الفروقات في التعليم السابق والحالي. ثم أنها امتصاص للفراغ بصورة مفيدة

          ولكن هل وجد هؤلاء العطاش في الدورة ما كانوا يصبون إليه؟

“أول ما أعطت لي الدورة أن لا أخاف من طرح أي سؤال كان، لا سيما في اللاهوت.

لقد زعزعت صيغ إيماني القديمة، ولكن لإرساء بناء اقوي. في الكتاب المقدس اكتشفت قراءة جديدة” (سليم). “أعطتني تفسيرات حول الإيمان والحقيقة التاريخية لبعض المعطيات الكتابية. غير أن صعوبات تواجهني لأنني ثرثار في المناقشة” (بسام). “اكتشفت روح الجماعة” (حنان نافع: خريجة آداب – السنة الأولى، موصل).

        “لا زلت في البداية ولكني أرى أن التعليم القديم لا باس به وليس من جديد في الجوهر، إنما الأساليب تغيرت” (يوسف نعوم). “لم تزد الدورة على معلوماتي شيئاً “لأني كنت على علم بها مسبقا منذ المعهد” (عمانوئيل – وقد قضى أكثر من 8 سنوات في المعهد الكهنوتي ). أما الأخت البرتين (من راهبات القلب الأقدس – السنة الرابعة، الموصل) فتعترف أن الدورة “أعطتها صورة جديدة للمسيح. وأفادتها في تشذيب دروس التعليم المسيحي التي تعطيها للصغار من الأفكار الخاطئة أو الناقصة والتركيز على شخصية المسيح كمخلص. كما انها ساعدت في إنضاج إيمانها”.

آفاق جديدة.. وقلق

          زيادة المعلومات وتعميقها أمر لاشك فيه، ناهيك عن توسيع الآفاق الفكرية، غير أن الطرح لحقائق الإيمان والأسلوب الحديث في “قراءة” الكتاب المقدس بعهديه وتجاوز حرفيته إلى “الفحوى اللاهوتي والتعليمي” الذي تتضمنه قصصه ونصوصه، قد يكونان ابرز عاملين في معانيات الأساتذة ومناقشات الطلبة في الدورتين معا، سيما وان أكثرية الطلبة أتون من اختصاصات علمية وليس لهم أية خلفية لاهوتية أو كتابية أو فلسفية جادة، ومعظمهم لم يتعودوا مناقشة أمور الدين بروح التلاميذ الباحثين ولا بأسلوب التدرج الفكري.

       “هناك أشياء هي بديهية بالنسبة لي ” وبدا لي أنها مجهولة وغريبة عن الطلبة، يقول الأب ألبير أبونا مدرس تاريخ الكنيسة في بغداد، فاضطر إلى ترديد معلومات أولية مرات عديدة”. هناك أسئلة تغلي في داخلهم، ولكن محدودية الزمن تحول دون كل الإجابات. كما أن بين أكاديمية التعليم وواقعية الحاجات المباشرة صدام مستمر”، يقول الأب يوسف عتيشا مدرس التربية الدينية في بغداد، ولكن صعوبة البدايات تتذلل في السنوات المتقدمة تدريجيا: “كانت معاناتي خلال السنة الأولى، وكل فكرة جديدة كانت نقابل بالرد، وأحيانا لمجرد أنها لا تلائم العقلية السائدة والفكر التقليدي”. يقول الأب افرام سقط مدرس الكتاب المقدس في الموصل، ويستطرد: “أما الآن فالمس استيعابا جيدا، لاسيما لدى متابعة نفس الطلبة المواضيع نفسها، فبوسعي أن أقول إني وضعت بذرة قابلة للنمو”. المعلمون.ان شعور المطران بولس دحدح، مدرس الفلسفة في بغداد: “كنت دائما أتمنى التدريس، فالتدريس يعطيني مجالا للتجديد، أما عن الطلبة فأرى مع التجربة والوقت أنهم يستطيبون الموضوع، بالرغم من صفة التجريد التي تتحلى بها الفلسفة”.

المعلمون.. تلامذة

         الدورة أفادت الأساتذة بقدر ما أفادت الطلبة –ولربما أكثر– هذا ما أيده كل الأساتذة الذين سألناهم، وحتى أولئك الذين ليس التدريس أمرا جديدا عليهم، يقول المطران كوركيس كرمو، مدرس اللاهوت العقائدي في الموصل: “لقد امتلكني شعور ممتع بالعودة إلى التعليم، أي إلى البحث والكتابة، وتدريسي الآن بعد المجمع يدعوني إلى التوسع والأخذ بالأمور الجديدة”. أما الأب لوسيان جميل، مدرس الفلسفة في الموصل فيقول: “إن هوايتي ورغبتي الشخصية كانت أن ادرس مواضيع لاهوتية، ولكني أعطيت موضوع الفلسفة، واليوم بعد تجربة خمس سنوات، لو طلب إلي تركها، لما قبلت بسهولة، لأنني بالتدريس تعلمت أشياء كثيرة وعمقت مفاهيمي الفلسفية واللاهوتية وكونت لنفسي بضاعة جيدة تسمح لي بفكر لاهوتي سليم”. ويربط الأب يوسف عتيشا بين دوره كمدرس ودوره ككاهن: “رأيت أن الدورة تقف إلى جانب الموعظة في الكنيسة. فلقد قدمت لي فرصة لأعمق معلوماتي أمام جمهور اقرب وأكثر حيوية وإلزاما بأسئلته وحاجاته واستحثاثه للمناقشة والحوار”.

الجدية والمتابعة

“هل الدورة جدية بنظرك؟ – “جدية ومفيدة “أجاب الطلبة كلهم، وان كان ثمة بعض

التحفظ لدى طلبة الموصل عن العام الماضي : “وكيف تلمس هذه الجدية؟ – “قبل كل شيء بالتزام الأساتذة الحضور بدقة (وهذا لا غبار عليه) وإعداد الملازم مسبقا (ويبدو أن درجة الأساتذة ترتفع وتنخفض لدى الطلبة وفق هذه النقطة، وتضعف عند الذين يتبعون كتابا مطبوعا أو ملزمة ولا يحيدون عنهما). ولكن جدية الطلبة من جدية الأساتذة، وهي التي “تشجع على الدوام المستمر” (حنان نافع). غير أن الجدية تنعكس أيضا في الانتباه والتجاوب ومستوى الأسئلة: “هناك تجاوب كبير لدى الطلبة. يبدوا ذلك من أسئلتهم التي تتنوع بين تقليدية محافظة وجريئة منفتحة” يقول الأب فرج رحو، مدرس اللاهوت الخلقي في الموصل وسكرتير الدورة. و “هناك دائما نخبة من المتتبعين بجدية أكثر في هذا الصف أو ذاك” (الأب ألبير ).

اقتراحات وطموحات

ما هي اقتراحاتكم لتطوير الدورة؟

أن تخرج من الحيز الطائفي أو المحلي لتصبح مشروع كنيسة الموصل، أو كنيسة بغداد

(أو كنيسة العراق ككل ولم لا؟) وتنال التشجيع والتأييد الصريح من كافة المسؤولين الكنسيين: هذا ما سمعنا صداه في الموصل وبغداد، لدى طلبة وأساتذة. وهناك من يتمنى مواضيع أخرى غير منهجية تلقى بصورة مركزة، ولربما في صيغ لقاءات مفتوحة منتظمة حول مسائل الحياة والقضايا الاجتماعية والإيمانية. وغيره يقترح لو أعير الجانب الترفيهي انتباها اكبر. وبينما يرى الأب لوسيان إن “الدورة قد تحتاج إلى منهج فكري مركزي مع احترتم اتجاهات المدرسين”، يطمح المطران كرمو الى أن “تصبح الملازم كتبا وتنشر لتعم الفائدة ولا تبقى مقتصرة على الطلبة”. وللأب فرج طموح اكبر وهو “أن تكون هذه الدورات نواة لكلية خاصة للعلوم الدينية”.

        الخلاصة التي خرجنا بها من هذا التحقيق؟ – إن الدورات اللاهوتية “مدرسة وكنيسة”.

“مدرسة” للثقافة المسيحية الجادة والمركزة ومرحلة إنضاج ونضوج كانت ضرورية لنفض الطفولة عن الموروث الديني السطحي أو الناقص لدى العلمانيين. ناهيك عن العمق اللاهوتي والكتابي والتاريخي الذي تعطيه للعقيدة المسيحية. و “كنيسة” حيث يعتبرها الطلبة أنفسهم كموعد يضرب مع المسيح، فتضحي غذاء روحيا وإيمانيا لحياة مسيحية ملتزمة، الم يقل احدهم: “بعد الدورة اشعر وكأنني اشتركت فعلا بالقداس”؟  فأمنيتنا هي نفسها التي عبر عنها كثيرون “أن تعم الدورة أكثر من منطقة لاستيعاب اكبر عدد ممكن من الشباب والبالغين”. 

                                                       بمشاركة الأخت سانت آتيين 

دورة الدراسات اللاهوتية للكهنة والراهبات والعلمانيين في بغداد

تأسست في 12/11/1984

مقرها كاتدرائية القديس يوسف اللاتينية (السنتر)

مدة الدراسة 3 سنوات بمعدل 3 محاضرات كل يوم اثنين

المستوى العلمي للقبول: ما يؤهل الطالب لاستيعاب الدراسة. غير ان الاكثرية الساحقة هم فعليا في مستوى الاعدادية فما فوق.

منهاج الدراسة لعام 1987 – 1988:

 اللاهوت النظري (الاب يوسف توما الدومنيكي)

 اللاهوت الادبي (المطران بولس دحدح)

 الكتاب المقدس (الاب كوب المخلصي)

 الفلسفة  (المطران بولس دحدح)

 الليتورجيا (الاب جاك اسحق)

 التربية الدينية (الاب يوسف عتيشا الدومنيكي)

 لاهوت الروحانيات (الاب روبير الكرملي)

عدد الطلبة المسجلين لعام 86-87: 421 والمثابرون 344. اي بنسبة 58%. وقد تضخم عددهم هذا العام حيث تسجل في الصف الاول وحده 203. اما النسبة العامة فهي 63% للاناث و 37% للذكور (وهناك كاهنان او ثلاثة).

    تخرجت الوجبة الاولى في ايار 1986 (85 طالبا وطالبة) وقد استحدثت لهم سنة رابعة تطبيقبة تلقى فيها محاضرات خاصة.

 

الدورة اللاهوتية للعلمانيين في الموصل

 

تأسست في 10/10/1983

مقرها الحالي في دير الراهبات الدومنيكيات في منطقة الساعة

 مدة الدراسة 4 سنوات بمعدل 3 محاضرات كل يوم اربعاء (بعد ان كانت 3سنوات ويومين في الاسبوع).

المستوى العلمي للقبول: من انهى الدراسة الاعدادية فما فوق

منهاج الدراسة لعام 1987 – 1988:

 اللاهوت العقائدي (المطران كوركيس كرمو)

 اللاهوت الخلقي (الاب فرج رحو)

 الكتاب المقدس (الاب افرام سقط الدومنيكي)

 تاريخ الكنيسة (الاب يوسف حبي)

 الفلسفة (الاب لوسيان جميل)

 اباء الكنيسة (الاب لويس ساكو)

 عدد الطلبة المسجلين: 102. والمداومين بانتظام 80 طالبا وطالبة. وتكاد تنقسم النسبة الى 1/3 للشباب و 1/3 للفتيات و 1/3 لراهبات.

تخرجت الوجبة الاولى (18 طالبا وطالبة) في حزيران 1986. ومعظمهم يعملون في مراكز التثقيف المسيحي. واثنان منهم يتهيأون للكهنوت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: