Posted by: abu faadii | 2013/08/03

الفكر المسيحي 1989

مجلة الفكر المسيحي 1989

96

المنظمات الدولية الكاثوليكية   ملف   

241

كانون2

1989

97

   كيف تنظم الصوم الكبير عبر

243

شباط/اذار

1989

98

  وطن خليق بالإنسان رسالة   ش.ر

245

ايار

1989

99

مقابلة البطريرك روفائيل الأول بيداود 

246

حزيران/تموز

1989

100

 الفكر المسيحي في يوبيلها

247

اب / ايلول

1989

101

مسيرة الفكر المسيحي خلال 25

ت1– ت2

1989

102

مقابلة مع الأب جوزيف مونس 

250

كانون1

1989

 

1989 المقالات:

المنظمات الدولية الكاثوليكية 

ملف/كانون الثاني 1989

       “إن آمال وأفراح البشر في زمننا هذا، وأحزانهم وضيقاتهم، ونخص منهم الفقراء وكل المعذبين، لهي أفراح وآمال تلاميذ المسيح، وهي أحزانهم وضيقاتهم، وليس من شيء أنساني حق إلا ويرن صداه في قلوبهم “. بهذه العبارة استهلت ابرز وثيقة صدرت عن المجمع المسكوني “الكنيسة في عالم اليوم”. هذا التضامن بين الكنيسة والمجتمع البشري تعكسه المنظمات الكاثوليكية الدولية التي كانت وما زالت تؤمن، في القطاعات الثقافية والتربوية والاجتماعية والخيرية  الخ…، حضور الكنيسة في العالم بصفتها خميرة في العجين.

      الملف التالي هو أشبه باستعراض لعدد من المنظمات الكاثوليكية التي لها وزنها في مجمل نشاطات الأمم المتحدة، ولها مكانتها المرموقة على الصعيدين الوطني والدولي. 

       المنظمات الدولية الكاثوليكية التي نحن بصددها هي غير البعثات البابوية الرسمية التي تمثل الكرسي الرسولي في الهيئات الدولية. فلهذه الأخيرة صفة دبلوماسية وتمثل السلطة الكنسية العليا كمؤسسة، أما المنظمات التي نقدمها في هذا العرض، فهي هيئات نابعة من القاعدة، وقد نشأت كوجه من أوجه رسالة العلمانيين المختصة لتجسيد روح الإنجيل وقيمه في قطاعات الحياة المختلفة. ولكن طموحها منذ البداية كان يتخطى جانب التوعية الذاتية والتوجيه الداخلي إلى العمل المنظم والمؤثر لتطوير أوضاع العلاقات والقوانين الوطنية الإقليمية والدولية لبناء عالم أفضل أكثر إخوة وعدلا وتعاونا.

      فمن رغبة توحيد الجهود على الصعيد العالمي، وفي خط التوجيه الدولي للتعاون بين الشعوب الذي تجسد بعد الحرب العالمية الأولى “عصبة الأمم”، ثم بعد الحرب العالمية الثانية بقيام “الأمم المتحدة” ومكاتبها المختلفة قامت عشرات المنظمات الكاثوليكية ذات الأهداف الإنسانية والاجتماعية والثقافية المتنوعة لحماية حقوق الإنسان وخلق مناخ فكري وروحي أفضل في إنمائه المتكامل. وقد كان هذا التوجه إحدى علامات التجدد الذي هب على الكنيسة الكاثوليكية بدءا من العشرينات.

      ففي 1921 ظهرت الحركة الدولية للطلبة الكاثوليكية، وفي 1925 قام “الاتحاد الكاثوليكي الدولي للخدمة الاجتماعية”، وفي السنة ذاتها أخذت “الشبيبة العاملة المسيحية” مع مؤسسها الأب كاردين انطلاقتها العالمية.. ثم توالت الحركات. أما الانطلاقة الكبرى للمنظمات الكاثوليكية على الصعيد الدولي فقد شهدتها الأربعينات والخمسينات، وكانت قمتها المؤتمر العالمي الأول للعلمانيين الذي نظمته حركة العمل المسيحي الايطالي في روما عام 1951 وتمثلت فيه 38 منظمة دولية كاثوليكية من 74 بلدا. ومن هذا المؤتمر انبثقت سكرتارية دائمة للتنسيق والتعاون. وفي سبيل تامين حضور المنظمات الكاثوليكية الدولية لدى الهيئات الدولية الرسمية انشأ المؤتمر مركزين للإعلام والعلاقات لدى منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في مقريها الدوليين في باريس وجنيف. أما الهدف الأساس الذي تتوخاه المنظمات الدولية الكاثوليكية – ومجموعها حوالي 70 منظمة تشكل سوية المؤتمر العام –من توجهها الدولي فيتلخص في كلمة واحدة هي الخدمة وحمل مساهمة المسيحيين في تنظيم المجتمع. إما أسلوب تعاونها مع الأمم المتحدة وهيئاتها المختصة فيعتمد البند 71 من شرعة سان فرانسيسكو الذي يقر مبدأ التشاور والتعاون مع بعض المنظمات الثقافية غير الحكومية– والمنظمات الدولية الكاثوليكية منها كما أسلفنا-. وصفة المراقبين الاستشاريين التي تتمتع بها المنظمات الدولية الكاثوليكية لدى هيئات الأمم المتحدة الثقافية والإنسانية المختلفة تعطيها حق الاطلاع على الوثائق الرسمية الدولية، وتمنحها تسهيلات للاتصال بالموظفين الدوليين والرسميين وتتوجه إليها المنظمة الدولية بصورة منتظمة لتوافيها بتقارير ودراسات تستخدمها في وضع برامجها أو تعديل مشاريعها. وهكذا تعبر هذه المنظمات عن الرأي العام المسيحي، وتسمع صوت من لا أصوات لهم، وتساهم في الدفاع عن حقوق الإنسان في المنابر الدولية.

      في العرض التالي لن نأتي على ذكر جميع المنظمات الدولية الكاثوليكية المتمثلة في الهيئات الدولية. وإنما نقتصر على أهم تلك التي تتسم بطابع أنساني وثقافي شامل: 

المكتب الكاثوليكي الدولي للطفولة  (بيسBICE)

       ليس “البيس” حركة اطفالية بالمعنى التنظيمي، وإنما نشاطا دوليا تحت تصرف الهيئات الكاثوليكية أو الجهات التي تعني بشؤون الطفل والعناية به صحيا وغذائيا وتربويا، وقد تأسس هذا المكتب عام 1947 في باريس، أما مقر سكرتاريته العامة حاليا فهو في جنيف “سويسرا”. ويضم المكتب هيئات وأشخاصا في العالم المسيحي يعملون لخدمة الأطفال والطفولة في أكثر من 30 بلدا. ومن بين اعضائه مندوبون عن بعض مجالس الأساقفة والرهبانيات والكليات الجامعية والمكاتب الاجتماعية وحركات الطفولة والمنظمات التربوية ومجالس الأساتذة والآباء والأمهات ودور النشر المسيحية، لاسيما تلك المتخصصة بأدب الأطفال. أما اللجنة الدائمة للمكتب فتضم عدة فرق عمل متخصصة منها بالأطفال المشردين، والمعوقين، ومنها بالتربية عن طريق الفن، وغيرها بالتنشئة الدينية… و”للبيس” نشرة إعلامية تصدر 3 مرات في السنة باسم “الطفولة في العالم”. ويتمثل “البيس” بصفة مراقب استشاري لدى صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ومنظمة الأمم المتحدة للثقافة (اليونسكو). والجدير بالذكر إن “البيس” كان في أساس مبادرات أو مشاريع دولية لصالح الأطفال والطفولة، وقد ساهم بصورة مباشرة في تحرير شرعة حقوق الطفل الدولية، وإطلاق أول حملة عالمية لإغاثة أطفال الأسرى والمعتقلين   وكان له الفضل الكبير في إطلاق العام الدولي للطفل سنة 1979. ومن وحي هذا “العام الدولي” وكز “البيس، اهتمامه في المدة الأخيرة على جوانب تربوية حساسة مثل توجيه الأسر للوقاية من أسباب العوق، والرعاية الروحية للأطفال الأسرى، ودعارة الأطفال، والمخدرات، والعناية الصحية.

حركات الشبيبة

الحركة الدولية للشبيبة المزارعة والريفية الكاثوليكية (ميجاركMIJARC)

        “ميجارك” منتشرة في أكثر من 30 بلدا في أوربا وإفريقيا وأميركا اللاتينية واسيا، وقد أنشئت عام 1954، ولها  صفة استشارية لدى اليونسكو ومنظمة الغذاء الدولية (فاوFAO). مقر سكرتاريتها الدائمة هو في لوفان (بلجيكا)، ولها مكاتب إقليمية لأوربا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. ونعتبر “الحركة، إحدى المنظمات الشبابية المسيحية الأكثر حيوية في 44 في القارات الثلاث. أما اهتماماتها فهي تطوير الريف، تقييم دور المرأة الشابة، الدفاع عن حقوق الإنسان. وقد اهتمت مباشرة في إحياء السنة الدولية للشبيبة. والسنة الدولية للسلام. وتهتم نشرتها الدورية “أخبار ميجارك، بكافة القضايا التي تمس شؤون الريف والجفاف والديون الدولية. كما تنظم حلقات دراسية وطنية وإقليمية لتحسين أوضاع الفلاحين، وتعمل جهدها لتمثيل مصالح الطبقة الفلاحية وقضاياها المهنية والروحية لدى الكنيسة وضمن البني الاجتماعية – الثقافية المختلفة.

    رئيس “ميجارك” الحالي هو فلاح شاب من مدغشقر، انتخب في آخر مؤتمر للحركة عقد في ساحل العاج (إفريقيا) عام 1985.

الشبيبة العاملة المسيحية (جوكJOC)

الشبيبة الطالبة المسيحية (جيك JEC)

  الشبيبة المستقلة المسيحية (جيك JIC)

الكشافة

         هذه الحركات هي من أكثر الحركات الشبابية العالمية المسيحية شهرة، وتتلخص أهدافها في السعي إلى جعل مبادئ الإنجيل وقيمه حية معاشة بإباء واندفاع والتزام في القطاعات الشبابية المختصة، مع انتمائها العضوي والتضامني الكامل مع قضايا ومعانيات وطموحات هذه القطاعات. ولها كلها صفة قانونية استشارية لدى منظمة اليونسكو أو المكتب الدولي للعمل، بحسب الاختصاصات.

       غير إننا نعرض عن الحديث عنها بالتفصيل هنا لكوننا قد تكلمنا عنها وسبقنا أن قدمناها لقراء الفكر المسيحي (انظر العدد الخاص: “الشباب.. وعي وطموح” ت1 ت2 1985 وكذلك في “السلسلة” عدد18 حول رسالة العلمانيين).

حركات البالغين

الحركة العالمية للشغيلة المسيحية (MMTC)

        تأسست عام 1966وتضم حوالي أربعين حركة عالمية مسيحية تعني بشؤون الطبقة العاملة. وتتراوح الهوية النوعية لهذه الحركات بين هوية الحركات الجماهيرية القاعدية العاملة في القطاعات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية، وهوية الكوادر المسيحية التي تتوزع على فرق دراسية لتحليل الوضع العمالي والالتزام المسيحي وتعميقهما. وهناك حلقة دراسية موسعة تعقد كل أربعة أعوام بمناسبة انعقاد الهيئة العامة للحركة، لتحليل الوضع العمالي في العالم ووضع خطة عامة للفترة التالية. وتعهد متابعة هذه الخطة إلى المجلس التنفيذي الذي يلتئم مرة في السنة. أما السكرتارية العامة للحركة فمقرها بروكسل “بلجيكا.. وتصدر نشرة فصلية لتبادل المعلومات والخبرات على صعيد القاعدة. وتمثل الحركة عالم العمال والشغيلة البالغين لدى الهيئات الدولية بصفة مراقب لدى اليونسكو والمكتب الدولي للعمل.

حركات البالغين الريفيين الكاثوليك (فيماركFIMARC )

       تضم “فيمارك” حوالي 40 حركة ريفية مسيحية في العالم، وقد نشأت عام 1964برغبة من الفروع القطرية لخلق مرجع دولي للالتقاء وتبادل الخبرات حول سبل المساهمة الفعلية في رسالة الكنيسة في المحيط الريفي، ويتمثل هذا المرجع في مقر “فيمارك” الدولي الكائن في بروكسل أيضا.

      وتهتم “فيمارك” بصورة خاصة بمشاكل الفلاحين في قارات أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وتسمع صوتهم في محافل الأمم المتحدة عن طريق بعثتها الدائمة لدى اليونسكو حيث تنقل مطالبيهم وتعكس خبراتهم وانجازاتهم واقتراحاتهم. ومن المبادرات العملية التي تبنتها “فيمارك” تشجيع الجمعيات القروية الإفريقية فى زيادة إنتاجها لتحقيق استقلاليتها الغذائية. وكل هذه النشاطات والخبرات تصدي لها النشرة الإعلامية الفصلية التي تصدرها “فيمارك” بعنوان “صوت العالم الريفي”. ولعل مقولة المؤتمر العام السابع الذي عقد عام 1986 تحت شعار “ملتزمون في نضال الريفيين لبناء عالم عادل وكنيسة متضامنة “هي أوضح موجز لأهداف “فيمارك” الأساسية.

الاتحاد الدولي للمنظمات النسوية الكاثوليكية (اوموفكUMOFC )

      هذا “الاتحاد” هو من أقدم المنظمات الدولية الكاثوليكية حيث يرقى تأسيسه إلى عام 1910، وهو الاتحاد المسيحي الذي يضم اكبر عدد من الأعضاء تحت لوائه مع أكثر من 30 مليون امرأة، ينتمين إلى 140 منظمة نسويه في 80 بلدا.

       في 1968 أطلق “اوموفك” فريق عمل باسم “المرأة في الكنيسة” بهدف تشجيع اشتراك المرأة في حياة الكنيسة ونشاطاتها، وذلك انطلاقا من شخصيتها الذاتية وحقوقها كعضو كامل العضوية في كنيسة المسيح، وقد اتخذ هذا الفريق اليوم اسم “النساء والكنيسة” هذا الموضوع بالذات كان محور أعمال الهيئة العامة للاتحاد في مؤتمره الدولي في لندن عام 1987، كما كان “اوموفك” قد ساهم مساهمة فعالة عام 1985 في أعمال المؤتمر العالمي الذي نظمته هيئة الأمم المتحدة بمناسبة ختام عشرية المرأة حول موضوع “المساواة” بين النساء والنمو، السلام”. ف اوموفك يتمتع بوضع قانوني استشاري لدى منظمات دولية كاليونسكو والفاو، وقد قام بدراسات عدة حول حقوق الأسرة، ورقي النساء، وحرية الأديان، واشترك في حملات اليونسكو لمحو الأمية ومكافحة الجوع في العالم. كما نظم الاتحاد بالتعاون مع اليونسكو دورات في إفريقيا وأميركا اللاتينية حول دور المرأة في عالم متغير. أما المركز الرئيسي ل “اوموفك” فهو في باريس، ويصدر نشرة باسم “أخبار اوموفك” تظهر خمس مرات في السنة.

عالم الثقافة

المكتب الدولي للتعليم الكاثوليكي (اويكOIEC )

       يضم هذا المكتب 87 فرعا عاملا في إفريقيا ومدغشقر وأميركا واسيا واوقينوسيا وارويا والشرق الأوسط، تمثل مرافق التعليم الكاثوليكي والجمعيات الرهبانية التي تهتم بالتعليم، ويقدر عدد الطلبة الذين يتوجه إليهم المكتب ب 40 مليون شاب وفتاة. ويهتم المكتب بكل ما يمت بصلة إلى شؤون التعليم والطلبة في المؤسسات الكاثوليكية في العالم وتبادل الخبرات التربوية، وتنظيم المؤتمرات والحلقات الدراسية. ويصدر المكتب نشرة فصلية.

     و “اويك” عضو استشاري لدى اليونسكو واليونيسيف والمجلس الأوربي ويتعاون مع منظمة الفاو والمكتب الدولي للتربية، وله علاقة وثيقة مع منظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة دول أميركا، أما مقره الرئيسي فهو في بروكسل (بلجيكا).

الاتحاد الدولي للجامعات الكاثوليكية (فيوكFIUC )

       في آب الماضي عقد الاتحاد مؤتمره العام السادس عشر في جاكارتا (اندنوسيا ) وحضره مندوبون عن 170 جامعة كاثوليكية في العالم لدراسة موضوع “الإيمان والثقافة: دور الجامعة الكاثوليكية”. فالاتحاد الذي تأسس عام 1949 قد ولد فعلا لتعزيز التعاون بين الجامعات المسيحية الأعضاء ومع المنظمات الجامعية الدولية، وهو يؤمن حضورا مسيحيا متميزا في الأوساط الفكرية العمالية. ومن المواضيع التي تتناولها المؤتمرات أو اللقاءات الدراسية التي ينظمها “فيوك” ما يخص الحضارات المختلفة وحوار الثقافات، وعلاقة الأخلاق بالأبحاث البيولوجية الحديثة، والكنيسة والاقتصاد، وقضايا السلام وحقوق الإنسان. ول “فيوك” صفة عضو استشاري لدى اليونسكو وله دور فعال في نشاطات المنظمة الدولية. أما المقر العام للاتحاد فهو في باريس، وله مركز للتنسيق والبحوث في روما.

عالم الصحة

الاتحاد الدولي للجمعيات الطبية الكاثوليكية (فيامكFIAMC )

       هناك جمعيات طبية مسيحية عدة في العالم يعود إنشاء أولاها إلى عام 1884. أما “الاتحاد الدولي” الحالي فيعود إنشاؤه إلى عام 1966، بعد اجتياز مراحل توحيدية وتأسيس سكرتاريات عامة منذ 1924 و 1954.

      و”فيامك” ينظم مؤتمرا عالميا كل أربع سنوات، وكان أخر مؤتمراته ذلك الذي في بوينس ايرس (الارجنتين) عام 1986 لدراسة موضوع “تقدم الطب واحترام الحياة البشرية”.

      وتعتبر الأوساط العلمية العالمية التقارير التي تنشرها الجمعيات الطبية الكاثوليكية وثائق علمية رصينة وثمينة حول كل القضايا التي تخص تطور الأبحاث الطبية منذ 30 سنة. وقد انشيء مركز للأبحاث الخلقية –البيو– طبية مؤخرا في بومبي بالهند (1981) برعاية الكرسي ألرسولي وقد اعد هذا المركز نص شرعة أخلاقية تقود العلماء المسيحيين في أبحاثهم الطبية،

      ويتمتع الاتحاد بصفة عضو استشاري لدى منظمات دولية عدة كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، الفاو، ومنظمة الصحة العالمية، هذا وتعمل إلى جانب “فيامك” جمعيات صيدلانية وأخرى للموظفين الصحيين المسيحيين تتمتع هي أيضا بتمثيل دولي وتؤمن الحضور المسيحي في الأوساط والمنظمات العالمية.

وسائل الاتصال الاجتماعي

الاتحاد الكاثوليكي الدولي للصحافة (اوسيبUCIP )

        لعل الاتحادات الدولية الكاثوليكية للصحافيين والإعلاميين هي من أقدم المنظمات الدولية الكاثوليكية، لأنها كلها ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية. فقد تأسس “اوسيب” في بروكسل عام 1927 باسم “المكتب الدولي للصحافيين الكاثوليك” قبل أن يتخذ اسمه الحالي عام 1965

       ويضم هذا الاتحاد “اوسيب” خمسة اتحادات فرعية هي “الاتحاد الدولي لوكالات الإنباء الكاثوليكية” (FIAC) – 1954) المتكون من وكالة فرعية و”الجمعية الكاثوليكية الدولية للمدرسين والباحثين العلميين والتقنيين الإعلاميين” (ACIESTI)،- 1968، التي تملك 35 مدرسة صحافية، “والاتحاد الدولي لجمعيات الصحافة الكنسية” (FIAPE) – 1974)  و”اتحاد الصحافيين والصحف اليومية والدورية الكاثوليكية”. ويضم “اتحاد اوسيب” عشرات الآلاف من الإعلاميين المسيحيين في العالم. أما مقره الرئيسي فهو في جنيف. وأهداف “اوسيب” تتلخص في كونه المرجع المسيحي العلمي للعمل الإعلامي والصحفي لتطوير الإعلام المسيحي والدفاع عن حقوق الإعلام وحرية الراي والنزاهة في نقل الخبر في الأوساط الإعلامية العالمية وضمن الكنيسة نفسها، وذلك بوحي من الأخلاقية المسيحية.

      ويصدر الاتحاد نشرة فصلية بثلاث لغات باسم (أخبار او سيب). و “اوسيب” بمثل الصحافة الكاثوليكية لدى المنظمات الدولية الحكومية المختلفة، وله صفة مراقب استشاري لدى اليونسكو، وله في هذه المنظمة الدولية صوت مسموع.

الأعمال الخيرية والاجتماعية

منظمة المحبة الدولية (كاريتاسCAIRTAS INTERNATIONALIS )

     تضم هذه المنظمة مجموعة الهيئات الخيرية المسيحية، ومنها ما يسمى “الغوث الكاثوليكي، (SOS)، لتشجيع وتنسيق مبادرات الاغاثات والعون الذي تقدمه باسم الكنيسة إبان الكوارث الطبيعية والجوع في العالم”، أو لسند بعض المشاريع الخيرية الدائمة للمتضررين والمشردين واللاجئين. وفي ما يخص منطقتنا العربية، للمنظمة وفروعها دور مبرور وفاعل في المخيمات الفلسطينية عبر مستوصفاتها ومراكزها الاغاثية المتنوعة. وتقوم المنظمة أيضا بدراسات تحليلية لأسباب الفقر في المدن والجوع في العالم ولا سيما في إفريقيا.

        نشأت “منظمة المحبة” في صيغتها الحالية عام 1951 ضامة 120 فرعا قطريا ومركزها روما ورئيسها الحالي هو الكردينال ناشيمنتو (انغولا)، أما سكرتيرها العام فهو سويسري. وقد وضع مؤتمرها العام الذي عقد سنة 1987 منهاج عملها للسنوات الأربع القادمة تحت شعار “لبناء السلام. فلنبن جماعات العدل والمحبة”.

      وللمنظمة صفة مراقب استشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، ولدى منظمة الغذاء الدولية  FAO، واليونسكو، واليونيسيف، والمكتب الدولي للعمل. ويذكر إن جائزة “لوميير – نور” الدولية لعام 1987 منحت لمنظمة “كاريتاس، لعملها من اجل السلام والتقدم والعدالة والمحبة. 

      وهناك هيئات خيرية مسيحية عديدة أخرى تمد نشاطها الإنساني على الصعيد العالمي مثل “الجمعية الدولية الخيرية لمار منصور دي بول”، و”اللجنة الدولية الكاثوليكية للمهجرين”، و “الاتحاد الكاثوليكي الدولي للخدمة الاجتماعية”…الخ. 

       جولة سريعة ولا شك. فهناك منظمات مسيحية دولية عديدة أخرى لم نأت على ذكرها. غير إن ما استعرضنا منها كاف ليمد أفاق رؤيتنا إلى إبعاد لا حدود لاتساعها عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان وبصيغ تجسيد الإيمان والشهادة الإنجيلية في الحياة، بكل ألوانها وإشكالها ودروبها.

      ونكتسب الشهادة التي تحملها هذه المنظمات بعدا متميزا ومصداقية خاصة على الصعيد العالمي والوطني العام بانضمام هذه المنظمات المسيحية القاعدية إلى خيمة الأمم المتحدة ذات الشمولية الدولية عبر هيئاتها المختلفة.

         ففي هذه الهيئات الدولية –ولاسيما في اليونسكو حيث تتمثل المنظمات الدولية المسيحية بكثافة اكبر– تسمع الكنيسة صوتها، صوت الحق والعدل، وتصبح صوت من لا صوت لهم أمام ضمير الإنسانية عبر هذه المنظمات بالذات وعبر تضحيات ومواقف وشهادة أبنائها العاملين فيها،. وبهذا الصدد يسرنا أن نختم استعراضنا بأقوال التشجيع والدعم التي أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني إلى أسرة اليونسكو لدى زيارته مقرها الرئيسي في2 حزيران 1980:

      “لقد أعطى لي اليوم أن ألج إلى داخل هذا المنتدى الذي هو منبر العالم اجمع. لقد أعطي لي أن أقول لكم، انتم يا أعضاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم الثقافة، انتم  يا من تعملون من اجل خير البشر والشعوب ومن اجل مصالحهم عبر سائر ميادين الثقافة والتربية والعلوم والإعلام، لقد أعطى لي أن أقول لكم، أن اهتف بكم من أعماق نفسي: اجل أن مستقبل الإنسان منوط بالثقافة! اجل! إن سلام العالم منوط بأولوية الروح! اجل! إن مستقبل نوعية البشرية منوط بالحب!

      “إن مساهمتكم الشخصية أيها السيدات والسادة، مهمة وحيوية. ونوعية هذه المساهمة منوطة بطبيعة معالجتكم الصحيحية  للقضايا التي تكرسون أنفسكم لخدمتها وإيجاد الحلول لها. استمروا، أخيرة هي هذه: “لا تكفوا عن العمل. استمروا، استمروا دائما”.

 

كيف تنظم الصوم الكبير عبر التاريخ

(لمناسبة الصوم الكبير) 

شباط – اذار 1989 

      الصوم زمن مقاسمة وتحرر وتحرير.

      يتوقف المؤمن فترة من الزمن ليعيد التفكير في ذاته. في حياته.. ثم في الآخرين، كل الآخرين. فيلتزم كل واحد في هذه الفترة بمبادرات عملية ملموسة وذلك بحسب الوسائل، الكبيرة أو الصغيرة، المتوفرة لديه، كمبادرة يعقوب (50 سنة، رب أسرة) الذي قصد أن يتوقف عن التدخين طيلة فترة الصوم الكبير وتوفير ثمن السيكاير التي كان سيدخنها، للفقراء. أو كمبادرة أطفال الخورنة بإلقاء نقود من “خرجياتهم” في صندوق خاص لخياطة بدلة التناول الأول لولد وبنت فقيرين أو أكثر.

      فإذا كان الصوم في وجهه المنظور انقطاعا عن كل أو بعض الأطعمة، فهناك صيغ عديدة لممارسته. أما الهدف فهو، التوبة واستغفار الله وتطهير الذات وكسر الإرادة ونبذ الأنانية والتفكير بمن هم أفقر واضعف منا. هذا كله نسميه الاهتداء إلى الله، أي السير بنوره ونحوه. فسيكون الصوم الكبير فترة استعداد روحي مكثف لعيد القيامة، عيد الفرح.. والرجاء. 

         إن الكنيسة الناشئة لم تكن بحاجة إلى أن تخترع الصوم. فممارسة الصوم كانت قد دخلت في التشريع اليهودي منذ زمن طويل. غير إن تاريخ الصوم المسيحي وصيغه قد تنوعت عبر الزمن. فمن يومين في الأسبوع في البداية (الجمعة العظيمة وسبت النور)، امتد إلى كامل الأسبوع السابق لعيد القيامة (أسبوع الآلام).غير أن الكنيسة لم تنشي الصوم الكبير بأربعين يوما الا في القرن السادس. أما كون الصوم الكبير أربعين يوما فلذكرى صوم يسوع في البرية مدة أربعين يوما قبل بدء رسالته. ولكنه في الواقع 48 يوما إذا احتسبنا أيام الآحاد التي لم تكن أيام صوم في الكنيسة. لذا قيل أيضا “صوم الخمسين”. وإذا اقتطعناها عدنا إلى رقم 40 (أما اللاتين فيحتسبون الأيام بشكل آخر: مع استقطاع الآحاد يبقى لهم 36 يوما، فيضيفون إليها 4 أيام الأخيرة من الأسبوع الأول. فيبدأون الصوم يوم الأربعاء المسمى بأربعاء الرماد ليكمل العدد الرمزي (40) لذكرى صوم المسيح). 

       وكان الصوم الكبير في الكنائس الشرقية (أرثوذكسية وكاثوليكية) لمدة طويلة يقضي بالانقطاع القطعي، أي الانقطاع عن أكل اللحم والمنتوجات الحيوانية الأخرى (الدهن، البياض). والصوم عن أي طعام أو شراب حتى الظهر، وبعد إن كان حتى غروب الشمس في أزمنة أقدم. أما في الغرب فكان الصوم حتى الظهر، أيضا مفروضا لمدة طويلة ما عدا أيام الآحاد، والانقطاع عن اللحم مرتين في الأسبوع على الأقل، أما أيام أربعاء الرماد والجمع والسبوت كلها فكان الصوم والقطاعة مفروضين، وكان كل إلزام يبطل منذ ظهر يوم سبت النور، أي أن الصوم الكبير كان ينتهي مع غداء ظهر السبت (وعند الشرقيين مساء).

       وبقي الصوم شديدا لقرون طويلة، ولا زال كذلك في بعض المناطق كما في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، ثم تغيرت أحوال الصوم خلال القرون بسبب تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وبسبب الحروب أيضا.. حتى وصلنا إلى القرن العشرين.

       ففي بداية هذا القرن كان يقضي الصوم، في الغرب في أيام القطاعة (وهي مدخل الصوم وأيام الجمعة والسبت) الانقطاع عن أكل اللحم ومشتقاته والبيض والحليب ومشتقاتهما. وكان الصوم يقوم على تناول وجبة واحدة في وقت متأخر من النهار لا تتضمن لا لحما ولا بياضا، أما في الشرق فكان الصوم حتى الظهر والانقطاع عن اللحم والبياض كل أيام الصوم، حتى في الآحاد، وفي 1917 خفف الحق القانوني الكنسي الكاثوليكي قانون الصوم فأباح أكل البيض والحليب، وأبقى على الاكتفاء بتناول وجبة واحدة في النهار، كما أوضح القانون الكنسي إن القطاعة تشمل حتى الأطفال بعمر 7 سنوات. أما الصوم المفروض على البالغين من عمر21 سنة إلى 60 سنة، أما شرب الماء وغيره من المشروبات فكان مباحا، كما أن القوانين الكنسية كانت تمنع الاحتفال بالزواج منذ مدخل الصوم وحتى احد القيامة. وأبان الحرب العالمية الثانية صدر تخفيف آخر في كانون الأول من 1941. في الغرب، برفع إلزامية الصوم والقطاعة، ثم تثبت هذا التخفيف بنص قانوني آخر صدرعام 1946. وفي 28 ك1 1949 صدرت تعليمات كنسية جديدة أعادت بعض جوانب الصوم مثل فرض الصوم حتى الظهر والانقطاع عن أكل اللحم في أيام أربعاء الرماد والجمعة العظيمة وسبت النور، والانقطاع عن اللحم فقط في جمع الصوم الكبير كلها، وذهبت النصوص الكنسية في الغرب تدريجيا إلى تخفيف الفرض وترك صيغ الصوم لحرية كل واحد، أما في الشرق فبقينا حتى منتصف القرن نتبع التقاليد العريقة الصارمة في الصوم (الصوم حتى الظهر والانقطاع عن اللحم والبياض، ثم عن اللحم وحده طيلة أيام الصوم بما فيها أيام الآحاد). ثم بعد الخمسينات صار الصوم الإلزامي حتى الظهر في اليوم الأول والجمعة العظيمة فقط، أما الانقطاع عن اللحم فيشمل الأسبوعين الأول والأخير من الصوم إضافة إلى أيام الجمع.

أما الوضع الكاثوليكيي فهو كالتالي:

·        الطوائف الكاثوليكية:

         الصوم حتى الظهر والانقطاع عن أكل اللحم في يوم الاثنين الأول (مدخل الصوم)،

وفي يوم الجمعة العظيمة.

         الانقطاع عن أكل اللحم كل أيام الجمعة من الصوم.

         يشمل الصوم كل البالغين وحتى الستين. وتشمل القطاعة كل المؤمنين من السابعة من

العمر (وفي الغرب من سن 14).

·        السريان الأرثوذكس:

         الصوم حتى الظهر والانقطاع القطعي (عن أكل اللحم والبياض) في الأسبوعين الأول

والأخير من الصوم.

         القطاعة القطعية كل أيام الأربعاء والجمعة من الصوم.

·        الكنيسة الشرقية (النساطرة):

         الصوم حتى الغروب والانقطاع القطعي (عن اللحم والبياض) في الأسبوع الأول

والوسط والأخير من الصوم.

         القطاعة القطعية تشمل أيام الأربعاء أو الجمعة أيضا.

·        الأرمن الأرثوذكس:

         يبقى الصوم والقطاعة حرين. يختار كل مؤمن ما يناسبه.

طبعا هذا هو الحد الأدنى المطلوب من المؤمنين غير إن الكنيسة تتوجه إلى كل مؤمن ألا يكتفي بهذا الحد الأدنى وتترك له حرية اختيار صيغ أخرى –وأكثر سخاء–  بحسب إمكانيته الصحية  ورغبته وتقواه لممارسة الصوم واعمال التوبة وإقرانها بالصلاة التي تبقى عنصرا جوهريا يرافق الصوم.               

                                               ((((((((((())))))))

وطن خليق بالإنسان

“رسالة راعوية صادرة عن بطاركة وأساقفة لبنان” 

ش.ر/ايار1989 

       انطلاقا من فكرة الاحتفال بالذكرى الاربعين لصدور شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948، والتي كان لبنان احد محرريها ممثلا بمندوبه آنذاك الدكتور شارل مالك، اصدر مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، اثر اجتماعهم السنوي (28ت2– 3ك1 1988) رسالة راعوية ضمنوها منظورهم للبنان “وطنا خليقا بالإنسان”. وقد حملت الرسالة تحليلا اجتماعيا وواقعيا للازمة اللبنانية.

       صدرت الرسالة بعد فراغ كرسي رئاسة الجمهورية، وقبل العمليات العسكرية الأخيرة بين الجيش اللبناني بقيادة الجنرال ميشيل عون والقوات السورية، وبينما كانت هذه الأخيرة تسيطر على ثلثي لبنان، وإسرائيل تسيطر على الشريط الحدودي الجنوبي، وتتقاسم البقية الباقية قوى الجيش الشرعي والميليشيات الحزبية المتصارعة. لا شيء من هذا الواقع تبدل على الأرض بالرغم من جهود اللجنة السداسية العربية. لذا تبقى معطيات الرسالة قائمة، وتبقى أمنية البطاركة والأساقفة في “التحرر من الخارج والاستقرار في الداخل” “أملا يتحدى عوامل الخيبة.. والفرقة والدمار”.

      تتكون الرسالة التي  نقدمها عن نصها الفرنسي الرسمي المنشور في عدد 2 نيسان 1989 من مجلة “الوثائق الكاثوليكية” (D.C) من مقدمة و3 أقسام وخاتمة.

     يتحدث القسم الأول عن أن “وطنا خليقا بالإنسان يعني وطنا يحترم حقوق الإنسان”. فيبحث في نقطة أولى في “حقوق الأشخاص”، وفي نقطة ثانية في “حقوق الأسر” ثم في “حقوق الشعوب”. وبعد استعراض المبادئ الأساسية التي تقررها الشرعية الدولية في هذه الميادين، تأتي الرسالة إلى الواقع اللبناني  تشخص بعض الظواهر الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية التي، بابتعادها عن مبادئ العدل والحرية والتكافؤ واحترام الحقوق المتبادلة وانجرافها مع منطق الأنانية والجشع والفوضى وغياب التخطيط والتفاوت في عملية التطوير ووسائل الإنتاج، قد أعدت منذ أيام السلم، الدوامة التي تعصف بلبنان اليوم.

      فبعد شجب “قوانين العمل” السابقة والسياسة السكنية. تتصدى الرسالة لقطاعي التربية والصحة –وكانا ولا يزالان قطاعين خاصين بصورة واسعة–، وتقول: “وكذلك الأمر في ما يخص واقع المدارس والمستشفيات الذي يشكل أبشع ما يمكن فرضه على الطبقة الوسطى والفقيرة لدينا”. ثم تفضي الى “احترام البؤس” الذي يلف بيروت ومدن لبنانية أخرى. ونعزي هذا الواقع إلى نقص في الإرادة السياسية: “إن السياسة الوطنية في الإنماء لم توفر ما كان ضروريا ” في المناطق اللبنانية المختلفة، لحياة الأسر من  مدارس  ومستوصفات وسكن وفرص عمل تتيح للجماهير المعنية حياة كريمة. فمن منا يجرؤ على الادعاء بان لبنان النمو والشبع في الستينات ما كان قادرا أن يوفر هذه الظروف في المدن والأرياف؟”.

       ثم تأتي الرسالة إلى العوامل السياسية المباشرة التي أوصلت لبنان إلى جلجلته الحالية: “قيل ويقال في أوساط محلية ودولية واسعة بان حرب لبنان هي حرب أهلية تشعل فتيلها الطائفية. انه لحكم خاطئ وغير عادل يخلط ما بين النتائج والمسببات. ويحمل من يعاملون في لبنان أسوا المعاملة ذنب أولئك الذين وضعوا أيديهم على هذا البلد، لبنانيين كانوا أم غرباء. إن العوامل الداخلية قد فرضت على لبنان بكل تأكيد محنة اجتماعية واقتصادية كوطن وكدولة ليس من فعل هذه العوامل مهما كانت خطورتها: أن تدمير لبنان هو فعل قوى إقليمية ودولية لم تحترم حقوق لبنان كشعب وكوطن وكدولة”.

    وتتطرق رسالة البطاركة والأساقفة إلى القضية الفلسطينية التي هي، من دون شك، محور قضايا المنطقة كلها: “أنها قضية واضحة تتطلب إعطاء الحق لشعب طرد من أرضه وتشرد”. وفيما لا تنكر الرسالة الإشكالات الدستورية والأمنية التي تسببت عن “ضيافة” الفلسطينيين في لبنان، تنحى باللائمة على “الدول المسؤولة عن مصير هذا الشعب. هذه الدول التي “عوض أن تحرر لبنان من عبئه وتعترف للفلسطينيين بحقوقهم”، بمساعدتهم على إنشاء دولتهم على أراضيهم، على العكس من ذلك، وضعت الشعب الفلسطيني في صدام مع الشعب اللبناني، فنالت تدمير الشعبين”. وتستخلص الرسالة: “هكذا، فان ضرب شعب بشعب آخر قد أوقع الفرقة بين مواطني القطر الواحد. تلك كانت المؤامرة التي استخدمت اللبنانيين أداة لجرائمها (…) حينذاك تكلموا عن حرب أهلية تارة، وعن حرب دينية تارة أخرى. ولكن الحقيقة التي انكشفت ولا زالت قائمة هي إن الحرب كما قيل، هي حرب الآخرين على الأرض اللبنانية”. أما عن “الإصلاحات” التي “يطالبون بها برياء” فتعلق الرسالة بان “لا إصلاح ذا قيمة طالما لم يتحرر لبنان ممن سلبوا حريته في اتخاذ القرار”.

       في قسم ثان تتحدث رسالة البطاركة والأساقفة اللبنانيين عن أن “وطنا خليقا بالانسان يعني وطنا يتمسك بشريعة الله” التي هي الأساس الثابت والمصدر الملهم لكل حق وحرية.

أما القسم الثالث –وهو قسم تطبيقي– فعنوانه “الوطن اللبناني وأولوياته الخمس في الوضع الراهن”. وفيما تتهم الرسالة من تنعتهم “بأمراء الدويلات في استغلال الدولة”. ومن اجل إصلاح “اهمالات زمن السلم وأخطاء زمن الحرب” ويصور البطاركة خمس اولويات لعافية لبنان:

1-    الحفاظ على البيئة:

        إن طبيعة لبنان الجميلة تصفها الكتب المقدسة والتاريخ “بفردوس ارضي”. ولكن “ماذا فعلنا بهذا الفردوس؟ كيف حولنا هذا الفردوس، في زمن السلم وثم في زمن الحرب، إلى جحيم؟”. وتشير الرسالة الى التجاوزات الفظيعة في فوضى البناء وتشويه المعالم وتلويث البيئة حتى “أسلمنا سواحلنا أخيرا لتكون مزابل لنفايات العالم”. وإذ تبقى الرسالة واقعية، فهي لا تدافع عن البيئة من زاوية جمالية حسب، بل من حيث مردوداتها الاقتصادية أيضا” ليكون (لبنان) صالحا للسكنى وجذابا للتجارة والأعمال المالية والبحث العلمي والنشاط الثقافي والسياحة” 

2-     الخدمات العامة:

        فيما تشجب االقوانين: الأنانية في التعامل مع المصلحة العامة، سواء قبل الحرب وبعدها، تطالب بعودة هذه “الخدمات” إلى الدولة لتكون حقا في خدمة الجميع ولمصلحة الجميع: “أن لبنان لن ينقذ ولن يجد استقراره وانتعاشه، إلا إذا ألزم الوعي الوطني الجديد بوجوب عودة خدمات الدولة الكبرى إلى الدولة، واستلام الشرعية الجمهورية كافة القطاعات الحيوية للبلد”.

3-     احترام القوانين:

       ولكن هل من فائدة لعودة الخدمات العامة إلى الدولة إذا لم تتبدل ذهنيتنا نحو احترام القانون؟” اجل للشبيبة: صفات كثيرة، منها الذكاء، والشجاعة، وروح المبادرة، وبعد النظر، والسخاء، ولكن ذلك كله يوجه لمصلحة الفرد والعائلة أو للجهة الاجتماعية التي ينتمي إليها،  ونادرا ما للمصلحة العامة”. وتردف الرسالة: “يقال بان لبنان ما بعد الحرب يحتاج إلى رئيس قوي، ولكن ما جدوى ذلك ما لم يعمل على تطبيق القانون، وذلك بإفساح المجال أمام المحاكم لا أن تصدر أحكامها حسب، بل أن تطبقها أيضا. إذ ذاك ينال كل مواطن حقه، وحق لبنان يعلو على كل حق”.

4-     الشبيبة:

       وهنا يسترسل البطاركة والأساقفة في إبراز دور الشبيبة في إعادة بناء لبنان، ذلك أن “الشبيبة نالتها الحرب أكثر من أية شريحة أخرى من الشعب، ولأنه لا أمل بالنهوض والإصلاح وتطوير البلد من دون الشبيبة”. وفيما أبدت الرسالة أسفها على أن “الشبيبة دفعت ضريبة الدم على حساب نمائها الأدبي والثقافي” تطرقت إلى بعض مخلفات الحرب على سلوكية الشبيبة، مثل “ممارسة العنف   وتعاطي المخدرات، والتفكك الأخلاقي، والجشع وروح السيطرة “، وخاصة “ظاهرة الفصل الفعلي الذي استمر 14 سنة بين فئات الشعب، من منطقة إلى أخرى. وهذه الظاهرة لم تقتصر (في نتائجها) على التجاهل المتبادل بين المسلمين والمسيحيين من قطاع إلى آخر في العاصمة وحسب، بل الأسوأ من ذلك الانعزال الذي حوصرت فيه كل منطقة”. “ومع ذلك، يستخلص البطاركة مشيرين إلى وجوب إشراك الشباب في صنع قرار لبنان الجديد، إننا لواثقون بان شبيبتنا ستقوم بواجبها وستبني لبنان، إذا توجهت إليها العناية، ومنحت الثقة، ونالت الوعي بالمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقها”. 

5-     التعايش الإسلامي – المسيحي:

       “تلك هي دعوة لبنان الخاصة في تركيبته الاجتماعية – الدينية (…) والحال أن أعداء لبنان، في الداخل وفي الخارج، أولئك الذين يحركونهم، لا ينون يوجهون إليه الضربة تلو الضربة بتشجيع التفرقة الطائفية بين الجماعات، وبتكريس التقسيم على الأرض اللبنانية. فبين اختصار المسافات الهائل الناتج عن وسائل الاتصال السريعة، أكثر فأكثر، في العالم المعاصر ومظاهر التوتر الكبرى الناجمة عن الاختلاط المفروض على الجماعات –هذا الاختلاط نفسه الذي هو وليد هذه المجاورة الجديدة– كان النموذج اللبناني في التعايش بين الديانتين العالميتين الكبريين قد أصبح مثالا تبحث عنه الدول والمجتمعات المضطرة إلى التعددية في مناطق واسعة من العالم وضمن أنماط حضارية مختلفة. فلقد بات من الضروري أن يبرهن لبنان من جديد، على أن صيغة هذا التعايش الذي يملك عنه خبرة مؤلمة ولكن حيوية، شيء حسن وممكن”.

        وختمت الرسالة التي وقعها أعضاء مجلس رئاسة مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان نصر الله صفير بطريرك الموارنة، ومكسيموس الخامس حكيم بطريرك الروم الكاثوليك، وانطوان الثاني حايك بطريرك السريان الكاثوليك، وجان الثامن عشر كسباريان بطريرك الأرمن الكاثوليك، ختمت تحليلاتها وتوجيهاتها بتوصيات خمس.  

 ((((((((())))))))))))

الفكر المسيحي في يوبيلها الفضي

 (1964- 1989)

آب- ايلول1989 

        كان حلما أن تحتفل “الفكر المسيحي” باليوبيل الفضي. وهي المجلة التي لم يكن يقدر لها أنبياء الشؤم أن تعيش طويلا!وها هي قد شقت طريقها طيلة ربع قرن. عبر نجاحات وإخفاقات. وتالقات وكبوات. لتصل إلى اليوم الذي طالما تمناه لها قراءها وأصدقاءها، وكثيرون منهم واكبوا طفولتها في الستينات وحداثتها في السبعينات وشبوبيتها في الثمانينات…

     احتفالات اليوبيل في الموصل (7 – 10 تموز) وبغداد (21 – 28 تموز) كانت أشبه بمهرجان استقطب قابليات ومواهب وطاقات العديد من أصدقاء “الفكر المسيحي”. وذلك بعطاء وسخاء لا مثيل لهما… فيما نصدي هنا لهذا المهرجان. يطيب لنا أن ترفع أسمى آيات الشكر والتقدير والثناء إلى كل الذين. في الموصل وبغداد. ساهموا، من بعيد أو قريب، بقليل أو كثير، في جعل هذه المناسبة تظاهرة إعلامية في خدمة “الفكر المسيحي” التي نأمل –كما يأمل قراؤها–  أن تبقى شمعة موقدة دوما في كنيسة العراق. 

التقرير التالي يصدي لاحتفالات بغداد

        … وكان عام 1989 عام اليوبيل الفضي كونه العام الخامس والعشرين من مسيرة  “الفكر المسيحي” الفعلية –وكانت تعرضت عام 1969 لتوقف دام قرابة عام-. وكان لابد أن يعطي لهذه الذكرى ما تستحقه من الأهمية. ليس لكون “الفكر المسيحي” صمدت بوجه المتاعب طيلة 25 عاما حسب. وإنما لكونها المجلة الوحيدة في تاريخ الصحافة المسيحية في العراق بلغت هذا الشوط من عمرها!

        ومنذ بدء هذا العام انطلق نداء إلى المشاركة في نشاطات ثقافية تصب في معارض تقام في الموصل وبغداد. وسرعان ما بدأت المشاركة تتجسد من قبل الفنانين والهواة، وفي مختلف الحقول، حتى أنها فاقت  حدود التوقعات… ولنقلها بصراحة: لقد وقفنا مشدودين إزاء مساهمات فنية رائعة اتسمت بالعطاء والإبداع، سيما إن الاحتفال باليوبيل تزامن مع اقسي أزمة مالية عرفتها المجلة في تاريخها.

       وكان يوم 7/7 موعدا في الموصل لافتتاح احتفالات  اليوبيل برعاية المطران قورلس عمانوئيل بني رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك بصفته صاحب الامتياز. وتميز الافتتاح الاحتفالي بقداس شكر مشترك أقامه سيادته في كنيسة مار توما “مقر المجلة” بمعية سيادة المطران كوركيس كرمو رئيس أساقفة الموصل للكلدان وخمسة من الكهنة أعضاء هيئة التحرير، وحضره المطران غريغوريوس صليبا شمعون للسريان الارثوذكس والمطران توما كوركيس للكنيسة الرسولية الجاثيليقية القديمة، وعدد غفير من الكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين من مختلف الطوائف. وكان فناء الكنيسة قد اتشح بحلة المهرجان من أشرطة الزينة واللافتات والشعارات الخ…لتقول ما حمله “بوستر” اليوبيل “الشمعة المتوهجة”: ” 25 عاما في خدمة كنيسة العراق”.

      وتخللت القداس –وقد تناوب الشعب وهيئة التحرير وجوقة الكنيسة في المشاركة بصلواته وقراءاته وتراتيله–  كلمة بليغة للمطران عمانوئيل بني ذكر فيها ببدايات “الفكر المسيحي” حين كانت مشروعا يخطط له “كهنة يسوع الملك” في بدء حياتهم الكهنوتية المشتركة… وفيما أكد سيادته على أهمية الصحافة المسيحية وحاجة قطرنا الملحة إليها، خلص إلى إبراز الأهمية والضرورة اللتين  تكتسبهما مجلة الفكر المسيحي، مثنيا على “الاستمرارية ” التي تميزت بها (انظر الاطار) .

          وفي ختام القداس ألقى رئيس التحرير كلمة بالمناسبة شدد فيها على كون “الفكر المسيحي” رسالة من والى كنيسة العراق. عبر قرائتين: قراءة للشوط الذي قطعته المجلة، وقراءة باتجاه المستقبل. وفيما عبر، في ختام كلمته عن شكره لمختلف الجهات واعتزازه بكل أشكال المشاركة، استخلص أمانتين يتحتم على “الفكر المسيحي” الالتزام يهما في أداء رسالتها الإعلامية والثقافية لدى مسيحيي العراق: ” أمانة لكلمة الله التي يجب أن تعلن بحرية وجرأة دون أن تخبو أو تشوه أو توثق، إذ (أن كلمة الله ليست بموثقة). وأمانة لطبيعة العمل الصحافي في كل مقوماته وأسسه وأساليبه “.

        وبدا افتتاح المعارض بموكب سار فيه 25 من المتناولين الجدد حاملين الشموع، وتلاحم الآباء الكهنة والسادة الأساقفة الذين تناوبوا على افتتاح معرض المجلة والإيقونة والأشغال اليدوية والخط ورسوم الأطفال. وبعد استراحة قصيرة في فناء الكنيسة توجه موكب السادة الأساقفة إلى دير الاباء الدومنيكيين الذي كان قد احتضن معرضي الفنون التشكيلية والفوتوغراف.

       وتميزت المعارض على اختلافها بالطابع الفني الذي اتسمت به المعروضات. وقد وضع فيها صانعوها كل طاقاتهم الفنية مما أضفى عليه سمة الإبداع– وينطبق ذلك في أعمال الصنارة والمنسوجات. كما في السيراميك والأعمال الخشبية.. وبشكل خاص في الأزياء الشعبية (36 دمية تمثل أزياء القرى الشمالية). كما ينطبق في اللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية ولوحات الخط العربي والسرياني الخ… وإذ لا يتسع المجال لوصف أكثر دقة لما امتاز به كل معرض. نكتفي هنا بوصف سريع لما تضمنه معرض المجلة الذي لم يكن يحيل لغالبية الزوار انه سيضم تلك الموسوعة” من المعلومات عن مسيرة المجلة خلال ربع قرن!. كانت نواة هذا المعرض مجموعة من الأعداد والتقاويم والفولدرات التي أصدرتها المجلة… وسرعان ما امتدت المخيلة إلى جوانب كثيرة من عمل المجلة، فكانت لوحات جداريه شارك فيها عدد من المصممين والخطاطين والرسامين الشباب كانوا هم أول المكتشفين  لما تعنيه وتتطلبه صناعة المجلة!

       وأول ما تقع عليه المشاهد مجموعة كاملة مجلدة من “السلسلة” (6 مجلدات: 1964– 1970) ومن المجلة (18 مجلدا: 1971 – 1988). وتبدأ الزيارة من ثم بلوحة “المجلات المسيحية في العراق”، وقد عكست تاريخها شجرة حملت أغصانها اسما ونماذج من المجلات والنشرات. أولها “إكليل الورد” (1902) وأخرها (النور) (اختفت عام 1956) وحتى ظهور “الفكر المسيحي” (1964). وفيما استعرضت لوحة “الفكر المسيحي في سطور”التطورالذي عرفته “الفكر المسيحي”. عاما بعد عام، من حيث الحجم وعدد الصفحات والأبواب المستحدثة الخ… كان بوسع الزائرين أن يشاهدوا مجموعة من أوراق الإعلان والتقاويم والاستفتاءات والفولدرات التي أصدرتها المجلة، وتوقفهم لوحة أخرى على المراحل التي تمر بها المجلة قبل أن تصل إليهم: من المسودة المكتوبة إلى المسودة المنضدة التي تم تصليح أخطائها الطباعة… ومن التنضيد اليدوي طيلة 18 عاما في الموصل إلى التنضيد بالاينو في بغداد منذ نيسان 1977، ومن ثم الطباعة بالاوفسيت والألوان.. وصولا إلى التنضيد التصويري الالكتروني… فضلا عن لوحة تفصيلية حول صناعة العدد.

        وفيما رسمت بعض اللوحات أسلوب إدارة الاشتراكات وأسماء وكلاء المجلة ووتيرة الاشتراكات عبر خطوط بيانية وخارطة للعراق تحمل نسب المشتركين… رسمت لوحات أخرى “الأعداد الخاصة” (14عددا) ومواضيع منها. وأثبتت غيرها صور أعضاء هيئة التحرير إلى جانب أسماء الكتاب الذين كان لهم مساهمتان فما فوق. وفي نطاق الأبواب الثابتة في المجلة كان لابد للملفات الإعلامية (50 بلدا في مختلف القارات) والدراسية أن تبرز. فضلا عن المقابلات   و ” شؤون راهنة “، وكل ما نشر عن “كنيسة العراق”..وكانت قمة العرض قسم الأرشيف: وقد تناول مصادر المجلة عبر عرض رائع لمجموعة كبيرة من المجلات والصحف العربية والأجنبية. وثقت المجموعات الشهرية والفصلية منها في بطاقات (فيش) فيما احتفظ بقصاصات من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية في مجموعة كبيرة من الفايلات، علما بان البطاقات والفايلات مبوبة بحسب موضوعات رئيسية تنقسم بدورها إلى مواضيع فرعية. وكان هناك عرض لنماذج منها في اتجاهين: بحسب البلدان وبحسب الموضوعات. وذلك بالنسبة إلى الصحف والمجلات الأجنبية من جهة، والصحف العراقية من الجهة الأخرى.

        ومن جانب آخر تضمن جناح الأرشيف كشافا بمقالات “الفكر المسيحي” مستلة ومبوبة بحسب موضوعات رئيسية وفرعية، فضلا عن أرشفة كاملة لباب “الأنباء” مستلة ومبوبة بحسب البلدان في مختلف القارات (130 بلدا). وخلص الجناح إلى عرض “أرشيف الصور” الذي منه تستقي المجلة صورها إبان إعداد ماكيت العدد. وهي مبوبة بقسمين رئيسيين: قسم الشخصيات باختلافها، وقسم الموضوعات بتعددها. وهكذا الحال بالنسبة إلى أرشيف الأفلام الذي يوثق المسودات “السالبة والموجبة للصور المنشورة. مبوبة بالأسلوب ذاته.

       وفي إطار انشطة اليوبيل الثقافية أقيم في 13 تموز في خورنة مار افرام الكلدانية (الموصل الجديدة) معرض الكتاب المسيحي العراقي –بإشراف الأب يوسف حبي وبالتعاون مع الآباء الدومينيكيين وجهود لجنة مشتركة نشطة من راهبات وعلمانيين ضم مجموعة كبيرة من الكتب الدينية والروحية والطقسية الخ…. باللغتين السريانية والعربية، وفي مقدمتها طبعات الكتاب المقدس، وذلك على مدى أكثر من 100عام كان لمطبعة الآباء الدومينيكيين فيها دور الريادة من حيث القدم والكثافة.

         وفي نطاق النشاطات الثقافية ايضا نظمت الفكر المسيحي ثلاث محاضرات عامة ألقيت في قاعة مار نرساي (كنيسة أم المعونة) من 21 – 23 آب، وهي على التوالي: 1– حركة النشر المسيحي في العراق (للأب يوسف حبي )؛ 2– الإعلام في الصحافة المسيحية (للأب بيوس عفاص)؛ 3– مسيرة المجلة خلال 25 عاما (للأب جرجس القس موسى).

        في بغداد كان موعد الاحتفال باليوبيل يوم الجمعة 21 تموز 1989، حيث ازدانت واجهة كاتدرائية القديس يوسف اللاتينية في العلوية وأروقتها باللافتات الترحيبية وشرائط الزينة لتستضيف فعاليات اليوبيل المختلفة. وكان من دواعي غبطتنا واعتزازنا إن يشمل هذه الاحتفالات برعايته الكريمة غبطة البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان الكلي الطوبى.

        وقد افتتحت الاحتفالات بصلاة شكر حضرها صاحبا السيادة المطران اثناسيوس متي متوكا رئيس أساقفة بغداد للسريان الكاثوليك والمطران بولص دحدح مطران اللاتين في العراق مترئسا الصلاة بصفته أسقف الكاتدرائية التي احتضنت الاحتفال   ولفيف من الآباء الكهنة والراهبات وجمع غفير من قراء وأصدقاء “الفكر المسيحي”. وقد تضمنت الصلاة تراتيل لجوقة الكاتدرائية وقراءات من الكتاب المقدس ومزامير وطلبات، واقيمت بجو من الخشوع والتأمل. وقرئت في الاحتفال رسالة التهنئة الأبوية التي بعث بها إلى هيئة تحرير المجلة غبطة مار روفائيل الأول بيداويد –وقد تعذر حضوره شخصيا لمصادفة سفره إلى لبنان في يوم الاحتفال ذاته، كما تليت البرقية التي أرسلها الكردينال رئيس مجمع الكنائس الشرقية من الفاتيكان إلى المجلة بمناسبة يوبيلها.

       وبعد قراءة نص إنجيل يوحنا حول “كلمة الله” الذي كان منذ البدء (1: 1 –  18 )، انبرى سيادة المطران دحدح في كلمة بليغة استهلها بتأمل لاهوتي في الكلمة وقدراتها في التبشير. وخلص إلى الحديث عن رسالة الكنيسة في نشر كلمة الحق عبر وسائل الاتصال والإعلام.. وبين إن “الفكر المسيحي” قناة من هذه القنوات في خدمة رسالة الإنجيل والكنيسة، ثم استطرد موضحا طبيعة العمل الصحفي الذي يتميز عن تعليم الكنيسة الصادر عن السلطة الرسمية بأسلوب العرض والتحليل وحتى في عكس التباين في الآراء. وفيما أشار إلى الروح النقدية التي ينبغي أن يتحلى بها القارئ تجاه ما يقرا من طروحات:  دعا بالأحرى إلى الحوار “طالما بالحوار تدوم الكلمة وتنمو، وبالحوار أيضا تنمو الكنيسة”.(انظر مقتطفات منها في الاطار).

       وفيما كان الأب يوسف توما الدومنيكي قد افتتح “صلاة الشكر” بكلمة ترحيبية بوصفه رئيس اللجنة التحضيرية لليوبيل في بغداد، اختتم الصلاة الأب بيوس عفاص، رئيس التحرير، بكلمة أوجز فيها رسالة “الفكر المسيحي” وطبيعة عملها ضمن كنيسة العراق التي هي في خدمتها.

       بعدها افتتحت المعارض الفنية في جو من البهجة العامة ووزعت المرطبات، وشملت

المعارض: معرض المجلة الذي سبق وان عرض في الموصل. ومعرض الأشغال اليدوية من تطريز وتخريم ورسم على القماش ومجموعة الدمى بأزياء القرى الشمالية الخ… ومعرض الفنون التشكيلية للوحات الزيتية وأعمال السيراميك والأشكال الخشبية. ومعرض الفوتوغراف وقد ساهم فيه الفنان حازم باك وهيثم فتح الله وغيرهما، ومعرض الخط العربي والسرياني. وأخيرا معرض رسوم الأطفال. هذا واستمرت المعارض مفتوحة طيلة ثمانية أيام.

      ومن فعاليات اليوبيل البارزة الأخرى في بغداد الأمسية الموسيقية التي أحيتها عازفة البيانو الشهيرة بياتريس اوهانيسيان في قاعة نادي جمعية الشبيبة الارمنية يوم السبت 22 تموز 1989. وقد شرف الأمسية بحضورهم سيادة المطران افاك اسادوريان رئيس أساقفة  بغداد للأرمن الأرثوذكس، والمطران سويريوس حاوا رئيس أساقفة  بغداد للسريان الأرثوذكس  والمطران بولس دحدح ورهط كبير من أصدقاء “الفكر المسيحي”. والجدير بالذكر لفنانة ان الفنانة بياتريس قدمت عزفها هدية “للفكر المسيحي” مساهمة منها في دعم مسيرة المجلة، كما قدمت جمعية الشبيبة الارمنية أيضا قاعتها مجانا لهذه الأمسية الرائعة، فأليهما شكرنا العميق.

       أما مساء الاثنين 24 تموز فقد قدم الأب جرجس القس موسى، نائب رئيس التحرير، محاضرة في كاتدرائية القديس يوسف حول مسيرة المجلة خلال 25 عاما. 

       وكان مسك الختام في أمسيتي الخميس والجمعة (27/28 تموز 1989)، حيث كنا على موعد في قاعة الكاتدرائية الرئيسية مع مسرحية “ترنيمة الكرسي الهزاز” تأليف فاروق محمد، شعر عريان السيد خلف، إخراج الدكتور عوني كرومي – وقد تابع المسرحية في غيابه مساعده ناجي عبد الأمير – تمثيل الفنانتين إقبال نعيم وإنعام البطاط. والجدير بالذكر إن هذه المسرحية قد حازت على جائزة أفضل عمل مسرحي عراقي لعام 1988، وبالجائزة الكبرى لمهرجان المسرح العربي في قرطاجة بتونس كأفضل عمل مسرحي عربي لعام . 1988 ويطيب لنا هنا أن نعبر عن شكرنا الخالص لفريق الدكتور عوني كرومي الذي قدم ريع المسرحية هدية “للفكر المسيحي”، وخاصة للكفاءة العالية التي أديت فيها المسرحية. إخراجا وتمثيلا.

      وعلى هامش اليوبيل أقامت إدارة المجلة حفلة غداء في نادي الهندية تكريما لأعضاء اللجان التحضيرية لليوبيل والمساهمين في أعماله ونشاطاته ومعارضه.

      إن كل هؤلاء الجنود المجهولين، من إخوة وأخوات وآباء، الذين لولاهم لما جاء اليوبيل بهذا النجاح، نتقدم بشكرنا. كما نسجل شكرنا العميم لسيادة المطران بولص دحدح لوضعه كاتدرائيته وقاعتها وحدائقها تحت تصرف المجلة طيلة أيام احتفالات اليوبيل في بغداد. كما نتوجه بشكرنا إلى أصحاب السيادة الأساقفة الأجلاء والآباء الكهنة والأخوات الراهبات وجميع القراء والمناصرين، في الموصل وبغداد، الذين شاركونا أفراح اليوبيل سواء بحضورهم الشخصي هذه أو تلك من الفعاليات، أو بزيارتهم المعارض المختلفة، أو بإرسالهم برقيات التهنئة ورسائل المودة.

                                           كلمة المطران عما نوئيل بني

    (…)

 لست هنا في صدد تقييم الفكر المسيحي. فذلك امر متروك لكم، انما اريد ان اوكد على نقطة قد تكفي وحدها لتبرز ما للقائمين على اصدار هذه المجلة من دور يستحقون عليه الثناء والتشجيع وهو الاستمرارية في اداء الرسالة.

     انه ليس بالامر الهّين ان تستمر مجلة، طيلة ربع قرن. على الصدور لا سيما اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار بعض العوامل التي من شأنها ان تعقل هذه المسيرة او ان تثبط عزيمة اصحابها. وإذا ما القينا نظرة على المعوقات التي رافقت مسيرة مجلة الفكر المسيحي فباستطاعتنا حينئذ ان نقدّر حق قدرها الجهود التي بذلها القائمون على هذه المجلة. ليس فقط لكي تبقى بل ايضا لتتطور شكلا ومضمونا. ففي مقدمة المعوقات كانت ضآلة الموارد وهي تنحصر في بدلات الاشتراك والمناصرة. وهي بالواقع ابعد من ان تسًد المصاريف لو أتبع هنا اسلوب المكافآت للعاملين في المجلة كما هو الحال في المجلات الاخرى يضاف الى ذلك متاعب الطباعة وارتفاع الاسعار واسعار الورق بالذات بشكل لا يكاد يُصدّق (…). وهنا لا يفوتنا ان نذكر بعض المواقف غير المشجعة ان لم المناوئة وقد تكون هذه المواقف مبررة احيانا الى حد ما  التي كان على هيئة التحرير مواجهتها! واننا لعلى يقين ان ذلك كله قد أكسبها خبرة واسعة تساعدها على اداء رسالتها بشكل انجح.

      تمنياتنا لمجلة الفكر المسيحي ان تبقى وان تسير من حسن الى أحسن. وان تكون اداة للتثقيف المسيحي الرصين وللاعلام الجاد والبنّاء اننا نقر ان ذلك ليس بالامر الهّين لاننا نعلم انه من الصعب جدا ان ترضي مجلة. اية مجلة. جميع الاذواق. ولكننا نؤكد هنا. وهذا ما قلناه مرارا لهيئة التحرير. ان القاعدة الذهبية التي يجب الا تغيب عن بالهم. وهم يحررون المقالات وينقلون الاخبار . ان من يكتب يجب عليه اولا ان يعرف لمن يكتب. فهناك بعض المقالات التي هي فوق مستوى القراء. وهي اشبه بالطعام الثقيل والدسم الذي يُعطي لطفل صغير لا يقوى على هضمه. مثل هذه المقالات لا تأتي بفائدة تذكر إن لم نقل انها قد تشوش وتبلبل افكار القراء. كما ان هناك بعض الاخبار المثيرة التي إذا نشرت وإن كانت صحيحة. قد تهدم ولا تبنى. لأن القارىء. غالبا ما. ليس بمستوى يؤهله لفهم الخير على حقيقتة واستخلاص العبرة من نشره.

     مع اعتزازنا بما حققته مجلة الفكر المسيحي خلال هذه المسيرة الطويلة. ومع الثناء على القائمين عليها للجهود المضنية التي بذلوها. نتمنى عليهم ان يبدأوا هذه المرحلة الجديدة بايمان راسخ وهمة عالية ووعي متزايد لكي تستمر المسيرة في خدمة الكلمة والكنيسة على بركة الله.   

رسالة البطريرك بيداويد

      حضرات ابنائنا الاعزاء رئيس واعضاء هيئة تحرير مجلة “الفكر المسيحي” المحترمين.

      نشارككم في صلاة الشكر لله العلي القدير بمناسبة احتفالات اليوبيل الفضي لمجلتكم الغراء “الفكر المسيحي” راجين ان تكون جهودكم المشكورة خدمة للكلمة الذي هو الله والذي صار بشرا فسكن بيننا مفيضا علينا الحياة والنور والنعمة والحق (يوحنا 1/1، 3، 9 ،14). وان تكون مجلتكم شهادة للنور ليؤمن عن شهادتها جميع الناس عن طريق ترسيخ العقيدة السليمة ونشر تعاليم الكنيسة وتوجهاتها لخير الانسان الجديد المفتدى (يوحنا 1: 7 -8).

     فاليكم محبتنا الابوية وتقديرنا مع تشجيعنا لمتابعة مسيرتكم البناءة حفظكم الرب بعنايته وسندكم في رسالتكم الشريفة مع تهانينا القلبية وادعيتنا الحارة لدوام نجاحكم وتوفيقكم مستمطرين على حضراتكم وسائر قراء “الفكر المسيحي” الكرام فيض البركات السماوية.

                                                                     روفائيل الاول بيداويد                                       

                                                          بطريرك بابل على الكلدان

رسالة الكردينال

رئيس مجمع الكنائس الشرقية حاضرة الفاتيكان

    غبطة البطريرك روفائيل الاول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان – بغداد

       بمناسبة الاحتفال البهيج بمرور 25 عاما على تأسيس المجلة الشهيرة “الفكر المسيحي”، وفيما اتمنى لها نموّاً مطرداً مع التأكيد، بامانة متواصلة، على التعليم المسيحي الرسمي، وبانسجام بنوي مع الكنيسة المحلية، اتقدم باسمى وبأسم سيادة امين سر المجمع وكافة معاونيّ، باصدق التهنئات، مستمطراً على ادارة المجلة وجميع قرائها غزير البركات الالهية.

                                                        الكردينال سيمون لوردو سامي

                                                         رئيس مجمع الكنائس الشرقية

مقتطفات من كلمة المطران بولس دحدح

       (…)

        انا لا اتصوّر ان وراء هذا المشروع (مجلة الفكر المسيحي) اية مصلحة مادية. المجلة مشروع لنقل الكلمة. كلمة الله. الكلمة الحق. التعليم المسيحي الصادق بكل نزاهة واخلاص وانا لا اتصور، حتما، ان مجلة الفكر المسيحي هي الناطق الرسمي باسم كنيسة العراق… فهي تضع امامنا اخبار الكنيسة في العالم اجمع، منها الرسمية ومنها غير الرسمية…

     الكنيسة لا تسير فقط انطلاقا من الكتاب المقدس ومن التعليم الكنسي الرسمي. وانما ايضا من الطروحات اللاهوتية والفلسفية والتحليلات. ومن هذا المنطلق تبقي الكنيسة الباب مفتوحا امام مؤمنيها ولاهوتييها ومعلميها والصحفيين فيها ليتطرقوا الى بعض المشاكل التي، وان اثارت احيانا بعض التساؤلات، فالكنيسة تستخلص منها ما تستطيع لتعطينا الجديد. والكنيسة. برئيسها المنظور واساقفتها. لا تعطينا تعليما من لا شيء. وانما تطرحه على اللاهوتيين ليحللوه. ليدرسوه. ليضعوا الحجج اللازمة لاسناده. وان تباينت الاراء… الكنيسة ليست حاكما قاسيا يقطع راس كل من يختلف رايه عن رايها. فاذا تمسكت الكنيسة ببعض الامور. لاسباب. فهي لا تمنع ان تطرح في اطار مغاير ومن وجهات نظر اخرى. مع الاستعداد لقبول القرار الرسمي عندما يصدر.

     لا تتصوروا ان من واجب قراء اية مجلة. الفكر المسيحي او غيرها. ان يقبلوا بكل ما تطرحه. فلكل واحد منا عقل وتفكير وروح نقدية لا بد منها. عندما نقرأ. علينا ان نحلل ونستخلص وربما ان نحاجج وننقل رأينا الى المسؤولين عن هذه المجلة. طالما الكلمة هي حوار. وبالحوار تدوم الكلمة وتنمو. وبالحوار ايضا تنمو الكنيسة وليس بالشجار او التناحر وكسر الرؤوس (…). فاذا بلعتم كل ما يرد في هذه المجلة. فهذا يعني انها تعمل لغسل دماغكم. وتلك ليست مهمتها. مهمتها هي ان تحسسنا بالمشاكل المسيحية المعاصرة… فعلينا ان نساهم وندافع وننمي ونعمل كل شيء لدعمها، لا مسايرة لأصحابها. بل لان كلمة الحق نقولها: انها. منذ 25 عاما. المجلة المسيحية الوحيدة. عسى ان تنافسها مجلة اخرى

      اخيرا. اتقدم بالتهاني، والتمنيات خاصة. الى ادارة الفكر المسيحي لكي لا يخافوا. لا يتراجعوا، لا يهابوا، ليتقدموا! ان طريق الكلمة طريق شائك. (…) فالى الامام. صلاتنا معكم وادعيتنا. وكذلك مساهمتنا المادية وغير المادية. لا للفكر المسيحي كمجلة وحسب. بل لكونها خدمت كنيسة العراق. والعراق اولا. 

  ))))))(((((((((

Normal
0

false
false
false

EN-US
X-NONE
AR-SA

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin-top:0cm;
mso-para-margin-right:0cm;
mso-para-margin-bottom:10.0pt;
mso-para-margin-left:0cm;
line-height:115%;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;}

مسيرة الفكر المسيحي خلال 25 عاما

ت1 ت2 1989

        بمناسبة مرور 25 عاما على ظهور “الفكر المسيحي”، رسم هذا المقال مسيرة كانت بداياتها متواضعة عسيرة، ولكنها بداية ما فتنت تزداد رسوخا واتساعا وعلى اكثر من صعيد – وليس التطور في المضامين التي تلقاها القراء وتفاعلوا معها، من اقلها شأنا ! ولاسيما حين اتضح، مع الاعوام، خطها الفكري الواضح والمتسم بالروح النقدية والجرأة، بعيدا عن كل اشكال المساومات والتواطآت … هذا الخط، حددته الاهداف التي ما انفكت المجلة تعلنها               منذ عام 1977.

      من اجل تلك الاهداف انطلقت “الفكر المسيحي” – سلسلة (1964- 1970) فمجلة (1971) لخدمة الكلمة في كنيسة عرفت منعطفا دقيقا من تاريخا، فكانت فيها صوتا نبويا، وأي صوت … وبسبب تلك الاهداف، كان لها “قراؤها” الذين التقت توجهاتها مع تطلعاتهم …ولا شيء يغني عن مطالعة هذا العدد الخاص برمته، لما فيه من الذكرى والمتعة !

*     الانطلاقة والمراحل

    الساحة خالية خاوية. آخر مجلة دينية مسيحية انطفأت منذ 8 سنوات، والنشر

المسيحي يكاد يكون معدوما لولا سلسلة “كلام الله” المترجمة التي تعهدها الآباء الدومنيكان في الموصل عام 1959 للتعريف بالكتاب المقدس.

    عطش الشبيبة الى ثقافة مسيحية جادة تجيب الى التساؤلات الدينية والطروحات الفكرية والتيارات الفلسفية التي جاءت بها ثورة 14 تموز 1958، في خضم الغيير النوعي الكبير في الحياة الاجتماعية والسياسية الذي احدثته في حياة العراقيين عامة،  والمسيحيين بنوع خاص.

         حماس تتأجج به قلوب فريق من الكهنة، كهنة يسوع الملك، اخطتوا لانفسهم ان يعيشوا تجربة الحياة المشتركة للتعاضدالاخوي في ما بينهم وللتعاون في الرسالة. لا رصيد لهم – وقد رسموا حديثا – غير الطموحات والاحلام والعزم على تحقيق شيء في باب النشر كبداية، سيما وان رياح المجمع الفاتيكاني الثاني في الستينات هي في عز هبوتها .

     هذه كانت الاجواء التي ولدت فيها “الفكر المسيحي” عام 1964 . ولقد توخينا البدء بمشروع وضيع ونفتح للتطوير والتوسيع، فتبنينا صيغة نشرة شهرية تحمل في كل عدد مقالا واحدا، ضمن مخطط سنوي يشمل العقيدة، والاخلاق المسيحية، والكتاب المقدس، والحركة المسكونية، والتربية، والقضايا الاجتماعية، وحياة أحد شهود الايمان، وعددا للاجابة على الاسئلة الواردة باسم “صندوق الاسئلة” …وسميناها “سلسة الفكر المسيحي”، وتشكل كل سنة حلقة، وتتكون الحلقة من 10 أعداد (حجم 16X20 سم).

    ظهر العدد الاول من “السلسلة” في ك2 1964 بعنوان “الكنيسة عبر القارات”ب 16ص و 200 نسخة، وكانت قيمة الاشتراك السنوي 200 فلس. اما في السنة الثانية فقد ارتفع عدد المطبوع ليستقر في 3000 نسخة مع اضافة في الصفحات (20ص)، وفي عام 1968 اضيفت 8 صفحات اخرى كملحق يتضمن افتتاحية قصيرة وانباء العالم المسيحي .

    وقد كانتحصيلة ما نشرته سلسلة الفكر المسيحي خلال سبعة اعوام 60 عددا في شتى المواضيع الدينية والتربوية والكتابية والراعوية والمسكونية .

    وفي سنة 1971 ، تحولت السلسلة الى مجلة شهرية متعددة الابواب (حجم 24 x17 سم ب 32 ص لتستقر عام 1975 في 48 ص ). بهذا التحول حققت الفكر المسيحي نقلة نوعية جوهرية ، حيث اتخذت لها طابع  مجلة دورية  حقيقية كقناة للتثقيف والاعلام المسيحيين في خدمة كنيسة العراق. وحددت اهدافها وطبيعتها بكونها مجلة مسيحية لا طائفية تتوجه الى القراء، بمختلف كنائسهم، لتقدم لهم، بلغة العصر وبنظرة انجيلية منفتحة، ثقافة مسيحية اصيلة وواعية، من خلال معالجاتها للقضايا التي تواجه الكنيسة في عالم اليوم والاحداث المتصلة بحياتها وبشهادة المؤمنين، في خط المجمع الفاتيكاني الثاني وبروحه .. فصار الملف– ويتناول جانبا من جوانب من حياة الكنائس او دراسة ما- يحتل مكانا متميزا منذ البداية في كل عدد، من حيث المضمون والمساحة . واصبح باب اخبار العالم المسيحي القناة الوحيدة للسواد الاعظم من القراء للاطلاع على نشاطات الكنيسة في العراق والعالم. وتصدر ركن التاريخ اعداد المجلة لثلاثة اعوام ليستذكر تاريخ كنيستنا الشرقية وعمق تجذرها في ارض الرافدين. وكان ركن التربية يعالج قضايا تربوية ملحة برغبة فتح حوار بناء بين الاولاد وذويهم، وتوعية الاهل بمشاكل اولادهم وبناتهم ومعانيات عمرهم … ومواضيع متنوعة اخرى مما هو في صلة مباشرة مع اهتمامات القراء الفكرية والروحية والدينية، مع تعاطف مقصود مع شريحة الشباب والجيل الجديد .

      وجاء عام 1977 ليشكل منعطفا جديدا في حياة المجلة، حيث اتخذ نهجا اعلاميا واضحا، سواء في التصاقها بالحدث الكنسي والمسيحي في العام وفي العراق، ام باسلوب تعاملها مع هذا الحدث، ومتابعة حيوية الشهادة المسيحية في مختلف القارات والجماعات الكنسية. فاستحدثت ابوابا ثابتة وزوايا حرة، واتجهت لمعالجات شطر القضايا الفكرية والاجتماعية والشؤون الراهنة المطروحة في حياة الكنيسة الجامعة والكنائس الخاصة، وكنيسة العراق بشكل خاص، وذلك وفق نهج اعلامي يتوخى الامانة للحقيقة ولطبيعة العمل الصحفي . والاسلوب الصحفي يعتمد اساسا العرض والتحليل والنقد، ويتحاشى الطروحات النظرية والتعليمية المباشرة.

*    خط المجلة وتشخيص معانياتها

          غير ان للفكر المسيحي، لكونها المجلة المسيحية الوحيدة في العراق، وايمانا منها بأن لها رسالة انجيلية ودورا نبويا في نهظة كنيستنا، ارادت ان تزاوج، في طبيعة اخراجها وتكوينها، بين الاسلوب الصحفي واسلوب الدوريات الثقافية المسيحية، لتغدو قناة توعية واعلامفي خدمة مسيحيي العراق… علٌ مجلة اخرى تنافسها فتحمل عنها، لربما، ما لا تستطيع حمله، او يراد لها ان تحمله، مرة واحدة !   

     وتجاه بعض الاراء التي تتجاهل طبيعة الصحافة وقوانينها واسلوب عملها، وتنكر على الفكر المسيحي الاحتفاظ بخصوصيتها واستقلاليتها، ولا ترى فيها الا مجرد اداة نقد وتشكيك واعادة نظر في المسلٌمات، او لا ترتاح الى الوعي والانفتاح والتساؤل الذي تطرحه المجلة عبر معالجاتها … عمدت الفكر المسيحي الى تحديد اهدافها بوضوح منذ ك2 1977 ، وذدذكرنا بها “فولدر” اليوبيل الفضي هذا العام، وهي أن الفكر المسيحي :

*     مجلة ثقافية

        تسعى الى تطعيم قرائها بروحانية الانجيل

        في بحث عن اصالة الايمان والتجدد

        وتقصد : بذلك اعطاء  الاولوية للروح والشهادة، اي للجانب النبوي للرسالة الانجيلية وحياة الكنيسة ، ولاصالة  الانجيل المنفتحة نحو التجدد لا الركود، للجوهر لا الشكليات .

*     مجلة اعلامية ملتزمة

      تقدم لقرائها اعلاما جادا

      حول حياة الكنيسة في العراق والعالم

    وتقصد بذلك ان تكون قناة توعية وايقاظ ، ليس لمجرد الاثارة ، وانما للتحريك وكدعوة الى العمل .

*    مجلة تؤمن بالوحدة المسيحية

         فوق الفوارق الطائفية والمذهبية

         وتسعى الى اشاعة الاخوة والتضامن .

   وتقصد بذلك الركيز على ما يوحد، لا على ما يفرق، والانفتاح على الافكار والنشاطات في الكنائس الشقيقة المختلفة  ونبذ اية نعرة مذهبية او طائفية . سيما واننا في العراق، لربما اكثر من غيرنا، بحاجة لأن تظهر الكنيسة موحدة، وتكون كذلك فعلا. ملاحظة واحدة وهي ان المجلة ليست مجلة وحدوية متخصصة بشؤون الحركة المسكونية، ووضوح انتمائها الكاثوليكي لا يؤثر على خطها الوحدوي .

*    مجلة مسيحية

لا تدعي انها لسان الكنيسة الرسمي

بل تؤمن بتعددية الاراء والتعبير

ضمن وحدة الايمان

   وتقصد بذلك انها، اذ تنطلق من القاعدة وللقاعدة، لا تدعي انها الناطق باسم السلطة الكنسية، مع حرصها على البقاء امينة للعقيدة المسيحية والايمان . وانها، اذ تقدم اجتهادات وابحاثا وتحليلات وآراء  تعكس حركة الحياة والبحث ضمن الكنيسة، فهي لا تلزم السلطة الكنسية بتبنيها بالضرورة، من جهة، ولا تدعي انها التعليم الرسمي النهائي للكنيسة، من جهة اخرى، فالمجلة تصدي للتعليم الكنسي الرسمي عبر الوثائق التي تنقلها، وتنقل الطروحات غير الرسمية ايضا، مفترضة الوعي عند القاريء.

      وهكذا يتحتم على الفكر المسيحي ان تحافظ على موازنة دقيقة بين اربعة عناصر وهي :

1-    القراء : الذين يتكونون من شرائح مختلفة من المؤمنين، ومن مختلف الطوائف

المسيحية ، ومن اعمار وثقافات متفاوتة ، بينهم المتفتح والتقليدي والثوري، مع تفضيل ملتزم للجناح المتحرك والمنفتح بينهم .

2-    الرؤساء الكنسيين : الذين بصفتهم حماة المؤسسة الدينية واستقامة العقيدة، يميلون عادة

الى تكريس الوضع القائم ولا يرون دوما بعين الرضى ان يعكر صفو الافكار السائدة ا وان يزرع التساؤل، لا سيما في ما يخص قوالب التعليم الديني المتوارث او طرائق ممارسة السلطة.

3-    البيئة الايديولوجية السائدة في البلاد .

4-    واخيرا منظورنا الخاص لحياة الكنيسة – ونريده انعكاسا امينا لروح المجتمع –

وطريقنا في مواكبة والتزام هذه الحياة، عبر المجلة كقناة ثقافة وتوعية مسيحية عراقية ملتزمة . وذلك وفق الاسلوب الاعلامي الذي له خصائصه ومقوماته، ورغبتنا في الحفاظ على الاستقلالية كشرط للحيوية والتعبير الحر البناء .

    ولو امعنا النظر في الاهداف التي رسمتها المجلة  لنفسها وفي هذه الموازنات، لا سيما النقطة الاخيرة منها، لوجدنا الجواب لكثير من الاسئلة التي يطرحها البعض حول انفتاح المجلة- عبر ابوابها الاعلامية ومعالجاتها – الى التيارات الفكرية المستجدة في الكنيسة الجامعة، في ميادين البحث اللاهوتي والاساليب الراعوية والتربوية، وفي نماذج الشهادة المسيحية التي تؤديها الكنائس المحلية، او جماعات القاعدة فيها ، في اطار واقعها التاريخي والاجتماعي الخاص . ففتح افاق القراء على حركة الحياة في الكنيسة الجامعة جزء من رسالة المجلة ، سواء كان من جانب الاطلاع ام الشعور باننا جزء من كل اوسع …فلا نتقوقع على معانياتنا الذاتية وننحصر في خبراتنا الذاتية في حالة حلزونية وقائية .

      هذا وكان بودنا ان نضيف عنصرين اخرين يدخلان طرفا في معادلات الفكر المسيحي كمجلة شهرية الصدور، الا وهما ظروف التحرير وشحة الكتاب من جهة ، حيث يقع العبء الاكبر على اشخاص معدودين يتكررون، وظروف الطباعة من جهة اخرى (التصاعد المرعب لاسعار الورق مع ركود الاشتراكات).. الى جانب المعوقات الكثيرة التي تعترض عملية متابعة الطباعة والتوزيع ..)  .

      اما لماذا يعتبر انتشار المجلة محدودا نسبيا (7500 مشترك) بعد 25 سنة ، فلربما لان الفكر المسيحي تمثل نمطا من صحافة الراي، والراي الديني بصورة خاصة .وهذا النمط من الصحافة ليس كعكة يتهافت عليها القراء .فضلا عن ان اوساطا غير قليلة لا زالوا يجهلونها او لم يسمعوا بها او لا يعرفون كيف يشتركون . اما ان يمتنع البعض عنها بسبب خطها ، فهناك بالمقابل اخرون ايضا يطلبونها من اجل خطها .

       هل تحقق المجلة كل طموحنا ؟ كلا ! بل نسعى دوما الى عطاء افضل . 

        ولكن مع ذلك، بوسعنا القول انها، في مسيرتها على مدى ربع قرن، قد ساهمت من موقعها في خدمة كنيسة العراق وتجديدها، فلقد ادخلت ، من دون اي شك ، تيارا فكريا يتسم بالشباب والحيوية ، ونمطا من الانتماء الى الكنيسة  يتسم بالوعي والفاعلية والنضوج . فالحصيلة تبدو لنا ايجابية : دور القاعدة، اي العلمانيين في الكنيسة، نظرة الى عيش الايمان تتميز بالاصالة والشخصانية وتتجاوز الطروحات النظرية الى الشهادة الحية ؛ التزام خط تجددي بالعودة الى الجذور دون القشور واستلهام روح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني؛ التركيز على الحوار والمسؤولية وليس على الادانة والخوف، اولوية الانسان على الشريعة ؛ دينامية كنيسة جامعة موحدة اكثر مما تبدو في اختلافاتها ؛ الكلمة الحرة والشجاعة لقولها ؛ الانفتاح على العالم وعلى الافكار والاراء؛ الطاقة غير المستثمرة للشبيبة والنساء في حياة الكنيسة الخ …، هذه هي بعض المفردات التي تتناولها المجلة بصيغ مختلفة، شهرا بعد شهر . فبالنسبة لها، كل تقرير تقدمه عن الخبرات الانجيلية او المسكونية للجماعات المسيحية التي تشهد، في القارات المختلفة، للرجاء الذي فيها، وعندما تتصدى لتباين الاراء ووجهات النظر في الكنيسة ، او تشير الى الاولويات … فهي تعتبر ذلك اصغاء الى الروح الذي يتحدث الى الكنائس . اليس ذلك تجسيدا لدينامية المجمع الفاتيكاني الثاني وجراته ؟ الفكر المسيحي تحاول ان تفعل كل ذلك في محبة عميقة للانجيل والكنيسة . 

 

                                                               الاب جرجس القس موسى

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: