مجلة الفكر المسيحي 1990

مجلة الفكر المسيحي 1990

03

لقاء مع الأب خليل قوجحصارلي      

255

ايار

1990

104

ناميبيا ..معركة الاستقلالملف                        

256

حزيرن/ تموز                                                                                                                           

1990

105

المرسوم مجمعي في حركة مسكونية

259

ت1– ت2

1990

106

مع الأسرى العائدين  ش.ر              

260

كانون1

1990

107

لقاء مع المطران عبدة خليفة     

260

كانون1

1990

1990 المقالات 

ناميبيا.. معركة الاستقلال

ملف حزيران – تموز 1990

      ناميبيا، سوابو، نوجوما، ويندهوك… كم تكررت وتزاحمت هذه الأسماء، في شريط الأنباء، طيلة ريع فرن، إلى أن تكللت مسيرة الأغلبية السوداء في هذا “الإقليم”. -الذي لم يكن يطيب لنظام جنوب إفريقيا العنصري أن يتخلى عنه سريعا!– بالظفر حين تم الإعلان، في 21 آذار الماضي، عن استقلال ناميبيا، وحين امسك بزمام الرئاسة سام نوجوما الذي قاد طويلا نضال منظمة شعب جنوب غرب إفريقيا (سوابو)، وعمت الفرحة ويندهوك العاصمة وكل شبر من هذه الأرض الواسعة الغنية بالثروات الطبيعية. “ناميبيا، عشية الاستقلال”! عنوان مقال سبق أن نشرته “الفكر المسيحي” (آذار 1982).

     وبمناسبة الاستقلال يسعي الأب جرجس القس موسى في هذا الملف إلى رسم لوحة متكاملة عن نضال شعب ناميبيا (مليون ونصف) الذي يدين 90% منه بالمسيحية، والذي لعبت فيه الكنائس المختلفة دورا متميزا، ويتحتم عليها أن تلعبه بالأكثر في فترة ما بعد الاستقلال.

        “لا يخطر ببالهم أنهم هم المسؤولون، وإذا حمل قسم من الرجال السلاح فبسببهم هم، بسبب المهانات اليومية، بسبب سياسة الفصل العنصري التي ينتهجونها. أنهم لم يفهموا حتى الآن أنهم آخر المستعمرين في إفريقيا. يظنون إن الحق بجانبهم، وكذلك الله، طبعا. أما الآخرون فهم “إرهابيون”.. يا لرياء الفريسيين!…”.

       “والفريسيون “المقصودون هم البيض المندحرون من أصل أوربي أو القادمون من جنوب إفريقيا إلى ناميبيا، فاحتلوها منذ أكثر من قرن يعيثون بها وبخيراتها على هواهم ويعيشون فيها كالأسياد المترفين المتغطرسين في مستعمراتهم المترامية الأطراف وإحيائهم الخاصة، رافضين إي اختلاط اجتماعي أو ثقافي مع السكان الأصليين السود وكأنه وباء وتلوث، والانكى من ذلك أنهم يبررون سياسة التفوق والفصل العنصري هذه بادعاءات توراتية مزعومة. أما “الإرهابيون” المعنيون فهم الأفارقة، أهل الأرض، وخاصة جماعة “السوابو” (SWAPO منظمة شعوب جنوب غربي إفريقيا) الذين حملوا السلاح منذ 1966 لانتزاع استقلال بلادهم من جنوب إفريقيا العنصرية التي تحتل ناميبيا فعلا منذ 1920.

        أما صاحبة القول فهي صحفية وخبيرة اجتماعية سويسرية تدعى كريستين فون غارنييه قضت عشرين عاما في ناميبيا إلى جانب زوجها الألماني الأصل في مزرعتهم المنعزلة، تراقب وتحلل لتكتشف عالمين متناقضين: عالم المستعمرين البيض المالكين زمام الحياة العامة والتعليم والاقتصاد بأكمله، وعالم الشعب الأسود المحكوم عليه بالبقاء في العبودية.

       وتدور الأيام.. وتنال ناميبيا استقلالها الفعلي في 21 آذار الماضي، وتشكل منظمة السوابو أول حكومة ناميبية مستقلة وفق ما أقرته الأكثرية التي حازتها في أول انتخابات ديمقراطية حرة أجريت في البلاد في ت2 الماضي، وتصبح الدولة الجديدة العضو أل 160 في الأمم المتحدة.

       ولكن درب الاستقلال كان طويلا وشاقا.. ولقد كان للكنائس –وان بعد تلكؤ أملاه ارتباط قياداتها بالبيض–  دورهام وبالتدريج، كما سنرى، في إلزام مشروع الاستقلال وترسيخه في وعي المؤمنين في الداخل، ودعمه في المحافل الدولية والرأي العام العالمي.

لنعد إلى التاريخ

         من القرن 14 وحتى 18 توجهت إلى الجنوب الإفريقي من أواسط إفريقيا ومناطق البحيرات الكبرى موجات متعاقبة من قبائل تنتمي إلى أعراق مختلفة تمتهن الصيد والرعي والقطاف. وقد رسا كثير من هذه القبائل على ارض ناميبيا في مجموعات شبه مغلقة ومتنافسة أحيانا كثيرة. وكانت آخر هذه الاقوام “الهيريرو”، وهم رعاة رحل طويلو القامة نحيفون، اخضعوا “الناما” في طريقهم واستقروا في الوسط. بعدهم جاء “الافامبو” وهم قوم يزاولون الفلاحة، فاستقروا في سهول الشمال الخصبة. ويشكل الافامبو اليوم نصف سكان ناميبيا واكبر  جماعة عرقية. ثم لحقت بهم أقوام اقل أهمية مثل “الكافانكو”،  وهم صيادون تجمعوا حول نهر اوكافانكو.. أما آخر الموجات الجديدة فكانت جماعة خلاسية يطلق عليها اسم “باستاردس” (النغول) لانحدارها من زيجات بين البيض الهولنديين و “الخويكوي”، هجرت جنوب إفريقيا في الثلث الأول من القرن 19 لتستقر في منطقة أطلقوا عليها اسم “رهوبوث” محتفضين لأنفسهم بشبه استقلال ذاتي.

        دخلت المسيحية إلى حافات ناميبيا الجنوبية (حول نهر اورانج)عام 1810 عن طريق مبشرين انكليز. غير إن التبشير الفعلي قد بدا مع مجيء البروتستنت اللوثريين الألمان عام 1844 حيث بشروا قبائل “الناما” و “الهيريرو” وبعد توقف بسبب الحرب (1863– 1844) استدعى الألمان مبشرين فنانديين لنشر الانجيل بين “الافامبو” و”والكافانكو”.

       وتنبهت الدول الاستعمارية إلى ما تمتلكه ارض ناميبيا على سطحها من خصوبة  وفي باطنها من معادن، فكانت انكلترا السباقة في احتلال خليج  والفس وضمه عام 1879 إلى مستعمرة ألكاب. ثم هرع الألمان للاستيلاء على الساحل الأطلسي وجعله محمية المانية عام 1884 وطرد الفلاحين الهيريرو من أراضيهم وتسليمها لمزارعين ألمان. ولما ثار هؤلاء وهاجم 6000رجل منهم المزارعين وقتل منهم 123، اصدر الحاكم العسكري الألماني أوامره بالإبادة (“لا يفلت منهم أي رجل، أو امرأة، أو طفل. اقتلوهم جميعا”) وكانت حصيلة المذبحة 60000 قتيل. وكانت تلك أول ثورة، وليس آخرها، لنفض نير المستعمرين.

       وكانت الحرب العالمية الأولى.. وفقدت ألمانيا المندحرة ممتلكاتها، ومنها ناميبيا، فأسندت عصبة الأمم المتحدة انتدابها إلى انكلترا التي أوكلت إدارتها الفعلية إلى جنوب إفريقيا عام 1920، على أن تعمل لخير الناميبيين وتقدمهم الاجتماعي، كما تشير شروط الانتداب. ولكن جنوب إفريقيا لم تعمل سوى لمصالحها غير آبهة مطلقا بمصير أهل البلاد السود، فكانت ثورات 1922، و 1924، و 1932. ولما أرادت بريتوريا ضم ناميبيا إليها بعد الحرب العالمية الثانية   سحبت الأمم المتحدة الانتداب من يديها رسميا عام 1946. غير أن بريتوريا تجاهلت الأمر وصارت تصوغ المشروع تلو الأخر لتبقى على سيطرتها. ومن هذه المشاريع تقسيم القطر إلى شطرين  شمالي للسود، وجنوبي ملحق بها للبيض، أو إقامة مناطق مفصولة (HOME LANDS)  وفقا للانتماء العرقي، على نحو ما كانت–  ولا زالت حتى اليوم – تنتهجه في أراضيها. وباءت كل هذه المشاريع بالفشل.

 المقاومة.. أو تحرير الذات بالذات

         حينئذ، وللخروج من هذه المراوحة، تنظمت المقاومة الوطنية السوداء بين صفوف العمال الافامبو فنشا “مؤتمر الشعب الاوفاميو عام 1956″،  تلته “منظمة الشعب الاوفامبو” عام 1957 التي تحولت عام 1960 إلى حركة سياسية باسم “منظمة  شعوب جنوب غربي إفريقيا ” (سوابو SWAPO) وترسخت قدم السوابو تدريجيا على الساحة الناميبية والدولية، لاسيما بعدما اعترفت بها منظمة الوحدة الإفريقية كحركة وحيدة لتحرير ناميبيا عام 1965   وازدادت هيبتها وفاعليتها عندما انشأت لها جناحا مسلحا عام 1966.

        ومنذ ذلك التاريخ بدأت لعبة القط والفار بين قوات جنوب إفريقيا العنصرية والسوابو، تارة في حرب مكشوفة تستخدم فيها بريتوريا كل آلتها العسكرية حتى تخترق حدود انغولا نفسها وتحتل جنوبها حيث نقلت السوابو قواعدها، وطورا في مطاردة لا تجدي نفعا كبيرا للمساندة الشعبية الناميبية التي تحضي بها السوابو. أما قضية الاستقلال فبقيت تتخبط في دوامة الرفض القاطع والقبول المشروط والمشاريع المتناقضة والعجز الدولي حتى بعد أن اصدر مجلس الأمن الدولي قراره الشهير المرقم 435 في أيلول 1978 القاضي بمنح الاستقلال. هذا القرار تلكأت بريتوريا عشر سنوات لتطبيقه، جربت خلاله ستراتيجيات مختلفة من إقامة إدارة محلية عملية، إلى حكم مباشر، إلى ضرب القبائل يبعضها، إلى غزو عسكري، إلى تجاهل كامل لمنظمة السوابو في التسوية. ولكن هل يمكن تجاهلها هي التي تعترف بها الأمم المتحدة “ممثلا وحيدا وأصيلا” للشعب الناميبي منذ 1973. وما زاد في تعقيد القضية تواجد قوات كوبية في انغولا الماركسية وتداخل مصالح وسياسات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في المنطقة. وفجأة حلت العقد، الواحدة تلو الأخرى، عندما قررت الدولتان العظميان حل خلافاتها الإقليمية، فكان مؤتمر جنيف عام 1988 الذي أبدت فيه جنوب إفريقيا استعدادها لتطبيق القرار 435. وانسحبت قوات بريتوريا من ناميبيا، وتركت السوابو النضال المسلح منذ أيلول 1988 لتأخذ دورها السياسي في إعداد الاستقلال والمفاوضات والدستور. وفازت السوابو بأول انتخابات عامة اشرفت عليها الأمم المتحدة في ت2 1989، وأعلن الاستقلال الفعلي في 21 آذار1990، وكان أول رئيس للجمهورية الناميبية الجديدة سام نوجوما زعيم منظمة السوابو نفسه.

دور الكنائس

        يقدر إن 90 % من الناميبيين ينتمون إلى هذه أو تلك من الكنائس المسيحية وتأتي في المقدمة الكنيسة البروتستنتية اللوثرية التي تشكل كبرى الجماعات المسيحية مع 600000 نسمة، تليها الكنيسة الكاثوليكية مع 200000، ثم الانكليكان مع 70000، إلى جانب كنائس بروتستنتية صغرى أخرى. وفي عام 1978 تشكل “مجلس كنائس ناميبيا” ليضم معظم الكنائس، وقد انظمت اليه الكنيسة الكاثوليكية عام 1982.

        أما فيما يخص النضال من اجل الاستقلال، فإذا ما بدا الوعي لدى الكنائس منذ أواسط الاربعينات إبان فترة استقلالها عن المبشرين الأوربيين، فهذا الوعي لم يترجم في الواقع الفعلي إلا تدريجيا. وبينما ظلت بعض قيادات الكنائس متأرجحة بين إعلان حسن النوايا وممارسة جزئية –بوعي أو بغير تعمد مقصود–  للفصل العنصري، انطلقت أخرى في عملية اهتداء حقيقية. فلقد عممت البعثة الإنجيلية رسالة على جميع خورناتها عام 1971 تبتدئ بهذه العبارات: “إننا نعترف بانسياقنا إلى التعاون مع سلطات العالم على حساب إخوتنا وأخواتنا السكان الأصليين؛ نعترف بأننا لم نفهم دائما إرادة إخوتنا وأخواتنا السكان الأصليين في أن يقبلوا في شخصيتهم ويستقلوا؛ نعترف بأننا طمأنا ضمائرنا بفكرة أنهم سيرضون بالبقاء في دور التبعية.”.

لهذه اليقظة أيضا تاريخ:

       إن كان المبشرون البروتستنت الألمان قد اختصوا بالبيض وحدهم في البداية وفتحوا مدارس خاصة منفصلة لأبنائهم منذ 1876 وأتاحوا لهم التوسع، فالأمر لم يكن كذلك مع اللوثرين الفنلنديين الذين اهتموا بالافامبو الكافانكو منذ قدومهم في بداية القرن 19 ووقفوا إلى جانب تحررهم. أما الكنيسة الكاثوليكية فلم تدخل الساحة حتى عام 1896 مع مرسليها الأولين الذين لم يلاقوا التشجيع من السلطات الاستعمارية الألمانية البروتستنتية، وإذا ما سمحت برلين عام 1902 بانتشار الكثلكة في الشمال، فبأمل أن تساعد على تطويع قبائل تسوانا، ولما استلمت جنوب إفريقيا إدارة ناميبيا بعد الحرب العالمية الأولى حاولت كسب ود الكنيسة الكاثوليكية، ولكن شريطة أن تدعو هذه إلى الولاء لها وتحجم عن فتح المدارس ونشر الثقافة بين السود، على اعتبارها بؤر معارضة محتملة لسياستها، فركزت اهتمامها على تعليم الفتيات وعلى التبشير، ومما شكل عوقا كبيرا في ممارسة الكنيسة الكاثوليكية دورها النبوي والإنجيلي اعتمادها الكلي على مرسلين أوربيين وتأخرها في إقامة اكليروس محلي (أول أسقف ناميبي عام 1980). بينما سبقتها الكنيسة اللوثرية الفنلندية التي أقامت رعاتها السود منذ 1925، ومنذ 1935 وضعت الأسس القانونية المشاركة السود في مجلسها الأعلى وفتح المعاهد لإعداد القسس السود، لا بل بادر المبشرون الفنلنديون إلى إنشاء كنيسة لوثرية سوداء عام 1954باسم الكنيسة الإنجيلية اللوثرية للاوفامبو والكافانكو”  وقد تجندت هذه الكنيسة ضد سياسة الفصل العنصري. وما خشيته بريتوريا من المدارس الكاثوليكية، جاء من الكنائس اللوثرية الناميبية التي من بين صفوفها خرجت وفيها تربت عناصر “السوابو” الأولى، ووقفت وراء الجناح الداخلي للمنظمة. بل إن كثيرا من رجالها تسلموا، في اللاحق، مسؤوليات إدارية فيها، مثل الراعي هندريك ويتبوي نائب رئيس المنظمة والراعي زيفانا كامبيتا مسؤول القطاع الصحي والاجتماعي فيها.

         ولقد شكل عام 1971 منعطفا هاما في هذا التحول، لربما لعاملين: الأول صدور حكم محكمة العدل الدولية بلا شرعية تواجد جنوب إفريقيا على أراضي ناميبيا. والثاني صدور رسالة جامعية لنيل الدكتوراه  في اللاهوت للدكتور دي فرايس –وهو خلاسي ولد في ناميبيا– عرفت رواجا واسعا، فيها يحلل اسباب التفرقة العنصرية في بلاده، تاريخيا واجتماعيا واقتصاديا، ويدعو الكنائس الناميبية إلى إعادة النظر جذريا ليس في مواقفها الخارجية حسب، بل في تركيبة فكرها اللاهوتي والفلسفي. وهكذا دخلت الكنيسة الناميبية في مرحلة “لاهوت التحرير”، إن صح القول، حيث إن تحرير الإنسان في المسيح يمر بتحريره السياسي أيضا، ولا تحرير حقيقيا من دون التعرض إلى بني الظلم والطبقية العنصرية في جذورها ومسبباتها.

        ومذ ذاك تتالت المواقف الكنسية المعلنة والجريئة إلى جانب حقوق الشعب الناميبي واستقلاله. فلقد دفع إعلان المحكمة الدولية مسؤولي اكبر كنيستين لوثريتين في البلاد إلى توجيه رسالة مفتوحة إلى رئيس وزراء جنوب إفريقيا لشجب “الذل” الذي يتعرض له غير البيض والمطالبة بالاستقلال. وقد عقبت تلك الرسالة حركة من الاحتجاجات والاضطرابات دعمتها الكنائس. ولما لجأت بريتوريا إلى قمع إضرابات عمال المناجم السود بالاعتقال والتعذيب عام 1972 أعلن الأسقف الانكليكاني كولن وينتر إن كنيسته تتكفل بمصاريف الدعوى المقامة ضدهم، فكافاته السلطات العنصرية بنفيه. كما لجأت إلى طرد واعتقال مرسلين آخرين وملاحقة مسيحيين ملتزمين لوقوفهم إلى جانب حقوق السود.

       وهكذا بقدر ما كانت قبضة جنوب إفريقيا تشتد على ناميبيا، بقد ذلك كان وعي الكنائس يزداد، فتلتزم الواحدة تلو الأخرى قضية الإنسان الناميبي الأسود باعتباره ضحية للظلم والقمع ومستلب الحقوق والكرامة على ارض هي أرضه، وعلى يد سلطة استعمارية، لا أكثر ولا اقل. ومفروضة بالقوة والعنف، ولقد لحقت الكنيسة الكاثوليكية الناميبية هذا التيار أيضا عام 1975 حيث تبنت شعار السنة المقدسة (المصالحة) لتطبيقه على الوضع السياسي والاجتماعي لناميبيا. ومنذ 1976 أخذت تبتعد عن بريتوريا وتندمج مع جهود الكنائس الشقيقة، لاسيما بعدما جاءها الدور هي أيضا، وطرد بعض مرسليها لتضامنهم مع السود. وأصبحت الكنائس صوت من لا صوت لهم، ودخلت في المعارضة المفتوحة ضد نظام بريتوريا وسياسته العنصرية. وكانت إحدى وسائلها الأكثر إثارة فتح مدارسها لكافة القوميات والأجناس والألوان سوية، ويا لطالما وجد الأسقف اسود ومعاونوه من البيض، أو العكس!

    وفي 1982 شكل زعماء الكنائس وفدا مشتركا إلى الدول الغربية لشرح قضية ناميبيا وإفهام الرأي العام والحكومات بان ناميبيا ليست مجرد بقعة يتصادم فيها الشرق والغرب، وإنما هي أيضا بلد يتوق إلى الاستقلال. وكان مجلس الأساقفة الكاثوليك لإفريقيا الجنوبية قد أرسل بعثة لتقصي الحقائق في ناميبيا عام 1981 تتكون من 6 أساقفة. وجمل تقرير البعثة على أكاذيب بريتوريا من ان السوابو منظمة شيوعية، وفضح ممارسات القمع والتعذيب. وهكذا أنظمت كنائس جنوب إفريقيا نفسها ومجلس الكنائس العالمي – إلى جهود كنائس ناميبيا والمنظمات السياسية والإنسانية لفضح دور بريتوريا والمطالبة بالاستقلال. وشهدت السنوات الأخيرة من الثمانينات تنسيقا أوسع فأوسع بين الكنائس ومنظمة السوابو. ولقد دفعت الكنيسة نصيبها من التضحيات والاعتقالات والملاحقات القضائية والمضايقات المادية والمعنوية وعلق مدارسها واقتحام الكنائس ثمنا للاستقلال، أسوة بسائر طبقات الشعب الناميبي.

ما بعد الاستقلال

    “علينا أن نمد أيدينا، بعضنا إلى البعض، لنبني سوية امة جديدة. إن ناميبيا بلد واسع جدا، يسكنه عدد قليل جدا من الناس، ففي هذا البلد مكان للجميع”. هذا ما أعلنه سام نوحوما، رئيس منظمة السوابو في افتتاح المجلس التأسيسي المنعقد في ويندهوك العاصمة يوم 14 ت2 الماضي لإعداد دستور ناميبيا المستقلة.

   “أنا مقتنع من إننا سنعمل بإخوة تامة مع سائر الاحزاب المتمثلة في المجلس، لأننا جميعا نريد أن تكون ناميبيا حرة مستقلة”. هذا ما أدلى به ادي امكونغو احد قادة السوابو للصحافة بعد الانتخابات التي فازت بها منتظمة.

“نحن الأفارقة نحيي هذا الاستقلال ونريد أن نتقاسم المستقبل مع جميع إخواننا في هذا البلد..”. هذا ما رددته أغنية وضعت خصيصا وانشدها شباب ناميبيا ليلة 21 آذار 1990 في حفل إعلان الاستقلال.

   “الوفاق والمصالحة”: هذا هو إذن الشعار الذي تتبناه السوابو لسياستها في ناميبيا الجديدة المستقلة، وقد استلمت دفة الحكم فيها بعد ربع قرن من الكفاح المسلح وماسي الحرب والمصادمات العنصرية والقبلية والاستئثار الاقتصادي والسياسي. فالسؤال المطروح هو: هل ستنجح حكومة السوابو في هذا الرهان؟ ما مدى امتلاكها وسائل تنفيذ سياستها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية؟

        ما من شك ان 57،32 % من الأصوات التي نالتها السوابو تعد نصرا كبيرا لها، وتجعل منها القوة السياسية الفاعلة الأولى واكبر كتلة في البلاد، ولكنها اقل من الثلثين المطلوبين لتحكم وحدها. فعليها أن تتوالف مع القوى الأخرى المتواجدة على الساحة، ولاسيما مع مجموعة “الاتحاد الديمقراطي” (DTA) التي تضم 10 أحزاب عرقية مدعومة من قبل جنوب إفريقيا والداعية إلى الاقتصاد الحر والتعددية في الحكم. وهناك البيض (80000، الذين، وان قبلوا الاستقلال واحتفلوا به مع إخوانهم الأفارقة، يمسكون بمقاليد الاقتصاد ولهم مصالحهم الحيوية، وهناك خاصة هؤلاء (النغول) (باستاردس حوالي 3000) الذين أعلن زعيمهم صبيحة الاستقلال بالذات حكومة ذاتية لإدارة منطقتهم “رهوبوث” بغض النظر عن حكومة سام نوجوما. وهناك أيضا هذا الجيب الملغوم الذي يمثله قطاع خليج والفص الذي احتفظت به جنوب إفريقيا  والذي منه يمر القسم الأكبر من صادرات المنطقة وبضائعها المستوردة. أما انتظارات الأفارقة أنفسهم من الدولة الجديدة فهي واسعة ومتشعبة تعانق مرافق الحياة كلها، من ممارسة الحرية بعد العبودية إلى إزالة كافة المظاهر العنصرية والطبقية ومشاركتهم الفعلية في الجهد الاقتصادي والاستثماري والحضاري.

“الاستقلال أولا، والبقية بعدئذ”. هذا ما صرح به المطران الكاثوليكي بونيفاسيوس هاوشيكو، معبرا عن رأي معظم الناميبيين. بعد الاستقلال، هذه “البقية” تصبح الواقع اليومي، وبهذا” الواقع اليومي” يكتب مستقبل ناميبيا من الآن فصاعدا.

       ترى، ألا يكون للكنيسة دور، أكثر من السابق، في كتابة هذا المستقبل؟ أليست فرصتها التاريخية أن تساهم،  متكاتفة ومتعاونة على اختلاف تسمياتها وطوائفها، وبكل طاقاتها وتأثيرها المعنوي، في هذه النقلة الحضارية، لاسيما في الحقول الثقافية والإنسانية والاجتماعية –والدمج العنصري بالذات–  فتبقى صوت الضعفاء وضمير الأمة وخميرة الوحدة..

هوامش المقال

———————

(1)   النسبة في دخل السود والبيض هو من 1- 25 في الريف، ومن 1- 12 في المدينة، ومن 1- 6 لدى الاسر الافريقية الموسرة (حوالي 10 – 15% من المجموع).

اقتصاد اسير

اذا كان الاقتصاد محرك السياسة وربانها، فهل حقا ستكون ناميبيا المستقلة حرة في صنع قرارها واقرار سياستها هي التي مقاليد اقتصادها واسواق ثرواتها الطبيعية كلها بيد “عرابتها” السابقة العملاقة؟

الجواب نجده ضمنا عندما نعرف ان 85% من صادرات ناميبيا وموارد ثرواتها (1) تاتي من المناجم، وان هذه المناجم هي بيد جنوب افريقيا او تستغل لصالح دول غربية صناعية كبرى (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، المانيا، كندا). وتحتل ناميبيا المرتبة الرابعة في المعادن في افريقيا مع احتياطي ضخم من الماس(85% من السوق العالمية)، والاورانيوم (اضخم منجم في العالم)، والنحاس، والذهب، والرصاص، والفضة، والقصدير، والملح، والفوسفات..الخ، ومما ينبىء ببقاء جنوب افريقيا ممسكة بمقاليد الاقتصاد الناميبي هو كون ناميبيا “منجما مجانيا” للمواد الاولية لمصانعها. ففي 1981 قدمت الى جنوب افريقيا 93% من انتاج القصدير، و 70% من لكل من انتاج اليورانيوم والماس، و65% من الفضة، و35% من الزنك، و25% من النحاس، علما بان 95% من المواد الاستهلاكية والتجهيزات التي تحتاجها ناميبيا تستوردها من جنوب افريقيا.

هكذا لن تستطيع حكومة الاستقلال، بين ليلة وضحاها، ان تتجاهل الواقع: الا وهو التبعية الكاملة للاقتصاد الناميبي تجاه جنوب افريقيا، وسيتحتم عليها تنسيق سياستها الاقتصادية مع جارتها الكبرى الى امد غير قليل.

————-

(1)   ال 15% الاخرى تاتي من الزراعة وتربية الابقار وصيد الاسماك، وهذه ايضا معظمها بيد البيض او الشركات الاجنبية.

هويتها

جمهورية في الشهر الثالث من عمرها. عاصمتها ويندهوك (130000 نسمة).

مساحتها: 824292 كم2 (ضعف مساحة العراق). تتكون من 3 مناطق جغرافية: المنطقة الساحلية وهي صحراء رملية (1280 كم طولا و 120 كم عرضا ) تدعى صحراء “ناميب”؛ الهضبة الوسطى وترتفع حتى 2000 م؛ السهول الشرقية الخصبة. مناخها جاف، ما عدا الهضبة الوسطى والشمال.

تحدها: انغولا شمالا، وجنوب إفريقيا جنوبا، وبوتسوانا و زامبيا شرقا، والمحيط الأطلسي غربا.

نفوسها: 1،5 مليون نسمة، منهم 85% من السود ينتمون إلى عدة قبائل أكبرهم قبائل “اوفامبو” في الشمال (50%) تليهم قبائل هيريروفي الوسط، وقبائل ناما (برونزيو اللون) في الجنوب؛ 10% خلاسيون (من أصل مزيج اسود وابيض) 5% بيض (من أصل الماني انكليزي وجنوب إفريقي).

الديانة: 90% مسيحيون: 58% بروتستنت لوثريون؛ 17% كاثوليك ؛ 9% انكليكان.

غنية بالمعادن (الماس، الملح، النحاس، الرصاص. الزنك. اليورانيوم. الذهب. الفضة ) تربية المواشي. صيد الأسماك.

 ((((()))))))))))

المرسوم المجمعي “في الحركة المسكونية”   

عدد خاص/ت1- ت2 1990

       لهذا المرسوم تاريخ، وتاريخ متعرج.

        فالحركة المسكونية حظيت بثلاث مسودات مشاريع في أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني التحضيرية، ناهيك عن حضور “الهاجس المسكوني” في كل مناقشاته وقراراته، سيما وإنها كانت تدور على مسمع ومرأى من مراقبي الكنائس الشقيقة. فلقد ألحقت لجنة الإيمان بمشروع الدستور العقائدي في الكنيسة فصلا في “الحركة المسكونية “. غير أن أهم ما في هذا الفصل هو انه لم يكن يعكس الروح المسكونية الأصيلة، إذ يردد النظرة الكاثوليكية التقليدية حول “الإخوة المنفصلين” ويدعوهم، بكل بساطة، “إلى العودة إليها (أي الكنيسة الكاثوليكية ) أفرادا أو جماعات ” بالرغم من “عدم إنكاره امتلاك هذه الجماعات بعض العناصر الطيبة “. ويكتفي، فيما يخص أبواب التلاقي، “بتشجيع التعاون في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ”

        لجنة الكنائس الشرقية، من جانبها، كانت قد أعدت مسودة مشروع “للتقارب واستعادة الوحدة” فيوصي باتخاذ “الوسائل الروحية واللاهوتية والطقسية والقانونية والمسلكية”. مما يفترض القبول “بإعادة النظر في” قانون الإيمان، والتعرف إلى التراث الخاص وتجديد بعض الصيغ الكنسية”. وكان ثمة مشروع ثالث أعدته “سكرتارية اتحاد المسيحيين” ينطلق من تشخيص “العناصر الكنائسية” التي تتمتع بها الكنائس غير الكاثوليكية والنية “اللاهوتية” التي تستند إليها “الطاقة الخلاصية” الكامنة فيها. أما “العمل المسكوني فهو التعارف المتبادل وما يقتضيه من دروس وابتعاد عن أحكام مسبقة تسيء إلى الأشخاص والمؤسسات”، ومن ثم “الصلاة والتكاتف مع الإخوة المنفصلين”. كل ذلك لن يتم إلا “بالتجديد الروحي، عقلا وقلبا وعملا، لأبناء الكنيسة الكاثوليكية”.

      هذه المشاريع المنفصلة الثلاثة دمجت في مشروع واحد باسم “مرسوم في الحركة المسكونية” نال ما نال من المناقشة والتعديل والإصلاحات، وان بقي في جوهره يعكس الاتجاهات الثلاثة، وأحيانا في غير تجانس، وقد اقره البابا بولس السادس في 21 ت2 1964 بعد أن وافق عليه 2137 من آباء المجمع وعارضه 11.

                                                                      الأفكار الرئيسية

       ينطلق المرسوم من استنتاج مر وهو أن قد قال طال الانقسام.. وان انقسامات المؤمنين بالمسيح الواحد تشكك العالم.. فلنتب ولنعد إلى بعضنا!.

       ولكن المرسوم يعترف ضمنا أن حركة الحياة أسرع من حركة المؤسسة الكنسية كبنية إدارية.  فلقد سبق السلطة الكنسية ” عدد غير قليل من ابناء الكنيسة “الكاثوليكية” يرومون التعاون مع الجماعات المنفصلة، لا تعيقهم في ذلك ظروف تاريخية مضت وحجرت بعض المواقف”.   كما رأت الكنيسة (الكاثوليكية) من علامات الأزمنة أن يجتمع الإخوة المنفصلون في وحدة كنائس ليتداولوا في شؤون الرسالة والعقيدة”(1).. فكان يوحنا الثالث والعشرون، وكان المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني الذي كانت “استعادة الوحدة من أهدافه الأساسية”، وكان الدستور المجمعي في الحركة المسكونية الذي زج الكنيسة الكاثوليكية في التيار المسكوني رسميا ورسم “المبادئ الكاثوليكية” للعمل الوحدوي.

       ويتكون المرسوم المجمعي في الحركة المسكونية(2)، الذي نحن في صدده، من3 فصول:

الأول تعليمي ويعكس ما تضمنته المسودات الثلاث من عقيدة حول مفهوم الكنيسة ووحدتها وعن المبادئ الكاثوليكية للعمل المسكوني.

       الفصل الثاني يجعل التجديد الروحي، بما يتضمنه من اهتداء وعنصر صلاة وأسلوب حياة، أساسا للعمل الوحدوي ويوصي أن تكون أولى ثمار هذا التعاون الفعلي في المجالات الإنسانية والاجتماعية والدولية.

        أما الفصل الثالث فيبحث “في الكنائس والجماعات الكنائسية المنفصلة عن الكرسي الرسولي الروماني” ويخص الكنائس الشرقية بالذات باهتمام متميز بما لها والكنيسة الكاثوليكية من “تراث لاهوتي وكنائسي مشترك”. أما “المبادئ الكاثوليكية” للعمل المسكوني التي يحملها المرسوم فهي:

   الحركة المسكونية، كحركة مسيحية، هي واحدة وهدفها واحد وهو السير نحو “ملء المسيح”، ومحورها واحد هو الكنيسة.  لذا تنطلق”المبادئ الكاثوليكية” للحركة المسكونية من واقع تحديد مفهوم الكنيسة كما أرادها المسيح  والتقليد الكنسي”.

       وإذا بهذه الكنيسة: 

     1 ) “شركة تربط أعضاءها رباطات روحية، الإيمان والرجاء والمحبة، ورباطات منظورة هي المجاهرة بالإيمان، والتقرب من الأسرار، والخدمة الراعوية، والذبيحة الاوخارستية وترمز بصورة فعالة إلى أن الكنيسة هي واحدة وحيدة”،.

     2 ) الروح القدس ينعشها ويوحدها والمسيح هو حجر زاويتها الذي عليه يقوم بنيانها. 

          3 ) على الرسل ترسو، ولبطرس، هامتهم، – وان ظل واحدا منه – سلطة فريدة، ولخلفائه 

من بعده       

     4) مهمتها تحقيق “ملكوت الله على الأرض” والسير بالبشرية نحو الله. 

الكنيسة كنائس، وبين الكنائس والجماعات الكنائسية –ويقصد بهذه العبارة الأخيرة الإخوة البروتستنت– شركة كاملة أو غير كاملة. وتقاس درجة هذه الشركة بقياس ما تحقق كل كنيسة أو جماعة في ذاتها من عناصر كنائسية، بالرغم مما لكل كنيسة من كنوز ذهب بها الشرقيون والغربيون عندما انفصلوا عن الكنيسة الكاثوليكية، والتي تضل كاملة في هذه الأخيرة. لذا فالحركة المسكونية لا تستهدف عودة أفراد بقدر ما تستهدف “حركة شاملة عامة تتلاقى الكنائس ككنائس”.   

       الروح هو الذي يلهم الخطوات الحاسمة.. ويزيل أسباب الخلافات. أما الطريق الملوكي فهو التجدد الباطني والانفتاح إلى الآخر مع حب الحقيقة والمحبة والتواضع.. وإقرار الذنب.  وهكذا إذن لا عمل مسكونيا من دون توبة واهتداء قلب (رقم 7).  ويتغذى هذا التجدد من العودة إلى الكتاب المقدس كنبع أساس أولي، وإقامة الذبيحة، وإنعاش الحركة الطقسية  لجعلها ملائمة لروح العصر الراهن ولكل منطقة، و الصلاة التي هي من الحركة المسكونية بمثابة النفس من الجسد. والصلاة المطلوبة هنا هي الصلاة الفردية والجماعية المشتركة، ليس لالتماس نعمة الوحدة من الذي صلى إلى أبيه من اجل تلاميذه “ليكونوا واحدا”، حسب، بل ليشعروا أيضا من خلالها في أعماقهم أمام الرب الواحد، بالإيمان والأخوة اللذين يربطانهم فعلا.

       أما القاسم المشترك الأعظم “للشركة الكنسية” فهو “العماد الذي يوحدنا بالمسيح” ويشكل الركيزة المشتركة القائمة فعلا لبناء الوحدة وبنيانها وبانتظار اليوم الذي يريده الله في محبته لوحدة المسيحيين، على الكاثوليك أن يتكاتفوا وإخوتهم على أصعدة كثيرة”(3): إنسانية واجتماعية وعلمية ودولية (رقم 12). وذلك جنبا إلى جنب مع فتح الحوارات واللقاءات  “متصرفين في ما بينهم تصرف الند للند” (رقم 9). على أن تحظى هذه الحوارات بالتصميم على إزالة كل الفرو قات والسير بثقة نحو التوحيد والاعتراف المتبادل. وكثمرة من ثمار هذا التصميم يوصي المرسوم بضرورة التنشئة المسكونية –روحيا وعلميا ونفسيا–  خاصة في المعاهد الكهنوتية واللاهوتية. 

        تأكيد مهم أخير يخص أسلوب عرض الإيمان الكاثوليكي بوضوح ونزاهة، اجل، ولكن مع العناية الفائقة بإيصال الأفكار والمفاهيم إلى ذهن الآخر بصورة سوية حتى وان بمفردات قد تختلف عن المفردات التقليدية، مع التمييز دوما بين ما هو جوهري وما هو ثانوي. للبلوغ إلى فهم متبادل ومشترك (رقم11). ولكن في كل الأحوال لا ينبغي “استباق تحريكات الروح القدس المستقبلية” (الختام – رقم 24) –ويعني ذلك في سياق القاموس الكنسي عدم التسرع أو التهور.  والتمسك بالفطنة والروية–

                                                                           تقييم ونقد

         لاشك أن المرسوم المجمعي في الحركة المسكونية يعد نقلة نوعية في موقف الكنيسة الكاثوليكية من الحركة المسكونية التي نمت خارجا عنها أساسا، إذ يعد تعهدا رسميا من قبل أعلى سلطة كنائسية فيها، ألا وهو المجمع المسكوني برعاية البابا، في الجهد المسكوني العام (رقم4). لذا فهو، أي المرسوم، الوثيقة الأساسية والخطوة الايجابية المسكونية الكاثوليكية الكبرى والحاسمة في حد ذاته، سيما وانه اقر بان الحركة المسكونية حركة واحدة في جميع الكنائس، وان العمل المسكوني لا يقوم على علاقات الكنائس بالكنيسة الكاثوليكية فحسب، بل فيما بينها أيضا(4)“.  وأكد على أن الوحدة مشروع الجميع.  قمة وقاعدة، “مؤمنين ورعاة، كل بحسب طاقاته” (رقم5). كل ذلك يجعل منه أرضية  وقاعدة متينة للحوار المسكوني. بل من واقعه انطلقت مبادرات ومواقف مسكونية كاثوليكية عديدة ومتشعبة منذ المجمع  في القمة والقاعدة، حتى أن البعض منها تجاوزته من حيث الأسلوب والجرأة والتفاصيل والطرح. لا جرم أن تتجاوز الأحداث والضرورات وسياق الحركة المسكونية “بنية” المرسوم في صياغته الحاضرة.  فالمرسوم، في الواقع، ليس منهاجا لمشروع الوحدة، وإنما توجيهات وتوضيحات أساسية للعمل المسكوني. كما أن المرسوم ليس دستورا، وما ليس دستورا خاضع للتبدل والتطوير. ليس لان مستجدات الحياة والعلاقات بين الكنائس الشقيقة تأخذ منحى جديدا كلما تطورت، بل لان في سياق المرسوم ذاته صيغ تعبيرية ومفاهيم اقل ما يقال فيها أنها سلبية ولا تسهل الحوار المسكوني، مثل:

        أ – ” العودة ” إلى الوحدة المنشودة، كما تنعكس من طيات المرسوم، تتأرجح بين جاذبيتين اثنتين: “قلق الكنيسة الكاثوليكية على الذين انفصلوا عنها” والرغبة في أن يعودوا إلى الشركة معها؛ وبين “التفتيش معهم عن استعادة الوحدة والطرق الملائمة لذلك” بالانفتاح على ما تقتضيه إرادة المسيح في وصيته “ليكونوا واحدا” وبإتباع الهامات الروح الذي يخاطب الكنائس ( رؤيا2: 29) إي بين أن تتم الوحدة “بعودة” المنفصلين عنها إليها، وبين أن تتم بالبحث سوية عن صيغة أخرى مقبولة من الجميع. 

       ب – فعبارة “الإخوة المنفصلين” تتردد 31 مرة في المرسوم، لاسيما في القسم الأول التعليمي، وغني عن القول ما لهذه العبارة غير الموفقة من قابلية لبعث الامتعاض لدى الكنائس الشقيقة –لاسيما الشرقية–  من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، لأنها تفترض أساسا “انفصال” الآخرين وانسلاخهم عنها. ولقد وردت الفكرة المذكورة نفسها نصا في (رقم3) وان اعترف أن تبعة “الانفصال” تقع على هذا الفريق أو ذاك (“وانفصلت طوائف ذات بال عن شركة الكنيسة الكاثوليكية التامة بذنب أفراد، أحيانا، من هذا الفريق أو هذا”). لذا تبقى الكنيسة الكاثوليكية، بعيني ذاتها، قاعدة الوحدة، ويبقى نموذج الوحدة الأصدق، في ما يرشح من المرسوم، هو الانضمام أو العودة إلى شركتها، وان بعد تقريب وجهات النظر وفهم ما للآخرين من تراث أصيل أو مشترك معها. 

        ج – كما أن ما يشكل عقبة في الفهم المسكوني المتبادل هو انطلاق الكنيسة الكاثوليكية من كونها هي الوحيدة التي تمتلك “ملء النعمة والحقيقة” وإنها “بها وحدها يمكن الحصول على ملء وسائل الخلاص” (رقم 3)، وكأني بها تقول ضمنا، بأنها هي وحدها كنيسة المسيح الحقيقية، وان “لا تخلو الكنائس والطوائف المنفصلة من المعنى والقيمة في سر الخلاص، وإنها مشوبة بالنقص”. هذه المقولات ترددت في المرسوم تحت أشكال مختلفة، ولعل الرقم (3) من المرسوم، وعنوانه “العلاقات بين الإخوة المنفصلين والكنيسة الكاثوليكية”، يكون اشد البنود وطأة في هذا الاتجاه. 

           د – ارتباط كل هذه الاتجاهات، التي تبدو في المرسوم وكأنها مسلمات بديهية، بالمفهوم الكاثوليكي المركزي الآخر وهو محورية كرسي بطرس أسقف روما الأول وخلفائه من بعده، الذين “يرئسون الأساقفة” بحسب العبارة الواردة في رقم (2)، هذا المفهوم الذي لربما حملته روما أكثر من طاقته عبر التاريخ. 

          ه – باب الكسب الفردي يبقيه المرسوم مفتوحا من دون حذر، ولا يرى فيه حرجا على الحركة المسكونية (رقم4). والله يعلم كم أن “الكسب” يشكل عقدة لدى أشقائنا الأرثوذكس،  لاسيما في ما يخص الانتقال الجماعي إلى الكثلكة، الذي تم في القرون الماضية.

 

                                                                   الكنائس  الشرقية

           ومع هذا يبقى الفصل الثالث الخاص “بالكنائس والجماعات الكنائسية” الشقيقة جوهرة المرسوم كله وأصابع  سكرتارية الوحدة” بادية بوضوح فيه. انه فصل يحس فيه المؤمن بدفء المحبة والاحترام اللذين كتب فيهما، ويشعر الشرق خاصة باعتزاز عميق بأصالة تراثه الذي رفد الكنيسة الجامعة ولا يزال، بشقيها الشرقي الأرثوذكسي والغربي الكاثوليكي. ومن النقاط المضيئة التي تعد طرحا جديدا تماما ومفعما بالروح المسكونية، نلاحظ ما يلي، مع تركيز متعمد على ما يخص الكنائس الشرقية:

        أ – “التعددية” و “التنوع” و”الخصوصية” لدى الشرق والغرب، “منذ فجر الكنيسة”، قيم، لا فقط يأخذ المرسوم علما بها، بل يعترف بايجابيتها و “يحرص على مراعاتها.. قاعدة تفيد الحوار المنشود إفادة عظيمة” (رقم14). بل نقرا فيها ضمنا أن صيغة الوحدة المثلى ستكون بالعودة إلى الشركة السابقة وعلى نحوها، أي بإقرار هذه “التعددية والتنوع والخصوصية “التي لم تكن لتمنع الاحتكام إلى كرسي روما في الملمات الصعبة، بحسب التقليد الكنسي العريق ما قبل الانفصالات. “لذلك ساد ويسود بين الشرقيين الاهتمام الخاص بالحفاظ، في شركة الإيمان والمحبة، على العلاقات الأخوية التي يجب أن توجد بين الكنائس المحلية كما توجد بين الشقيقات” (رقم14). 

       ب – التنوع نتيجة “لاختلاف العبقرية والأوضاع الوجودية” (رقم14). وهنا يضرب المجمع ضربة معلم عندما يقر في الرقم (17) “إن ما قيل من قبل في شرعية التنوع في العبادة والنظام يجب تطبيقه أيضا في التعبير اللاهوتي عن العقيدة”. هذا هو الاعتراف العلني والواضح بشرعية الاجتهادات اللاهوتية، “في الشرق والغرب”، عندما تبقى أمينة لجوهر الإيمان الواحد. ويستطرد المرسوم: “ومن ثم فليس بالعجب إن بعض نواحي السر المنزل قد أدركها الواحد وعبر عنها أفضل من الآخر، بحيث يجب في الغالب اعتبار هذه الصيغ اللاهوتية المتنوعة متكاملة أكثر منها متعارضة. أما تقاليد الشرقيين الصحيحة فيجب الاعتراف بها لأنها متأصلة في الكتاب المقدس تأصلا بالغا، وهي مبسطة ومعبر عنها في الحياة الليترجية؛ وتتغذى من سنة الرسل الحية، وكتابات الآباء الشرقيين، والمصنفين الروحيين”.

        ج – بين الشرق والغرب عملية اخذ وعطاء، بل إن الغرب اعتمد على الشرق في “تحديد عقائد الإيمان المسيحية الأساسية.. في مجامع مسكونية عقدت في الشرق” (رقم14)؛ وفي “تقاليده الرهبانية” (رقم15). فكم هو حري “بالكاثوليك أن يرتادوا بتواتر الكنوز الروحية للآباء الشرقيين” (رقم 15).

         د – بما أن كهنوتنا واحد واوخارستيانا واحدة وإسرارنا واحدة، فالمرسوم يدعو إلى “الاشتراك في الأقداس”(5). وينيط الأمر “في الأحوال المناسبة، وبموافقة السلطة الكنسية” المحلية، ويقول أن ذلك “ليس هو في حكم الممكن فقط، بل مما يشجع عليه أيضا” (رقم15).

لو أمعنا التحليل والاستنتاج في مثل هذه الفقرة وفي ما يجانسها من مفردات بنود الفصل الثالث الأخرى –وتخصيصا ما يتصل منها بالكنائس الشرقية–  لوجدنا تراجعا اليوم على الصعيد العملي، أو على الأقل ركودا في التطبيق المسكوني. فلو سارت الحركة المسكونية كما ورد في الأسس الرئيسية وبروحها ومنطق استنتاجاتها عمليا ونظريا (لاسيما ما يخص احترام التعددية فكرا ولاهوتا وخاصة في الإدارة الذاتية، وإقرار ذلك في الواقع الكنسي المعاش) لتوصلنا إلى رؤية ونمط للوحدة الكنسية والشركة الإيمانية بين الشرق الأرثوذكسي (بمختلف كنائسه) والغرب الكاثوليكي شبيهة بالتي كانت قائمة قبل الانشقاقات(6). أليس ذلك تماما ما يتوصل إلى طرحه المرسوم حين يقول: “أن كنائس الشرق تتبع، منذ البدء، قواعد خاصة بها اقرها الآباء  القديسون والمجامع حتى المسكونية منها. فلا يخالف البتة إذن وحدة الكنيسة أن يكون فيها تنوع في المناهج والعادات.. بل أن مثل هذا التنوع عنصر يزيد من جمالها، وعون لها ثمين.. من اجل هذا يعلن المجمع، تبديدا لكل شك ممكن، إن كنائس الشرق، فيما تعي ضرورة الوحدة للكنيسة كلها، تملك السلطان بان تحكم نفسها بحسب قوانينها الخاصة بها.. فان المحافظة التامة على هذا المبدأ المتواتر (والحق انه لم يحافظ عليه دائما) لأحد الشروط الأولى التي لا بد منها على الإطلاق لاستعادة الاتحاد” (الرقم16).

        مثل هذا النص الجريء والواضح لا تتأكد مصداقيته العملية، في الواقع، إلا إذا قرأناه على ضوء واقع الكنائس الشرقية الكاثوليكية المتحدة مع روما. ذلك إن هذه الكنائس، مهما قيل ويقال، إن لم تكن جسرا معترفا به من قبل الكل مابين الشرق (بانتمائها التاريخي والجغرافي وحتى العرقي، فهي من رحمه في كل الأحوال)، والغرب (بانتمائها العقائدي والسلطة الأعلى اليوم)، فهي محك فعلي تختبر فيه الكنيسة الكاثوليكية (أو لنقل الكرسي ألرسولي الروماني) “ميدانيا” مدى قدرتها وقناعتها في تطبيق مبادئ المسكونية والتعددية والاستقلالية والشخصية الذاتية للكنائس المحلية والخاصة(7).

        وهنا يفرض السؤال التالي نفسه: “هل حقا تتمتع الكنائس الشرقية الكاثوليكية بكامل استقلاليتها وسيادتها تجاه روما ضمن شركة الكنيسة الكاثوليكية؟ ألا تتسم بعض جوانب الإدارة والقوانين والمرجعية لديها بالتبعية؟ أليس أن ما يقر مبدئيا، يستعاد أحيانا قانونيا ومسلكيا؟ هل تطبق بحذافيرها التوصية الواردة في (رقم18) من المرسوم والقائلة: “لأجل استعادة الشركة والوحدة والحفاظ عليهما ينبغي ألا “يفرض شيء ما لم يكن ضروريا”؟ ناهيك عن الاتكالية والتنازل عن المسؤولية الواردين لدى مسؤولي هذه الكنائس المباشرين!.

        ولكن ثقتنا بالروح عميقة، فهو الذي “يحقق الشركة” و “ينوع النعم والخدم فيغني كنيسة يسوع المسيح بالوظائف المختلفة”؛ وهو “مبدأ الوحدة للكنيسة”(رقم2)، ومانح المحبة بين الإخوة. والحال “أن روح المحبة يقصي كل وجه من وجوه الخصومة” (رقم18).

———————-

(1)   اشارة مؤكدة الى مجلس الكنائس العالمي الذي يضم كنائس ارثوذكسية وبروتستنتية ويشكل منبرا عالميا للحوار والعمل المسكونيين منذ ما قبل المجمع.

(2)   اقرأ مقتطفات مطولة منه ف . م . شباط 1979 ص83- 88

(3)   كل ما سبق وضعه بين معقوفين “22” مأخوذ عن مقدمة “قرار مجمعي في الحركة المسكونية” – المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1970. وهي نفسها مستوحاة من فقرات وروح “القرار”.

(4)    ف . م . ت1 ت2 1986 (مقابلة المطران غريغوريوس صليبا ص 316)

(5)    المقصود “بالاشتراك في الاقداس” الاشتراك في المراسيم المقدسة وقبول الاسرار، لا سيما القربان المقدس، بين الكاثوليك والارثوذكس.

(6)   اقرأ مقابلة  ف . م . مع البطريرك زكا عيواص ت1 1980 ص 355- 359.

(7)   على ضوء المرسوم المجمعي “في الكنائس الشرقية” ايضا ينبغي ان نقرأ المرسوم “في الحركة المسكونية”، لان الاول بمثابة تطبيق نظري للثاني وللمبادىء الواردة فيه.

 

                  ((((((((((()))))))))))

مع الاسرى العائدين

تحقيق/ش.ر/كانون الاول1990

         حنيننا الى عودة اسرانا الاعزاء ما كان ليضاهي حنينهم الينا والى تراب الوطن. من هذا التراب حمل احد الجنود المؤسرين الجدد صرة اللى رفاقه  في الاسر. كما روى احدهم. فتجمعوا حوله يشتمون التراب ويمسحون به جباههم متبركين. امام اعين سجانيهم وبالرغم من ردعهم. واول ما فعلوا عندما وطات اقدامهم ارض الوطن يوم عودتهم انهم ركعوا وقبلوا هذا التارب. بل تمرغوا به واسقوه دموعهم.

      ولما فتح هؤلاء افواههم للشهادة عن معانياتهم هناك. اكتشفنا ابطالا حملوا العراق في احداق عيونهم، ومؤمنين من طرازالمسيحيين الاولين ابان الاضطهادات الكبرى وعصور الاستشهاد انغرز الايمان وتعزز اسم المسيح قويا في اعماق قلوبهم. وشهدوا له بعز ونكران ذات وسط التعذيب والتجويع وشتى صنوف المضايقات والمذلة.لا لانهم عراقيون حسب، بل لانهم مسيحيون بالذات.

      من اجل قراء الفكر المسيحي توجهنا الى عدد من هؤلاء “المعترفين”(1) واستمعنا اليهم في لقاءات وندوة خاصة، علاوة على ما تجمع لدينا من شهاداتهم ابان زياراتنا للكثير منهم بمناسبة عودتهم.

          اخبار الوطن والاهل والرسائل…

         “كان العراق يعيش في ضميري في كل لحظة”

       هذه العبارة قالها الاسرى العائدون بمئات الاشكال. وكان “سكنى” العراق في ضمائرهم واعماقهم.بكل ما وَمَنْ يضم هذا العراق. يتخذ تعابير مختلفة: بلهفتهم الى اخباره كلما اتاهم اسير جديد. يتلصصون للحديث معه في غفلة من الحرس. بمتابعتهم عن طريق الراديو والتلفزيون الرسميين عندما يتوفران مع الحذر مما يدس فيهما – او عن طريق الجنود الايرانيين المعارضين او الاسرى العراقيين المرضى العائدين بعد معالجتهم من المستشفى او الممرضات هناك. بالوقوف في الصف طويلا في العراء والبرد والمطر. يوم  تاتي الرسائل: “لعل اسمي يقرا واستلم رسالة تحمل خط  اهلي  واشتم  فيها رائحتهم… او تعود الي منهم محملة بعبير الوطن”.

         “لقد كانت الرسائل والصور التي استلمها من البيت هي خبزي وقوتي”.

      اما اخبار العالم فكانوا يتابعونها من نشرة التلفزيون الايراني. ومن خلال هذه النشرة كانوا يتابعون الاخبار المسيحية الدولية. منها زيارات البابا لشتى انحاء العالم. وفيما كان هذا التلفزيون يبث احيانا برامج عن الكنائس والفن الديني المسيحي في العالم او عن حياة السيد المسيح في الاعياد المسيحية الكبرى. اما لاغراض دعائية او مصحوبة بنقد وتهجم “كنا نحن  الاسرى المسيحيين نتداعى لمشاهدتها.  يقول احدهم. ثم نتناقش حول البرامج بعد مشاهدتها. وكان ذلك يزيد من تعلقنا بالاسم المسيحي.

                                                                        الامانة لاسم المسيح

         كثير من الاهل والاصدقاء فوجئوا بعمق الايمان والتعلق بالدين وباسم المسيح اللذين وجداهما عند اعزائنا الاسرى العائدين.ان فترة الاسر طويلة. مع ما تضمنته من. معانيات انسانية مروعة وحرمان ومضايقات بسبب الاسم المسيحي او بغاية كسبهم. كانت حقا فترة تطهير واهتداء وتعمق في الايمان لاسرانا المسيحيين. تلك المعانيات كانت محكا لايمانهم. فخلق التحدي فيهم سيما وهم  قلة ضئيلة. خلق نخوة الاعتزاز بالانتماء المسيحي والرغبة في التعمق في جوهر الدين بدءا من اكتشاف الانجيل. ولنستمع الى شهاداتهم:

      “كلما كنا نواجه المضايقات والضغوط لاجل الدين كان الايمان يترسخ في قلوبنا بالرغم من افتقارنا الى الكثير من المعارف الدينية، وكنا نسعى الى زيادتها من خلال قراءة الكتاب المقدس وحفظ الايات ومعرفتها بشكل صحيح، وخصوصا عندما نجتمع سوية ونتناقش فيها فنضيف الى معلوماتنا الكثير… وكنا نشرح للاخوان الذين لا يعرفون القراءة والكتابة ليتمكنوا من الجواب اذا ما تعرضوا لاسئلة صعبة، ونعلم الصلاة لمن لا يعرفونها”. وقد تبع البعض “دورات” تثقيفية على يد شماس او اخ مثقف في امور الدين، في احدى زوايا القاعة. 

        ويذكر صاحب هذه الشهادة  قصة الاسير الشماس الذي كان في معسكر اخر قد كتب كراسا يحوي مباديء عن الدين المسيحي “وقد جلب احد الاسرى المسيحيين معه نسخة من هذا الكراس حين نقله عندنا، واستنسخه كل واحد منا بدوره، وصرنا نستعين به للتعمق وتعليم بعضنا..”

        نسخة واحدة من الكتاب المقدس او الانجيل لكل قاعة، باللغة العربية والسريانية – الكلدانية (التي تعلم قراءتها كثيرون كما تعلموا التحدث بالسورث). فيقراونه بالتناوب، وقد استوجب اقتناؤه احيانا عرائض ومطالبات وشكاوى.

         كيف كنت تشهد لاسم المسيح ومباديء الانجيل؟

         “بترجمها الى الواقع الملموس.. بالتضحية ونبذ روح الثار.. بنكران الذات في المواقف

الحرجة والصبر.. بالصوم (ومن لم يكن يصوم قبلا صار يصوم). بمساعدة الضعيف والسهر على خدمة المريض وتهدئته..بالتكاتف والتوحد والمحبة فيما بيننا.. بارشاد بعض ضعاف النفس ممن غرر بهم بالضغوط والترغيبات التافهة والملل والياس- وهم على كل حال، حفنة ضئيلة جدا.

              التضامن والتاخي بين الاسرى العراقيين

        الاشتراك في المصير الواحد والانتماء الى الوطن العراقي الواحد كان صخرة التضامن الصلدة بين الاسرى، مسيحيين ومسلمين، في السراء والضراء، ماعدا الموالين للنظام الايراني الذين منهم جاءت معظم مصائب اسرانا –وكانت تعطي لهؤلاء المسؤوليات التنفيذية المباشرة والسيطرة (“وكلها مسؤوليات تافهة بنظرنا وعدوانية” يقول احدهم)-. ويقول اخر: “لقد تمكنا من تحدي ومواجهة المضايقات التي كانت تريد تفكيك اتحادنا المتين، وكان التاخي قويا بين جميع الاسرى الذين يعتبرون اتجاههم وطريقهم واحدا وهو الخلاص والعودة سوية الى الوطن الحبيب”. وان ما كان يثير غضب “الموالين” تلاحم الاسرى المسيحيين فيما بينهم، وتلاحم اخوانهم الاسرى المسلمين معهم كالبنيان المرصوص. فكم من هؤلاء تعرضوا لضغوط لبث الفرقة بينهم ومنعهم من التعامل مع الاسرى المسيحيين ومقاطعتهم، غيرانهم تحدوا الضغوط باصرار، كما تحدى الاسرى المسيحيون الضغوط والتهديدات والاهانات الموجهة اليهم لمنعهم من اقامة علاقات مع رفاقهم المسلمين، وقد نقل احد اسرانا ان “احد اصدقائنا المسلمين الاسرى كان قد فرض على نفسه نذرا بان يحلق كل اسير مسيحي في الكمب بمناسبة اعيادهم المسيحية ويقدم لنا الشاي. وكان غيره يجمعون “القند” (وهي القطع السكرية التي توزع على الاسرى) ويصنعون منها ما يشبه كعكة ويكتبون عليها عبارة “عيد ميلاد سعيد”، فياتي كل واحد بوجبة غذائه الشحيحة مع ما اذخرمنها فناكل سوية”.

       وكان التضامن يظهر ببيان اجلى في حالات المرض، “فنتعاون في مساعدة المريض ونبحث في الكمب كله بايجاد ولو حبة واحدة لعلاجه. ونغير ثيابه، ونتبرع بغسلها، او بحمله الى الحمام، او حلاقته”. كما ياخذ هذا التضامن اشكالا اخرى مثل قراءة او كتابة الرسائل لمن يجهلون القراءة والكتابة، او حياكة وخياطة سراويل وكفوف وجواريب مجانا لبعضهم من خيوط المخمل والكواني او من قطع الالبسة الداخلية القديمة، او صنع البومات لصور الاصدقاء من اكياس النايلون، او قسمة السيكارة الى جزئين او ثلاثة وتوزيعها… الخ

         ما اطيب واعمق الصداقات التي نمت في الاسر.. واستمرت بعد العودة!

        لقد لمست ذلك لمس اليد والعين وانا جالس القرفصاء ذات مساء في حلقة من تسعة اسرى عائدين كانت وشائج الصداقة قد تشابكت فيما بينهم. فكونوا فريقا متحابا. تنادوا بدعوة من احدهم في داره وبين ذويه حول قدح من البيرة والكبة العراقية يستعيدون الذكريات ونشوة العودة. في الواقع لولا هذا التضامن الاخوي المصيري. مستندا الى قوة الايمان التي كانت تضاعف طاقة الصمود والصبر المخزونة لدى اسرانا. لما بقي سراج الامل بالعودة حيا في قلوبهم طيلة سنوات وصلت العشر للبعض منهم. ليس لبعدهم منفيين عن وطنهم واهلهم حسب، بل خاصة لظروف الاسر المرة والمعاملة التي اقل ما يقال فيها انها لا تمت الى الانسانية بشيء. فالتجويع والبرد وسوء التغذية المريع. والضرب والجلد والتعذيب حتى العوق. والسجن الانفرادي او الحجز الجماعي في قاعات رطبة لا ترى النور. ونقص العلاج والدواء بصورة مخزية. وضيق المكان واسوئته.ومختلف انواع المذلة النفسية والجسدية. والاخضاع لعمليات غسل الدماغ والطعن بالمقدسات والشتم والاهانات والاتهام بالكفر والشرك…كوابيس مرعبة تخيم على ذاكرة اسرانا هيهات ان ينسوها!

       والجدير بالذكر ان الاسرى المسيحيين تعرضوا لضغوط استثنائية من قبل المرشدين الدينيين الايرانيين والموالين لهم وارغموا على اتباع المحاضرات. وبينما حول قسم منهم ذلك الى تجربة لزيادة المعلومات والتحصن  للجدالات اكثر، رفض القسم الاخرالانصياع فتعرض للتجويع والحكم بالجلد.. وكنا فرحين وكان ايماننا يزداد بعد الجلد.. وكنا يدا واحدة وقلبا واحدا وكلمة واحدة مما اعطى القوة لضعيفي الايمان”. ويقول اخر: كانت آلام سيدنا يسوع المسيح تعيش في نفوسنا. ولهذا ازداد ايماننا وصبرنا وتحملنا. فكنا نقول لانفسنا: لماذا لا نتحمل كل هذا وهو الذي تحمل من اجلنا الاضطهاد والصلب”.

       وكان للصلاة دور كبير في حياة اسرانا: “وكنا نتحدث دائما عن الايمان والصبر والتضرع والصلاة الى الباري عز وجل لنبقى ثابتين ونعود الى وطننا واهلنا”.

      وقد نقل احد الاسرى انه ورفاقه المسيحيين قاموا “بصلاة الميت” لاحد الاخوة المتوفين في غرفتهم بسبب انعدام العلاج. وذلك في الايام الثلاثة الاولى والاربعين والسنة. اذ كانوا يجتمعون في “القاط الثالث واحدنا يقرا الانجيل والبعض منا يتلون التراتيل الحزينة المناسبة ثم يذهب كل منا الى سريره حزينا”.

       وقد حظيت بعض المعسكرات في بعض المناسبات (الميلاد. راس السنة. القيامة) بزيارة كاهن او مطران واقامة القداس للاسرى المسيحيين. واحيانا في المدينة. واشهر تلك المناسبات القداس الذي اقامه في احدى كنائس طهران موفد البابا. الكردينال اتشيغاري. في ميلاد 1985. حضره زهاء 400 اسير عراقي مسيحي (انظرف.م.اب- ايلول 1987)

العبرة التي تعطونها لنا“؟

         الايمان. فهو الذي جعلنا نعيش بقوة وعزم وارادة لا تقهر وصراع من اجل العودة: هذا هو التحدي الذي اكتسبناه”.

         التسلح بايمان عميق بمخلصنا يسوع المسيح وبتعاليمه لعيشها واعلانها بجراة وتفكير سليم. واليقضة من المخاطر المحدقة. ومحبة الناس الطيبين. والتمسك بديننا مهما كلف الامر.”

         “العبرة الاخرى: الاقتصاد. ولا سيما  في ظروفنا الحالية. اعلموا ان حصة الاسير من الخبز كانت رغيفا صغيرا واحدا في اليوم. وكان يقسم هذا الرغيف الى ثلاثة للوجبات الثلاث. ويفضل منه احيانا  للطواريء او لرفيق مريض”

——————–

(1)    “المعترفون” عبارة تطلق في تاريخ الكنيسة، على هؤلاء الذين، ابان الاضطهادات، لاقوا العذابات من اجل اسم المسيح واعترفوا به ولم ينكروه وسط الشدائد والتهديدات.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s