الفكر المسيحي1985

الفكر المسيحي1985

74

لاهوت التحرير في قفص الاتهام ش.ر       

201

كانون2

1985

75

ديسموند توتو جائزة نوبل للسلام          

203

شباط/اذار

1985

76

  فنزويلا..البندقية الصغيرةملف                      

204

نيسان

1985

77

 السبت أم الإنسان  ؟     ملف                       

205

أيار

1985

78

 الحركات الشبابية المسيحية كنيسة

209

ت1– ت2

1985

79

الشباب في خدمة التثقيف المسيحي

ت1– ت2

1985

80

ماذا قال المجمع قبل 20 عاما    

210

كانون1

1985

1985 المقالات:

لاهوت التحرير في قفص الاتهام

ش.ر/كانون الثاني 1985

      يخيم على مجمع عقيدة الإيمان قلق بشان الدراسات اللاهوتية التي تسعى إلى صياغة تعبير عن الإيمان يجيب على معانيات الإنسانية وتطلعاتها.. وكان له لقاء مع اللاهوتي البرازيلي ليوناردو بوف احد ابرز لاهوتي التحرير، وقد سبق وان اصدر وثيقة بعنوان “تعليقات حول بعض أوجه لاهوت التحرير”!

الأب جرجس القس موسى يعكس ابرز ما جاء في هذه الوثيقة في إطار مناقشة أراء الأب بوف. 

      بينما كان اللاهوتي البرازيلي الأب ليوناردو بوف (46 سنة )، احد أشهر رواد ما يعرف “بلاهوت التحرير”، يستعد للسفر إلى روما للمثول أمام مجمع عقيدة الإيمان الذي استدعاه لمناقشة أرائه اللاهوتية، ولا سيما تلك الواردة في كتابه “الكنيسة، المواهب، السلطة ” الصادر عام 1981، كان الكردينال راتز ينغر  يقدم للصحفيين، يوم 3 أيلول – أي 4 أيام قبل اللقاء المرتقب – وثيقة رسمية سبق أن نالت تأييد يوحنا بولس الثاني بعنوان “تعليمات بشان بعض أوجه لاهوت التحرير “. فموقف الكردينال الألماني الذي يتألق نجمه على رأس مجمع عقيدة الإيمان كحامي حمى العقيدة الكاثوليكية وخلوها من المزالق في دنيا البحث اللاهوتي المعاصر   وصل إلى حد المجابهة الصريحة مع لاهوتي أميركا اللاتينية الذين يرفعون راية لاهوت التحرير. هذا “اللاهوت” الذي “لا يعرض مادة جديدة للتفكير بمقدار ما يعرض اجتهادا جديدا لهذا التفكير” على حد قول الأب كوستافوكوتيريز، وهو قطب آخر من أقطاب هذا التيار(1) فما هي القصة، وما هي القضية؟

     بعد المواقف الحذرة والتنبيهات المتكررة من قبل روما كانت بعض الأوساط الكنسية التقليدية المعادية لنهج لاهوت التحرير تتوقع أن يصدر الكرسي ألرسولي إدانة صريحة للاهوت التحرير، فتوقفه حده. ومن هؤلاء الكاردينال روسي في البرازيل الذي وصفه “بهرطقة العصر الكبرى”، والكردينال الكولومبي لوبيز تروجيللو، والكردينال الألماني هوفنر. ولكن الامر جاء خلاف ذلك!

     لاشك أن الوثيقة، التي بنيت بناء فكريا محكما تجلت الصراحة في عباراتها، رسمت الهدف الذي تتوخاه وهو أن تكون “إنذارا” رسميا للاهوتي التحرير، واسترعاء لانتباه الرعاة واللاهوتيين والمؤمنين كافة إلى الانحرافات وأخطار الانحرافات الهدامة للإيمان والحياة المسيحية التي تتضمنها بعض صيغ لاهوت التحرير الذي يتبنى، على حد قول الوثيقة، مفاهيم مستندة الى تيارات مختلفة من الفكر الماركسي بصورة غير نقدية”.

       ولكن الوثيقة تستبق خطر الاستغلال فتضع الأمور في نصابها عندما توضح في المدخل بان “هذا الإنذار لا ينبغي أن يأول وكأنه شجب لكل أولئك الذين يبغون الإجابة بسخاء وبروح إنجيلية أصيلة إلى مشروع أولوية الفقراء. كما انه لا يجوز البتة استغلاله لتبرير موقف أولئك الذين يتخندقون وراء الحياد أو اللامبالاة أمام المعضلات المأساوية والملحة التي يطرحها البؤس والظلم. وتبتديء الوثيقة بتوضيح أن “ألتوق إلى العدالة” هو النداء إلى قيام “حركة لاهوتية وراعوية عرفت تحت اسم “لاهوت التحرير”. هذه العبارة “لا غبار عليها، تقول الوثيقة، إذا أخذت” بمعنى الاهتمام الخاص الذي يدفع إلى التزام العدالة إلى جانب الفقراء وضحايا القمع”، وهي إذ ذاك عبارة عن” اجتهاد لاهوتي يتمحور حول الفكرة الكتابية للتحرر والحرية والمردودات الواقعية لهذه المبادئ”.

      بعد هذه المقدمات التي تبدو وكأنها تحاول مسك السلم بطرفين – وأحيانا أخرى توحي بان لاهوتي التحرير لم يخترعوا البارود (مقطع 3 و 4 و 5 ) – ينزل الكاردينال راتزينغر إلى الحلبة ليقول: ولكن دعاة هذا “اللاهوت” أخطأوا المرمى عندما أعطوا الأولوية للتحرر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، “واتخذوا تقنية ماركسية” لتحليل التناقضات الاجتماعية والوصول إلى تحريرهم؟

     هذا هو في الواقع بيت القصيد، وهذه هي “الخطيئة الأصلية” التي ارتكبها لاهوتي التحرير بنظر رئيس مجمع عقيدة الإيمان. ومن هذه الخطيئة الأصلية تأتي سلسلة من “الانحرافات ” يستكشفها أو يستنتجها الكردينال، منها:

 تفسير دخيل للمسيحية دفع بالبعض “إلى وضع التبشير بالإنجيل بين قوسين وإرجائه

إلى الغد: الخبز أولا والكلمة بعدئذ”.

صفة “العملية” التي ينتزعها الكردينال من طموحات لاهوت التحرير.

 التحليل الماركسي المنحاز الذي يرتكز على أسس فلسفية وايدولوجية “تبتعد بصورة

خطيرة عن إيمان الكنيسة ” لا بل تشكل نفيا لها في الواقع “. ومن هذه الأسس:

 نظرية صراع الطبقات التي على ضوئها يبني اللاهوتيون –كما تقول الوثيقة– طبيعة

العلاقة بين “كنيسة القاعدة” والسلطة الكنسية.

 استخدام العنف كقوة للتغيير والثورة.

    ج. “الإلحاد ونكران الشخص البشري وحريته وحقوقه” وهما في أساس النظرية الماركسية”.

    د . تسييس معطيات العقيدة الإيمانية.

    ه . شبه نفي لجذور الوحي…

    إن هذه الأسس الفكرية والفلسفية وغيرها مما “يقترضه لاهوت التحرير من الايدولوجية الماركسية “تفرض منطقها”على حد تعبير الوثيقة، على لاهوت التحرير وتدفع به إلى قبول  مجموعة من المواقف المضادة للرؤية المسيحية للإنسان”.

        على أساس طروحات الوثيقة مثل الفرنسيسكاني البرازيلي ليوناردوبوف، في “قفص الاتهام” أمام الكردينال راتزينغر يوم الجمعة 7 أيلول الماضي. ولكن هذه الطروحات لا تخرج، برأينا، عن البنى الفكرية والفلسفية للاهوت التقليدي الذي، من دون أن نتنكر لمزاياه الكثيرة وحجته التاريخية، نقول بأنه هو أيضا يخضع لفكرة وفلسفة معينين لم يعودا يفيان بكل ما يطرحه الواقع المعاصر بجدليته، ومنها عجزه عن تحليل حركة التاريخ تحليلا علميا. وإذا كانت الوثيقة تمتاز بقوة التكوين، فهي تذهب بعيدا جدا في استنتاجاتها “الايدولوجية” واتهاماتها للاهوت التحرير بالانحراف والجنوح حتى يوسم “خارجا عن القانون”! أما ليوناردو نفسه فيجيب متهميه: “أن لاهوتي التحرير لا ينكرون أبدا الطبيعة الإلهية للمسيح، ولا القيمة الفدائية لموته، أما الماركسية فلا تعنيهم إلا بقدر ما تساعدهم على فهم واقع الاستغلال وتعيين مجالات تجاوزالنظام الرأسمالي المضاد لمصلحة الشعب”. ولكن إذا مثل بوف وحده في “قفص الاتهام”، فهو لم يكن وحده في الدفاع عن “لاهوت التحرير” وجوانبه التطبيقية. فقد رافقه -وهو من كبار منشطي جماعات القاعدة في أميركا اللاتينية–  تيار من التعاطف والتأييد، من قبل أساقفة أميركا اللاتينية أنفسهم ومن لاهوتييها. وقد عبر عن وقوفهم معه في هذه “الحملة المضادة” زملاؤه في تحرير مجلة “كونسيليوم” (المجمع) المعروفة في الأوساط اللاهوتية، ولاهوتيون فرنسيون وأسبان وألمان، وأعلن الآباء الفرنسيسكان التابعون لمقاطعة اكويتان في اجتماع لهم في تولوز (فرنسا) عن تمسكهم بلاهوته “الذي يستمد جذوره من اختيار انتقائي لجانب الفقراء”. وفي حديث للاهوتي الفتي الأب جوزيف دورية لصحيفة “لاكروا” (6 أيلول 1984) قال في سياق تعليقه على موضوع الحرية في البحث اللاهوتي، في إطار قضية الأب بوف: “إذا كان صحيحا أن العالم يتغير وانك تشعر بالمسؤولية في البحث عن أجوبة جديدة لأسئلة جديدة مطروحة، فليس من واجب الكنيسة أن تخوض مثل هذه المغامرة بل من الضروري بمكان، في مثل هذه الحال، أن يعطي اللاهوتيون الحرية في البحث، مع ما قد يتوجب على ذلك من مخاطر: هذا السبيل وحده يفتح طرقا جديدة أمام الإيمان. لذا لا ينبغي أن يكونوا موضع شك من حيث المبدأ كلما جددوا شيئا في التعبير الإيماني”. ثم استطرد يقول: “إذا كان اللاهوتيون في صدد التعبير عن خبرة معينة، في بيئة كنسية معينة فمن غير الممكن أن يكونوا مجرد صدى لأولئك المتواجدين في روما أو لم يغادروها قط”. ثم ختم قائلا: “لو كنت في مصف السلطة الكنسية لقلقت ليس من التوجه الخلاق في التعبير عن الإيمان لدى اللاهوتيين، وإنما من سيرهم الجامد في ركاب التقليد أو السلطة، لو فعلوا…”. ومن جانب آخر لقي لاهوت التحرير، كخط فكري والتزام فعلي بالفقراء والمستضعفين –وبالتالي لاهوتيو التحرير وبوف نفسه–  لقيوا دعما ساطعا بموقف أساقفة بيرو ابان زيارتهم الرسمية لقداسة البابا ومحادثاتهم مع أركان مجمع عقيدة الإيمان (26أيلول–10ت1 الماضي). فبعد أن كانت الأكثرية مع رأي الكردينال راتزينغر إلى جانب شجب لاهوت التحرير –ورائده في بيرو الأب كوستافو كوتيريو– عن طريق وثيقة رسمية تصدرعن مجلس أساقفة بيرو، تهاوت هذه الأكثرية بمساعي الكاردينال لاندازوري، رئيس أساقفة ليما، والمطران اوربيغوزا ليحل محلها إجماع على تبني نص جديد –غير الذي طرحة الكاردينال راتزينغر– يعترف ببعض المخاطرالتي يتعرض لها لاهوت التحرير من جراء توجهه إلى التحليل الماركسي، ولكنه –أي النص–  يأخذ بعين الاعتبار واقع بيرو. وقد صرح المطران خوزيه دامرت مطران أبرشية كاخامركا لصحيفة “الوقائع الدينية” الفرنسية (Act. Rel. 15 Nov. 84 ):

      “إن هذا النص يأخذ بعين الاعتبار واقع بيرو المر.. وفيه نعيد رفضنا العنف من حيث أتى.. كما نؤكد اختيارنا جانب العمل مع الفقراء وبان البحث اللاهوتي الناتج عن هذا الوضع يجب أن يستمر. ولم يخف الأسقف الذي  يعمل مع الفلاحين منذ 22 سنة  دفاعه الشجاع عن لاهوتي التحرير، وعن كوتيريز بالذات قائلا: “إن لاهوتي التحرير ليسوا مسؤولين عن التأويلات التشويهية المنسوبة إلى بعض عباراتهم بعد أن تقتلع من جذورها الأصلية”. ثم ختم مشيرا إلى أن الوثيقة “بشان بعض أوجه لاهوت التحرير” “ينقصها تحليل علمي واضح لتأثيرات الماركسية على لاهوت التحرير”.

      “يا لبساطتهم، يا لتواضعهم، هؤلاء الأساقفة البيروفيون، ومع ذلك فهم مهولون!”. هذا ما نسبه  مراسل صحيفة “الحياة الجديدة” الاسبانية إلى سكرتير الكردينال راتزينغر بعد خروجهم من المحادثات العاصفة.

     هل انتهت القضية؟ هل يستطيع لاهوتيو التحرير المضي في بحثهم اللاهوتي من دون قيود؟ لمن ستكون الكلمة الفصل، للكردينال راتزينغر، حارس مرمى التقليديين، أم للاهوت التحرير الذي ينبع من حاجات أميركا اللاتينية ويتكلم بلغة فقرائها ومفكريها ويعكس معانيات أساقفتها وشعوبها؟

    المستقبل كفيل بالإجابة على هذه الأسئلة! ولكن الأكيد هو أن الشوط الأول من المجابهة العلنية الكبرى انتهى “بلا غالب ولا مغلوب، كما صرح ليوناردو بوف في ختام  لقائه مع الكردينال  راتزينغر  في  أيلول الماضي.

————————-

 انظر ف . م . ك2 1979: تقديم كتاب “لاهوت التحرير”؛ شباط1979: لاهوت التحرير في الميزان بقلم الاب عبد السلام حلوة.

((((((((((((((((()))))))))))))))))))

ديسموند توتو

جائزة نوبل للسلام لعام984

شباط – اذار 1985

جائزة نوبل

       عشرون عاما بالتمام والكمال بأشهرها وأيامها، بعد منح جائزة نوبل للسلام للقس البروتستنتي الزنجي مارتن لوثر كينك، تسلم الأسقف الانكليكاني الزنجي ديسموند توتو، من جنوب إفريقيا جائزة نوبل للسلام لعام 984 في أوسلو يوم الاثنين 10 كانون الأول 1984.

      كان كينك زعيم الحقوق المدنية في أميركا وقد منح الجائزة العالمية لنضاله من اجل كرامة وحقوق الزنوج في بلاده، وذلك عن طريق اللاعنف.. وقاده نضاله إلى أن يسقط صريع العنف الأعمى على يد احد المتطرفين من بني جلده. وتوتو، زعيم الحقوق ذاتها في بلاده منح الجائزة لنضاله العنيد ضد سياسة التفرقة العنصرية الغاشمة التي كرست نظاما دستوريا واجتماعيا في جنوب إفريقيا للفصل والتمييز بين البيض الوافدين الحاكمين، والسود الأفارقة الأصليين، وذلك أيضا بالطرق السلمية واللاعنف. وقد أشارت اللجنة التحكيمية إلى ذلك. فهل يكون مصيره مصير ذاك؟ على كل حال إن نضال توتو لم يخل من التهديدات، ولا من رفض المتطرفين أساليبه السلمية، وحفلة تسلمه الجائزة بالذات توقفت لبعض الوقت لانفجار غامض حدث في الخارج. وكان قد قرر دعوته إلى الدول الغربية، عشية تسلمه الجائزة، للضغط على “نظام الفصل العنصري لأنها فرصتنا الأخيرة كي نتحاشى حمام الدم”. وكان يشير بذلك إلى احتمالات انفجار “العنف الأسود” بوجه “تعنت البيض وتصلبهم” بصورة مأساوية.

        ويخاطب الأسقف توتو السلطات البيضاء –وكانت قد جردته أكثر من مرة من جواز سفره– بقوله: “لماذا تخافون مني؟ إني لا املك حتى حق التصويت في بلادي. لماذا تخافون من رجل اسود صغير بسبب بعض القصص التي يحكيها في أسفاره، ما دامت هذه القصص عارية من الصحة تماما كما تقولون؟”

        أما قيمة الجائزة فتبلغ 200000 دولار، وقد خصصها الأسقف توتو، الذي يرئس مجلس كنائس جنوب إفريقيا، لمشروع تربوي للشبيبة الزنجية في بلاده.

تلميذ المسيح

         ديسموند توتو ليس رجل سياسة، ولا يريد أن يتزعم حزبا أو حكومة كجاره الأسقف الزنجي موزوريوا الذي شكل حكومة صورية في روديسيا عام 1979 باتفاق مساومة مع زعيم الأقلية البيضاء أيان سمث. توتو هو تلميذ المسيح.. وهو رجل كنيسة مشبع بروح الإنجيل؛ وباسم الإنجيل وحده يطالب بالمساواة في الحقوق والواجبات، سياسيا واجتماعيا وثقافيا ودينيا، بين جميع مواطنيه، السود والبيض، والكف عن هضم حقوق إخوانه لمجرد أن لون بشرتهم اسود: “أن مهمتي، كما أراها، مهمة مزدوجة: فعلي أولا أن أقول للسود بان الله يحبهم ويهتم بهم، حتى إذا تراءى لهم أن الله ليس إلى جانبهم عندما يتألمون. انه اله الخروج، اله التحرير الذي يقف دائما إلى جانب المضطهدين. وثانيا أن أتوجه نحو البيض لأقول لهم بانهم يحطمون كرامتهم الإنسانية كلما اشتركوا في القمع، وبأنهم ليسوا بشرا على نحو ما يريده الله منهم.(فإذا زالت هذه التفرقة) سيعود الأبيض شخصا إنسانيا حقيقيا، وكذلك الأسود. وحينذاك ستتم المصالحة “.

نضاله

         ديسموند توتو(53 سنة. متزوج وله  4أولاد) ولد في بلدة سوداء معدمة بالغرب من العاصمة جوهانزسبرغ تدعى كليرسكسدورب. وقد خدمه الحظ فتابع دراسته، وكان يريد أن يصبح طبيبا، إلا أن فقر ذويه لم يتح له سوى أن يكون معلما. ولكنه ترك التدريس عام 1958 وتوجه إلى دراسة اللاهوت. وبعد مدة قصيرة من الخدمة الراعوية قصد لندن لتكميل دراسته القسوسية في الكلية الملكية. بعدها تعين مدرسا في جامعة فورت هار للزنوج في جنوب افريقيا، وهنا تعرف على بعض المفكرين السود الشباب فألفوا سوية، وبسرية، أسس فلسفة “الوعي الزنجي”. بين 1970– 1972عمل في جامعات افريقية أخرى قبل أن يعود إلى لندن لثلاث سنوات أخرى تعين خلالها مديرا لصندوق التربية اللاهوتية التابع لمجلس الكنائس العالمي. وفي 1975 أصبح أول مسؤول زنجي عن كاتدرائية جوهانسبرغ الانكليكانية رافضا السكنى في المنزل المخصص لمنصبه في حي البيض، مفضلا البقاء في حي سويتو الفقير الأسود.

       في 1967 قام بأول خطوة علنية للتالف العنصري ولصالح السود حين حذر رئيس الوزراء جون فوستر من مغبة التصلب في تطبيق السياسة العنصرية وطالبه بإصلاحات فورية قبل فوات الأوان. فكانت نتيجة تعامي النظام أن انفجر الوضع في سويتو وذهب ضحيته أكثر من60 شاب زنجي على يد قوات النظام. وفي السنة عينها انتخب أسقفا لدولة لسوتو المستقلة المجاورة، غير انه عاد إلى جوهانسبرغ  من جديد عام 1978، إذ اختير سكرتيرا عاما لمجلس كنائس جنوب إفريقيا الذي يضم 16 مليون مؤمن. ومنذ ذلك الحين ونجم توتو كزعيم مفوه باسم السود يتألق على الصعيد المحلي وعلى المسرح الدولي. وهو لا يني يدعو الدول الغربية التي تتعامل مع جنوب إفريقيا أن تمارس على حكوماتها ضغوطا سياسية، ودبلوماسية، واقتصادية خاصة. وكانت مجابهته الكبرى الأولى عندما دعا، في تصريحات أدلى بها في الدانمارك عام 1979، إلى مقاطعة استيراد الفحم من جنوب إفريقيا، فسحب منه جواز سفره لأول مرة.

       وقد قدم للحكومة عام 1980 أربعة حلول لتغييرالجو على حد قوله، عندما قابل رئيس الوزراء بوتا على رأس وفد كنسي، لخصها كما يلي:

الالتزام باستصدار “هوية وطنية متساوية، لجميع سكان جنوب افريقيا ، بغض النظر

عن العرق (ويذكر أن حق المواطنة الكاملة لا يعطي إلا للأقلية البيضاء فقط)

إلغاء قوانين تنقلات السود داخل بلادهم.

إيقاف سياسة تهجير السود وحصرهم في مناطق محددة.

وضع سياسة تربوية موحدة للجميع.

     ولكن النظام إذ يخشى ان. تفلت الأمور من يده، فهو يحكم قبضته العنصرية على السود أكثر فأكثر.. والضحايا تسقط كل يوم. ولكن إلى متى تبقى الضحايا ضحايا؟ فقد صرح توتو على اثر احتجاز مجموعة من القسس والأساقفة ساندوا إضرابا طلابيا ومسيرة ضد التفرقة العنصرية، وفي إعقاب قتل مناضلين أفارقة: “أن الوضع في جنوب أفريقيا وصل بأناس عديدين إلى حد اليأس من الحصول على تغيرات جوهرية بالطرق السلمية حقا. والذين بلغوا هذا الحد اضطروا إلى استخدام وسائل انتحارية لاستثارة أوضاع يعتبرون فيها بشرا، وليس مواطنين من الدرجة الثالثة في الوطن الذي ولدوا فيه بالذات”. إلى متى سيتمكن دعاة السلام من كبح لجام العنف؟ خاتمة: استطرد توتو ملوحا وداعيا السلطات إلى الإسراع في ترجمة الخطابات إلى الواقع: “لان الذين يعملون بيننا من اجل العدالة، والمساواة، والمصالحة بالطرق السلمية يفقدون رصيدهم تدريجيا”.

خاتمة: “اللاهوت الزنجي”

   ديسموند توتو مناضل من طراز غاندي ومارتن لوثر كينك.. ولكنه لاهوتي ايضا يستقي حجته من الكتاب المقدس. فهو من أسرة لاهوتيي التحرير، مع خاصيته الإفريقية الزنجية. فقد جاء في كتاب له بعنوان “سجين الرجاء”: “أن اللاهوت الزنجي ينبغي أن يهدي الإنسان الأسود إلى الخروج من حالة الذهول التي يولدها فيه الانصياع والمداهنة، والقبول بالمسؤولية المدهشة واللازمة التي توليها إياه إنسانيته الحقيقية، وصولا إلى حرية ابناء الله المجيدة. أن هذا اللاهوت يتوق بكل جوانحه إلى أن يوقظ في الإنسان الأبيض إحساسا بالانحطاط الذي سقط فيه بنزعه إنسانية الإنسان الأسود. فهدفه، إذن، هو تحرير الظالم والمظلوم معا. وهو ليس ساذجا إلى حد انه يعطي الأهمية كلها للقمع الاقتصادي أو السياسي فقط. فالتحرير، في مفهومه الشامل يتضمن القضاء على كل ما يبقينا في العبودية، ويجعلنا في مرتبة ادنى مما أراد الله لنا.

((((((((((((())))))))))))))))))

فنزويلا  او “البندقية الصغيرة”

ملف/نيسان 1985

       فنزويلا، هذا البلد الواقع في أقصى شمال القارة اللاتينية، يمتد على مساحة 912050 كم2 وتحده من الغرب كولومبيا ومن الجنوب البرازيل ومن الشرق كويانا، وتطل سواحله على المحيط الأطلسي. وتفاخر فنزويلا بأنها من أولى دول أميركا اللاتينية التي انتزعت استقلالها من اسبانيا بقيادة سيمون بوليفار بطل التحرير القومي، وتكاد تكون البلد الوحيد الذي ينعم بالرخاء والاستقرار بفضل نفط بحيرة ماراكائيبو – وترافق هذا الرخاء مجموعة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والخلقية…

     إلى العديد من هذه القضايا لفت يوحنا بولس الثاني انتباه الفنزوليين طيلة 3 أيام (26– 29ك2) بدءا بكاراكاس العاصمة ومرورا بماراكائيبو وميريدا وكيوداد كويانا.

    الأب جرجس القس موسى يرسم في هذا الملف لوحة عن فنزويلا “البندقية الصغيرة” في إطار زيارة البابا الراعوية لكنيسة عليها أن تلعب دورا نبويا في التحولات التي يعيشها المجتمع الفنزويلي.

     عندما وصل المستعمرون الأسبان الأوائل في القرن السادس عشر ببواخرهم إلى مشارف بحيرة ماراكئيبو أبصروا البحيرة مزروعة بمئات الأكواخ الخوصية، تستند إلى أوتاد خشبية منغرزة في المياه الدافئة، فذكرهم المنظر بمدينة البندقية، فاسموا الأرض التي وطئوها بالبندقية الصغيرة:  فنزويلا.

     وكما أعطت هذه البحيرة اسمها الجديد للبلد كله، فقد لعب القدر لعبته مرة ثانية بعد أربعة قرون لتعطي ماراكائيبو الوجه الجديد لفنزويلا الجديدة. فقد اكتشف فيها النفط عام 1882 وشرع في استغلاله على نطاق واسع منذ 1930.  ففي مياه هذه البحيرة التي تبلغ مساحتها 13600كم2 وأقصى عمق لها 3 أمتار ينتصب اليوم 6000 برج نفطي ويتشابك فيها زهاء 1400كم2 من الأنابيب التي تضخ 87% من الإنتاج النفطي الفنزويلي. وهكذا أصبح النفط ثروة البلاد الأولى الذي بدل وجه فنزويلا الزراعي التقليدي تماما، وزج فيها فجأة في سباق المجتمعات الاستهلاكية والربح السريع مع كل ما ينسحب على ذلك من مردودات اجتماعية وإنسانية وحضارية، سلبا وإيجابا.                                          

     ولكن الذهب الأسود الذي القى البلبلة في المجتمع الفنزويلي بثرائه الملغوم، لابد أن ينضب يوما، وقد بدا الانخفاض في احتياطه وفي إنتاجه فعلا. افتغوص فنزويلا في مياه كارائيبو ثانية كما تغوص البندقية في مياهها؟ هل ستغمر أمواج الأزمة الاقتصادية “طفرة” فنزويلا بتناقص ثروتها النفطية؟

      ما هي حصة النفط في إنماء البلد؟

      ما هو تأثير النفط على المستوى المعيشي للسكان ومردوداته على الصحة النفسية والتركيبة الاجتماعية؟

      ما هو دور الكنيسة في حاضر وماضي البلاد، ومدى تفاعلها مع تطلعات الإنسان الفنزويلي المعاصر، وتحسسها لقضايا أميركا اللاتينية ككل؟

      هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في هذا الملف(1)

فنزويلا: بين الماضي والحاضر

     ركز الأسبان الذين استعمروا فنزويلا وأعطوها لغتهم على الزراعة منذ قدومهم، فاستخدموا السكان الأصليين –وهم من الهنود الكارائيبيين والامازونيين– وانتهجوا سياسة الاستعباد، أول الأمر، ثم بتأثير الكنيسة أصبح الهنود مواطنين تحت التاج الاسباني. وإذا ما استمر هؤلاء في خدمة مصالح المستعمرين، فقد بدأت بذلك مرحلة من الاندماج العميق بين الأسبان الوافدين والهنود الأصليين، دينيا واجتماعيا ولاسيما عن طريق التزاوج. وهذا ما يفسر كيف إن 70% من سكان فنزويلا اليوم (17 مليون) هم خلاسيون(2)، رماديو السحنة. وقد شكل هذا الخليط شعبا جديدا، فنزويلي الانتماء، اسباني اللغة والمرجع الفكري والسياسي، كاثوليكي. وقد انضم إليهم في القرون اللاحقة أفارقة سود استخدموا في مزارع الكاكاو كعبيد، قبل أن ينالوا حصتهم من التحرر كما حصل للهنود من قبل.

     غير إن هذا “المجتمع الخلاسي”، إذا ما تجاوز عنصرية الدم واللون في قواعده بفضل المصاهرات، لم يكن بمنأى عن الاستغلال والطبقية، وبقيت مفاتيح النفوذ والامتيازات بيد قبضة من الملاكين الكبار وموظفي التاج والتجار. وفي 1728 سلمت اسبانيا عموم التجارة الفنزويلية لشركة “غويبوزكوانا” الباسكية، مع مهمة حماية السواحل ومطاردة القراصنة الفرنسيين والانكليز والهولنديين، فاتسع نفوذ هذه الشركة على حساب استقلالية الكيانات المحلية. وبلغ تضارب المصالح أوجه، حتى انفجرت سلسلة من المجابهات المسلحة والتحالفات، عرفت بحرب الاستقلال، وانتهت بانفصال فنزويلا عن اسبانيا عام 1777، وإعلانها جمهورية مستقلة عام 1811. وكان احد أشهر أبطال حرب الاستقلال هو الجنرال سيمون بوليفار (1783- 1830) الذي عرف “بالمحرر” –وقد كانت فنزويلا في عهده تشكل مع كولومبيا الحالية والإكوادور دولة واحدة اسمها كولومبيا الكبرى وعاصمتها بوغوتا.

       وبعد الحرب رفضت الجماهير المجندة للقتال العودة إلى مجتمع الامتيازات والخضوع، فامتلأت الأرياف بالمتمردين وبمن خيبت حرب التحرير آمالهم ورفعوا السلاح بوجه السلطة الفدرالية، فذهب ضحية تلك الحرب الجديدة 60000 مواطن وتفاقم التدهور الاقتصادي. وفي 1870 تسلم السلطة الجنرال كوزمان بلانكو واتسم عهده (20 سنة) بمركزية قوية وعداء للكنيسة لكسر نفوذها. ثم جاء عهد الدكتاتور غوميز (+1935)، وهو عهد البترول الذي كان في أصل التحولات كلها. ومع النفط دخلت فنزويلا عهد الاستهلاك والرأسمالية البورجوازية والاستيراد النهم. إما من الناحية السياسية فتعرف البلاد هدوءا يحسدها عليه جيرانها في أميركا اللاتينية منذ زهاء 30 سنة من الديمقراطية البرلمانية، ويتناوب الحكم فيها بصورة هادئة حزبان رئيسان هما حزب العمل الديمقراطي والحزب الاجتماعي المسيحي. أما الرئيس الحالي فهو جيم لوسنشي.

       النفط والتنمية

       تحتل فنزويلا المرتبة الثالثة بين الدول المنتجة للنفط (بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) والأولى في تصدير الطاقة الهيدروكاربونية الخام (النفط، الغاز الطبيعي، الزيوت…)، وهي من مؤسسي منظمة اوبيب OPEP النفطية، وأول من ادخل مبدأ المناصفة المعروف بعبارة “فيفتي – فيفتي” (50%) في تقاسم واردات النفط مع الشركات الأجنبية قبل تأميمها الكامل. وتشكل الثروة النفطية 90% من صادراتها حتى الآن.

      وقبل عهد النفط كانت فنزويلا بلدا زراعيا بالدرجة الأولى، غنيا بمحاصيله، ثريا بمياهه، وتسير فيه الحياة، من جراء ذلك، في جو تقليدي، غير إن الفلاح كان مسحوقا تحت وطأة الديون أو الملاكين الكبار. غير إن ظهور الذهب الأسود قلب الموازين بغتة ووضع بين يدي المواطنين نهرا من الذهب الأصفر. هذا النهر هو في أصل الطفرة التنموية الفنزويلية الحديثة، ومنه تتمول الخطط الانفجارية كلها، وعليه يعتمد عصب اقتصاد البلاد. وللعاصمة كاراكاس (4 ملايين) حصة الأسد –ككل عواصم الدنيا–  من المشاريع العمرانية والخدمية: فهذه مطاراتها الثلاثة في غضون عشر سنين فقط، وهذا قطارها الأرضي (مترو) الذي يعد مفخرة معمارية وقومية وقد بنته الشركات الفرنسية ودشن في آذار 1983 (14كم حاليا من أصل 45كم)، وطريقها السريع العملاق الذي يشطر المدينة إلى شطرين على ارتفاع 1000م عن سطح البحر وتتفرع منه عشرات الأذرع. والبنايات العصرية ومعامل الصناعات الثقيلة، كالصلب والحديد، والبتروكيمياويات والزجاج.. الخ .

      ومن جهة أخرى ارتفع معدل دخل الفرد السنوي، بحيث صار اعلي معدل في أميركا الجنوبية، ومعه ارتفع مستوى المعيشة . فكل أسرة –حتى الفقيرة– لها جهاز تلفزيون، وامتلاك سيارة لم يعد ترف الأغنياء الكبار وحدهم، وكل أسرة تقريبا تمتلك الأجهزة المنزلية الرئيسية كالثلاجات والغسالات… والناس يتهافتون على شراء كل جديد لاسيما من الثياب، وهم يفضلون الجديد على تصليح المستعمل. وهكذا اجتاحت حمى الاستهلاك والحياة السهلة كل المواطنين. وجاءت مزاحمه المنتوجات المستوردة للمنتوجات المحلية في الكلفة الأقل والنوعية الأفضل، ليس في القطاع التصنيعي والكماليات وحسب، بل حتى في القطاع الغذائي، وارتفاع الدخل الصناعي بسرعة، وبالتالي تضخم المدن على حساب الريف (83% من السكان هم في المدن).. جاءت كلها لتقصم ظهر الزراعة وتولد قناعة عامة بان الثروة على باب كل مواطن، ولكن ليس بفلاحة الأرض والعمل اليدوي والجهد. فتخدر البلد بنفطه.. ولازالت الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لإعادة تنظيم الاستثمار الزراعي دون طموحات الفلاحين ودون مستوى الإنتاجية المطلوبة. والمنهاج الذي بدأته الحكومة في الستينات لم ينجح تماما لبقاء أقلية صغيرة من الناس –هم الملاكون الكبار–  يسيطرون على معظم الأراضي الزراعية.

       “إن بريق سيارات الشفروليت بريق كاذب”. هذا ما تكتبه صحيفة “لاكروا” عن فنزويلا اليوم. فالانطباع السائد هناك هو إن الربح السهل والتهافت على الاستهلاك يلغمان المجتمع الفنزويلي ويعرضان مؤسساته للانحلال. والمجتمع الفنزويلي يتعرض في الواقع لخلل في توازنه الاقتصادي والإنساني معا بتضاعف الثروات القومية بصورة سريعة. فأنت ترى، من جهة، مراكز صناعية وإدارية متقدمة جدا إلى جانب صيغ اقتصادية بدائية لا تزال قائمة، ومن جهة أخرى تلاحظ دولة غنية جدا ومبذرة، وإزاء هذه الدولة الغنية المبذرة تتعاظم الهوة بين الأغنياء والفقراء، وعلى كل المستويات تقوم ايدولوجية “كل واحد لنفسه” (كل من ايدو الو) مقام الروح الوطنية المعدومة والخير العام. لذا يعتبر هذا الغنى الذي تتخايل به واجهة فنزويلا غنى مصطنعا، لأنه ليس ثمرة العمل والجهد، وإنما هو حاصل إيرادات آسوا ما فعلته هو أنها عودت المواطنين على الاتكالية واستعبدتهم عن المشاركة في مسيرة البلد بصورة طبيعية وفاعلة. فكانت النتائج، إضافة إلى هذا التفاوت في توزيع الخيرات القومية، هي الركود، وعدم الاحتياط للمستقبل، وإضعاف شخصية المواطن والشعب كشعب.

       إن تحسس هذه المخاطر صار هاجسا اقتصاديا واجتماعيا جادا بعد هبوط احتياطي النفط الذي قد يشح بصورة خطرة في مطلع القرن القادم. ولكن “التبذير الخطر في النفط وعائداته يبقى لعبة أطفال، يقول علماء الاقتصاد والاجتماع الفنزويليون، أمام التبذير في طاقات شعب يحطم نفسه بنفسه، ماديا ونفسيا”.

        الكنيسة ما هو دورها؟

        إن الإنسان الفنزويلي، بالرغم من عصرنته، إنسان منغرز في ماضيه الذي يتكون من مجموعة من القيم والتقاليد، كاللغة والحكمة الشعبية، والأمان الذي يجده في المبادئ الأخلاقية، وسمعة الأسرة، والشرف، وديمومة الأجداد بعد الموت، والحس التضامني: كل هذه القناعات تجعل منه خامة جيدة يمكن الاعتماد عليها لإعادة توازنه. وللكنيسة دور هام في هذه العملية. غير أن هذا يتأثر في الواقع بمعطيات ماضيها أيضا.

       وكنيسة فنزويلا “كنيسة يثقل كاهلها التاريخ” كما وصفها المؤرخ فرناندو يابيز. فقد رافق الاستقلال صراع قاس بين الدولة والكنيسة، حيث كانت تلك تريد استخدام الكنيسة لتثبيت سلطتها وتحاول التحكم فيها بممارسة الوصايا والامتيازات التي مارسها عليها الحكم الاسباني. وكانت الكنيسة خاسرة على طول الخط. وقد بلغ هذا العداء قمته في عهد كوزمان بلانكو، كما أسلفنا حيث طارد الكهنة ولم يبق منهم لعموم البلاد سوى 393، بينما كانت أبرشية كاراكاس وحدها تعد 547 كاهنا عام 1810، وقد هدد بإنشاء كنيسة وطنية منفصلة عن روما. ولم تهدا العاصفة إلا بمفاوضات مباشرة مع الفاتيكان.

     هذا ما يفسر إن 70% من الكهنة لازالوا أجانب(3). ولكن هذا ما يفسر خاصة صمت كنيسة فنزويلا الذي لا يتناسب وحيوية سائر كنائس أميركا اللاتينية التي اتخذت مواقف واضحة وثورية أحيانا تجاه الأنظمة الاجتماعية والسياسية المتردية أو القمعية. فهي تبدو وكأنها تخرج توا من طور النقاهة وتحاول الوقوف على قدميها من دون مشاكل، وقد اكتفت برعاية القطاع التربوي والتعليمي، ولها جامعة بإدارة اليسوعيين تأوي 8 آلاف طالب ومعاهد علمية ومهنية عديدة. وبدأت تقطف بعض الثمار عندما وصل بعض تلامذتها إلى مراكز عالية، ومنهم الرئيس الأسبق رافائيل كالديرا، غير إن نصوص مجلس أساقفة أميركا اللاتينية (سيلام) بشان الاندماج بقضية الفقراء وتيارات لاهوت التحرير تأخذ طريقها في واقع كنيسة فنزويلا تدريجيا، وان بحذر وتردد، لاسيما من قبل السلطة الكنسية، لئلا توقظ حفيظة الدولة.

     أما العلمانيون فقد بقي دورهم ضعيفا في توجيه حياة الكنيسة. بيد إن القاعدة الشعبية تعطي وجها خاصا للمسيحية الفنزويلية، ليس في إضفاء سمات شعبية على الإيمان وحسب، بل في تبني الشعب نفسه التنشئة الإيمانية وبعض مراسيم مراحل الحياة الكبرى، كالعماد والأعياد وشؤون الأسرة والموتى. وان كانت قلة الكهنة تفسر مثل هذا “التبني”، فهناك شعور عميق في وجدان الشعب بأهمية البعد الديني في الحياة والعمل. وقد عزا الأب سانتانا من معهد كاراكاس الكهنوتي ذلك إلى روافد “الشعور الديني الخلاسي” الفنزويلي الثلاثة: الهندي المحلي ومحوره الطبيعة، والاسباني – اللاتيني ومحوره مراحل حياة المسيح الكبرى والعذراء مريم، والإفريقي ومحوره تكريم الموتى والأجداد والعلاقات القبلية.

      غير إن علامات الحياة والرجاء تعتمل في كنيسة فنزويلا بما ينبئ أنها لن تتخلف طويلا عن شقيقاتها في أميركا اللاتينية. فهناك على الصعيد الفكري مركز كوميلا للدراسات الاجتماعية والاقتصادية والانثروبولوجية واللاهوتية الذي يصدر مجلة شهرية بعنوان “سيك” وأبحاثا حول الواقع الفنزويلي ولاهوت أميركا اللاتينية. وهناك جماعات كبيرة من الراهبات تركن عملهن التقليدي واخترن العمل والعيش في مناطق فقيرة ونائية في أنحاء القطر. وكذلك فعل بعض الكهنة، بالرغم من عدم ارتياح  الحكومة لهذه الظاهرة التي قد تحرك الاستياء الشعبي.

      وهناك الوعي ألرسولي المتزايد لدى الشبيبة وارتفاع عدد الراغبين في الكهنوت. فبينما لم يكن سوى ثلاثة معاهد كهنوتية قبل عشر سنوات، أصبح عددها اليوم 9 وارتفع عدد الطلبة من 530 في 1983 إلى 629 في 1984. كما إن هناك بادرة رائعة أبصرت النور قبل عشرة أشهر تدعى “الرسالة الوطنية”، وهي أشبه بجماعات القاعدة(4)، حيث يجتمع مؤمنون، لا سيما من الشباب، لاكتشاف الإنجيل ومتطلباته، ولدراسة توجيهات مجلس الأساقفة المنعقد في بويبلا عام 1979(5) وكيفية ترجمتها إلى الواقع. وقد تجاوزت هذه الحملة التي أطلقت أساسا لتهيئة زيارة البابا كل التوقعات بجديتها والإقبال عليها.

        كيف سيكون وجه الكنيسة الفنزويلية الجديد؟

        لسنا في علم الغيب. ولكنه سيكون حتما تحصيل أمرين والتقائهما وتناغمهما في الواقع المعاش وهما: تصور النخبة في رؤية إنجيلية وموضوعية، ومدى مشاركة القاعدة في رسم وتجسيد هذا التصور فعليا. أما النخبة فهكذا تتصور كنيسة فنزويلا غدا، كما جاء في مجلة “سيك” الأنفة الذكر، بعنوان “طموح واقعي لكنيستنا”:

“كنيسة قريبة من الشعب الفقير والعامل

كنيسة لا تستعبد فيها حرية الروح لحرف الشريعة

كنيسة تثق بالروح الدينية الخلاقة للشعب، كما برهن عليها التاريخ

كنيسة نبوية تقرا الواقع من خلال الكلمة المبتذلة

كنيسة تعود أصالتها، وتلقي جانبا، من دون انطوائية، كل استيراد عجول 

وكما هو الأمر في الاقتصاد والسياسة، ينبغي أن ننتج أكثر، ونستورد اقل.. وليس ذلك فقط في ما يخص الأشخاص، وإنما أيضا في ما يخص التراتيل، والكتب، والتنظيمات، والمواقف، والطقوس، والرموز، وأساليب التفكير”.

      “اوخالا” –إن شاء الله–  كما يقول الفنزويليون!.

———————

 سنتبع في استعراضنا ثلاثة تقارير موجزة صدرت، الاول في عدد خاص من مجلة Missi (نيسان 1983)، والثاني والثالث في جريدة لاكروا (La Croix) (25و26 ك2 1985) بمناسبة زيارة البابا لفنزويلا.

 من ابوين مختلفي اللون، اسود وابيض

 في فنزويلا اليوم 2300 كاهن و 4600 راهب وراهبة، اما الاساقفة، وعددهم 37، كلهم فنزولّيون.

 ف . م . ك1 1984

 ف . م . آذار ونيسان وحزيران 1979 

 (((((((((((()))))))))))

السبت أم الإنسان ؟ 

“السبت من اجل الإنسان، وليس الإنسان من اجل السبت”! تلك هي السلوكية الإنجيلية تجاه الشريعة. وهي تلخص ببلاغة موقف المسيحي من القوانين والتشريعات  والأنظمة الكنسية التي ما أن تسللت إليها الايدولوجية أصبحت شكلا من أشكال العبودية والاستغلال، وأضحت أداة للردع وحتى القمع… 

على الصراع القائم بين الحرف والروح في البنية الكنسية يضع هذا الملف الأصبع، في محاولة جادة للنظر إلى الكنيسة بصفتها “مؤسسة” تفرض ضوابط وتخضع لمؤثرات، وقد تنزلق نجو “شريعانية” تقتل حرية الروح:

تركيبة الكنيسة، نظام السلطة فيها، سياستها، اولوياتها، تعثراتها… يسلط عليها الأضواء الأب جرجس القس موسى، انطلاقا من وجهة النظر الاجتماعية وعلى ضوء الفاتيكاني الثاني الذي أيقظ عيها روح النبوة – سمتها المتميزة.

      رجل يده يابسة. يستغل الفريسيون حاجته إلى العافية ليحرجوا بع يسوع. فيسألونه مراوغين: ” هل يحل الشفاء في السبت؟”. فيفضح يسوع  التوائهم وكيف يضربون السبت عرض الحائط حين تقتضي مصلحتهم: “أي منكم له خروف لا يمسكه إذا سقط في حفرة يوم السبت ويرفعه. الإنسان أفضل أم الخروف؟” (متى12: 9 -14).

        وينقل لوقا حادثة مماثلة عن امرأة حدباء شفاها يسوع يوم السبت أمام احتجاج الفريسيين، فيستبدل الخروف بالحمار ويقول: “يا مراءون! أليس كل واحد منكم يحل في السبت ثوره أو حماره من المذود وينطلق به فيسقيه؟ وهذه المرأة. ابنة إبراهيم. أما كان ينبغي أن تطلق من هذا الرباط يوم السبت؟” (لوقا 13: 14- 17). ثم يحذر تلاميذه بقوله: “إياكم وخمير الفريسيين!” ( مر8: 15).

      ما هو “خمير الفريسيين”

       انه هذه النزعة بالذات التي، من اجل الظهور بمظهر معين، وفي سبيل الحفاظ على واجهة المؤسسة وبناها تكبل الإنسان وتستعبده باسم الشريعة، منتزعة منه كل مبادرة حرة أو فكر نقدي. وتصبح النزعة ايدولوجية ترفع الشريعة  بموجبها فوق الإنسان. بينما  ” السبت جعل لخدمة الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت”.

          يسوع ينادي بإعادة ترتيب “الأولويات”  وبنزع “هالة القدسية” عن السبوت والشرائع والأعراف ووضعها فوق رأس الإنسان وحده.،لأنه هو وحده “على صورة الله”. جاء ليحرره من كل ما من شانه أن يقمعه أو يستعبده –حتى باسم الله– ويخاطب قلبه وضميره وإنسانيته العميقة ليقبل الله ويدخل معه في علاقة طوعا وحبا. لذا كانت تعاليم يسوع إشارات وتوجيهات لا قواعد قانونية.

       أنها دعوة إلى التزام الداخلي والنضج في ممارسة الحرية بمسؤولية ووعي. إزاء “شريعة” ترتب كل شيء مسبقا للإنسان وتدعه في مرحلة الطفولة أبدا. أليس هذه هي “حرية أبناء الله”!

      ولكن هل يعني ذلك إزالة كل تشريع ليتصرف الإنسان على هواه وحريته؟ وهل بالإمكان بناء مجتمعات من دون قوانين؟ ما هي العلاقة بين السبت والإنسان في تركيبة وسياسة الكنيسة؟ هل من صراع فيها بين “الروح النبوية” التي عليها نشأت، و”الحرف التشريعي” الذي يستهدف ضبط شؤونها؟ ما هو موقع المبادرات والحركات الهامشية في تاريخها؟

                                                     أولا – الكنيسة كمؤسسة

       الكنيسة مؤسسة تاريخية وجسم اجتماعي يتكون من ويتعامل مع أفراد مختلفين، وهذا الجسم ليس جزيرة معزولة محصنة، بل يتفاعل مع بيئته، ويخضع لما تخضع له من مؤثرات.

هذه النظرة لا ترضي الذين يرون في الكنيسة، قبل كل شيء، “جسد المسيح السري” و “شعب الله” الذي لا ينبغي أن يصاب “بعدوى” العالم، ويريدونها أكثر روحانية ومتحررة من الجوانب السلبية والقمعية لتاريخها الماضي والحاضر، ولكن الواقع يبقى أن الكنيسة “كيان” موجود ضمن البشرية، ومن هذا المنطلق فهي

خاضعة لنواميس الطبيعة البشرية. لذا لا بد لها من قوانين وضوابط لتنظيم حياتها الداخلية، من جهة، ولتحديد هويتها تجاه الخارج بتحديد طبيعتها وخصوصية أهدافها وسلوكية أعضائها، من جهة أخرى. وتمر هذه الضوابط، ضرورة، بعنصرين أساسيين وهما: القواعد الفكرية، والسلطة الإدارية. وهذان العنصران مشتركان بين جميع المؤسسات، ولا يتميزان إلا بخصوصياتها.

1 – خصوصية القواعد الفكرية للكنيسة هي أنها تنطلق من الإنجيل الذي يعتبر أساسها ومرجعها في عملها وتنظيمها، بوصفه التعبير الحي لفكر مؤسسها. لذا كانت العودة إلى الإنجيل هي الوسيلة الأقوى لإصلاح مسارها كلما انصهرت أكثر من اللازم في إطار حضارة خاصة، أو تحالفت مع نظام اجتماعي أو سياسي معين. وعلى الإنجيل أيضا (والكتاب المقدس عموما) تعتمد سائر صيغ  التجدد الحديثة وحركات الإصلاح، مستلهمة خبرة المسيحيين الأولين والأصالة التي بها عاش المؤمنون الكبار تعاليم الإنجيل عبر التاريخ.

      ولكن، إذا كانت القواعد الفكرية هي قياسات مسلكية للجماعة، والفرد المنتمي إلى هذه الجماعة وعلامة انتمائه إليها، فالخطر يأتي عندما “تشرع” هذه القواعد وتدخل في باب “المقدسات” التي لا تمس، أو الحلال والحرام، وتصبح “مواد قانونية” يعاقب عليها القانون. حينذاك يصبح القياس قمعا أو غبنا. مثلا: الدعوة إلى الصوم دعوة إلى التوبة والاهتداء، ولكن أن يعاقب غير الصائم بعقوبة أبدية (لكونه ارتكب خطيئة)، أو زمنية (السجن، الاحتجاز).. فلابد أن هناك سببا آخر: الوصول إلى هدف معين عن طريق الردع. وبذلك نكون قد خرجنا عن الروح وأخذنا جانب الحرف، ثم لا نتأخر أن نعتبر هدفا ما كان وسيلة!

     وكذلك الأمر في العزوبية الكهنوتية. فبينما جاءت العزوبية (أوالبتولية) للكاهن عفوية  وعن طريق الرهبان “كنداء” إلى حب اكبر وكامل للمسيح واعتراف بأولوية الله، استولى التشريع على هذه “العفوية” وصار ينظر إلى العزوبية، تدريجيا وفي واقع الحال، من منظور وظيفي، استثماري، لتمتين الروح الانضباطية – الانقيادية في المؤسسة، ولكي يكون الكاهن “على أهبة” دائمة للخدمة. وجاء هذا التركيز على حساب الجانب الإنساني، حيث جرت عودة مبطنة إلى مفهوم “الطهارة الطقسية” كما عند اليهود، والتي بموجبها تعتبر العلاقة الزوجية – ومن ثم الزواج نفسه – نجاسة أو “تلوثا” (ومن المنطق ذاته جرى إبعاد مبدئي المرأة عن كل ما يبت بصلة مباشرة إلى المذبح والقدسيات وعن الرجال “المكرسين” لخدمتها).

       إن القاعدة الذهبية للضوابط المسلكية هي أن تكون منفتحة، أي نابعة من واقع وحاجة، مما يكسبها المرونة اللازمة في التطبيق، أو تغير الواقع (الحضاري أو الفكري أو الاقتصادي)، فمن الطبيعي أن “يتطور” التطبيق بحسب هذه المتغيرات، للبلوغ إلى الهدف المنشود بصيغ أو بطرق مؤاتية حسبما تقتضيه حركة الحياة. لان الضوابط، أو القوانين، في كل الأحوال، ليست دساتير نهائية، ولا هدفا في حد ذاتها، وإنما وسائل خدمية متصلة بزمان ومكان. لذا ينبغي أن تشتمل على إمكانيات التعيير من داخلها وبصورة مشروعة ومقبولة في عيني السلطة والقاعدة معا. فهناك تجربة تراود السلطة في حقبات التغييرات الاجتماعية والفكرية السريعة خاصة

–وهي أشبه بالنمو غير المستقر– للتركيز المفرط على القيم المطلقة للقواعد المسلكية أو الطقسية وفرضها باسم الطاعة أو بالردع، وذلك خوفا من البلبلة وحفاظا على وحدة الصف، فتقع في مغالاة قد لا تخدم سوى الشكل أو الهيمنة التوجيهية (رسالة بولس 6 في تنظيم النسل. يوحنا (؟) ولاهوت التحرير في جوانبه التطبيقية).

2 – نظام السلطة: إذا كانت وظيفة السلطة (وفي أية مؤسسة وفي الكنيسة أيضا) أن تدبر شؤون المصلحة العامة وتحافظ على تماسك الجماعة ووحدنها، فخصوصيتها في الكنيسة تنطلق من كونها “خدمة”، وبهذا المنظور جاءت على لسان المسيح (“من كان فيكم كبيرا، فليكن خادم الكل”)، وهي خدمة تمارس باسم المسيح  (“من سمع منكم فقد سمع مني”). أما سبل ممارستها فخاضعة للمعطيات الاجتماعية وحركة التاريخ. فقد مرت في الواقع، وتمر، بصيغ متعددة مستوحاة أو متأثرة بالبيئة المدنية المحيطة بها. ففي الشرق مثلا تغلبت صيغة المجالس البطريركية بأعضائها المنتخبين لتكون مع أساقفة الطائفة وبطريركهم ما يشبه “مجلس عشيرة” (سينودس)، والمجالس الملية  التي تشترك العلمانيين في الإدارة الزمنية. بينما  تغلب على الكنيسة الغربية طابع هرمي ومركزية قوية حول البابا تذكرنا بالنظام الإمبراطوري.

      غير أن الخطر في مؤسسة بعمر الكنيسة وتركيبتها هو أن تتحول الخدمة وتوزيع المسؤوليات، مع تراكمات الزمن، إلى “تشكيلة” من المراتب المتدرجة ا والى مركزية مفرطة تستأثر بكل القيادة، الروحية والفكرية والتوجيهية والإدارية، بحيث تختنق الحرية وروح النبوة في حشد من النواهي والقيود والتوجيهات الفوقية. هذا الخطر وقعت فيه الكنيسة عندما قسمت الشعب المسيحي إلى صنفين منفصلين: صنف رجال الاكليروس الذين يعلمون ويحكمون، وصنف العلمانيين الذين يسمعون ويطيعون ويصلون. مثل هذا الفصل يولد الطبقية التي هي عكس روح الجماعة والإخوة والشركة: وباسم وحدة الصف والفكر والسلوكية والعقيدة تراكم التشريع في الكنيسة، لاسيما منذ القرن 5، بحيث بدا الإنسان اصغر من “الحق القانوني” واستخدمت السلطة الكنسية أجهزة تنفيذية وأخرى للسيطرة والمراقبة، لم يتردد بعضها من استخدام الردع والقمع.

      أما اليوم، وقد أعاد المجمع الفاتيكاني الثاني مفهوم الخدمة إلى السلطة وحررها من “غلو”أدواتها التنفيذية الردعية القديمة (المكتب المقدس Saint – office، الدوائر الرومانية Curia مثلا) فإذا كانت القواعد التشريعية الأساسية للسلطة الكنسية لم تتحرك كثيرا، فصيغ المشاركة الفعلية ومفهوم “الجماعية” في السلطة المستمدة من المنظور اللاهوتي في المسؤولية المشتركة لأساقفة الكنيسة تنعكس لا محالة، نفسيا واجتماعيا، على أسلوب ممارسة السلطة الذي يستلهم، أكثر فأكثر، أسلوب “القيادة الجماعية” و” المداولة”.

       من هذه الزاوية يجب النظر إلى الأجهزة الجماعية الجديدة التي نشأت بوحي المجمع مثل “سينودس الأساقفة العام”، والمجالس الأبرشية والخور نية، أو التي حملها المجمع زخما ومسؤوليات جديدة مثل “المجالس الأسقفية” الوطنية والإقليمية، ومن ضمنها سينودسات ومجالس البطاركة والأساقفة في الكنائس الشرقية.

     هذه الهيئات لازالت في اختباراتها الأولى، وقد لا يتجاوز وضعها “القانوني” أن تكون أكثر من أجهزة استشارية، غير أن مستقبلها منوط بكيفية إثبات وجودها. ولسينودسات الكنائس الشرقية، برأي، دور تاريخي يجب أن تلعبه في هذا المضمار كنموذج لللادارة الجماعية، ومسؤوليتها لا تقتصر على أن تكون مجرد “عينة”  لنمط تراثي –كما تفعل حتى الآن-، وإنما أن تبرهن واقعيا وموقعيا على حيوية هذا النمط، وتقدمه كتجربة  خلاقة منفتحة ومتجددة، لكنائسها وللكنيسة الجامعة.

                                                     ثانيا – صراع الروح والحرف

       لاشك أن الذهنية العلمية الحديثة –وبالتحديد البايولوجي أو علم الأحياء والحياة، وعلوم الفضاء، والتكنولوجيا– هي في أصل “القطيعة” التي قصمت وحدة الإنسان والطبيعة. فإذا فاقته على طاقاته الكامنة واللا محدودة، جعلت منه سيد الكون الذي لا يروض الطبيعة ويسخرها وحسب، بل يريد أن يجعل منها مسرحا لتحقيق ذاته، بعد أن كانت أداة استلاب له. ثم تلتها العلوم الإنسانية لتعطيه هذا الإحساس  العالي بقيمته الذاتية وبالاستقلالية والحرية. وفي هذه الذهنية الجديدة تمرد الإنسان على قيود الماضي، ورفض الرضوخ لمصير يقرره غيره أو لنظام اعتبر حتى الآن ثابتا.

      إزاء هذه التحولات، ومن اجل هذا العالم المتحرك كان على الكنيسة أن تعيد ترتيب بيتها، هي التي “لم تحسن الإصغاء دوما إلى الوسط الحياتي الذي يغمرها من كل جانب، والذي طالما تحاشته بحذر مفرط وشجبت فيه كل مظاهر التطور والتغيير، فلقد بدت  وكأنها تريد إيقاف الزمن بإداناتها الصادرة عن مفاهيم أخلاقية لا تقبل المناقشة وعن روح قانونية متصلبة. وبذلك صارت وكأنها نسيت أنها هي التي حملت إلى العالم قيم التعاليم الأخلاقية المنفتحة  وأسس القانون المبني على حاجات الإنسان الواقعي”. وصار منطق المؤسسة  الراضية على نفسها هو الطاغي على سلوكيتها مدة طويلة.

        والحال أن التصادم بين منطق المؤسسة بصفتها عنصر الثبات والاستقرار، وأهدافها الديناميكية التي تعيد النظر باستمرار وتحاجج لخلق الأفضل والخروج عن القوالب المرسومة  مسبقا.. هذا التصادم حالة دائمة، وان بوتائر متفاوتة. وفي هذا الصراع تمثل السلطة المؤسسة عادة، أما القاعدة فتمثل القوى المتحركة، وإذا كان هذا التوتر ينتهي في المؤسسة السياسية والمدنية بانفجار الطاقات الداخلية المندفعة، على شكل ثورات وانقلابات سياسية واجتماعية  لربما عنيفة -، فهو يتعرض في المؤسسة الدينية لعاملين متناوبين، أو متزامنين، وهما: عامل  باتجاه الخارج للإصلاح والتجدد والتعصرن، وعامل باتجاه الداخل للوقاية من التلوث الخارجي  بالتقوقع والاكتفاء الذاتي. وبما أن الجميع لا يتفاعلون بالقوة  ذاتها مع هذه التناقضات، وان التغيير أو اللا تغيير في المؤسسة الدينية هو رهن القناعات لا العنف، فحركة التجدد فيها بطيئة حتما –سيما وان المؤسسة الدينية تتمتع عادة بعمر طويل وتقيس أيامها خارج الزمن–. فيبقى الدافع الحاسم لوتيرة هذه الحركة أو زخمها منوط، سلبا وإيجابا، بالمؤثرات الضاغطة الخارجية والداخلية.

        هذه المعطيات الاجتماعية طالما تعرضت لها الكنيسة في تاريخها الطويل، وأصابها منها ما أصابها من الرجات والضياع ولربما الانشطار. فالحركة التجددية التي رافقت المجمع الفاتيكاني مثلا، أعدتها عوامل متناقضة ثلاثة وهي: التحولات الإنسانية والحضارية الخارجية الأنفة الذكر؛ جمود التسلط وما يدعى بالعقيدانية الاكتفائية التي كانت تطغى على المؤسسة الكنسية؛ والقوى الدينامية والمتمردة داخل الكنيسة.

     هذه الاخيرة هي التي صنعت المجمع –ولرنما من وراء الكواليس– ونجحت في تفجير طاقات الكنيسة من الداخل في عملية تخميرية بطيئة ودؤوبة، كما نجحت في استصدار قرارات ومراسيم مجمعية عديدة لم تأت إدانة لاح داو لبدعة، لأول مرة في تاريخ المجامع، وإنما عادت بالكنيسة إلى الينابيع، وفتحت حوارا مكشوفا مع العالم في عملية مصالحة حقيقية، لترى أن قيمة الأصيلة لا تتعارض وقيمتها. فكان من النتائج المباشرة إن تزعزعت  الذهنيان والبنى إلى حد بعيد، وفقد البعض “صمام أمانهم” الفكري وثبات أقدامهم في سفينة طالما حسبوها بمنأى عن الرياح. واخذ صدام الروح والحرف، صدام المؤسسة والروح النبوية في كنيسة ما بعد المجمع، اخذ شكل الردة، أو كبح الجماح على الأقل.

نسوق أمثلة على ذلك:

– حركة المحافظين التي يقودها الأسقف الفرنسي لفيفر الداعية إلى الاحتفاظ

بالأطر التقليدية للكنيسة، والتي من فرط تحجرها في الماضي، رفضت كل ما أتى به المجمع من قرارات ومفاهيم حول المنظور الجماعي في السلطة، ومفهوم الكنيسة كشعب الله، والحرية الدينية، وترجمة الطقوس إلى اللغات الحية، والانفتاح المسكوني إلى الكنائس الشقيقة والأديان الأخرى، وإشراك العلمانيين… وذهب بهم الرفض إلى شق عصا الطاعة للبابا والتكور على ذاتهم كجسم مستقل.

– داخل المؤسسة الكنسية ذاتها، ومن دون الحاجة إلى إعلان العصيان،

تيار المحافظين  الجامدين حي يرزق، وقد اتخذوا مواقف سلبية – بالرغم من كونهم وقعوا على وثائق المجمع – إزاء التطبيقات العملية لطروحاته. وصاروا يتحذرون من كل جديد او تجديد خشية ألا يجرف معه كل شيء.. ويحرفهم هم أنفسهم! ولعل نزعة يوحنا بولس الثاني إلى بناء كنيسة قوية متراصة، شجعت في السنوات الأخيرة، على ترسيخ بعض المواقف التقليدية أو إعادتها.

– الجدل القائم –وقد وصل حد التحدي والمجابهة المفتوحة– بين مجمع

عقيدة الإيمان ولاهوتيي التحرير في أميركا اللاتينية (أو ما يعادله في أسيا وإفريقيا) من جهة، ومع اللاهوتيين المحدثين  في أوربا (هانس كونك، سكيلبكس، رانر…)، من جهة أخرى. وكذلك مواقف روما المتسمة بالتعنت والإدانة وفرض الصمت تجاه الرهبان والراهبات والكهنة الملتزمين اجتماعيا وسياسيا إلى جانب الفقراء في دول العالم الثالث (الكهنة الوزراء في نيكاراغوا، الراهبات في الولايات المتحدة…).

والقضية ليست مجرد “تحذيرات” شخصية، وإنما قضية حرية البحث اللاهوتي بأكمله؛ بل حرية التعبير والرأي، وعلاقتها بأساليب السيطرة والقمع الفكري المركزي على حساب الأوضاع الخاصة للكنائس المحلية.

– قضية زواج الكهنة، ومشكلة هؤلاء الذين، بالآلاف، تركوا الخدمة، بل

تركوا الكنيسة على أطراف أصابعهم (ولا نقل بان كنيسة العراق هي بمنجى عن هذه الظاهرة). والقضية الحقيقية ليست قضية “مارقين” يحملون على أكتافهم كل اللوم، كما يدعى، بقدر ما هي قضية طاقات خلاقة، في اغلب الأحيان، تخسرها الكنيسة لأسباب ثانوية وعرضية، أو لسوء استخدام السلطة، وتشويه العلاقة بين الكهنوت والزواج والعزوبية الالزامية.

–  قضايا الإنجاب وتنظيم الحمل وتدخلات السلطة الكنسية لفرض وجهة

نظرها في عدم استخدام الوسائل الاصطناعية حتى قبل ظهور الحياة (رسالة بولس السادس في “الحياة البشرية”).

– الجدل حول رسامة نساء قسيسات. والقضية الأساسية ليست في شرعية

أو عدم شالخلاصة:الكهنوت للجنس اللطيف، بقدر ما هي قضية إبقاء المرأة في عداد “القاصرين” وإقصائها (وإقصاء العلمانيين عموما) عن مسؤولية صنع القرار في الكنيسة واخذ دورهم الكامل في حياتها… الخ الخ

                                         ثالثا – الخلاصة: هذه هي جدلية الحياة

       هذه الضلال  -وغيرها مما لم نأت إلى ذكره– لا تخفي وجه الشمس فمظاهر “الردة”، أو الكبح، أو التوقف في التقليد الموروث، إذا كانت توحي أحيانا بتغلب روح  السبت على الإنسان، فالروح النبوية لم تغادر الكنيسة  أبدا، لا في الماضي ولا في الحاضر. فمبادرات الروح  في كنيسة اليوم أكثر من أن تحصى، في القمة وفي القاعدة، وفي كل المجالات الراعوية الفكرية والروحية، وفي التزام جانب الفقراء بشجاعة بوجه الأنظمة القمعية والدكتاتورية (أميركا اللاتينية، جنوب إفريقيا، الفيليبين…). ونقصد بالروح النبوية، هذه الطاقة الداخلية التي تجرى فيها من نبع الإنجيل ومن قوة الروح القدس للانطلاق دوما نحو أمام، ولتجاوز الذات  في تعابير فكرية ومسلكية متجددة، ولتعميق خبراتها وتنويعها. أو هذا “البعد الثوري”  الكامن في  صلبها والذي يدفعها –تارة هنا، وطورا هناك، وأحيانا في كل أجنحتها كما في فترات المجامع– إلى تعديل مسارها باستمرار .

      فالانشقاقات والانسلاخات نفسها في جسم الكنيسة، وحتى الرهبانيات والحركات الرسولية والروحية ضمن الكنيسة،وكذلك حركات التحرر المدنية ضد الوصاية الكنسية عبر التاريخ.. كلها  ننظر إليها من زاوية كونها منطلقات نبوية تحررية من هيمنة المؤسسة الكنسية كمؤسسة أو سوء استخدام السلطة.. للبلوغ إلى صيغ متمردة، متجددة، تساير حركة الحياة  وتعيد الأولوية للإنسان، ولروح الإنجيل.

    قلنا “صيغ متمردة” ولا ننسب هذه الصفة إلى الانشقاقات والحركات الانفصالية والتيارات التي تقاوم المؤسسة أو تشق عصا الطاعة وحدها، بقدر ما نصف بها كل المبادرات الايجابية والاحتجاجية ضمن الكنيسة، كالجمعيات الرهبانية، والحركات الشبابية والجماعات الرسولية والإنجيلية المعاصرة، وحتى الرهبانيات الكبرى كالفرنسيسكان والدومنيكان واليسوعيين. وكذلك التوجيهات التجديدية في الإصلاحات الطقسية، والبحث اللاهوتي، ودراسات الكتاب المقدس، واستخدام التقنية الحديثة (صحافة، سينما، فديو…) في خدمة الرسالة المسيحية.

     كل هذه المؤشرات والمبادرات تبدأ هامشية وكصيغ انقلابية على الواقع الراهن، ثم نتدرج في صلب المؤسسة لتصبح  علامة صحة لكل الجسم. ويتم ذلك عن طريقين: إما أن نفرض هذه  المبادرة أو تلك نفسها على المؤسسة (الكنسية) بما تمثله من أصالة إنجيلية، مثبتة أقدامها شيئا فشيئا؛ وإما إن تحاول المؤسسة (الكنسية) احتوائها أو رعايتها. أية كانت الطريقة، فكل مبادرة تشكل في حد ذاتها عاملا إضافيا لإبقاء الباب مفتوحا أمام التجاوز والتغيير والنقد الذاتي وحركة الرأي،  بالنموذج النبوي الخاص الذي تقدمه (الرهبانيات مثلا)، أو بطريقة التخمير البطيء كالخميرة في العجين أو كالملح (مثال المفكرين –تياردي شاردان-، واللاهوتيين الخارجين عن الخط التقليدي الذين أقصوا ثم أعيدوا خبراء في المجمع الفاتيكاني الثاني – شنو وكونغار). وحدهم “المتمردون” على الواقع يخلقون الحياة، ولكن ليس بغير ثمن!

    “فمن خلال هذا المسار الديالكتيكي بين روح المؤسسة والتغيير يتقدم المجتمع. فمن جهة، تميل المؤسسة إلى تجميد كل شيء: تقاليد العمل، المواقف، العقليات، وتحارب ضد التغيير، ومن جهة أخرى يرى الإنسان نفسه كي يتقدم –والتقدم من طبيعته لأنه روح، لأنه فعل في أساسه وتكوينه، لأنه يرغب في تسخير الطبيعة لخدمته والله نفسه قد منحه هذه الطاقة– يرى الإنسان نفسه، إذا، كي يتقدم، مرغما على النضال ضد عوامل الشلل والجمود في المؤسسة”

    فصراع المؤسسة والروح النبوية في الكنيسة هو جدلية الحياة،  وهو الذي يحفظ التوازن ويضمن الاستمرارية بصورة معقولة. والخوف، إذن، ليس من الحركة، بل من الجمود، من أسبقية حسابات المؤسسة على حساب الروح. ومسؤولية ذلك، سلبا وإيجابا، مسؤولية مشتركة  تقع على عاتق  جميع أبناء الكنيسة، كل من موقعه. 

                                              الأب جرجس القس موسى

 ))))(((((((((

الحركات الشبابية المسيحية في الكنيسة

عدد خاص /ت1 ت2 1985

      عبر أخويات وحركات وجمعيات أنشئت منذ أوائل القرن بهدف إيقاظ الشباب وتنشئتهم على حمل مسؤولياتهم في الكنيسة والمجتمع، تجند ولا يزال يتجند العديد من الشبان والشابات للشهادة للإنجيل، كل في محيطه وبيئته.

      عن بعض هذه الحركات الشبابية –وقد كان لها. لسنوات خلت، دور فاعل في حياة كنيسة العراق–  يرسم الأب جرجس القس موسى لوحة تسلط الأضواء على شريحة من الشباب وضعوا طاقاتهم ومواهبهم في خدمة الإنجيل، بعزم وسخاء والتزام.

       في افتتاح المؤتمر العالمي لرسالة العلمانيين المنعقد في روما في خريف 1975-وقد كان لي شرف المشاركة فيه- هتف الكردينال موريس روا رئيس مجلس العلمانيين الذي نظم اللقاء:

   “ترى من دفع بالمجتمع نحو التقدم غير الطفولة والشبيبة، وذلك بمجرد وجودهما! فالاستغناء عن الشبيبة معناه الاستغناء عن المحرك الذي حفز البشرية دوما على أن تكون خلاقة”.

         وإذا كان هذا “المحرك” يفعل فعله “الخلاق” في المجتمع ككل، فهو طاقة لا تنضب في الكنيسة أيضا، للتجدد وتجاوز الذات ووضع الالتزام الإنجيلي لدى العلمانيين موضع التنفيذ والإبداع. ليس أن الشباب في الكنيسة طاقة وحسب بل لأنهم أعضاء كاملو العضوية فيها، لهم ما لسائر الأعضاء وعليهم ما على غيرهم من حقوق والتزامات. قد تعرضهم اقتحاميتهم وحداثة خبرتهم الذاتية إلى المجابهة والتباين حول الأهداف والوسائل مع أجيال البالغين – ولربما إلى بعض التسرع في التنفيذ – ولكن ما يتحلون به طبعا من المزايا: كحسن النية، والعنفوان، والأصالة، والشجاعة، وروح العطاء، والدينامية، والانفتاح نحو المستقبل؛ كل هذا يؤهلهم ليس فقط لان تثق بهم الكنيسة، بل لان يأخذوا موقعهم فيها بشعور عال بالمسؤولية كأعضاء وليس مجرد منفذين.

      أما ثقة الكنيسة بالشباب فقد عبر عنها المجمع الفاتيكاني الثاني بصورة جلية في مرسومه حول رسالة العلمانيين(1) ودعاهم إلى موازنة “شانهم المتزايد في المجتمع” مع “نشاطهم ألرسولي الأوسع” في الكنيسة. ومع هذه الدعوة العامة فقد خصهم بحقل محدد هو حقل الشبيبة بالذات، هذا الحقل الذي يشكل بيئتهم الطبيعية عمرا وفكرا ومعاناة وطموحا، وهم فيه خبيرون أكثر من غيرهم. ففيه “عليهم أن يكونوا للشبان الرسل الأولين والمباشرين” (رقم 12)، وما ذلك إلا صدى لمقولة البابا بيوس الحادي عشر الشهيرة: “تبشير البيئة بالبيئة”. فهو الذي جعل منها شعارا وفلسفة للحركات الشبابية المسيحية في الكنيسة، وهو نفسه أعطى الانطلاقة الكبرى لهذا النمط من الرسالة العلمانية منذ الثلث الأول من هذا القرن، اعني به نمط الحركات التي تعتمد في عملها الإنجيلي أسلوب التنظيم والتخصص.

       في هذا المقال سأقتصر على استعراض بعض أهم الحركات الشبابية المسيحية والرسولية المختصة والمنظمة في الكنيسة، وسأحدد حديثي بإيجاز عن طبيعة تكوينها الاجتماعي وأهدافها الإنجيلية وخصوصيات أسلوبها في العمل. وقد يكون من المفيد أن نوضح أن الحركات التي نحن بصددها لا شان لها بالسياسة، كما أنها تختلف تماما في طبيعتها وأهدافها عن التشكيلات الحزبية أو النقابية، ولا هي تجمعات ثقافية بالمعنى المتداول (كجمعية الفنانين أو الأدباء أو أنصار البيئة…). ،أنها فقط أوجه تطبيقية للالتزام ألرسولي الجماعي للعلمانيين –والشباب يكونون شريحتهم الكبرى– ولدور هؤلاء في حياة الكنيسة. لذا كانت هذه المنظمات جزءا من مشروع الكنيسة الأشمل و “ليست هدفا لنفسها، إنما عليها أن تخدم الرسالة التي على الكنيسة أن تحققها حيال العالم. ولذا فإنها تستمد قوتها الرسولية من مطابقتها  على أهداف الكنيسة ومن الشهادة المسيحية التي يؤديها كل عضو وتقوم لها الجماعة كلها ومن الروح الإنجيلي الذي يعيشانه” (رقم 19). وهي تعمل جنبا إلى جنب وبالاتحاد الكامل مع كهنة الكنيسة وأساقفتها. 

      علما بان المنظمات سند عظيم لأعضائها روحيا ونفسيا واجتماعيا، إذ تخلق فيهم وعيا متزايدا للتفكير في الآخرين والبحث في طرق التعاون معهم. وهذا الإطار يرعى قابلياتهم القيادية وبوادرهم الخلاقة ويدربهم على العمل ألرسولي ويحدد نطاقاته، بحيث تجنى منه فوائد ما حققوها لو ظلوا منفردين. لذا شجع المجمع قيام مثل هذه الصيغ الجماعية المنظمة للعمل المسيحي (رقم 18). ومن هذه الحركات ذات الطابع الشمولي نخص بالذكر:

                                                               العمل الكاثوليكي

       لعل من المفيد أن نذكر إن أول صيغة منظمة ومنسقة لرسالة العلمانيين ولمساهمتهم الفاعلة في حياة الكنيسة المعاصرة هي الصيغة التي أطلق عليها اسم (العمل الكاثوليكي) وقد أطلقها البابا بيوس الحادي عشر عام 1922، وحددها بأنها “مشاركة العلمانيين في رسالة السلطة الكنسية للدفاع عن المبادئ الدينية والأخلاقية، ولتطوير النشاط الاجتماعي بصورة سوية وخيرة، تحت إمرة السلطة الكنسية، وخارجا وفوق كل الاحزاب السياسية وذلك بغاية ترسيخ الحياة المسيحية في الأسرة وفي المجتمع”. وقد لقيت هذه الحركة دعما واسعا من السلطة الكنسية التي انتدبتها “كحركة كنسية” وليس فقط كحركة في الكنيسة، لمهمتين أساسيتين: الأولى  “رسولية” لتنصير الأوساط البعيدة عن المسيح بشهادة أعضائها الإيمانية، والثانية ضمن الجماعات والمؤسسات المسيحية بحيث يكون أعضاؤها خميرة للتجدد الروحي(2). و “العمل الكاثوليكي” نوعان: عام ومتخصص، والعام فرعان: رجالي ونسائي، ولكلاهما أهداف مشتركة يحققانها كل بحسب خصوصياته وموقعه في المجتمع، مثل: إنعاش حياة الخورنة، والتجديد الليتورجي بإشراك المؤمنين في النشاطات الطقسية، وتنشئة مدرسي ومدرسات التعليم المسيحي لزرع الإيمان في الناشئة  وإدخال القيم الإنجيلية في الأخلاق العامة ووسائل الإعلام، وحماية حقوق الأسرة والمرأة والمؤسسات التربوية المسيحية… الخ. أما المتخصص فهو الذي يتوجه إلى الأوساط الاجتماعية المختلفة بواسطة علمانيين من صلب هذه الأوساط بالذات، وذلك انطلاقا من ذهنية وحاجات هذه الأوساط نفسها. أما أسلوبه في العمل فينطلق من ركائز ثلاث هي: انظر أي ادرس واقع البيئة، احكم عليه على ضوء الإنجيل، ثم اعمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه.

       هذا هو الجذع الأساس الذي منه تفرعت سائر الحركات الشبابية المسيحية المتخصصة.

                                                            الشبيبة العاملة المسيحية J.O.C.))

       تأسست في بلجيكا عام 1925 على يد كاهن شاب من أسرة عمالية كادحة اسمه الأب جوزيف كاردين. وكانت النواة الأولى مع عاملات وعمال فقراء ومستغلين في معامل شارلروا  وبروكسل  حيث مقر الحركة الدولي الآن، ومنها انتشرت في زهاء 130 بلدا، ضامة بين صفوفها مئات الآلاف من الشباب العامل، ولها ممثلون في هيئات دولية كالأمم المتحدة واليونسكو ومنظمتي العمل والتغذية الدوليتين وغيرها.

       فالشبيبة العاملة المسيحية حركة عمالية مسيحية غير نقابية تستهدف بالدرجة الأولى تجاوز الجانب الاقتصادي والإنتاجي في العمل لإدخال المسيح العامل في هذا الوسط الذي نشا بعيدا عن الكنيسة، وتعمل على إعادة الكرامة الإنسانية للعامل لئلا يكون عبدا للآلة والاستغلال بحيث يكون فخورا بكونه شابا وعاملا ومسيحيا. فالشبيبة العاملة المسيحية تحمل رسالة الإنجيل وقيمه لتحياها في المعمل والمصنع والمشغل وتعلنها بلغة العمال والكسبة مطبقة قول بيوس الحادي عشر: “إن الرسل الأولين والمباشرين للعمال سيكونون من العمال أنفسهم”.

       إلى جانب هذا التوجه الروحي والرسولي وبحكم انتماء الحركة إلى الطبقة العاملة، فالإيمان نفسه يملي عليها التضامن مع قضايا العمال لإيجاد حلول إنسانية لمشاكلهم الاجتماعية والأسرية ولاسيما للهامشيين منهم. وهكذا تصبح الحركة عنصرا في بناء مجتمع أفضل يرتكز على العدل والحرية والسلام.

        لاشك إن تطورات هامة طرأت على أسلوب الحركة، لاسيما منذ نهاية الستينات، حيث أولت اندماجا اكبر من السابق مع قضايا الطبقة العاملة، ولكنها بقيت حركة عمالية مسيحية تعيش التزامها من منطلق الإيمان والإنجيل والتأصل في الكنيسة، كما جاء في مؤتمراتها بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيسها.

الشبيبة الطالبة المسيحية (J.E.C.)

        لم تمر سنتان على الشبيبة العاملة وإذا بالشبيبة الطالبة المسيحية تنطلق سنة 1927 نحو المحيط الطلابي بعين الأسلوب وعين الأهداف، وسرعان ما اجتازت حدود بلجيكا منشئها الأول، إلى الكنيسة الجامعة. وقد تشكلت في بغداد بين عامي 1962 و 1963، وفي الموصل في 26 تشرين الثاني 1964 واستمرت حتى حزيران 1973 حيث توارت لظروف قاهرة خارجة عن إرادتها بعد أن أنشأت نخبة واعية وملتزمة من الشباب المسيحي.

      والشبيبة الطالبة المسيحية حركة ذات طابع روحي مختصة بعيش التزامها الإنجيلي في البيئة الطلابية، تضم شبابا يعون مسؤولياتهم في الكنيسة فيحملون قيم الإنجيل وأخلاقيته إلى زملائهم. وهذه الحركة إذ لا تنتزع الشبيبة من محيطها ولا تتعارض مع الهيئات الطلابية الأخرى، فهي تنمي في أعضائها روح المسؤولية وتخرجهم من جو اللامبالاة والفردية لتخلق منهم طلابا يعيشون إيمانهم كاملا ويضطلعون بالتزاماتهم الوطنية بوعي فيكونون لإخوانهم نورا وملحا وخميرة.

       وتتبنى الشبيبة الطالبة أسلوب انظر، احكم، اعمل. وتحاول أن تحقق رسالتها بواسطة منهج عمل حيث يدرس الأعضاء مشكلة من مشاكل الحياة الدراسية فيستخلصون منها مقاصد للعمل، كما عبر مراجعة الحياة حيث يسلطون نور الإنجيل على أحداث من صميم واقعهم ليتسنى لهم أن يتخذوا منها موقفا إنجيليا، والتأمل بالإنجيل حيث يحاولون عكس تعليم يسوع على حياتهم والاهتداء به. ويتم كل ذلك بإرشاد كاهن.                                 

       وعلى هذا النمط ذاته –مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية–  تعمل حركات شبابية مسيحية أخرى متخصصة للوسط الزراعي، والأدبي، وللطبقات الوسطى وغيرها كالشبيبة المزارعة المسيحية، والشبيبة المستقلة، ورابطات الطلبة المسيحيين، والخورنات الجامعية.. الخ.

الأخوية المريمية (ليجومارييه)

       حركة رسولية أخرى نشأت في ايرلندا عام 1921 على يد شاب علماني اسمه فرنك دوف، وقد تكون أكثر الأخويات الرسولية انتشارا خارج أوربا، وقد بلغ عدد أعضائها من الجنسين قبل المجمع زهاء 20 مليونا. وكانت الحركة العلمانية الرائدة في العراق حيث نشأت عام 1957 وانتشرت في معظم المدن والقرى المسيحية  العراقية موقظة الوعي الإيماني والمشاركة الفعلية في الرسالة لدى مئات من الشباب المسيحي العراقي. وقد توارت هي الأخرى لظروف خارجة عن إرادتها عام 1973.

      والأخوية المريمية منظمة علمانية غايتها وبنيانها روحي محض. أما ميزتها الأساسية فهي اعتمادها على عنصر الصلاة واستلهام مثل العذراء مريم في عملها ألرسولي، لتنظم إلى القوى الأخرى العاملة في الكنيسة للتوعية الإيمانية والإشعاع المسيحي. والنشاطات التي تتبناها تختلف باختلاف البيئات والحاجات مثل زيارة المرضى والفقراء، والاهتمام بالمهملين والسجناء، وانتشال الساقطين، وإعادة البعيدين إلى الكنيسة، ونشر الكتب الصالحة، والتعليم المسيحي. بكلمة واحدة أنها تسعى لرفع المستوى الروحي والوعي المسيحي لدى أعضائها وفي الجماعة المسيحية ككل.

                                                                     الكشاف المسيحي SCOUT

        أبو الكشاف هو ضابط بريطاني متقاعد يدعى بادن باول، انشأ حركته في انكلترا عام 1907 لليافعين من 10–16 سنة. وإذا كانت الحركة الكشفية قد نشأت خارج الكنيسة فسرعان ما تبنتها الكنيسة وطعمتها بالقيم المسيحية والروح الإنجيلية. وبينما ضم أول مخيم كشفي نظمه بادن باول عشرين يافعا، يعد الكشاف المسيحي أضخم حركة شبابية مسيحية في العالم مع أكثر من 20 مليون يافع ويافعة.

         أما المنهاج الأساس في التنظيم الكشفي فهو تربوي عملي لبناء الشخصية السوية وتنشئة اليافعين على المسؤولية والاعتماد على الذات. ويتحقق ذلك بالتمرس على الأهداف التالية: تفتح الذهن وصقل الطباع باستمرار، تطوير المهارة اليدوية، خدمة القريب والخير العام والحس الجماعي، التوجه نحو الله وتذوق السعادة. أما شعارات الكشاف الرئيسية فهي: الشرف،  الإخلاص، العدالة، احترام الآخرين، الشجاعة، حب الله والوطن  ويمارس الكشاف ملكة اللعب لديه ليس بتدجين الطبيعة وممارسة مهاراته وحسب بل حتى بهذا “العمل الصالح” (أو المقلب الصالح كما يسميه الشيخ: بادنGood turn ) الذي على الكشاف أن يؤديه يوميا تجاه شخص ما. 

        من اجل هذه المزايا العامة المشتركة والأساسية اعتمدت معظم الدول الحركة الكشفية في مؤسساتها التربوية. وكما في الكنيسة كذلك كل قطر يضفي بصماته الخاصة على منظماته الكشفية، حتى إذا اختلفت التسميات أحيانا.

        إلى جانب هذه الحركات المنظمة هناك جماعات أو حركات شبابية جماهيرية عديدة تضم آلافا من الشباب المسيحي من مختلف الطوائف والأقطار، منه ما نشا مع تيار المجمع الفاتيكاني الثاني، ومنها ما سبقه وتهدف كلها إلى التجدد الروحي عن طريق العودة إلى الإنجيل. ومن هذه الحركات ما هو محلي وقطري،ومنها ما يتعدى حدود البلد الواحد. ومن الحركات ذات الطابع الشمولي ما يتمحور حول بعض الجمعيات الرهبانية أو شبه الرهبانية أو الأديرة مثل تجمعات الشباب السنوية أو الدورية الدولية والإقليمية التي تنظمها جماعة تيزيه الرهبانية (فرنسا) والتيار الواسع الذي خلقته في روحانية الشبيبة المسيحية عالميا(3). وتيار جماعة الفوكولاري (ايطاليا) الذي يضم آلافا من الشباب، ميزتهم في عيش الإنجيل والفرح والإخوة والعمل اليدوي، في أكثر من 300 أسرة ومركز تنشئة في مختلف الأقطار، منها الجزائر ولبنان ومصر وتركيا(4). وهناك حركات أخرى غير مرتبطة بموقع جغرافي رسمي معين كتيار المواهبيين Charismatigues الذي نشا بعد المجمع، وبالتحديد عام 1967 للتجديد الروحي عن طريق التوجه إلى الروح القدس كما في الكنيسة الأولى، و “أصدقاء مار فرنسيس الاسيزي” والحركة المسماة “سلام المسيح” وغيرها وغيرها. ولهذه الحركات كلها سمات مشتركة كطابع البساطة والعفوية في العلاقات وفي المظهر الحياتي للأفراد، والانفتاح المسكوني بين الكنائس، وعنصر الصلاة، واحترام الثقافات والأديان المختلفة. علما بان هناك مبادرات شبابية مسيحية كثيرة هنا وهناك، تستهدف بصورة  رئيسية، ومن منطق الإيمان الذي تحيا منه بالذات، إقامة هذا الحوار البناء بين الحضارات والأديان والقوميات وإزالة جدران الطبقية والحذر المتبادل(5).

      الكنيسة الرسمية تتبنى وترعى بعض هذه الحركات، وتشجع بعضها الآخر، وتراقب عن كثب مسيرة غيرها محاولة حفظ مسارها في خط الإنجيل وضمن الجماعة المسيحية الأوسع. ولكنها في كل الأحوال ترى في هذه المبادرات الشبابية “صوتا نبويا” يناديها إلى مزيد من التطهير والأصالة والعودة إلى الينابيع. لذا فهي – أي الكنيسة الرسمية–لاتني تنادي أبناءها من الشباب إلى العطاء الأغزر والالتزام الأكبر بإنجيل يسوع والشهادة له. ولعل خير ما نختم به هذه الجولة دعوة يوحنا بولس الثاني التي وجهها إلى الشباب المسيحي في رسالته ليوم الرسالات العالمي في 20 ت1 من هذا العام وفي نطاق العام الدولي للشباب: “إني أناديكم جميعا يا شباب العالم وأرسلكم كما أرسل المسيح الرسل بالقوة الآتية من كلام المسيح نفسه: إن مستقبل الكنيسة منوط بكم، وإعلان الإنجيل للأرض في السنوات القادمة رهن بكم! انتم الكنيسة! اجعلوا الكنيسة شابة، واحفظوا شبابكم بحضوركم الحماسي وبوسمكم إياها في كل مكان بسمات الحيوية والعنفوان النبوي”.

———————

(1) اقرأ مقتطفات من هذا المرسوم في مكان اخر من هذا العدد.

(2) في الاربعينات وما قبلها جرت محاولات لهذا النمط من العمل المسيحي في الموصل

وفي قرةقوش جمعت بين نمط الاخويات التقوية التقليدية وشيء من التوجه الرسولي – الثقافي – الاجتماعي، الا ان العنصر الثاني سرعان ما تلاشى.

(3) ف . م ايلول، ك1 1974؛ ك2، ت2 1975؛ اذار 1979

(4) ف . م شباط 1976، نيسان 1981

(5) من كل هذه الحركات التي اتينا على ذكرها ليس لنا شيء حاليا في كنيسة العراق، ولم

نوردها الا من باب الاعلام وان كنا نتمنى تعريق ما يلائم حاجاتنا. ولكن اذا كان لكل قطر توجهاته ولكل كنيسة وضعها الخاص فالنداء الى الشباب المسيحي العراقي قائم لياخذ موقعه ومسؤوليته في حياة كنيسته بحسب الامكانيات المتاحة والصيغ المقبولة الفاعلة (انظر في هذا العدد: “الشباب في خدمة التثقيف المسيحي” و “الشباب والكنيسة”).

 ((((())))))))))))

الشباب في خدمة التثقيف المسيحي   

 

عدد خاص ت1 و ت2  1985

       كان التثقيف المسيحي ولا يزال إحدى أبرز الأولويات في الكنيسة، وقد تسلّمت من معلّمها مهمة نقل البشرى. أولوية طالما لفتت “الفكر المسيحي” إليها الانظار في كنيستنا – ويعاني مؤمنوها، وشبابها بنوع خاص، من نقص في ثقافتهم المسيحية وعلى اكثر من صعيد…

       بدايات حركة التثقيف المسيحي، انتكاستها، محاولات الخروج من العزلة، آمالها وتطلعاتها… شؤون ينكب عليها الأب يوسف عتيشا –يشاركه الأب جرجس القس موسى- في هذا المقال، وهو يهدف الى ايقاظ وعي الشباب تجاه مسؤولياتهم في عملية التثقيف المسيحي: تلك مهمة تتطلب منهم خلفية ثقافية عميقة وخبرة أصيلة وكفاءة عالية وسخاء كبيرا، ويجدر بهم أن يضعوها في خدمة التثقيف المسيحي.

        ان الشهادة المسيحية التي يؤديها الشباب في كنيسة ما، بأوجهها المختلفة وكمجموعة، لهي علامة واضحة عن حيوية تلك الكنيسة نفسها ككل. ذلك لان وراء مثل هذه الشهادة الصادرة عن شباب الكنيسة نفترض وجود هذه الركائز الثلاث التي تشكل عناصر الصحة والحيوية في كنيسة ما، ألا وهي: 1– اسرة مسيحية مؤمنة تكون بمثابة الارضية الصالحة لنماء وتنشئة الايمان لدى الشباب في اولى خطواته؛ 2 – خورنة منفتحة ونشطة تحتضن هذا الشاب وتثق به وتعمق ثقافته المسيحية وتشجع قابلياته، وهذا يعني بالتاكيد وجود كاهن او كهنة نشطين وقريبين من الشباب يفهمون نفسياتهم  ويقدرون طموحاتهم  ويقراون حاجاتهم الروحية والانسانية بمحبة واحترام؛ 3 – حركات رسولية تلائم ذهنية الشباب وميلهم الى التواجد معا كاصدقاء وكمجموعات صغيرة للصلاة والعمل والتفكير والمشاركة في نشاطات الكنيسة: كزيارة المرضى والمحتاجين والمساهمة في التثقيف المسيحي للصغار والبالغين في مراكز التعليم المسيحي مثلا، والفعاليات الثقافية والاجتماعية والاحتفالات الكنسية..الخ.

       كل واحدة من هذه الحركات والمبادرات هي بمثابة مدرسة تطبيقية للشاب تكمل عملية تثقيفه المسيحي والانساني وترسخ قناعاته الايمانية وتقوي احساسه بالانتماء الفعلي الى الكنيسة وتجعله يشعر بمسؤولية فيها الى جانب الكهنة والاساقفة ومعهم، فهي كنيسته كما هي كنيستهم.

شهادة شخصية من الماضي.. في بغداد

      هذه الافكار راودتنا في نهاية الخمسينات وبالضبط في خريف 1958. كنا ثلاثة كهنة في إحدى الخورنيات الكبرى في بغداد نجتمع بين حين واخر ونتحدث عن القضايا التي تخص الشباب. وكنا نشعر كم انهم بعيدون عن الكنيسة، وكم ان معلوماتهم الدينية معدومة او سطحية بقيت على مستوى الطفولة! وتساءلنا لماذا؟ – لان لا شيء يقدم لهم، لا شيء يغريهم في الكنيسة. هناك اخويات تقوية لم تعد تفي بالغرض. الكهنة غير قادرين لوحدهم على اعطاء التثقيف المسيحي لاسباب منها طريقتهم التقليدية وغير الفاعلة في الرسالة وانشغالهم بامور اخرى كالخدمات الراعوية والطقسية التي تستاثر اوقاتهم..الخ. فدعونا بعض الاصدقاء ليشاركونا همومنا، وبدأنا ندرس كتابا بعنوان “لاهوت الرسالة العلمانية” كان قد ظهر حديثا، وأخذنا نتطلع الى اسلوب للعمل بمشاركة العلمانيين. فوقع اختيارنا على الاخوية المريمية التي تستهدف اشراك العلمانيين في الرسالة بصورة منسقة ومباشرة، وأنشأنا مجموعة اولى من الشباب باسم “أم النعم”، واتخذت لها حقل عمل مساعدة الكهنة في التعليم المسيحي للصغار، وزيارة المرضى في المستشفيات، ومرافقة الكهنة في زيارة الاسر المسيحية. وسرعان ما اتسعت الاخوية المريمية فانضم اليها شباب وشابات موظفون وجامعيون وعمال جعلوا من حياة الصلاة  والاخوة حافزا للعمل الرسولي وخدمة الخورنات حيث دب النشاط بعد خمول طويل.

       وفي اواسط الستينات ظهرت الى جانب الاخوية المريمية نشاطات اخرى للشباب العلماني المسيحي كالاخوية الطلابية، وأخوية الصليب المقدس، وأخوية الشباب الجامعي، والنادي الثقافي المسيحي، ولجنة التثقيف المسيحي.. وكانت هذه الاخيرة تستقطب من تلك الاخويات نخبة من الشباب والفتيات الذين نالوا ثقافة دينية جيدة وتحركهم غيرة حقيقية للعمل الرسولي. فكانوا يقضون اوقات فراغهم وراحتهم لاعطاء دروس التعليم المسيحي في الكنائس للصغار ولطلبة المتوسطات والثانويات ولاعداد الاولاد للتناول الاول.

       وكان هؤلاء الشباب يعدون مناهجهم بالاشتراك مع بعض الكهنة على شكل ملازم توزع على الطلبة مجانا، كما كانوا يتناقشون سوية حول المواضيع التربوية والاجتماعية التي تخص طلابهم في مرحلة النمو والمراهقة التي يمرون بها، وفي اساليب التدريس والتوجيه بما يناسب اعمارهم وقابلياتهم. وكانت لجنة التثقيف المسيحي تضم اكثر من ثلاثين شابا وفتاة يواصلون تثقيفهم الديني من خلال لقاءاتهم الاسبوعية ومطالعاتهم ومشاركتهم في الندوات الدينية والدورات الثقافية المسيحية بمؤازرة زمرة من الكهنة والشباب. وكان مركز القديس يوسف الذي اتخذته اللجنة مقرا لها نقطة اشعاع رسولي وروحي للشباب يجمع المئات منهم.

      وقد اختارت اللجنة مركزين رئيسين لتجمع الطلبة كل يوم جمعة من مختلف انحاء بغداد: مقر الجمعية الخيرية الكلدانية في الخربندة للبنين، وكنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في الكرادة للبنات. وكانت بعض المدارس المسيحية قد وضعت سيارتها في خدمة نقل الطلبة الذين بلغ عددهم نحو 600 فتى وفتاة(1).

       إنني عندما اعود الى هذا الماضي، لا ابغي مجرد احياء ذكريات قد تكون عزيزة علي وعلى من عاشوا تلك التجربة –من كهنة وشباب وعلمانيين-  وانما اود ان اعيد الى الاذهان الخبرة الفريدة التي اكتسبتها كنيسة العراق –وكنيسة بغداد بالذات–  بدخول العلمانيين الى صميم الحياة الرسولية للكنيسة ومشاركتهم الفعلية المباشرة بمهمة التنشئة المسيحية، هذه المهمة التي كانت وقفا على الاكليروس، ولربما عبءاً اثقل مما تطيق كواهله لوحدها. لقد كانت الستينات حقا فترة خصبة لكنيسة العراق، ليس في بغداد حسب، بل في سائر الابرشيات، حيث استيقظت وكأنها من سبات حين رأت عددا كبيرا من الشباب في خدمتها. اضف الى ذلك ان اجتماع الشباب تحت اسم المسيح،في حد ذاته، قيمة ايجابية لحيوية الكنيسة، ووسيلة فعالة لخلق الروح الجماعية والمحبة فيما بينهم، ولتحويل الانتماء المسيحي الاسمي الى التزام فعلي وشهادة حياتية. ولا يخفي ما في هذا الألتزام من مردودات إيجابية وخيرة على سلوكية الفرد المسيحي وقناعاته وعطائه اجتماعيا وانسانيا ووطنيا وتكوين شخصيته تكوينا سويا.  

النكسة

       ولكن نكسة قوية اصابت هذه الانطلاقة في بداية السبعينات وانهارت تلك المبادرات الواحدة تلو الأخرى لأسباب مختلفة خارجة عن ارادتها. وكان لاختفاء الاخوية المريمية الاثر المباشر على تضعضع لجنة التثقيف المسيحي ثم ضياعها، لانها كانت المورد الاكثر عطاء للشباب العاملين في الخورنات في حقل التعليم المسيحي.

      على اثر ذلك تحول بعض الكهنة الى نمط بديل للتعامل مع الشباب على نطاق الخورنة وبصورة فردية لا علاقة للواحدة مع الاخرى. فصار كل كاهن يجمع ما استطاع من معاونين لاعطاء التعليم المسيحي تحت اشرافه، ايام الجمع، وغالبا ما ينصرف هو الى الخدمات الراعوية التي تتكثف ايام الجمع. وصارت هذه المراكز، بالرغم من العمل الايجابي الذي تقدمه في مجال التشئة المسيحية، تتسم احيانا بروح الارتجال والانطواء الطائفي والانكفاء الخورني حيث يبدو كل كاهن وكانه يسعى الى حفظ كيان كنيسته وجماعته. غير ان ما تعاني منه هذه الصيغة بالاكثر هو ضعف الكادر التعليمي، والافتفار الى كتب ومناهج حقيقية وجدية، وضيق المكان، وغياب التنسيق والتعاون وتبادل الخبرات مع سائر المراكز.

       إن آثار هذه النكسة لازلنا نعاني منها حتى اليوم، وكل طائفة منغلقة على نفسها، مع ان عملية التثقيف المسيحي مشروع مشترك يتصل مباشرة بالكيان المسيحي لكنيسة العراق ككل وبمستقبلها الواحد.  

محاولات الخروج من العزلة

    ان الخورنة الواحدة بامكانياتها المحدودة لا تستطيع ان توفر للشباب كل حاجاتهم. فما يحتاج اليه الشاب هو: 1 – تعليم منظم ومبرمج وواضح وقوي البنية يعطي باساليب تربوية عصرية ويجيب الى تساؤلاتهم وحاجاتهم الدينية والانسانية، وسط بيئة اجتماعية وفكرية متحركة وغنية بالمعلومات العامة والمغريات الثقافية والانسانية. وهذا يقتضي كادرا تعليميا كفوءا ومعدا اعدادا جديا كما اسلفنا، مما لا تقوى عليه الخورنة لوحدها. 2 – جعل عامل التسلية وروح الجماعة عنصرا مكونا في العملية التربوية والتثقيفية حتى اذا كانت التربية تربية دينية.

      ففي هاتين النقطتين الجوهريتين تحتاج مراكز الخورنات الى اعادة النظر في اساليبها الحالية. اجل هناك جهود مشكورة يبذلها المسؤولون، سواء كان في البرامج الثقافية ام الدينية، ولكننا نعود ونقول بأن الخورنة وحدها وبامكاناتها الذاتية عاجزة عن توفير هذين المطلبين. وإذا نجحت في توفير الثاني، فالاول –اي إعداد المناهج والكوادر بصورة مرضية–  يتجاوز اكتافها بالتأكيد.

      ازاء هذا التشتت تحرك بعض الكهنة في السنوات الاخيرة للخروج من الفردية وايجاد صيغ من التعاون والتنسيق افضل. غير ان الاطراف المعنية لم تنجح حتى اليوم (في بغداد) في تشكيل لجنة مشتركة بين الطوائف المسيحية للتنسيق والتخطيط. كما باءت بالفشل كل الجهود المبذولة التي انضم اليها بعض الاساقفة ايضا. في انشاء مركز رئيسي مشترك لشؤون التثقيف المسيحي يكون بمثابة مركز وثائقي ومصهر للخبرات ولتنسيق الوسائل التعليمية واعطاء تنشئة ثقافية متكافئة لمعلمي المراكز. ذلك لان التثقيف الديني ليس متوقفا على معلومات نظرية تنقل في تعابير جاهزة من المعلم الى الطالب. علاوة على ان المادة التي يعطيها المعلم ينبغي ان تحياها كمؤمن قبل ان ينقلها كمعلومة:

      ولكن من اين يحصل الشاب الذي يقدم نفسه للرسالة والتعليم على هذا “الرصيد” ان لم يعط له؟ فنحن بحاجة ماسة اذن الى معالجة مشكلة تدريب مدرسي التعليم المسيحي بصورة موضوعية. علاوة على ان فترة التدريب هي فرصة تستعد المدرس الشاب الى تجديد ايمانه وتعميق قناعاته والشعور بمسؤوليته الانجيلية تجاه طلابه.

آمال وتطلعات

        من كل ما تقدم يتضح لنا ان لدى الشباب طاقات هائلة ورصيدا عاليا من الاستعداد للعطاء، بقي على الكنيسة ان تستقطب هذه القوى الكامنة وتعرف كيف توظف هذه الطاقات والمواهب في الحقل الرسولي. واول شرط لهذا التفاعل هو الثقة التي ينبغي ان يضعها رجال الكنيسة –كهنة واساقفة– في الشباب، فيفسحوا لهم المجال ليلعبوا دورهم المنتظر في الرسالة الانجيلية. هذه الثقة شرط اساس ومن دونه لا يمكن للشباب ان يلتزموا بجدية اي دور ذي اهمية تذكر في حياة الكنيسة. كما ان هذه الثقة – اذا اريد لها ان تكون موضوعية وفاعلة – تفترض مسبقا مد جسور الترابط والاعتراف من كلا الطرفين –اعني بهما السلطة الكنسية والشباب– بالمسؤولية المشتركة تجاه الكنيسة ةتجاه مشروع التنشئة المسيحية.

      اذا انطلقنا من هذه القاعدة فنظنا الى كيفية “توظيف” طاقات الشباب في المساهمة في العملية التربوية المسيحية نسوقها على النحو التالي:

1 – ان دعوة الشباب العلماني الى الالتزام بعملية التنشئة المسيحية دعوة طبيعية ومنطقية وليست بدعة جديدة لاراحة الكهنة، وذلك لللاعتبارات التالية: أ– انطلاقا من سري العماد والتثبيت كل مسيحي مدعو للعمل في الرسالة الانجيلية. ب– لطاقات العطاء والاندفاع الموجودة لدى الشباب. ج– لمواهبهم وانطباعهم على الحركة والابداع والتجديد. د– لقربهم من نفسية الطلبة من جيل الصغار ومن الكبار، مما يتيح لهم فهم مشاكلهم والاستماع الى اسئلتهم ومعرفة لغتهم ومفرداتهم الخاصة. ه– لرغبتهم السخية  في ان يكونوا نافعين للكنيسة. و– لشعورهم بالمسؤولية بروح عالية اذا ما انيطت بهم المسؤولية ووصعوا موضع ثقة. ز– لقبولهم التوجيه بيسر واحترام وللثقة العالية التي يضعونها في الكنيسة، ودليل ذلك التفافهم حول الكاهن. ر– استعدادهم ان يبذلوا من وقتهم وراحتهم لمشروع يحبونه، دونما مقابل سوى الثقة والمحبة.

2 – افضل حقل رسولي متوفر لتوظيف هذه الطاقة هو حقل مراكز التثقيف المسيحي في الكنائس. فهم خير اعوان للكهنة في الرسالة. وبما ان هذه المراكز اصبحت المورد الوحيد تقريبا لاعطاء التعليم المسيحي للنشء الجديد فيجب ان توليها الكنيسة اكبر الاهتمام وتعمل على رفع مستواها وزيادة عددها وتزويدها بما تحتاجه من قاعات صحية ووسائل تعليمية، ولا تبخل عليها لا بتشجيعها المعنوي ولا بالمال اللازم لتطويرها.

3– واهم عنصر لرفع مستوى هذه المراكز هو الاهتمام بنوعية التعليم الذي يعطى فيها.

من هنا اهمية اعداد وتعميق المناهج التعليمية بحسب المراحل الدراسية المختلفة واغنائها بالخبرات والتوجيهات الحديثة في الكنيسة الجامعة، والتخلي عن الارتجالية والسطحية في مفردات التعليم المسيحي. اذ ان المادة الدينية في التعليم المسيحي مادة ايمانية مرتبطة بالحياة اكثر مما هي معلومات تلقى وتحفظ للامتحان(2).

4– اذا كان من المفرح حقا ومن دواعي الاعتزاز ان يكون ثمة شباب وفتيات (ومنهم

موظفون ومهندسون واطباء واحيانا الزوج والزوجة معا ) يتبرعون بوقتهم ويتطوعون لهذه الخدمة، فمن المنطقي والضروري ان نعدهم لهذه المهمة بتوفير دورات تثقيفية مركزة تؤهلهم لأئتمان تعليم الصغار او الكبار بالتزود يثقافة لاهوتية وكتابية جادة والاطلاع على اساليب التربية الحديثة على ضوء العلوم الانسانية كعلم النفس التربوي والأسري والاجتماعي(3).

        وفي هذا الباب نوصي بالحاح شبابنا وشاباتنا العاملين في حقل التعليم المسيحي بارتياد الدورات اللاهوتية للعلمانيين المقامة في الموصل وبغداد حيث تتم الدراسة بشكل منهجي وجاد على يد آباء كهنة واساقفة على مدار السنة الدراسية. وتتناول مواد اللاهوت الادبي والنظري  والفلسفة وتاريخ الكنيسة والكتاب المقدس والطقوس الكنسية.  

       كما نتمنى ان تكون هذه الدورات مصدر اشعاع لفروع تثقيفية اخرى وحبذا لو تطورت واصبحت بمثابة مراكز تاهيلية رسمية بتشجيع السلطة الكنسية لتخريج كوادر واساتذة التثقيف المسيحي في العراق.

   5– الى جانب هذه الدراسة المكثفة من المستحسن جدا ان يعقد اعضاء الهيئة التدريسية

مع كاهنهم في كل مركز –كما يجري الآن–  او لعدة مراكز، اجتماعات دورية لمناقشة الخطة التدريسية ولتقييم الخبرات من ناحية مضمون المادة التدريسية ومن النواحي العملية والتطبيقية الاخرى.

 وفي الختام نسوق أمنيتين للمستقبل نراهما نافعتين للفاعلية والانتاجية الافضل في حقل التثقيف المسيحي وهما:

أ – مركز وثائقي مشترك او اكثر في كل مدينة لشؤون التثقيف المسيحي يزود المراكز المختلفة – عن طريق الشراء او الاستعارة  – بوسائل الايضاح كالافلام السينمائية والفديو والسلايدات والكتب والنشرات والبوسترات والشرائط المسجلة وغيرها مما يستجد وينفع في حقل التربية الدينية. 

ب – لجنة مشتركة لشؤون التثقيف المسيحي في كل مدينة لتنسيق النشاطات وتطويرها، كما هو الحال في الموصل، يضم كهنة وعلمانيين وراهبات، ومن المحبذ، اذا رأت السلطة الكنسية ذلك، أن يرأس اللجنة أحد السادة الاساقفة. (*)

                      (بالمشاركة مع الاب يوسف عتيشا )

————————-

حول نشاط اللجنة لطلاب المدارس الابتدائية ووضع مراكز التثقيف المسيحي في

بغداد حاليا، انظر تحقيق برناديت عفاص في ف . م . ك1 1984.

نشير هنا الى مبادرتين جديدتين، الاولى في الموصل حيث صدرت الأجزاء

الأربعة الاولى من سلسلة التربية المسيحية بعنوان “مسيرة الايمان” للصف الاول والثاني والثالث والرابع الأعدادي. والأخرى في بغداد حيث يجتمه كهنة مسؤولون عن الخورنات مرة في الشهر لمناقشة وتنظيم مادة التعليم المسيحي في المراكز، وقد توصلوا الى الاتفاق على تأليف دروس ملائمة للمتوسطة والثانوية.

جرت في الموصل عدة دورات لاهوتية صيفية للعلمانيين منذ السبعينات وكانت

دورة 1981 التي نظمتها مراكز التثقيف المسيحي لتأهيل مدرسي ومدرسات التعليم المسيحي للمراكز والمدارس.

(*) لأستكمال الموضوع انظر “التثقيف المسيحي في العراق.. الى أين؟” ف.م . حزيران 1975 وت1 1975.

 (((((((((((((()))))))))))))))))))

ماذا قال المجمع قبل عشرين عاما

كانون الاول1985

    في 7 كانون الأول 1965 –أي قبل عشرين عاما بالتمام والكمال– اختتم المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أعماله بعد ثلاث سنوات من الدراسات والمناقشات والتكثيف الإعلامي الذي جعل الكنيسة الكاثوليكية في حينها في واجهة وسائل الإعلام العالمية. وفي 8 ك1 الحالي يختتم سينودس الأساقفة العام خارق العادة أعماله في روما بعد انكبابه على تقييم ما تحقق في الكنيسة من مقررات ومن توجهات المجمع عشرين عاما بالتمام والكمال بعد اختتامه.

   في العرض التالي لن نتوخى التحليل ولا التبسط في مجمل الوثائق المجمعية، وإنما الاكتفاء بإلقاء بعض الضوء على الطروحات الجديدة التي انفرد بها الفاتيكاني الثاني.علنا بهذا نعيد إلى الأذهان حيوية الروح التي لا زال ينعش بها كنيسة اليوم.

       لا يختلف اثنان على إن المجمع الفاتيكاني الثاني يشكل ابرز حدث على الإطلاق في حياة كنيسة القرن العشرين، وانه طبع وسيطبع حياة الكنيسة لمدة طويلة. وإذا كانت المجامع المسكونية تنعقد عادة لمعالجة القضايا العقائدية والمسلكية وغالبا ما تخرج بتحديدات وحرومات وضوابط لرص الصفوف ووقاية المؤسسة الكنسية من رياح العالم الخارجي والانحرافات، فقد انعقد الفاتيكاني الثاني في ظروف كنسية آمنة وتحت شعار “التجدد والانفتاح”: التجدد في الداخل، والانفتاح نحو الخارج، لكي تظهر الكنيسة أكثر شبابا وتألقا وأكثر جاذبية ومصداقية. ولقد انعكس هذا الروح في الوثائق المجمعية التي استبعدت كل حكم سلبي أو إدانة أو حرم تجاه العالم وقيمه. بل بدت الكنيسة فيها “متضامنة مع الجنس البشري ومع تاريخه” كما جاء في مدخل الوثيقة الراعوية “الكنيسة في عالم اليوم”. وهذه الرؤية من قبل الكنيسة تجاه العالم اعتبرها الكثيرون بمثابة “فعل تحرري”، حيث إن ” التقبل الحقيقي لسر المسيح يدفعنا إلى نبذ كل فصل بين الاهتمام بشؤون الله وشؤون الإنسان.. وان بين الحياة اللاهوتية والنضال من اجل الإنسان صلة وثيقة “.

       فالبعد الراعوي الذي اتسم به المجمع لا يجد شرعيته إلا بارتباطه العضوي بالبعد العقائدي. أليس هذا هو الحال بين النظرية والتطبيق؟ لان مجمعا راعويا –وان كان مسكونيا وشاملا– لا ينغرز في تقليد الكنيسة، ليس سوى “مؤتمر كوادر”لوضع ستراتيجيات بشرية محضة.كما إن مجمعا عقائديا يتجاهل البعد التبشيري الذي يستمد فاعليته من الإيمان الحي لهو مجرد “حلقة دراسية” دينية ليس إلا، بحسب عبارات المطران فيلنيه رئيس مجلس أساقفة فرنسا. والحال إن المجمع، في روحه وفي مقرراته، لم يبلغ سوى تعميق الإرث الفكري واللاهوتي والتبشيري الذي غذى الكنيسة في تاريخها الطويل وإعادة الحيوية إليه بإيصاله إلى نهايات منطقه. لذا فان الفاتيكاني الثاني، ببعديه العقائدي والراعوي، ما هو إلا حصيلة حاصل تاريخي لمسيرة الكنيسة وخبرتها الحياتية والفكرية والرسولية وصلتها  الجدلية – الدينامية مع العالم.

     لاشك إن المجمع جاء في منعطف حضاري عالمي شامل من إعادة النظر في كل شيء، وقد يكون من باب التعامي عن الحقيقة لو ادعينا إن أجواء التحرر والتغيير والتقدم الخارجية لم تؤثر على توجهات المجمع. فلقد جاء المجمع فعلا ليحرك في الكنيسة أوضاعا طال جمودها، في حياتها الداخلية، وفي أسلوب رسالتها وتعاملها مع الكنائس الشقيقة، وفي علاقاتها مع العالم. وقد حملت مقرراته طروحات فكرية وتوجيهات مسلكية عملية عديدة لم يسبقه إليها مجمع آخر مثل: “الكنيسة شعب الله”، ودور العلمانيين الحيوي في حياة الكنيسة ورسالتها الإنجيلية، السلطة الجماعية وإشراك الأساقفة “كفريق عمل” في تسيير الكنيسة الجامعة مع البابا أو في نطاق مجالس الأساقفة أو سينودسات الكنائس الخاصة، مساهمة الكنيسة في معالجة قضايا المجتمع الإنسانية، الحرية الدينية، التصور الجديد لأسس الحوار بين الكنائس، العلاقة مع الأديان وحتى مع الإلحاد المعاصر، وسائل الإعلام..الخ.

   وتنقسم مقررات الفاتيكاني الثاني إلى 3 أنواع: الدساتير(4)، والقرارات (9)، والبيانات (3):

دستور راعوي في الكنيسة وعالم اليوم

      إن أهم الدساتير وأكثرها جدة وأطولها دراسة وتشعبا هو”الكنيسة في عالم اليوم”، وهو يقسم إلى مقدمة وقسمين وخاتمة.

      تستعرض المقدمة الوضع البشري بتغيراته وتناقضاته الاقتصادية والاجتماعية واختلالاته الأخلاقية والدينية وبطموحاته، وتعلن تضامن الكنيسة مع هذا الواقع حيث هي لخدمة الإنسان. ويتناول القسم الأول وضع الإنسان في حضارة لا تنفك تتطور، فيؤكد على قيمة الإنسان كفرد وكجماعة، ويبين دور الحرية والعقل والضمير في البلوغ إلى الخير، ومن ثم إلى الله. وإذا شجبت الكنيسة الإلحاد لكونه انتقاصا من كرامة الإنسان. فهي تقف موقف الاحترام من كل إنسان، حتى الملحد، متوخية المساواة الجوهرية بين جميع الناس، إذ أن على هذه المساواة يرسو التضامن البشري والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.هذا المجتمع الأخوي العادل تساهم الكنيسة مباشرة في إرساء قواعده، كجزء من رسالتها، متضامنة مع جميع ذوي الإرادة الصالحة. وإذ تعطي فهي تأخذ أيضا، لذا فهي تعترف بإفادتها من التاريخ ومن تطور الإنسان وثقافاته المتنوعة.

         أما القسم الثاني فيتطرق إلى خمس من اشد المشاكل العصرية إلحاحا، بغية اضائتها بنور الإنجيل والعمل على إيجاد الحلول لها وهي: الأسرة وشرف الزواج والحب واحترام الحياة –الثقافة وعلاقتها بالإيمان– النمو الاقتصادي والاجتماعي والعدالة في توزيع خيرات الأرض. ويعتبر هذا الفصل أكثر عناصر الدستور جدة –الحياة السياسية، واستقلالية الجماعتين السياسية والكنسية وان اشتركنا في خدمة الخير العام، كل واحدة من موقعها– قضية حفظ السلام مع ما يتضمن ذلك من شجب للحرب ولسباق التسلح والدعوة إلى معالجة الخلافات بالتفاوض على أسس التعاون الدولي.

   ولعل الكلمة الأساس في كل هذا الدستور هي “الحوار” البناء الفاعل بين الكنيسة والعالم بقيمه وطاقاته الايجابية ومعضلاته الواقعية، ومساهمة المسيحيين في تطوير المجتمع البشري، كأفراد ملتزمين في بلدانهم الخاصة وكحضور كنسي رسمي في الهيئات الدولية.

دستور عقائدي في الكنيسة

قرار في مهمة الأساقفة الراعوية

   الجديد الجديد في الدستور الذي عد “تحفة” المجمع هو

1 – التحديد الذي أعطاه عن الكنيسة بوصفها “شعب الله”، متجاوزا التحديد القانوني البحت إلى سر الكنيسة “كدليل وأداة للاتحاد بالله ولتوحيد الجنس البشري”.

 2 – مفهوم “كهنوت المؤمنين”، اعني اشتراك المؤمنين بكهنوت المسيح الفاعل، حسبما ورد في رسالة بطرس الرسول، وفي مهامه الإنجيلية والتقديسية.

 3 – مفهوم الخدمة الأسقفية الجماعية. قد لم تتخلص الكنيسة الكاثوليكية تماما من النظرة “الفوقية” التي وسمتها طويلا تجاه الكنائس الأخرى، ولكنها أخذت عنها، ولاسيما الشرقية منها، نظرتها اللاهوتية إلى “جماعية السلطة” والى كيان الكنائس الخاصة، وبذلك  ردت الاعتبار إلى الكنائس المحلية وصار كل أسقف “بوصفه عضوا في الحلقة الأسقفية يمارس السلطة الراعوية على الكنيسة الجامعة، ومن هذه الكنائس المحلية تتكون الكنيسة الجامعة الواحدة”.

     هذه المبادئ العامة عاد إليها “القرار في مهمة الأساقفة الراعوية في الكنيسة”، فتطرق إلى النواحي التطبيقية “للجماعية” التي تتجسد فعليا في المجامع المسكونية وفي السينودسات الطائفية، والمجالس الأسقفية المحلية والإقليمية، السينودس العام الذي يلتئم مع البابا كل 3 سنوات، وفي مجلس الكرادلة الذي اتسعت حلقة تمثيله الوطني والكنسي والثقافي، كما اتسعت المهام المسندة إليه على نطاق الكنيسة الجامعة.. وغيرها من وسائل “التشاور والاستمزاج” الجماعية.

قرار في رسالة العلمانيين

    قرار فريد آخر يرد لأول مرة في تقليد المجامع، فبعد أن تنكرت الكنيسة عن الكلام عن العلمانيين وانحازت إلى جانب الكهنة على حسابهم منذ المجمع التريدنتيني، انكب الفاتيكاني الثاني على إخراجهم من دائرة النسيان إلى دائرة الضوء كقيمة في ذاتهم وتوظيفهم توظيفا كاملا في مشروع الإنجيل. كأعضاء أصيلين كاملي الحقوق والواجبات. وهذا القرار إنما يتكامل مع ما جاء حول العلمانيين في الدستور “العقائدي في الكنيسة” و “الراعوي في الكنيسة في عالم اليوم”، ويتمحور حول قطبين اثنين:

1 – دور العلمانيين في تجديد النظام الزمني بحسب روحانية الإنجيل عن طريق الالتزام الشخصي وفي الهيئات الوطنية والدولية.

2  – دور العلمانيين في حياة الكنيسة وحقول العمل ألرسولي المختلفة، الفردية والمنظمة، وسبل التنشئة والتطبيق، وغني عن القول إن للشبيبة موقعا خاصا في هذا التوجه، باعتبارها الشريحة الفاعلة والرئيسة في صف العلمانيين(1).

قرار في الحركة المسكونية

قرار في الكنائس الشرقية الكاثوليكية

       بالرغم من إن روح المسكونية قد هيمنت على جميع أعمال، بل على مفردات المجمع، وذلك برغبة واضحة في خلق جو من الثقة بين الكنائس الشقيقة، فقد خص الفاتيكاني الثاني الحركة المسكونية بقرارين. وعندما نعرف إن موضوع الوحدة المسيحية كان بمثابة النواة المركزية لإعلان انعقاد المجمع في فكر يوحنا 23 لا نستغرب هذا الإلحاح.

       ففي القرار الأول يبدأ المجمع بوضع تصوره لسر وحدة الكنيسة الجامعة وثلم هذه الوحدة بالانقسامات التي تخالف إرادة المسيح. ليرسم من ثم السبل العملية للبلوغ سوية إلى “ملء الوحدة”، فإذا بها تمر أولا بتجدد الكنيسة الداخلي والتوبة والمصالحة المتبادلة والصلاة المشتركة، ومن ثم إلى فتح أبواب التعاون الراعوي والحوار اللاهوتي والعملي إلى أقصى مدى. وقد تميز القرار فعلا بتقدير بالغ للتقليد اللاهوتي والراعوي والليتورجي الشرقي.

      هذا التقدير كان محور القرار المجمعي “في الكنائس الشرقية الكاثوليكية ” التي يرى فيها المجمع “جسرا” للوحدة المنشودة. باعتبارها كاثوليكية المذهب والمرجع وشرقية التاريخ والتراث في آن واحد، وإذا توجه المرسوم إلى الشرقيين الكاثوليك. فهو موجه أيضا بطريقة غير مباشرة إلى الشرقيين الأرثوذكس أيضا…

   يعترف المجمع بان هذه الكنائس الشرقية (الكاثوليكية)، وان ارتبطت بروما كسلطة عليا فهي كيانات مستقلة تتمتع بذات الحقوق في الكنيسة الجامعة وعليها ذات الواجبات، ولا تفقد خصوصياتها لا إداريا ولا طقسيا. فان الوحدة ليست ذوبانا ولا انصهارا، ويحرص المجمع على النظام ألبطريركي الشرقي حيث أن “البطاركة مع مجامعهم يؤلفون المرجع الأول في كل أمور البطريركية “.ولكل كنيسة بطريركية قوانينها ونظمها الخاصة، ويقول بمساواة البطاركة جميعا في الكرامة البطريركية. وأوصى المجمع بإيجاد تاريخ موحد لعيد الفصح مع الأرثوذكس.

قرار في وسائل الإعلام الاجتماعية

       لأول مرة تنال وسائل الإعلام دخولا إلى قاعة مجمع مسكوني. لاغرو فإذا اعترف المجمع بفاعلية هذه التقنيات في المساهمة في تطوير الإنسان والترويح عنه وتثقيفه، وفي التأثير على “الراي العام”، فقد تناول الموضوع من زاويته الأدبية والأخلاقية، وليس من جانبه التقني. فتحدث عن حق الناس في الإعلام النزيه لبناء أحكام نزيهة، وعن علاقة الفن والآداب بالأخلاق. وعن ضوابط الإنتاج الإعلامي والصحفي والأدبي، وعن واجبات السلطات العامة في توفير”حماية الحرية الإعلامية  الصحيحة” شريطة أن “لا يساء استخدام الإنتاج الإعلامي”. ومن ثم أفضت الوثيقة الى حق الكنيسة في استخدام هذه التقنيات بمختلف أشكالها لخدمة الرسالة الإنجيلية، وضرورة إعداد كوادر مختصة لها.

بيان في الحرية الدينية

بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية

        محوران بكران آخران يحضيان بعناية المجمع لأول مرة في التاريخ. وموضوع الحرية الدينية وتطبيقها في بعض البلاد، و”المقصود بالحرية الدينية هنا هو ذلك الحق الطبيعي العام الذي يقره الشرع المدني فيعد كل ضغط على الإنسان في الشؤون الدينية.. ليتصرف عكس معتقده وإيمانه..او يمنعه بالقوة من ممارسة ديانته وفقا لإيمانه”. وتشمل هذه الحرية ليس فقط ممارسة الشعائر، بل وسائل التربية والتثقيف والتنظيم والنشر الهادفة إلى تنشئة المؤمنين، شريطة أن لا يتنافى ذلك مع سلام المجتمع وحقوق الآخرين، وتطالب الوثيقة بهذه الحرية للكنيسة أولا، ولجميع الناس، إفرادا وجماعات، عملا بمبدأ تكافؤ الفرص. كما إنها تقر بحق رفض الإيمان أيضا، عن حرية وقناعة، لا أكراه في الدين.

     الدولة ملزمة بصيانة هذه الحرية لكافة المواطنين “بضمانات قانونية”، والعلاقات بينها وبينهم ينبغي أن تبنى على أساس الحقوق والواجبات التي تصب كلها في الخير العام. وإذا ما اقر نظام ما بدين رسمي للدولة –أو تبنى الإلحاد نهجا– لا ينبغي أن يتخذ من ذلك وسيلة أو حجة للتمييز والتفرقة بين المواطنين، لان هذه الحرية ترتكز على كرامة الإنسان بالذات، والمساس بها مساس بشخصه.

        وانطلاقا من هذه الأسس، وبروح الانفتاح والحوار الذي اتسم به الفاتيكاني الثاني، جاء التصريح “في علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية”. علما بان أيا من المجامع المسكونية السابقة لم يتطرق قط إلى الأديان الأخرى.

        وقد اثأر هذا التصريح ضجة كبرى في حينها في فقراته المتعلقة باليهود، وكان للآباء الشرقيين دور رئيس في تعديله لئلا يستغل في غير هدفه الديني. فالهدف الأساس منه هو إقامة الحوار والتعاون في الاحترام المتبادل بين الديانات، لاسيما السماوية، من اجل خدمة الإنسان والإخوة الشاملة وضمان السلام. وقد خصت الوثيقة بالذكر الديانات الكبرى: الأسيوية (كالهندوسية، والبوذية)، والإسلام، واليهودية، وقد ركزت على نقاط التلاقي مع المسيحية لا التباين، ودعت إلى الثقة المتبادلة ونبذ سلبيات الماضي.

خاتمة

       لقد كان بودنا أن نستعرض كلا من الوثائق أل 16 التي تشكل حصيلة مقررات المجمع، ولكن ضيق المجال في هذا الركن لم تتح لنا سوى الاكتفاء بالتي حملت عناصرالجدة والثورية، إذا صح القول، بالنسبة إلى الطروحات المجمعية التقليدية، وان اتصفت كلها بهذا العنفوان الذي بعث في شرايين الكنيسة حيوية الشباب والشجاعة على مراجعة شاملة للذات، لذا نهيب بالقاري للعودة إلى ما نشرته المجلة من نصوص ودراسات حول الوثائقالمذكورة (2)

————————

(1) انظر ف.م.ت1 ت2 1985 “الشباب والكنيسة”.

(2) الدراسات: المجمع ووثائقه (سلسلة24/1966) وثيقة الكنيسة في عالم اليوم (سلسلة 35-36/1967)، الاتجاهات الرئيسة للمجمع. (ك2/شباط1983).الحرية الدينية على ضوء المجمع (آب/ايلول1985). رسالة العلمانيين: الشباب والكنيسة (ت 1ت2 1985).

النصوص: الحركة المسكونية (شباط 1979) الكنيسة في عالم اليوم (حزيران وت1 1979. ت1 وت2 198.. ت1 ت2 1984). التربية المسيحية (ك1 1979). الحرية الدينية (آذار 198.). الوحي الالهي (ت1 ت2 1982).

وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني

دساتير:

دستور عقائدي في الكنيسة

دستور عقائدي في الوحي الالهي

دستور عقائدي في الليتورجيا المقدسة

دستور راعوي في الكنيسة وعالم اليوم

قرارات:

قرار مجمعي في مهمة الاساقفة الراعوية في الكنيسة

قرار مجمعي في حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية

قرار مجمعي في التنشئة الكهنوتية

قرار مجمعي في تجديد الحياة الرهبانية وملائمتها

قرار مجمعي في رسالة العلمانيين

قرار مجمعي في نشاط الكنيسة الارسالي

قرار مجمعي في الحركة المسكونية

قرار مجمعي في الكنائس الشرقية الكاثوليكية

قرار مجمعي في وسائل الاعلام الاجتماعية

بيانات:

بيان في الحرية الدينية

بيان في علاقات الكنيسة بالاديان غير المسيحية

بيان في التربية المسيحية 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s