Posted by: abu faadii | 2013/08/03

الفكر المسيحي1988

الفكر المسيحي1988

ت

المقال

العدد

الشهر

السنة

92

مقابلة مع المونسنيورجيرار دوكور        

231

كانون2

1988

93

   حج إلى تلة الرجاء    شهادة                     

233

شباط/اذار

1988

94

 بوروندي كنيسة التلال  – ملف                                 

234

نيسان

1988

95

مرحلة الأخيرة من قصة المطران لفيفر ش.ر     

236

حزيران- تموز 

1988

1988 المقالات:

حج إلى تلة الرجاء

شهادة/شباط – اذار1988

        سييللو.. تلة الرجاء والصمت والاختلاء، مشلوحة على سفوح سوباسيو الايطالية الخضراء، إلى الشمال الشرقي من روما بحوالي200كم. مناسك متناثرة، منها 5 من مجموع 25، ليس فيها حتى الكهرباء، يقضي فيها شباب من كافة إنحاء العالم أسبوعاً.. أو شهرا.. أو سنة في الصلاة والتأمل والبحث عن الله في الأعماق.. برفقة الأخ  كارلو كاريتو.

      كارلو كاريتو، احد انبياء هذا العصر، عرفناه من خلال كتابه “بحثت ووجدت” الذي نقله الى العربية الاب جرجس القس موسى، وقد التقاه في الصيف الماضي في سبييللو وقدم له ترجمته. في الشهادة التالية يتحدث عن هذا اللقاء.. وعما رأى وسمع على تلك “التلة” المنفتحة على اللا نهاية، فلا تشعر بغير نسيم الروح يلامس روحك بجناحيه..

كيف يعيش الأنبياء؟

       تعال وانظر!… وأخذت  عصا الحجاج صباح يوم ممطر وقلبي يسبق خبب القطار الصاعد مخترقا الضباب الكثيف من روما نحو سبيللو.

      في فولينيو تستقبلني الأخت كابرييلا، من أخوات الإنجيل الصغيرات، وتقودني بسيارتها الصغيرة التي تتراقص تحت المطر الذي لم ينكف لحظة، في طريق حجرة ملتوية صاعدة. في اعلي أكمة، إلى اليسار، قلعة ضيقة من قلاع القرون الوسطى تتدافع بيوتها الصغيرة حول كنيسة قديمة تطل على السقوف القرميدية ببرجها الأحمر المربع، وكأنها مشدودة إليها: سبيللو! وعلى مشارفها في السفح المقابل، بيت ريفي عتيق ضائع بين حقول الزيتون تحتضنه اذرع شجرة ضخمة يابسة إلا من بضعة خصل خضراء في أطرافها. نوافذ خشنة غير متجانسة تتقاسم واجهة كلسية بانت حجارتها هنا وهناك، باب ارضي واسع تخاله باب طاحونة أو زريبة ماشية ينفتح مباشرة على الرياح، ومدخل مكشوف على كتف درج رصف بحجارة تسللت إلى شقوقها الأعشاب: هذا هو “منسك يعقوب”.. هنا يسكن كارلو كاريتو!

      وخرج وهو يعرج قليلا على عصاه، فمد إلي يدا خشنة كيد فلاح من عندنا وهو يبتسم ابتسامة عريضة تقرا فيها الطمأنينة والمودة:

      إي ريح تقودك ألينا… اجلس هنا بقربي وحدثني..؟

      قالها وقد احتضنني بذراعيه القويتين بالرغم من عوقه وسنيه التي واسطت السبعين، وجلسنا أمام طاولة واسعة من الخشب الأبيض كست الكتب طرفيها.

      لماذا جئت إلى سبيللو؟ من أين سمعت بنا؟

      قبل أن أجيب إلى سؤاله كانت قد جذبت انتباهي مكتبة ذات رفوف منحرفة في إحدى زوايا غرفة الاستقبال الصغيرة، عرضت عليها مجموعة من الكتب بلغات مختلفة، وكلها تحمل اسم “كارلو كاريتو” في أعلاها، فقلت:

…      –  كتبك هي التي عرفتنا باسم سبيللو وببعض ما تفعلون..:، فجئت حاجا إلى الينابيع لأستقي لنفسي ولأنقل مشاهداتي إلى إخواني.

…      – ابتسم وقال وهو يضع عصاه المعقوفة على حافة الطاولة:

         لسوء الحظ، مجيئك يصادف ما نسميه “بالسنة السباتية ” –أي سنة الراحة– ففيها لا

يوجد استقبالات جماهيرية، ولا نستطيع إيواء الجماعات في المناسك، فإننا نعيد النظر في أساليب حياتنا وندرس الإمكانات الجديدة لنخدم انتظارات الأصدقاء الذين يقصدوننا بصورة أفضل. وأردف: ولكن لحسن الحظ أيضا، وإلا لما استطعنا الحديث على هوانا… في كل الأحوال “السنة السباتية”  تدوم شهرين فقط.

         وما أن علم أني قادم من العراق حتى قال بنبرة أسى: الحرب.. الحرب..!

          وكانت تلك ردة اسمعها كل مرة  ذكرت إني من العراق – معبرا عن ألمه لعمانياتنا

وتضامنه معنا في ألتوق إلى السلام.. “تلك نعمة كبيرة من الله”، قالها ثم تذكرانه مر ببغداد قبل نحو30 سنة. أما انأ فكان قلبي يخفق لأحدثه عن الحرارة والارتياح الواسع اللذين قوبل بهما في العراق كتابه “بحث ووجدت”. ولعل السبب الأساس في ذلك هو معالجته مواضيع خطيرة وهامة من حياة المؤمن والكنيسة، والجرأة التي اتسمت بها هذه المعالجة. ليس كلاهوتي يعلن آياته ومذاهبه من اعلي المنبر، وإنما كمؤمن وشاهد يعيش الإنجيل بمثابة غذاء يومي ويصاحب المسيح كصديق وأخ ومرشد، لا كديان أو مؤسس ديانة مهما سمت.. فيقول بحرية وصفاء نية وعفوية ما يرى ويسمع!  ولما قدمت له نسخة من الترجمة العربية صفق بيديه كطفل يتلقى هدية غير مألوفة وضحك ضحكة طويلة وقال: “آه، شكرا، شكرا… هذه أول ترجمة عربية تصل إلى سبيللو! ستنظم اللغة العربية أيضا إلى شقيقاتها الأخر…”.   

        ثم استرسل في حديث عن روح البساطة والتواضع التي ينبغي أن تقود العلاقات بين القمة والقاعدة في الكنيسة، بين الرئيس والمرؤوس، بين الأخ والأخ.. بين المؤسسة والإيمان.. فلا يقتل ولا يخنق روح النبوة. الكنيسة لا تستطيع أن تحيا من دون أنبياء، كما الكائن الحي لا يستطيع أن يحيا من دون الهواء، فالسماع المتبادل هو شرط ثابت  لحيوية البشرى الإنجيلية. وقال متنهدا: “آه من خطيئة الكبرياء في الكنيسة.. الكنيسة لا تعترف بأخطائها، أنها تعترف بأخطاء الآخرين…”. واستطرق معلقا على “الصدام المزمن بين السلطة والخدمة.. أننسى أن يسوع قتلته “كنيسة” –أي مؤسسة دينية– لأنه فضح أعمالها؟.. لا افضع من استغلال الدين وتسخيره..!”. ثم ابتسم وقال كمن لا يريد أن يعطي انطباع التمرد والثورة: “أنهم يعتبرونني كالابن المشاكس للكنيسة، ولكن الإخوة الصغار محبوبون في الفاتيكان”!…

       بينما توارى في غرفته ليريني نص رسالة مفتوحة كان قد وجهها إلى يوحنا بولس الثاني حول روح النبوة والفقر والحوار في الكنيسة، كان نظري يتجول في مدخل الاستقبال، حيث كنا جالسين، فلم أر بين الصور لا البابا ولا فنفاني أو أي زعيم ايطالي آخر، بل صورة غاندي  وشارل دي فوكو.. ثم علقت عيناي ببوستر كبير لفنان امتزج لديه الحس التصوفي بنكهة المرح فتزاوجا بانسجام في لوحة تمثل مجموعات من الرهبان الصغار يسبحون في الهواء متكاتفين، وكأنهم نازلون بالمظلات فوق حقل يحصده رهبان آخرون، وبين الحصادين عربي بكوفيته البيضاء يحصد هو أيضا إلى جانب يهودي يعرف من خصلات شعره، وصيني بقبعته المخروطية الواسعة، وزنجي، وابيض، ولاتيني… وغيره بينما ذهب ذئب هنا يداعب حملا، وطفل هناك يعلو ظهر أسد، وآخر يلاعب حية، وعنزة اتكأت على كتف فهد، والطيور تشاطر الرهبان سابحة في الفضاء… تلك هي الأزمنة المسيحانية، وقد كتبت تحت اللوحة كلمة “سلام” بلغات مختلفة، ومنها العربية..

      وجلسنا إلى المائدة ظهرا.. هو في الرأس، وانأ إلى جانبه، وكنا حوالي اثني عشر شخصا في صالة منفتحة على المطبخ كل ما فيها يعطي رائحة الريف وخشب الزيتون والبلوط، واخذ يقطع الخبز بيده بحسب العدد، ويملا صحن كل واحد من القارورة التي أمامه ويناوله إياها، فتذكرت والدي كيف كان يوزع قطع اللحم علينا بالتساوي ونحن ننتظر خاشعين.. أم هو يسوع يطعم تلاميذه بيده!

      أما عصاه التي لا تفارقه أبدا منذ 33 سنة، حتى لكانها قد أصبحت جزءا من شخصيته، فلها قصة طريفة: في الرابعة والأربعين من عمره ترك الأخ كارلو مهامه كرئيس لمنظمة الشبيبة المسيحية الايطالية –هذا المركز الذي كان يتيح له الاتصال مع البابا بيوس الثاني عشر وزعماء الحزب الديمقراطي المسيحي، وكان مفتاحا لمستقبل سياسي مضمون– وتخلى عن كل شيء استجابة لنداء داخلي قاده عند إخوة يسوع الصغار ليعيش حياة الإنجيل مع الناس، في الفقر والصداقة. وبينما كان يقضي فترة الابتداء ألرهباني في الصحراء الجزائرية كان حلمه أن يعود إلى جبال الألب ليعيش حياة الشهادة والأخوة الشاملة مع المتسلقين وإدلائهم في اعلي الجبال. “وبينما كنت احلم، يقول الأخ كارلو، كان علي يوما قطع مسافة 600 كم في صحراء “الخلوة”، ووضع رجلي لم يكن جيدا، فعرض علي ممرض يود خاطري أن يزرق لي بعض الإبر لتساعدني على السير، فتركته يفعل. ولكن في اقل من 24 ساعة كان قد شل لي احد ساقي. فالمسكين كان قد أخطا اختيار الشحنة، المناسبة”. وهكذا جاءت العصا!

     ولكن النفوس الكبيرة لا يعيقها شيء، فتتجاوز محنها لتستخرج الخير من وسط العتمة. فبعد عشر سنوات قضاها في الصحراء الكبرى في أخوة “إخوة الإنجيل الصغا” –وهي إحدى الأسر الرهبانية التابعة لروحانية شارل دي فوكو–  قال له رئيسه الأب فوايوم يوما: “يا كارلو، هذه عشر سنوات قضيتها سعيدا. جيد! وسيكون جيد أيضا أن تعود إلى الناس لترى ماذا يحدث!”. وجاء إلى سبيللو أساسا للعناية “بالأخوة الصغار” العائدين للراحة من شتى زوايا العالم.. وصار يكتب ويكتب، وتترجم كتبه إلى مختلف اللغات.. وصارت سبيللو، تدريجيا، محجة، لا

“للأخوة الصغار” وحدهم، بل لآلاف الشباب.

       وتقتضي العادة أن يتحدث كل واحد عما ساقه إلى سبيللو. فهذا دوناتو جاء ينشد جو الصلاة والهدوء تاركا عمله لبضع ساعات في كشك – مطعم قرب اسيزي. وهذه فاليريا جاءت إلى سبيللو لأسبوع واحد، فمكثت فيها ستة أشهر: فبعد طلاقها من زوجها شعرت بعزلة قاتلة  “لان إخواني المسيحيين كلهم كانوا قد ابتعدوا عني”،  فذهبت إلى “اشرام هندوسي” في الهند بحثا عن السلام، ثم سمعت بسبيللو وجاءت: “هنا فهمت إني اكتشفت موضعا يهب فيه الروح”. وهذا ادريانو فقد ابنه الشاب في العشرين من عمره.. وهذه جيوفانا التي كانت تأتي إلى سبيللو عدة مرات في السنة كمرافقة للفرق القادمة، ثم استقرت هنا منذ ثلاث سنوات للاستقبال. جيوفانا هذه التقيتها، وحدثتني عن بدايات سبيللو وعن هذه المناسك التي تطرز تلال سبيللو، كما رأيتها على غلاف كتاب من تأليفها قدمته لي، يحمل عنوان “تله الرجاء”.     

       “فالمناسك” مزارع قديمة مهجورة من الحجر الخشن والكلس، منتشرة على سفوح “سوباسيو” الخضراء في قطر15كم، من سبيللو وحتى اسيزي، وضعها أصحابها الفلاحون تحت تصرف الأخ كارلو، وقد حول الأخ كارلو المزارع إلى مناسك للصلاة والتأمل والخلوة. ويستقبل كل منسك فرقا من عشرة إلى عشرين أو ثلاثين شخصا تحت إمرة مسؤول، ينظمون  حياتهم وطعامهم الذي يجلبونه من “الأخوة المركزية”، إخوة القديس جيرولامو- وهي دير متروك يعود إلى القرن 15، كان أول “زاوية” سكن فيها الأخ كارلوعام 1966-. ولكل منسك معبده الخاص في إحدى غرفه، غير أن لا تلفون ولا راديو ولا تلفزيون فيه.

       وتتوزع حياة المناسك  بين الصلاة والعمل. فينصرف الشباب صباحا إلى خبرة الحياة العملية مع الفلاحين حيث يعملون لأربع ساعات في قطف الطماطة أو الزيتون مجانا، أو حراثة الأرض، أو تقليم الأشجار.. وغير ذلك من أعمال الأرض. أما فترة ما بعد الظهر فمخصصة للصلاة والتأمل. فبعد ساعتين من السجود في وقت واحد في كل المناسك، ينزل الجميع إلى “الإخوة المركزية” للقداس أو التأمل الجماعي في الإنجيل. أما ليلة المغيب، يوم السبت فهناك ساعة سجود ليلية بين الثانية والثالثة فجرا، ثم يبدأ ما يطلق عليه “نهار الصحراء” حيث يقضيه كل على هواه في الصمت والوحدة، فيفضل هذا الاستمرار في الصلاة في المعبد، ويذهب الآخر سيرا على الإقدام ليستقبل الشروق على القمم، ويتهجد غيره في قراءة الكتب المقدسة..

       وقبل وقت المغيب، وجدنا كلنا سوية في المعبد لصلاة السجود. غرفة صغيرة مفروشة ببساطة، يدخلها نور وحيد من كوة جانبية باتجاه بيت القربان، وقد عبقت برائحة البخور وزيت القناديل التي ترسل أطيافها متراقصة على وجه الإيقونة البيزنطية الرزين. صمت خاشع عميق لا يقطعه سوى صوت الديك الذي يصيح غير بعيد، والتراتيل المسجلة التي يختارها الأخ كارلو بين حين وآخر. ساعة خلناها دقائق، الله وحده يعرف ما  اختلجت به  القلوب. تركت سبيللو والصمت لازال يغمرني.. همس واحد يخالج أعماقي: لقد رأيت نبيا وتحدثت إليه.

(((((((())))))))))))

بوروندي كنيسة التلال

ملف/ نيسان 1988

       ملفات “الفكر المسيحي” الإعلامية تبدو لأول وهلة بعيدة عن اهتمامات القراء بقدر بعد تلك البلدان عن العراق! انه أول رد فعل يطلقه بعضهم تجاه ملفات أحاطت بالأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية الخ.. لبلدان في أقصى القارات –وهذا الملف لا يعفى من مثل هذه الردود، وكثيرون يجهلون اسم بوروندي!

      من هذا المنطلق بالذات تسعي المجلة الى توسيع آفاق القراء باتجاه بلدان تختلف عنا في تاريخها وحضارتها وشعوبها ودياناتها ومعضلاتها.. بلدان دخلتها المسيحية، قديما أم حديثا، ويجدر بنا أن نطلع كيف يعيش مسيحيون آخرون إيمانهم والتزامهم الكنسي والوطني في ظروف سياسية واجتماعية متباينة.

       فالي كنيسة بوروندي التي عانت كثيرا من اضطهاد سافر -ولم تمض سوى بضعة أشهر على هبوب نسيم الحرية فيها-  يحملنا الأب جرجس القس موسى في هذا الملف.

1)    دولة بوروندي:  

                                                 البنى الاجتماعية والاقتصادية

         بوروندي قد يكون البلد الوحيد في العالم الذي ليس فيه قرى بالمعنى التقليدي،  مع أن الأكثرية الساحقة من سكانه يقطنون الريف. فطبيعة البلاد المتموجة، والتي هي أشبه بقمم يتشتت السكان على التلال وفي وحدات سكنية من 30 – 40 بيتا متباعدا. وقد قسمت هذه التلال إداريا إلى 2427 تلا. ففي بوروندي يشكل “التل” مركز الانتماء والالتقاء وفيه تتجمع المعلومات والأخبار ومنه تتوزع. وتشكل كل مجموعة عائلية عشيرة، أو قبيلة تنحدر من جد معروف واحد. وسيكون “للتل” كتجمع بشري تقليدي قائم بذاته اثر كبير على السياسة الراعوية للكنيسة، من جهة، وعلى السياسة الإدارية للدولة، من جهة أخرى.

       وسكان بوروندي القدماء كانوا من الأقزام المدعوين باسم “توا”. أما اليوم فشعب بوروندي يتكون من قوميتين رئيسيتين هما “الهوتو” – وهم الأكثرية (85%) و “التوتسي” –وهم الأقلية (14%)– اما “التوا”  فلم يعودوا سوى نحو 1% فقط، وهم فقراء جدا ويعيشون على الصيد. وقد جاء “الهوتو” إلى بوروندي من مناطق تشاد ونيجر في حدود القرن الأول للتاريخ الميلادي، ويشتغلون بالزراعة. أما “التوتسي” فهم من أصل نيلي – حبشي (منابع النيل الأبيض في إفريقيا الشرقية)، سكنوا بوروندي بين القرنين 15 – 18، ويزاولون تربية الماشية والبقر خاصة. أما من الناحية الاقتصادية فهم الأوفر حظا.

        ويعتبر بوروندي اليوم من أفقر بلدان العالم. فطبيعة تكوينه الجغرافي الذي يجزؤه إلى عدد هائل من التلال العالية المنعزلة والمبعثرة لا يتيح له المشاريع الزراعية الإنتاجية الكبرى. فيبقى النمط التقليدي –كما ونوعا ومن حيث صعوبة استخدام التقنيات الحديثة– هو النمط السائد. ويذهب 70% من المحصول الزراعي للاستهلاك الذاتي. غير أن الهضاب المتوسطة الارتفاع تصلح لزراعة القهوة التي تشكل 90% من صادراته. ومن منتوجات بوروندي المهمة أيضا الشاي والقطن والموز (غير أن هذا الأخير يستهلك معظمه محليا بهيئة كحول). أما القطاع الصناعي (صابون، ونسيج) فلا يحظى بأكثر من 4% من الدخل القومي العام. وقد اكتشفت مؤخرا مناجم نيكل مهمة تقدر ب 5% من احتياطي العالم، تضاف إلى احتياطي الطاقة الهيدرولية (الماء) الغزيرة الموجودة في البلاد.

                                              نظام الحكم التقليدي وتطوره المعاصر

        في قمة التركيبة السياسية في بوروندي التقليدي هناك الملك. وهو أكثر الرعاة التوتسي نفوذا وأغناهم بفضل قطعانه الملكية التي تتضخم بالهدايا والأتاوى المفروضة على رعاياه، وبالمراعي والممتلكات التي يكتسبها لقاء حماية مصالح الرعية. وقد توحدت البلاد تحت سلطته  منذ حوالي 1680 م حين جاءت إلى الحكم سلالة من أصل تنجانيقي ظلت بيدها مقاليد البلاد زهاء 300 سنة.

       غير أن سلطة الملك ضعفت في أواخر القرن 19 بسبب غزوات العرب القادمين من زنجيبار لأخذ العبيد ثم بدخول الألمان واستسلام الملك موازي جيسابو عام 1903. بعد اندحار الألمان في الحرب العالمية الأولى وتوزيع مستعمراتهم على الحلفاء، كان بوروندي من حصة بلجيكا، وقد ألحقته عام 1925 مع رواندا المجاورة بمستعمرة الكونغو البلجيكي، مع الحفاظ على نوع من الذاتية الخاصة. فلقد اعتمد الانتداب البلجيكي على البنى القبلية التقليدية وعلى سلطة الملك وعلى الأقلية التوتسي لتعزيز مصالحه. غير أن رياح الديمقراطية والاستقلال التي هبت بعد الحرب العالمية الثانية دفعت ببلجيكا، تحت ضغوط الأمم المتحدة، إلى تسليم الحكم تدريجيا إلى أهل البلاد، فكانت انتخابات 1952 – 1956 التي ثبتت من جديد أولوية قبائل التوتسي، وكانت الأحزاب تتقاسم البلاد على أساس قومي تقليدي وعلى أساس الايدولوجيات السياسية الحديثة، في أن واحد. أما أقوى هذه الأحزاب فكان حزب اوبرونا” UPRONA – الوحدة والتقدم القومي) الذي فاز بالانتخابات عام 1961. وقد ساهم في جعل هذا الحزب في الواجهة كون رئيسه ابن الملك نفسه، وما قد اسندت اليه رئاسة الوزراء شخصيا. غير انه اغتيل بعد شهر واحد فقط. وبدأت فترة من الاضطرابات والصراع العنصري بين التوتسي والهوتو. فكانت الجماعتان تتعرضان لمجازر متبادلة لسبب أو لأخر، أو بتحريك من الأصابع الأجنبية، كما حدث في 1963 و 1965، حتى قام نديزي، ابن الملك نفسه، بانقلاب على أبيه عام 1966، واستلم الحكم باسم نتاري الخامس. غير أن احد ضباطه، ميشيل ميكومبيرو، طرده بعد 4 أشهر وأعلن النظام الجمهوري مع حكم الحزب الواحد (اوبرونا)، وصار أول رئيس لجمهورية  بوروندي.

        بعد فترة من الهدوء عاد شبح الموت إلى سماء بوروندي كانت قمته مذابح 1972– 1973، ذهب ضحيتها بين 10 – 20 ألف قتيل من الهوتو. وانتهت بهزيمة ميكومبيرو على يد الكولونيل باكازا عام 1976. وكان باكازا قد جاء إلى الحكم بانقلاب ابيض، وقد استقطب الشعب كله منذ البداية بانتهاجه سياسة المصالحة الوطنية. وقد اقر دستورا جديدا عام 1981 يضمن الوحدة بين التوتسي والهوتو تحت قيادة الحزب الواحد، حزب “اوبرونا “. غير أن باكازا نفسه، بعد حكم رئاسي قوي دام 11 عاما، تميز بهيمنة الدولة على كل مرافق الحياة – وقد عانت منه الكنيسة كثيرا كما سنرى – أطيح به هو أيضا بانقلاب عسكري قاده الرئيس الحالي الميجر بيير بويويا في 3 أيلول 1987.

2)    كنيسة بوروندي

         دخلت المسيحية إلى بوروندي عام 1896 على يد الآباء البيض الفرنسيين والبلجيكيين. فكنيسة بوروندي كنيسة فتية إذن. ولكن ليس فقط لحداثة تاريخها، بل للطاقات الواسعة التي تمتلكها ولحيويتها المتجهة نحو المستقبل. ويبدو ذلك من تلاحم العلمانيين والكهنة فيها بصورة فريدة، والمتتبع لتاريخ هذا القرن من النصرانية في بوروندي لا يمكن إلا يلاحظ سرعة  انتشارها، حيث تقدر نسبة المسيحيين اليوم 75 % من السكان (65% كاثوليك). قمم التلال مطرزة بالكنائس الريفية وبملحقاتها الراعوية ومراكز التعليم المسيحي والمدارس  والمستوصفات والأديرة. جميع أساقفة البلاد (7 أبرشيات)هم بورونديون، وكذلك معظم الكهنة (بعد حملة طرد المرسلين الأجانب في عهد باكازا). ثراء في الدعوات الكهنوتية والرهبانية والحركات الرسولية. فهناك جمعيتان رهبانيتان رجاليتان محليتان، وعدة رهبانيات نسائية، إضافة إلى الرهبانيات الغربية المتواجدة. وهناك 8 حركات للشبيبة تضم أكثر من 30000 مسيحي يعملون في حقول الرسالة العلمانية، إلى جانب بضعة ألاف أخرى يعملون في حقل التنشئة المسيحية وتنشيط الجماعات الراعوية.

         غير أن كنيسة بوروندي تلقي على نفسها اليوم عدة أسئلة أساسية تخص كيانها ومستقبلها –ولا شك أن عهد باكازا الذي لم يكن رقيقا معها أبدا قد استحثها على مثل هذه المراجعة الذاتية–  ومن هذه الأسئلة: ما هو دورها في النماء الإنساني؟ لقد أنتشرت مسيحية نشطة وحية على الصعيد الداخلي ومترامية الكثافة والتأثير في فترة زمنية شبه قياسية، فهل سعت من خلال تبشيرها بالإنجيل وممارساتها الدينية، تنشئة أجيال من المواطنين الملتزمين بأرضهم ومستقبل بلادهم؟ فلقد وعت الكنيسة البوروندية التي توسعت قدراتها ومؤسساتها أنها لن تستطيع الإجابة إلى نداء المسيح اليوم إلا إذا وضعت نفسها في حالة خدمة للمجتمع الذي هي جزء منه، وخاصة الشرائح الفقيرة. وكم تبدو هذه المسؤولية حيوية عندما نعرف إن بوروندي هو احد أفقر أقطار إفريقيا.

         وهناك سؤال آخر يخص ديمومتها وهو مسالة إعداد كوادر بوروندية (رهبانية وكهنوتية وعلمانية) ليس لمجابهة توسع المسيحية جغرافيا وعدديا وحسب، بل خاصة لتعميق التنشئة والتوعية الإيمانية لدى هذه الجماهير التي لا زالت جذورها القريبة انيمية أو وثنية، أو أخذت تعصف بها تيارات فكرية وايدولوجية حديثة.

                            سينودس الكنيسة البوروندية وجماعات التلال

         كل هذه الأسئلة طرحها الأساقفة البورونديون في دورتهم العامة لعام 1976، فأرادوا زج كنيسة بوروندي بأسرها في (حالة سينودس) تشترك فيه ليس “النخبة”  الكهنوتية فقط، بل كافة شرائح المؤمنين، سعيا إلى تجديد حياة الكنيسة وأساليبها الراعوية وإعادة النظر في دور الكنيسة في حياة البلاد. وكانت أداة هذا التجديد، كما أوضح الأساقفة أنفسهم في حينه، قيام وتطوير الجماعات المسيحية الصغيرة على التلال وفي المدن. ومن خلال هذه الجماعات يتصل الإنجيل بالحياة المعاشة.

         وهكذا قامت بالفعل مئات الجماعات الصغيرة على التلال خاصة تتكون كل واحدة من 30 – 50 شخصا تحت إشراف احد العلمانيين من معلمي التعليم المسيحي الذي ينسق نشاطاتهم. وتتكون كل جماعة صغيرة شبه أسرة متقاربة، فيها الرجال والنساء والشباب والفتيات والمسنون، يمثلون حياة “التل” او المحلة. وتنظم كل جماعة، بحسب ما تقتضيه الضرورة، إلى جماعة أخرى فتأخذ على عاتقها الالتزامات الراعوية المختلفة كالتثقيف المسيحي للصغار، واستكمال تنشئة الكبار، وإعداد الشباب لسر الزواج، وإعداد ليتورجيا أيام الآحاد في الكنيسة. وتحتوي هذه الليتورجيا –التي يحتفلون بها في غياب الكاهن– على قراءات من الكتاب المقدس وتراتيل وموعظة يلقيها العلماني المشرف والصلاة الربية والتناول. كما ابتكرت “خدمة مستحدثة” أخرى يقوم بها العلمانيون نفسهم مثل “خدمة التعزية” لزيارة المرضى والمسنيين وحمل التناول إليهم، أو مرافقة المدنفين وتسلية أسرهم، والقيام بطقوس الدفن، ومساعدة المحتاجين والفقراء.

          والجماعات الصغيرة الجديدة لا تلغي الحركات الشبابية والرسولية الأخرى، ولا تهدف إلى القضاء على دور الكاهن، بل تمنحه بعدا جديدا –لاسيما وانه لا يتاح له زيارة “جماعات التلال” إلا بين حين وأخر–  في إطار التعاون الوثيق مع العلماني الذي يأخذ دورا متميزا كأداة فاعلة في حياة الكنيسة لتعميق الوعي المسيحي وتغيير الواقع الإنساني.

     كما انها تتيح استمرارية الدينامية والعطاء في كنيسة يتناقص عدد كهنتها.

                                                  3 )  الكنيسة والدولة: قطبان متوازيان

           لمدة طويلة ظلت الكنيسة والدولة قطبين متوازيين يتقاسمان النفوذ على القبائل البوروندية  كل بأسلوبه وأهدافه الخاصة  التي تلتقي حينا وتتميز أو تختلف حينا أخر. ولما جاءت دولة الاستقلال رأت نفسها إزاء كنيسة منظمة ونشطة ذات دور كبير في حياة الأمة وواسعة النفوذ. فهذه مدارسها التي تأوي 4/5 الطلبة في مرحلة التعليم  ومراكزها لمحو الأمية  ومؤسساتها الإنسانية والصحية  وحركاتها الشبابية والعلمانية التي تجند خيرة القاعدة  وحتى وسائلها الإعلامية. كل ذلك يضاف إلى بنية موحدة، متماسكة وقاعدة شعبية واسعة وعميقة الولاء.. مما يجعلها تبدو كجسم موحد، قوي البنيان، مستقل. حتى جاء باكازا!!

         فلقد ورث هذا دولة منهوكة القوى من جراء الحروب الأهلية، مفككة الأوصال بسبب الأحقاد القبلية بين التوتسي والهوتو. فعزم على بنائها وتوحيدها ومسك زمام الأمور كلها بيده بفرض هيمنة حزب “اوبرونا” فوضعت السلطات خطة واسعة لإيقاف الكنيسة عند حدها، وذلك باسم مبدأ سيادة الدولة ورفع الإنتاجية.

                                                                             المجابهة

         وبدأت المجابهة الحقيقية بقيام “جماعات التلال” (ايناما سهوانيا) عام 1976 التي فجرت طاقات الكنيسة على صعيد القاعدة وعلى أوسع مدى جغرافي وحركت الجميع، بما فيهم الأميين البسطاء، أن يأخذوا الكلام ويبدوا آراءهم في ما يخص حياتهم اليومية، ويلتزموا توعية أنفسهم بأنفسهم، ليس فقط من الناحية الدينية، بل ثقافيا واجتماعيا أيضا، وذلك خارجا عن اطر الدولة وبتوجيه من الكنيسة. فرات الدولة في هذه “الجماعات” منافسا حقيقيا لتنظيماتها الحزبية. فكان الإجراء الاحترازي الجدي الأول أن ألغت الدولة “جماعات التلال” عام 1979، ومنعت الاجتماعات الدينية إلا في أمكنة العبادة وحدها وفي يوم الأحد فقط. وواجه الرئيس باكازا اعتراض الأساقفة على هذا الإجراء بطرد نحو مئة مرسل من البلاد. وأصبح مبدأ “العلمنة” الذي أعلنه باكازا وكأنه مرادف لمبدأ العداء  للكنيسة والدين، وبدأت حملة إعلامية واسعة لتسويد صفحة المسيحية عامة والكنيسة خاصة.

         وتصاعدت المجابهة بإجراءات  قمعية متتالية لتحجيم دور الكنيسة ولجم صوتها، حتى أخذت منعطفا خطيرا في 1984. فمنعت الحكومة إقامة القداس في أيام الأسبوع، ثم تراجعت لتسمح به فقط مساء وبعد ساعات العمل –وكانت قد ألغت قداس الراديو منذ 1977-. كما أوقفت الصحيفة الكاثوليكية الأسبوعية الوحيدة “ندونغوزي”، وأسكتت “راديوكورداك” البروتستنتي. وكان يرافق كل ذلك الموجة تلو الموجة من طرد المرسلين الأجانب وملاحقة الكهنة والعلمانيين البورونديين الرافضين للانصياع لسياسة الدولة تجاه الكنيسة. بل فرضت القيود حتى على اجتماعات الأساقفة الراعوية نفسها. وقامت حملة لتحطيم كافة الرموز الدينية في المرافق العامة مثل الصلبان والتماثيل وغلق الكنائس خارج أوقات الصلاة. وكان الأساقفة يرفعون الاحتجاج تلو الاحتجاج ويدافعون عن حقوق المؤمنين كمسيحيين وكمواطنين انتزعت منهم حريتهم الدينية. غير أن النظام ما كان ليسمح بأي تدخل يلقي اللوم على سياسته، حتى وان كان ذلك باسم حقوق الإنسان أو باسم مبدأ لاهوتي ما. فقد صرح سفير النظام في بروكسل آنذاك في نطاق مؤتمر صحفي: ” إن بوروندي لا يمكنه السماح بان يكون مسرحا لتجربة أنماط جديدة من اللاهوت وخاصة من نمط لاهوت التحرير”.

         واستمر التصعيد حتى وضعت الدولة اليد على المدارس المسيحية واستبدلت مدراءها بأعضاء من الحزب الحاكم. وفي محاولة لإحكام السيطرة على كوادر الكنيسة مباشرة أصاب التأميم في أيلول 1986 المعاهد الكهنوتية نفسها. ولحق ذلك إلغاء نظام “ياغا موكاما” الذي كانت الكنيسة بموجبه تدير شبكة واسعة من مراكز محو الأمية تشمل زهاء 300000 طفل ممن لا تستوعبهم المدارس الابتدائية. وفي تشرين الأول من العام نفسه منعت الحركات الشبابية والقاعدية المسيحية، وأغلقت مراكز التعليم المسيحي، واستغني عن عدد كبير من الأساتذة الرهبان والراهبات البورونديين في المدارس والجامعات والعاملين في المؤسسات الصحية. وحذف التعليم المسيحي من المدارس، وأممت كل المشاريع الاجتماعية المسيحية.. وهكذا تأزمت الحياة بين الكنيسة والدولة حتى وصلت خط اللا رجعة.

                                                                              الانفراج

        ولكن الذي “انكسر” كان باكازا نفسه حيث أطيح به في الانقلاب الأبيض الذي قام به الميجر بيير بويويا  في أيلول الماضي.

        وفي ما يخص السياسة الدينية الجديدة، وكتعبير للنيات الطيبة تجاه الكنيسة هرعت سلطات الجمهورية الثالثة إلى إصدار بيان رسمي في21 تشرين الأول 1987 أعادت فيه الحرية الدينية بكامل جوانبها وبحسب الأسس التالية:

X      الحق في الحرية الدينية يقضي باحترام هذا الحق نفسه للآخرين أيضا.

X      الجمهورية الثالثة تتبنى مبدأ علمانية الدولة، ولا تحتضن دينا على حساب آخر، ولا تعترف بأي دين رسمي للدولة، وتضمن حق الجميع في ممارسة دينهم ضمن القانون.

X      النشاطات الاجتماعية والاقتصادية هي من اختصاص الدولة. غير إن بإمكان الهيئات الدينية أن تساهم فيها بحسب شروط تتفق عليها مع الدولة.

     ثم يقضي البيان إلى رد الاعتبار إلى الكنيسة بإعادة حقوقها في مؤسساتها ونشاطاتها التي كانت قد ألغتها حكومة باكازا، وفق ما يلي:

X      إقامة الشعائر الدينية مسموح به في أيام الأسبوع، على أن لا يعيق وتيرة العمل.

X      فتح مدارس خاصة مسموح به، وذلك وفق السياسة التربوية لوزارة التربية الوطنية.

X      إعادة الشرعية إلى هيئات معلمي التعليم المسيحي.

X      إعادة الشرعية إلى المجالس الخور نية.

X      الاجتماعات الدينية مسموح بها في الأبنية التابعة للكنيسة.

X      جماعات “ياغا موكاما” الشبابية يعاد تنظيمها بالتنسيق مع الدولة، بما يعمم فائدتها ويخدم المصلحة العامة.

X      الحركات المسيحية الرسولية تسمح بها الدولة، على أن تتقدم بطلب رسمي لذلك.

X      استخدام وسائل الإعلام والاتصال المختلفة من قبل الهيئات الدينية حق مشروع، ولكن وفق قوانين تصدر لاحقا.

X      الرهبان والراهبات الأجانب بإمكانهم  أن يخدموا كنيسة بوروندي، وذلك بطلب من مطران الأبرشية.

X      الممتلكات الكنسية، تدرس أوضاعها حالة بحالة.

        مرحلة جديدة، إذن، تنفتح، أمام كنيسة بوروندي، و “والعبور من علمنة عدائية إلى علمنة ايجابية يلزم الجميع بلقاء نظرة جديدة إلى الحقائق الاجتماعية والسياسية في البلاد. انه تحد جديد لكل الأطراف المعنية” كما قال المطران نغو ياغوي رئيس مجلس الأساقفة البورونديين.

        ولعل الجواب إلى هذا التحدي  تجده  كنيسة  بوروندي في الإجابة الفعلية إلى السؤال الذي ألقته على نفسها بمناسبة “سينودسها”، والخاص بهويتها البوروندية بالذات، ويتمثل في عملية “الافرقة” التي انتهجتها كنائس افريقية أخرى بزخم خاص مثل زائير. فلقد عاشت هذه الكنيسة –أي كنيسة بوروندي– من دون تساؤل أو اعتراض، مدة ثلاثة أرباع القرن، على النموذج الغربي الذي أتى به المرسلون، واليوم عليها أن تكتشف أساليبها  الخاصة لعيش إيمانها وأمانتها للمسيح في إطار حضارتها الإفريقية الخاصة، على حسب ما قال الكردينال ما لولا: “الكنيسة نصرت إفريقيا، وعلينا اليوم مهمة  “أفرقة” المسيحية”. وتشمل عملية “الافرقة” هذه أن تستنبط إفريقيا –وبوروندي– صيغ افريقية – بوروندية – لالتزامها الإنجيلي، بل لطقوسها وحياتها ورهبانياتها وجماعاتها القاعدية وتعبيرها اللاهوتي.. وذلك ضمن شمولية الإيمان الواحد ووحدة الكنيسة الجامعة، بحيث تعود كنيسة بوروندية أصيلة، متجذرة في صلب حياة الشعب البوروندي وتاريخه ومعانياته. 

هوية بوروندي

 المساحة: 27834كم2

 السكان: 5 ملايين تقريبا – اعلى كثافة سكانية في افريقيا بع رواندا (150 في كم2)، نسبة الولادات 4,20%، 50% من السكان هم ما دون العشرين، بيئة ريفية بنسبة 96%،     القوميات: هوتو (85%) وتوتسي (14%).

 العاصمة: بوجومبورا (150000)

 اللغات: كيروندي (اللغة القومية الرسمية)، الفرنسية (اللغة الرسمية الثانية)، السواحلية: (لغة التجارة).

 الديانة: 75% مسيحيون (65% كاثوليك و 10% بروتستنت)، 23,5% انيميون، 1,5% مسلمون.

 النظام: جمهورية علمانية ديمقراطية. حكم الحزب الواحد UPRONA

 الارض والمناخ: تحدها تنزانيا من الشرق وزائير من الغرب ورواندا من الشمال، وتحتضنها جنوبا كل من تنزانيا وبحيرة تنجانيقا. سطحها مجموعة من التلال يبلغ عددها 2427 تلا، اعلاها جبل هيها (2670م) وتقسم الى 4 مناطق طوبوغرافية: الهضاب الوسطى (معدل 1500م)، هضبة الكونغو النيل (2500م)، سهل ايمبو (معدل 800م)، المنخفضات الشمالية الشرقية. الانهار عديدة، المناخ معتدل (درجة الحرارة بين 14- 24). امطار غزيرة، وبقايا غابات استوائية ومساحات من الاشجار والشجيرات. 

(((((((((()))))))))

المرحلة الأخيرة من قصة المطران لفيفر

المساومة على المجمع  أم على الانفصال

ش.ر/حزيران-تموز1988 

      “في 30 حزيران القادم سأرسم أساقفة، هذا شيء أكيد”. “شاء أم آبى البابا”!. هذا التحدي الذي كرره في الآونة الأخيرة، المطران لفيفر، زعيم خط التقليديين الرافضين للمجمع الفاتيكاني الثاني (ف0م 0 شباط / آذار1988). ينتصب كسيف داموقليس فوق رؤوس أعضاء المجالس الأسقفية الكاثوليكية في كل من فرنسا وسويسرا وألمانيا وبلجيكا حيث ينتشر أنصار الاسقف المتمرد”. فالكل يمسك أنفاسه ليرى ماذا ستسفر عنه أخيرا المفاوضات الناشطة بين الفاتيكان وأنصار لفيفر في عملية موازنة دقيقة تحاول جماعة لفيفر الضغط فيها على روما إلى أقصى حد لتفريغ المجمع من محتوياته لقاء بقاء صوري في حضنها، وتحاول روما جهدها لاحتواء “الجماعة” في عملية إخراج قانونية لربطها الاسمي بالسلطة البابوية المباشرة لقاء عدم إعلانها الانشقاق الرسمي.

لعبة خطرة!

      ولقد وصفها الصحفي الفرنسي في صحيفة “الشهادة المسيحية” برنار اسطيفان، برقصة باليه غريبة يتقن لفيفر فنونها: “لدى أقدام الجبل السويسري (“أيكون”، مركز حركة لفيفر تقع في سويسرا)، نشاهد المطران الذي تحدى ثلاثة بابوات يقوم بحركات غريبة: خطوة إلى الأمام ليبدو وكأنه يتقدم نحو محدثه (البابا) الذي لابد من إغوائه، وخطوة إلى الوراء لإثارة الرغبة نحوه لدى الطرف الأخر، مع الاحتفاظ بكرامته والبرهنة على قوة شكيمته “! لعبة خطرة بنتائجها مهما كانت. اجل! فجماعة لفيفر تعلن بلسان نائب لفيفر وخليفته، القس الألماني فرانز شميدبرجر، الذي قد يكون المطران الذي سيرسمه لفيفر في 30 حزيران المقبل.. بان “الكنيسة تبتعد أكثر فأكثر عن تعاليم البابوات الاسبقين، فلا مجال للمساومة”. أو بعبارة أخرى –وقد قالها اللفيفريون أنفسهم– بان الكنيسة الكاثوليكية هي التي تنفصل عنهم فعلا، وليس العكس! أليس إن المطران لفيفر نفسه أعلن لصحيفة لفيغارو الفرنسية الصادرة في الأول من حزيران الحالي إن “بروتوكولا” تم التوقيع عليه مع روما مؤخرا، يعترف بموجبه لفيفر بالأولوية البابوية، “ولكن الاعتراف بكل المجمع الفاتيكاني الثاني شيء غير وارد لديه –على حد قوله هو نفسه– ولاسيما في ما يخص النصوص حول الحرية الدينية.. بل على العكس، إن الفاتيكان هو الذي يعترف بحسب ادعاء لفيفر –إن ثمة عناصر “في المجمع والحق القانوني والليتورجية الجديدة جاءت غير متوافقة مع التقليد”.. أما من  جانب الكنيسة فان أي تنازل من قبل روما لصالح جماعة لفيفر لا يرضى بأقل من أن يقبل المجمع الفاتيكاني الثاني بكل طروحاته وروحه، يعتبر مساومة على المجمع. افيعقل أن يكون هذا هو الذي يبتغيه يوحنا بولس الثاني –هو الذي أعلن مرارا وتكرارا بان تطبيق المجمع هو من أقدس مهامه– وقد أكد مجددا أولوية المجمع في هذه القضية في الرسالة التي وجهها مؤخرا إلى الكردينال راتزينغر.

       عن هذه المرحلة الأخيرة من قصة المطران لفيفر وأعوانه كتب هنري دنيس –وهو كاهن اشترك في اعمال المجمع الفاتيكاني الثاني بصفة خبير–  مقالا “أمجمع للاشيء؟” ننقله للقراء عن صحيفة “الشهادة المسيحية” (12 حزيران 1988):

تنقسم قصة المطران لفيفر مع روما إلى 3 مراحل:

     المرحلة الأولى  بدأت عام 1975 بإعلان لفيفر تمرده الرسمي على مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني وعدم قبوله توجيهات البابا بولس السادس. فسحب، اثر ذلك، الاعتراف القانوني الكنسي بمعهد “ايكون” الكهنوتي الذي أسسه لفيفر عام 1970. غير انه، بالرغم من إدانة البابا، رسم المطران لفيفر وجبة أولى من الكهنة في حزيران 1976، فصدر بحقه حرم بابوي بمزاولة الخدمة الكنسية. ولكنه لم يذعن للأمر، وصارت رساماته تقليدا سنويا. ومع مجيء البابا يوحنا بولس الثاني لم يرفع الحرم، وضاعف لفيفر من تهجماته على المجمع وشخص البابا في أعقاب اجتماع يوحنا بولس الثاني مع رؤساء الأديان في اسيزي للصلاة سوية من اجل السلام عام 1986.

المرحلة الثانية بدأت في حزيران 1987عندما أعلن لفيفر بانه سيرسم أساقفة “شاء أم أبى البابا”. فتحركت الدبلوماسية الفاتيكانية وجاء لفيفر الى روما في تموز1987 للتفاوض مع الكردينال راتزينغر رئيس مجمع عقيدة الإيمان. وفي ت2 من العام نفسه أوفد البابا الكردينال غانيون لتقصي الحقائق باسمه، فوجد هذا بان” 80% من التقليديين يريدون السلام والشركة مع روما”.

المرحلة الثالثة بدأت في ربيع 1988 حين شعر الطرفان بان الوقت قد حان للمصالحة لا للتحدي. غير إن التصريحات المتضاربة والمواقف المبهمة وبقاء التحدي اللفيفري قائما بأنه سيرسم أساقفة لا محالة في 30 حزيران الحالي لتامين خطته.. يجعل لعبة جر الحبل مستمرة.. إلى متى؟.

       “إن كثيرا من المسيحيين يشعرون بشيء من الحرج، بل من القلق الذي يصل حد القرف، من جراء سياق المفاوضات بين روما والمطران لفيفر. ويلاحظ إن هذه المفاوضات تجري في السر وبحسب سياسة الخطوات الصغيرة. والأساقفة والكنائس الذين تألموا أكثر الكل من الأسقف المتمرد هم خارج المفاوضات في الواقع. وقد يأتي يوم، ولعله قريب، نسمع فيه بان المطران لفيفر قد عاد إلى الحضيرة، ولكن من دون أن نعلم طبيعة تنازلاته بصورة واضحة، ومن دون الحصول منه سوى على اعتراف كلامي مبهم بالحبر الأعظم.

      إن ما يبعث إلى الاستياء العميق من هذا الوضع، هو موقف المطران لفيفر إبان المجمع  الفاتيكاني الثاني وفي الحقبة التي تلته، ولاسيما منذ 1976. ففي الفاتيكاني الثاني لم يني الأسقف المتزمت يقاوم مفهوم الكنيسة الذي استعاده المجمع من جديد على ضوء معرفة أعمق لمعطيات الكتاب المقدس والتقليد، ولقد رفض بنوع خاص “جوهرتين” مجمعيتين وهما: وثيقة الحرية الدينية ووثيقة الحركة المسكونية. بعدها، لا يخفي على احد إن هذا المطران اعتبر البابوات الأخيرين منذ يوحنا 23 “منشقين”…

                                                              حالة الانشقاق

       والانكى من ذلك، إن هذا المطران اقترف فعلا ذا مردودات شنيعة من وجهة النظر اللاهوتية في الأسرار: فلقد أعاد منح سر التثبيت لأطفال سبقوا أن نالوه على يد أساقفة أمناء لروما. يضاف إلى ذلك إن اقتحام هذه الجماعة لكنائس باريس وفرساي كانت بادىء الأمر فعلا ضد العدالة، ثم جعلتنا نرى أن القوة تخلق الحق، لذا فإننا نتساءل ما الذي ينبغي أن يضاف كي يعتبر هذا المطران وإتباعه قد وضعوا أنفسهم في حالة انشقاق فعلي. فبالنسبة لي لا ادري ضرورة الاستشهاد بالانحرافات التي تلت المجمع. أنها ذريعة. بالفعل، لم تسمع الشكاوي التي صدرت بحقها، إلا يوم بلغت إذانا صاغية في المقامات العليا.

      لقد صدق المثل القائل: “من أراد قتل كلبه، قال انه مكلوب”. السنا نشهد منذ سنوات حركة نسف تحاول استئصال المجمع، أو كسراندفاعاته، أو تقليصه إلى نوع من امتداد إيضاحي للمجمع التريدنتيني؟…

       لنكن صريحين، فالقضية تمسنا في الصميم. لقد شهدت روما اختفاء الآلاف، بل عشرات الآلاف من الكهنة الذين تركوا الخدمة. البعض منهم ليتزوجوا والبعض الآخر لأنهم رأوا، منذ ذاك، أن المجمع لن يطبق. اسمحوا لي أن أقول، فانا عارف بعدد منهم، بان البعض من هؤلاء الكهنة كانوا من أفضل رفاقي في الخدمة، وأكثرهم غيرة وروحا إنجيلية.

      فهل سمعنا، يا ترى، بمفاوضات تحاول مساعدتهم لإبقائهم في خدمة الكنيسة؟ لا شيء! ولا كلمة، اللهم إلا كلمة الإدانة! صمت مطبق بشان ألاف الكهنة الذين خسرناهم للرسالة الإنجيلية! مقابل ذلك، هناك من يفعل المستحيل، ويقيم السماء والأرض، وهو مستعد لمساومات مؤسفة في سبيل “احتواء” 260 كاهنا رسموا في “ايكون” وإعادتهم إلى الحضيرة.

                                                                اختيار القرن 21

       هذه الحالة لكانت مجرد حالة تدعو إلى الشك، لو بقيت ضمن الكنيسة، ولكننا نخشى أن تكون هذه العملية مرة أخرى على حساب الفقراء. والفقراء الذين نعنيهم هم كل هؤلاء الذين ينتظرون كنيسة أكثر انسجاما مع روح الإنجيل، كنيسة لا تخيفها قوى المال (حتى إذا ما آمنت لها الدعوات الكهنوتية)، كنيسة تحاول أن تعيش لنفسها ما تطالب به غيرها، فكيف نكرز بحقوق الإنسان للعالم والأمم، إذا لم نمارسها نحن داخل الكنيسة نفسها؟

       لقد آن الأوان لنسمع تساؤلات البشر الحقيقية، تلك التي بوسعها أن تزج هذه البشرية

–حتى وسط نجاحات العالم المعاصر–  في اللامبالاة أو اليأس. إن الوقت الحاضر ليس زمن العودة إلى مسيحية سلطوية، لها كهنتها الذين لا يمسون، وذهنية المنتصرين المتبجحين الانفعالية أو العقائدية، وأخلاقيتها الصلبة التي لا تلين.

      إن قضية لفيفر هي المحك “ترى، هل نريد البقاء في القرن 19 أم هل نريد تبشير القرن 21؟ مهما كان الزمهرير الذي يهب علينا من هنا أو هناك  فأملنا أن الربيع الآتي لن يخنق”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: