الفكر المسيحي1991

مجلة الفكر المسيحي 1991

108

إذا أردت السلام احترم ضميركل انسان   ش.ر     

261

ك2/نيسان

1991

109

الحركة المسكونية مساهمات القراء           

264

ك2/نيسان

1991

110

الكنيسة ومبادرات الإغاثة   ش.ر        

266

ايار/ تموز

1991

111

جولة في لبنان                  

268

آب/ ت1

1991

112

مقابلةمع البطريرك ميشيل صباح

268

آب / ت1

1991

113

البابا عند الهنود الحمر     ش.ر          

270

ت 2/ ك1

1991

إذا أردت السلام احترم ضمير كل إنسان

(يوم السلام العالمي) 

ش.ر/كانون الثاني- نيسان 1991 

       كما في كل عام، منذ 1967، يوجه البابا رسالة في السلام بمناسبة اليوم العالمي للسلام (1ك2)، وكانت رسالة يوحنا بولس الثاني لهذا العام (1991) بعنوان “إذا أردت السلام احترم ضمير كل إنسان”. وفي ما يلي مقتطفات واسعة من هذه الرسالة التي وان بعدت مناسبتها تقويميا، يبقى موضوعها قائما وملتصقا بالواقع، وكان مقررا أن نصدي لها منذ مطلع العام لولا الأحداث الأليمة التي مررنا بها وتأخر صدور هذا العدد. 

 حرية الضمير والسلام

       حرية الضمير هي حجر الزاوية “لتامين سلام قوي وثابت”: هذه هي الفكرة الرئيسية لهذه الفقرة. ذلك إن الضمير هو في الواقع تلك “القدرة” التي للإنسان أن “يميز ويعمل” بحسب الشريعة التي كتبها الخالق في قلبه، على حد تعبير مار بولس (رو2: 15).

      وتدرج البابا في تعليله من أحداث 1989 – 1990 في أوربا الشرقية مستخلصا إن الإنسان “كشخص لا يجوز أن يعامل كمجرد شيء تقوده قوى خارجية عن ذاته ليس إلا..”.

      “لا يحق لأية سلطة بشرية أن تتدخل في ضمير أي إنسان. والضمير هو بمثابة الشاهد على سمو الشخص البشري حتى على المجتمع، من اجل ذلك لا يجوز اختراقه. غير أن هذه الصفة لا تجعل الضمير قيمة مطلقة فوق الحقيقة والخطأ، بل إن طبيعته الحميمة ذاتها تفترض علاقة مع الحقيقة الموضوعية، وهي شاملة ومماثلة للجميع، وبإمكان الجميع أن يبحثوا عنها ويجدوها… وهذا بالذات ما يقتضي من الجميع احترام ضمير كل واحد وعدم فرض “حقيقة” ذاتية على أي إنسان، مع صيانة حق الفرد باعتناق “حقيقته” الخاصة وعدم احتقار من يفكر خلافا لنا. أن الحقيقة لا تفرض ذاتها إلا بذاتها، فنكران حق الفرد في كامل حرية ضميره، ولاسيما حريته في البحث عن الحقيقة، أو محاولة فرض طريقة خاصة دون سواها في فهم الحقيقة، يعد خرقا لأعمق حق من حقوق الإنسان. كما أن مثل هذا الخرق يساهم في تصعيد العداء والتوترات التي قد تقود إلى إثارة علاقات صعبة وعدائية ضمن المجتمع، ولربما إلى صدام مفتوح”.

      ولا تخفي إشارة قداسته في هذا المضمار إلى الاحترام اللازم تجاه حرية العقيدة (دينية كانت أم سياسية أم فلسفية) لدى الفرد، وعدم استلابها من أية جهة كانت وبأية عملية فوقية خارجية كالقمع أو الفرض أو غسل الدماغ. فعقيدة شخص ما هي “حقيقته” الخاصة به وهي جزء من ذاته لذا يعني خرقها استلاب شخصيته الذاتية.

الحقيقة المطلقة هي في الله وحده

      انطلاقا من هذا المبدأ الأساسي يستخلص البابا “الصلة الحميمة الموجودة بين حرية الضمير والحرية الدينية”، ليعلن أن “نكران الله من حيث المبدأ وإقامة نظام يجعل من هذا النكران عنصرا بنيويا في تكوينه ينافيان حرية الضمير بصورة جذرية، كما ينافيان الحرية الدينية”.وهذه إشارة واضحة وإدانة واضحة لا لبس فيها للأنظمة الشيوعية التي تستند في فلسفتها على الحاد كنهج ايدولوجي.

 تكوين الضمير

“على كل إنسان واجب خطير في أن يبني ضميره على ضوء الحقيقة الموضوعية… فمن طالب لنفسه بحق التصرف بحسب ضميره الشخصي من دون أن يعمل على مطابقته مع الحقيقة والشريعة التي كتبها تعالى نفسه في قلبه، هو إنسان يعطي الأسبقية لوجهة نظره الشخصية المحدودة. ومثل هذا التصرف بعيد عن أن يساهم في قضية السلام في العالم.. وهذا البحث الصادق عن الحقيقة يقود صاحبه ليس إلى احترام بحث الآخرين حسب، وإنما إلى الرغبة في البحث سوية أيضا.

        ويعدد البابا المراجع التربوية التي يعتمد عليها في تكوين ضميرالفرد بدءا من “الأسرة”، ومن ثم “المدرسة”. “ففي الواقع لا تكون التربية محايدة من الناحية الأدبية أبدا، حتى في حالة إعلان “حيادها” في ما يخص الأخلاق والدين.

      فالأسلوب الذي يخضع له الأطفال والشباب في تربيتهم يعكس بالضرورة عددا من القيم التي سيكون لها تأثيرعلى طريقة فهمهم للآخرين وللمجتمع بأسره. لذا ينبغي الانطلاق من طبيعة الشخص البشري وكرامته ووفقا للشريعة الإلهية لمساعدة الشباب في سياق سنوات دراستهم ليستشفوا الحقيقة ويبحثوا عنها، ويقبلوا متطلبات الحرية الحقة وحدودها، وليحترموا حقوق الآخرين المماثلة لحقوقهم”.

     ويذكر البابا بقناة خطيرة أخرى من قنوات تنشئة الضمير، ألا وهي “وسائل الاتصال الجماعي”: “في عالمنا الذي يتسم بالاتصال السريع، تلعب وسائل الإعلام دورا مهما جدا، بل جوهريا في تشجيع البحث عن الحقيقة وتحاشي الأصداء لمصالح محددة لهذا أو ذاك من الناس فقط، لهذه أو تلك من الجماعات، لهذه أو تلك من الإيديولوجيات”.

      وكم هو صائب قول البابا عندما نضع في أذهاننا استئثار بعض وسائل الاتصال “بالمونوبول الإعلامي” والتعتيم المنظم على الخبر الذي لا يوافق إيديولوجيات مالكيها، أو احتكار السلطة المدنية أو السياسية الحاكمة في بعض الأنظمة أوسائل الاتصال المسموعة والمرئية والمقروءة، بحيث تفضي بعد مدة إلى غسل حقيقي للأدمغة وتشويه حكم السامع أو القاري. ناهيك عن هضم الحق الإعلامي لفئات فكرية أو ثقافية أخرى.

 التزمت: تهديد جدي للسلام

       و”يتسلل التزمت في كافة مرافق الحياة الاجتماعية، ويتخذ صيغة التهميش أو قمع الأشخاص والأقليات… اما في الحياة العامة فالتزمت يبتر كل تعددية في الاختيارات السياسية أو الاجتماعية، وبذلك يفرض على الجميع رؤية متساوية إلى النظام المدني والثقافي”.

أما عن التزمت الديني فيقول البابا: “لا زال الكثير مما يلزم فعله اليوم لتجاوز التعصب الديني الذي يرتبط ارتباطا وثيقا، في أجزاء عديدة من العالم، مع قمع الأقليات. فإننا نشهد، مع الأسف محاولات حقيقية لفرض قناعات دينية خاصة على الغير، سواء كان ذلك بصورة مباشرة عن طريق الكسب الذي يلجا إلى استخدام وسائل قمعية حقيقية، أو بصورة غير مباشرة عن طريق نكران بعض الحقوق المدنية أو السياسية. وقد يصل الأمر إلى حالات بالغة الخطورة عندما تصبح قاعدة دينية ما قانونا من قوانين الدولة من دون التمييز بين اختصاص الدين واختصاص المجتمع السياسي.فالدمج بين الشريعة الدينية والقانون  المدني قد يصل بالفعل إلى خنق الحرية الدينية بل إلى نكران حقوق أخرى أساسية من حقوق الإنسان”.

      ويعود البابا إلى نقطة هي كاللازمة في تعليمه حول تنشئة الشبيبة، ألا وهي التربية الدينية التي من دونها “يتعرض تكوين الضمير للتأرجح، على حد قوله، فيتساءل: “ترى كيف يفقه الشاب متطلبات كرامته الإنسانية بصورة كاملة من دون العودة إلى منبع هذه الكرامة، اعني به الله الخالق سبحانه!؟”. ثم يشير قداسته إلى واجب الدولة في “المحافظة والحماية” لحق الأسرة والكنيسة والجماعات المسيحية في تنشئة شبابها تنشئة مسيحية سوية “ودورها الرائد في هذا المضمار”.

الحرية الدينية قوة للسلام

       “إن دور الدين في يقظة الشعوب وفي البحث عن الحرية يحمل دلالة خاصة في عالم اليوم، ففي حالات كثيرة هو الإيمان الديني الذي حافظ على سلامة هوية شعوب بأكملها، بل عمق كيانها”. وفي هذا القول تنويه يشق الحجاب إلى مسقط رأس يوحنا بولس الثاني، بولونيا، حيث ظهر الدين من جديد كقوة تحررية هائلة؛ هذه الوظيفة التي حملها الدين متمثلا بالكنيسة القاعدية وبقراءة جديدة للإنجيل ومعطيات الكتاب المقدس في أميركا اللاتينية. كما تحتوي العودة إلى الطرح الديني في بعض الحركات الإسلامية السياسية والاجتماعية المعاصرة دورا مشابها حيث يتخذ الدين وظيفة “المحرك”.

 ضرورة نظام قانوني عادل

      “كل هذه الإعلانات –عن الحق في حرية الضمير والدين–  تبقى في معظم الأحيان كلمات لا حياة  فيها إذا لم ترافقها ضمانات قانونية تكفل تنفيذها بما يلزم من الوسائل الملائمة”.

       ويحث البابا “في هذا الظرف التاريخي الذي نعيشه على ضرورة مضاعفة الجهود لتقوية الأدوات التشريعية الثمينة بتحقيق حرية الضمير حتى في الميدان السياسي والاجتماعي”.       ويوصي قداسته بالإسراع في وضع “نظام قانوني معترف به دوليا بهذا الشأن ليشكل قاعدة ثابتة للسلام ولتقدم عادل للأسرة البشرية”. كما يوجه البابا “نداء خاصا وملحا إلى من بيدهم المسؤوليات العامة، من رؤساء دول وحكومات ومشرعين وحكام وغيرهم، لضمان حرية حقه للضمير لجميع الأقليات”: “إن تلك لقضية عدل”.  ثم يذكر قداسته معقبا على “بداهة وجوب التأكيد على التزام الأدبي والقانوني الذي يلزم الدول باحترام الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها”.

 مجتمع وعالم متعدد الاتجاهات

        كل هذه المبادئ تصبح ليس فقط طبيعية، بل ضرورية أكثر من أي وقت مضى إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التركيبة التعددية لعالم اليوم، وحتى في القطر الواحد، هذه التعددية التي تشمل كافة الميادين الدينية والعرقية “والثقافية” بفعل “الهجرات الجماعية وموجات الانتقال الشعبية”. من اجل ذلك يدعو البابا إلى الحوار بين الثقافات والأديان والتقاليد المختلفة مع مراعاة الهوية الخاصة للجماعات الوافدة. وليس بد في هذه العملية الإنسانية الكبرى من التقابس والانصهار الحضاريين اللذين من دونهما يبقى التزاوج الثقافي هجينا وخطرا على وحدة امة ما”

       ويشيد البابا “بالجهد المبذول للتجذر الثقافي الذي يساهم في الفهم المتبادل بين الديانات”، كما يشجع “التعاون، حيث كان ذلك ممكنا، بين الديانات الكبرى على أساس مالها من قيم مشتركة، والحوارات الرسمية القائمة بين ممثلي الجماعات الدينية الكبرى” – وللكرسي ألرسولي دور بارز فيها.

      وفي حديث قداسته هذا تنويه واضح إلى فرض الشريعة الإسلامية وإحكامها الأخلاقية على المواطنين غير المسلمين، كما هو الحال في السودان وماليزيا. وتجري محاولات في هذا الاتجاه في أقطار إسلامية أخرى، ويسرد البابا قولا ورد في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام لعام 1988: “على الدولة، حتى في حالة منحها وضعا حقوقيا خاصا لأحد الأديان، أن تعترف قانونيا وتحترم فعليا الحق في حرية الضمير لجميع المواطنين، وكذلك للغرباء الساكنين على أراضيها وان وقتيا لإغراض مهنية وغيرها”. وتجدر الإشارة إلى أن الفقرة الأخيرة هذه تجد صداها في السعودية حيث يعمل زهاء مليوني عامل مسيحي أسيوي وعربي وغربي، من دون أن يكون لهم الحق في أية كنيسة أو كاهن. بل محظور عليهم القيام بشعائرهم الدينية على الأرض السعودية حظرا تاما. ومثل هذا التزمت الديني يطال كل هذه النزعة الأصولية الدينية الآخذة في الاتساع في العالم اليوم، والتي تشكل إيران قاعدتها وتحاول تصديرها إلى الخارج.

      “… الأصولية تشكل تجربة تعاودنا باستمرار.. وبإمكان الأصولية أن تقود إلى استبعاد الآخر من الحياة المدنية، وفي الحقل الديني إلى تبني إجراءات قمعية لاستثارة “الاهتداء”. إن الحماس للحقيقة الدينية الشخصية لا يعطي صاحبه، فردا كان أم جماعة، الحق في قمع حرية الضميرلدى من لهم قناعات دينية مغايرة، أو دفعهم إلى خيانة ضمائرهم بمنحهم امتيازات وحقوقا مدنية إضافية إذا هم غيروا دينهم، أو رفضها لهم في خلاف ذلك”.

      ويقول البابا أيضا: “في سبيل استئصال إفرازات التزمت لا يكفي اللجوء إلى وضع الأقليات العرقية أو الدينية تحت “الحماية”، فمثل هذا الوضع يحيلهم إلى ما يشبه القاصرين مدنيا، أو يضعهم تحت وصاية الدولة (كما هي الحال مع النظام الذمي، مثلا، تجاه الأقليات الكتابية في الدول الإسلامية)، وقد يقود ذلك في الواقع إلى صيغة من القمع تحد، بل تمنع التطور الطبيعي والسلمي للمجتمع”.

      وختم البابا هذه الفقرة المهمة من رسالته بالتحذير من الانزلاق في هذا التيار لدى من كانوا هم أنفسهم ضحيته في السابق، كما يحدث في إسرائيل ضد الفلسطينيين –وقد كان يهودها عرضة للقمع الهتلري أو التمييز العنصري في أوربا–  أو يخشى حدوثه بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية واستعادة فئات من الشعب حقوقها المهضومة سابقا.

 الضمير والمسيحي

       الضمير ليس قيمة مطلقة بحد ذاته، تجاه الحق الأعلى، غير خاضع للتوجيه والاستنارة، تماما كما أن الحرية قيمة مطلقة طليقة تماما تتجاهل الحدود وحقوق الآخرين.

      والتوجيه والاستنارة اللذان يساهمان في “بحث المسيحي عن الحقيقة” وتكوين ضميره–إضافة إلى نوره الداخلي الآتي من الله مباشرة كأي فرد–  يأتيانه من الكتاب المقدس، مصدر وحي الله وكلمته، ومن تعليم الكنيسة “محط رسالة المسيح والتزامها بنشر هذه الحقيقة”: هذه هي الفكرة الأساسية للفقرة الختامية من الرسالة البابوية. وهنا لا بد من الإشارة إلى تخوف مبطن نقراه بين السطور ولا يفصح عنه البابا إفصاحا من مخاطر جعل المسيحي قاعدته الضميرية الخاصة المستقلة قاعدة سلوكيته الإيمانية والأخلاقية، فيقول: “كم ينبغي على المسيح سان يكون حذرا تجاه نوره الذاتي المحدود، وكم يجب أن يكون مستعدا للتعلم وبطيئا على إصدارالحكم! فإقامة الذات قاعدة للحقيقة هي إحدى التجارب التي تراود كل العهود، حتى لدى المسيحيين”.  وفي كل ذلك إشارات ضمنية إلى مواقف البحث اللاهوتي المعاصر وسلوكية القاعدة، لا سيما في الأخلاقية الجنسية والإنجاب، والنزعة النقدية المعارضة في الكنيسة، سواء اتخذت هذه النزعة الوجه التقدمي والنضوج الإيماني، أو تلبست برداء الأصولية لحماية “العقيدة التقليدية” كتيار المطران لفيفر وجماعته.. فهذه النزعة وتلك المواقف كلها تتسم بالتحرر، في قليل أو كثير، عن التوجيهات الرسمية. لذا يهيب البابا بأبناء الكنيسة في ختام رسالته “بأننا، بحق هذه الحقيقة التي نعترف بها –والحقيقة تثبت ذاتها في المحبة كما يقول مار بولس– مدعوون لان نبني الوحدة لا الفرقة، والمصالحة لا الحقد والتزمت”.

((((()))))))))

الحركة المسكونية

(مساهمات القراء) كانون الثاني- نيسان 1991

مع إطلاق فكرة العدد الخاص لعام 1990 بعنوان “الحركة المسكونية 25 عاما بعد المجمع” (ت1 ت2)، أطلقت المجلة نداء إلى قرائها للمشاركة بما لديهم من أفكار واقتراحات حول هذا الموضوع. ولما ضاق بنا العدد بما حمله من مقالات أساسية – وكان بالإمكان أن يتسع لأكثر من 150 صفحة، لا الى 100 فقط، لو استخدمنا الحرف الاعتيادي – اضطررنا إلى إرجاء “مساهمات القراء إلى عدد ك2 1991، وفي ذلك ربك فكري لا يغيب عن القراء حيث يتزامن موعد هذا العدد مع أسبوع الصلاة من اجل وحدة المسيحيين (18– 25 ك2) – وان تأخر صدوره بسبب الظروف الراهنة.

       وفيما نشكر الأصدقاء المساهمين نبدي أسفنا لقلة عددهم، فقد وردتنا 8 مساهمات فقط، من بغداد 3 (حبيب هرمز ججو، الأب جبرائيل شمامي، عيس اسحق)، ومن قره قوش 2 (يوسف فرنسيس متي، وسامي حبيب ميخو)؛ ومن الموصل 1 (د. زهير إبراهيم رحيمو)؛ ومن القوش 1 (صباح متي بتي)؛ ومساهمة واحدة بتوقيع “مسيحي”. ويؤسفنا ألا يكون أي عنصر نسائي بين المساهمين.

      ولو أردنا تصنيف محتوى هذه المساهمات لوجدناها تتمحور حول أربع نقاط: واقع الانقسام والتوق إلى الوحدة، أسباب الانقسام، سبل استعادة الوحدة، ومقترحات عملية.

                                                                                  * الواقع

       الانقسام بين المسيحيين إلى كنائس وطوائف وفرق واقع، وواقع مر ومؤلم ومدعاة شك وخيبة وتفكك، واحد اكبر أسباب الضعف والتشتت وخبو نور الشهادة الإنجيلية في العالم، ولاسيما في أقطارنا حيث نشكل أقلية ضئيلة، فماذا حين تكون هذه الأقلية متشرذمة! هذه هي صرخة الألم التي نسمعها لدى القاعدة التي تحس بالانقسام كجرح نازف في جسمها. إلى ذلك يشير د. زهير حين بقول بان “السلوكية اليومية والمعايشة الحياتية مع إخواننا المسلمين الذين نشاركهم الوطن الواحد هي موضوع أكثر إلحاحا اكبر لوجودنا من فروقاتنا العقائدية واختلافاتنا القانونية والطائفية”. ويقول حبيب: “أن الانقسام، كلما استمر واستطال، ازداد ضعف إشراق الكنيسة”.

       ولما كان في يقين الجميع أن الوحدة المسيحية المنشودة تستند في أساسها وجوهرها إلى شخص المسيح، وهو واحد للجميع، والى العماد الذي يجمع الكل تحت اسم واحد وهو نفسه واحد للجميع، والى الإنجيل الذي هو مرجع ودستور للكل وهو نفسه واحد للجميع.. تتساءل هذه القاعدة: لماذا، إذن، نبقى منقسمين، لماذا لا نتوحد؟ يقول حبيب أيضا: “إن الوحدة غير مستحيلة وتزداد قناعتنا بذلك حينما نتحقق إننا جميعا نعود، من خلال قانون الإيمان المسيحي، وهو واحد للجميع، إلى كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، وان المعمودية جعلتنا واحدا في المسيح وأعضاء لبعضنا البعض”.

                                                                             *  الأسباب

       لم يتباطأ المساهمون لدى واقع الانقسامات، ولا لدى توق الجميع من الأعماق إلى استعادة الوحدة “المفقودة”، وان بصوت أبح فيه تشنج أحيانا من شدة التألم وطول الانتظار، ولربما من الشعور بالعجز أو خلط في المفاهيم، كما جاء في مساهمة “الأخ المسيحي “.. فتلك مسلمات أصبحت جزءا من ذاكرتنا الجماعية ومعانياتنا اليومية، ولكنهم توقفوا أكثر لدى أسباب الانقسامات وعزوها إلى ثلاثة رئيسية وهي: أنانية الرؤساء وتمسكهم بمناصبهم وامتيازاتهم، ادعاء كل كنيسة بامتلاك الحقيقة وحدها، وجهل الشعب بمقومات الوحدة، بل بأصول الدين، واتكاليتهم الكلية على السلطة الكنسية. لعل في هذا الايجاز اجحاف بحق ألفي سنة من حياة الكنيسة، ولكن فيه عناصر غير يسيرة من الصحة إذا ما عدنا إلى تاريخ هذه الانقسامات وعوامل تكريسها الفعلي.

       يعلق صباح في سياق إشارته إلى انفتاح عهد الحرية أمام المسيحية في فجر القرن الرابع “باهتداء القيصر قسطنطين” فيقول: “ولكن إبليس.. توغل هذه المرة في قلوب رجالات الدين أنفسهم، فقامت جدالات فلسفية لا طائل تحتها، سببت انشقاقات خطيرة  في كنيسة الله”. كذلك أشار حبيب إلى أن “الانقسامات جاءت نتيجة لأخطاء أشخاص معينين”.

      د. زهير لا ينفي أن بين الكنائس اختلافات نظرية وعقائدية “عميقة” أحيانا إلى حد قوله، يجب تذليلها لفتح طريق الوحدة، فيشير إلى “النظام الهرمي في الكنيسة الكاثوليكية، وهو نظام  إداري متين التكوين حافظ على المركزية  في المسيحية وحفظ عقائدها من العبث… بينما الكنيسة البروتستنتية.. برعت في دراسة الكتاب القدس، غير أنها استمرت في انقساماتها.. مما بعثر مسعاها الإصلاحي. إما الأرثوذكسية التي تقف بين الكنيستين نراها محافظة على ما ورثته من آبائها وقديسيها بدون محاولة وضع نفسها على محك التطبيق الفعلي لرسالتها المتشابهة للكنيسة الكاثوليكية إلى حد كبير..” ولكن الدكتور يعلق على جهل وتجاهل المؤمنين كل هذه “الاختلافات العقائدية والقانونية، فلا يعرفون منها غالبا إلا قشورها الخارجية كأشكال قلنسوات الكهنة والمطارنة وحالتهم الاجتماعية وبعض الاختلافات في مواقع الأعياد والتذكارات وعائديه الكنائس”.

     ولكن الخلاصة هي أن التاريخ فعل ماض، لا استعادة تركيبه على ما نهوى ممكنة، ولا نبشه يفيدنا إلا بقدر ما نضع من الإرادة في إصلاح ما أحدثه من أضرار، فعبثا يفترض صباح “لو عرف بطرس اعمال خلفائه ومنازعاتهم، لما برح أورشليم يوما “! لذا عندما يستعرض الأب جبرائيل شمامي “العوائق اللاهوتية والعقائدية والاعتبارات الدنيوية والحوادث التاريخية” فإنما لإزاحتها، إذ لا زال الكثير منها قائما، كي لا تقف بعد “حاجزا أمام الوحدة المنشودة”. ويوجز “بعض هذه العوائق التي يراها كبيرة ” كالآتي: ” 1– الادعاء أن كل كنيسة تمتلك الحقيقة كلها.. والحال أن الحقيقة كالماسة تبهر كل من ينظر إليها من أي اتجاه كان، ولا تلغى الأوجه الأخرى التي تبهر أصحابها أيضا،2 – الكنائس ينقصها روح الله… فبالرجوع بجدية إلى المنبع الأوحد، المسيح، واتخاذ المواقف الإنجيلية الأصيلة.. حتى القضايا اللاهوتية المعقدة تتبلور لتصبح مقبولة عند كل الأطراف؛ 3– جهل الشعب بمقومات الوحدة.. وتوهم الكثيرين بأنها مجرد توحيد الأعياد والرزنامات.. أو أنها تلغي التعددية؛ 4 – التعصب لدى الرؤساء والمرؤوسين في كل الكنائس والطوائف.. والتعصب لا يخدم صاحبه”. وفي هذه النقطة الأخيرة يصب اللوم الأكبر –وكان ذلك متوقعا– على الرؤساء الكنسيين، فيدق الأب شمامي وسامي على وتر واحد حين يقول الأول: “الرؤساء، كثير منهم يعرقلون التقدم نحو الوحدة، لان الوحدة تطال مصالحهم وتطلب منهم التجرد وتسحب البساط من تحت أقدامهم، لأنهم يخسرون الكثير من الاعتبارات الدنيوية التي اكتسبوها عبر التاريخ”. اما الثاني فيقول: “المؤمنون جميعا راغبون ومستعدون للتخلي عن أي شيء في سبيل تحقيق الوحدة المسيحية الصميمية… ولكنهم أدركوا أن العلة ليست فيهم، بل في السلطات الكنسية المعنية، وكأنها تريد تخدير أتباعها بإطلاق شعارات الوحدة، ولكنها لا ترتاح إن انتهت هذه المرحلة بالإيجاب،وكأنها بها سلطة مدنية تخاف من أن تخسر مقاعدها في البرلمان…”.  ما العمل إذن؟

                                                                        * سبل الوحدة

       من حسن الحظ والرؤية إن السبل الروحية لتحقيق الوحدة المسيحية استبقت، لدى المساهمين المقترحات العملية ذات الأمد القريب. فلقد أوجز المساهمون المحطات الرئيسية الأساسية والضرورية لجعل طريق الوحدة سالكة، كما يلي: الاهتداء الباطني –مراجعة الذات في كل الكنائس–  العودة إلى كلام الله في الإنجيل وكتابات الرسل –التواضع للاعتراف المتبادل بأخطائنا ضد الوحدة ولبعضنا البعض– الصلاة للاستنارة بالروح القدس، فمن دونه يكون مشروع  الوحدة المسيحية مجرد توفيق في المصالح المرحلية ومجردا عن روحه، أي تحقيق أمنية المسيح في أن يكون تلاميذه واحدا فيه وفي الأب، كما جاء في صلاته الأخيرة –. الحوار، وقوامه الاحترام  والانفتاح ودعامته المحبة –الاعتبار بالماضي والتطلع إلى أمام– التمسك بالجوهر والمرونة في ما ليس كذلك– القبول في مبدأ وحدة الإيمان في التعددية الفكرية والتعبيرية والخصوصية الذاتية. ويضيف يوسف إلى كل ذلك” الصبر والقلب المنفتح الذي يقبل كل تجديد يخدم كنيسة المسيح”.

       يقول صباح: “إن كل ما يتمناه شعب الله في يومنا هذا من الذين في أيديهم زمام الكنيسة أن يدخلوا في صومعات لفترة  يعودون فيها لتأمل كلام الله.. حول التواضع والوحدة والقداسة”. ويسألهم  سامي قائلا: “هل فترت قوة الروح القدس فيكم لتمنعكم بعض الاجتهادات.. عن تحقيق…” هذه الأمنية؟ غير أن يوسف يعود ويؤكد بان الوحدة ليست مشروع السلطة الكنسية وحدها، فيوصي مشددا على” وجوب إعطاء العلمانيين دورا بارزا في هذا المشروع” لأنهم القاعدة في ذلك”. أما الأب شمامي فيقول: “الوحدة الحقيقية تقبل اختلاف الطقوس والتقاليد، بل تحسبها غناها الأكبر، وتستفيد من الطرق العديدة لطرح مفاهيمها اللاهوتية دون حصر لاهوتها في قالب واحد جامد”. كذلك يؤكد حبيب “إن لا التمايز الاجتماعي ولا التاريخي في إبداع كل كنيسة وشعب يتعارض مع الوحدة”. 

                                                                            المقترحات

        ترى هل بقيت الكنيسة مكتوفة الأيدي حيال الوحدة والشروع في تحقيقها، أو على الأقل في تهيئة تحقيقها الأفضل إلى أن جاء أصدقاؤنا “المساهمون” ليحثوها على ذلك بهذا “النوع من الحماس الحار” كما قال سامي؟ – كلا، يجيب الأب شمامي، إننا “لا ننكر إنها (الكنيسة) خطت خطوات انفتاحية لا باس بها نحو الوحدة، ومن أهمها “المجمع الفاتيكاني الثاني” (عيسى)، وروح التقارب والانفتاح الذي يشمل مختلف شرائح الشعب المسيحي في كافة الكنائس، علاوة على عشرات الهيئات واللجان المسكونية المشتركة ولقاءات القمة المتعددة –وقد أصدى العدد الخاص في الحركة المسكونية بصورة واسعة لهذا التيار–

     وقد أدلى الإخوة المساهمون ببعض الاقتراحات العملية، تبدو لأول وهلة متواضعة في طموحاتها، ولكنها، مع ذلك، تصب في تنشيط حركة التقارب والتعاون والفهم المشترك والتوحيد في كنيسة العراق “لتخرج الدعوة إلى الوحدة من الكلام إلى التطبيق الفعلي” (يوسف) ومن هذه المقترحات:

 عقد اجتماعات على مستوى رؤساء الطوائف لبحث القضايا اللاهوتية والراعوية، الملحة لوضع أرضية مشتركة للوحدة، أو العمل الوحدوي.. يحضرها علمانيون.

 إنشاء لجنة دراسة ومتابعة عليا يكون أعضاؤها من كل الطوائف لها مقر ثابت، وتلتقي شهريا لتنسيق واستشارة الدراسات الوحدوية والتوعية وتبادل الخبرات.

 عقد ندوات و دورات متخصصة وحملات توعية بشؤون الوحدة، والإعلان عما تم الاتفاق عليه بين الكنائس من خلال النشر والمواعظ.

 استخدام وسائل الإعلام لخدمة قضية الوحدة: فتح دار نشر مشتركة وإصدار مجلة وحدوية متخصصة.

 توحيد الأعياد وخاصة عيد الفصح؛ توحيد المناهج الدراسية الدينية، التعاون في شؤون التثقيف المسيحي؛ توحيد المواقف وطنيا واجتماعيا.

 تنظيم احتفالات دينية ورياضيات روحية مشتركة بين جميع الطوائف.

 إصدار تقويم موحد لكل الكنائس المسيحية في العراق.

((((((())))))))))))))))) 

الكنيسة ومبادرات الإغاثة

” كنت جائعا فأطعمتموني”

 

ش.ر/طاولة /ايار- تموز 1991

        تحت شعار “كنت جائعا فأطعمتموني” دعت “الفكر المسيحي” عددا من الأشخاص إلى لقاء يوم الجمعة 24 أيار 1991 للحوار وتبادل الرأي حول موضوع راهن وساخن هو موضوع الإعانات ودور الكنيسة فيه.

      استقراء للواقع المر الذي آلت إليه الحالة المعيشية لدى طبقة واسعة من الناس نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض على قطرنا وظروف الحرب التي ثقلت علينا وقطعت كثيرا من أبواب الرزق وهبطت بالقدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود إلى حد يستدعي الإعانة.. واستخراج للبعد الإنساني والمسيحي للإعانات.

     المشتركون في الطاولة ساهموا في عملية توزيع الإعانات أو المبادرات الخيرية في كنائسهم، أو لا زالوا منهمكين فيها. وهم: أمير رؤوف صباغ (محاسب)، الهام يلدا (خريجة إعدادية)، ادمون يوخنا (مدرس)، وسامة متي حنا (معلمة)، رمزي عبد الرحيم مقادسي (مدير مدرسة)، جلال حنا الساعور (معلم متقاعد)، الهام عيس مرزا (ممرضة)، نصرت سعيد منصور (معلم مهني)، باسم جميل ياكو (خريج جامعة)، أديبة مارزينا (خريجة)، فارعة سنحاريب دكرمانجي (محامية)، مها وديع الجي (مهندسة). 

      المحور الأول: الفقراء.. المتحاجون

بعد الحرب لم يعد غريبا أن يمد المرء يده.. ولقد كثر عدد الفقراء وطالبي المعونة، فمن هم الفقراء؟  ومن هم المتحاجون؟

بدا صعبا لأول وهلة التمييز بين الفقير والمحتاج وإعطاء تحديد دقيق لكل منهما.غير

أن كل مداخلة أضافت إيضاحا أفاد التشخيص. بادر رمزي مقادسي إلى القول: إن الفقير هو المعدم، وتلك حالات نادرة، بينما المحتاج هو الذي لم يعد قادرا على مواجهة الظروف المعاشية الحالية. عقبه نصرت: قبل هذه الظروف كان الفقراء معدودين ومشخصين من قبل الجمعيات الخيرية التي كانت تسعي إلى إعانتهم. أما نسبة المحتاجين فقد ازدادت اليوم، وهذا ما نلمسه بتهافت الناس إلى الكنائس للحصول على الإعانات. أما جلال فقال: المتحاجون هم ذوو الدخل المحدود، لهؤلاء الذين بات الغلاء المتصاعد لا يلائم دخلهم البتة. وأردف: المتحاجون هم العاطلون عن العمل وقد تفاقم عددهم، سيما وان فرص العمل قد قلت. هذا ما اكده ادمون وأيدته مها إذ قالت: بالتأكيد، فان أعمالا كثيرة قد توقفت كالبناء والنجارة والأفران وغيرها. ووضع المتحاورون في خانة المحتاجين أيضا المتضررين من جراء القصف أثناء الحرب والنهب والتخريب اللذين تلياه مباشرة. كل هؤلاء أصبحوا اليوم في حاجة إلى إعانة.

     المحور الثاني: المردودات النفسية  واللاخلاقية التي تفرزها الفاقة

ما الذي تبنه الفاقة وما الذي تهدمه في الإنسان؟

بعد صمت معبر بادر أمير قائلا: لا ريب في إن لشحة المواد وغلائها الأثر النفسي

البالغ على المرء ابن اليوم حيث تشعبت وتطورت احتياجاته ومطاليبه. ولعجزه عن نيلها يشعر بالعوز والإحباط أكثر من ذي قبل. وأضافت فارعة إلى ذلك عنصر الوضع العام غير الواضح وغير المستقر. وأشارت الثالث:وسامة أن الإنسان في هذه المرحلة بات يعطي الأولوية للمعيشة وضرورات الحياة كالمأكل والملبس، مستغنيا عن الكماليات غير الضرورية.

      المحور الثالث: بين المساعدة المادية والشعور بالوعي والتضامن

تلك هي القضية.. إن تتجاوز الجانب المادي للمساعدة إلى الشعور الصادق بالتضامن وروح العطاء والتضحية. ماذا ينبغي إن يكون الدافع العميق لمساهمتنا في الإعانة؟

أجاب أمير على الفور: الشعور باحتياج الآخرين وإعاناتهم في تجاوز المحنة. وقال

باسم: الشعور بالانتماء إلى أسرة واحدة..فنحن جميعا ابناء الله. وقالت أديبة: لو عرف الجميع واجبهم واكتسبوا روح التضامن والعطاء وابتعدوا عن الجشع والاستغلال في مثل هذه الظروف، لتقلص عدد المحتاجين كثيرا. ودعت وسامة إلى إيقاظ هذا الوعي في الأسرة منذ الطفولة، وأشار الجميع إلى دور الكنيسة في هذه التوعية.

      ينبغي أن يكون فعل الإعانة رسالة وفعل إيمان حقيقيا: هذه هي الخلاصة التي أكد عليها الأب جرجس. فالمستفيد الأول من الإعانة، بحسب هذه الذهنية، إنما هو الواهب، لان مساهمته تنعش إيمانه الشخصي قبل أن يصل مفعولها إلى الآخر، والسمو المسيحي يطالبنا بان لا نعطي من فائضنا حسب، بل من عوزنا أيضا..

        المحور الرابع: الأولويات في نوعية المساعدات.. تنسيق العمل

اتفق الجميع على إن الأولوية في المرحلة الراهنة هي لتوفير المواد الغذائية مع

اكتشاف الحاجات الضرورية الاخرى التي قد تتطلب إعطاء مبالغ نقدية لغرض العلاج أو لشراء الملابس أو حاجة ضرورية أخرى للأسرة، كما طرحت فكرة دعوة الأطباء لتخصيص عدد من البطاقات المجانية  للفقراء أو بتوجيه من الكاهن. كما طرحت فكرة مخصصات شهرية للمعوزين من قبل الجمعيات الخيرية وإعانة الطلاب المحتاجين لنكمله دراستهم.

وبعض هذه الجمعيات تعمل ذلك فعلا – كما إن إيجاد عمل للعاطلين يعد أفضل إعانة

الأسر المحتاجة. وفيما أكد الجميع على إن المحبة واجبة للجميع، وان الإعانة لا ينبغي أن تكون منغلقة وفئوية، اعترف الكل أيضا إن محدودية الإعانات تفرض على التوزيع قيودا أو ضوابط، وذلك بهدف إعطاء الفاعلية لعملية الإعانة، لذا من الأفضل أن تقوم كل كنيسة بالتزام الجماعة العائدة إليها، علما بان الإعانات المنطلقة من الكنائس شملت عددا غير يسير من إخواننا المسلمين.

      من هنا ينطلق التنسيق –وهو واجب– بين الكنائس والجهات الخيرية أو الخدمية التي تشرف على الإعانات. وقد أيد الجميع أن يبدأ التنسيق في المدينة الواحدة أولا، وفي المحافظة ومن ثم تطويره وتوسيعه، وعملية التنسيق هذه تتطلب حتما لقاءات بين الجمعيات الخيرية المختلفة، أو بين مسؤولي الكنائس، أو مسئولي الإعانة.

     وبعد صمت وجيز قال الأب جرجس الذي كان يدير النقاش: نحن الآن أمام وضع بات الكل فيه يطلب ويمد يده حتى إذا كانت حالته الاقتصادية سليمة أحيانا، فما يوزع مجانا، لا سيما إن كان عينيا، يريد الجميع حصتهم منه، وتلك إشارة إلى تحولات نفسية خطيرة. أنها بداية داء يطالبنا باليقظة والتوعية لئلا يفقد الإنسان كرامته ويرى في الإعانة، ضرورية كانت أم غير ضرورية، مكسبا وغنيمة. كما إن خطورة الوضع تأتي أيضا من الجشع الذي يستفحل ويجعل من صاحبه ذئبا مفترسا، والفريسة تكون المستهلك الأفقر والأضعف، حتى صارت السوق ساحة لمهانة الإنسان (بائعا ومشتريا) وللسرقة العلنية.

     ولكن للوحة وجهها الايجابي أيضا، فلقد أفرزت الأزمة أفاقا مشرقة للروح، اتضحت في همة الكثيرين، فسعوا إلى إغاثة المحتاجين، وبأساليب مختلفة، لردع الفاقة والشعور بالعزلة، والوصول إلى المقاسمة التي تحترم المحتاج  والواهب معا وهكذا أيقظت هذه المرحلة العسيرة روح التضامن والتجرد والوعي في معنى العطاء المسيحي، وتغلغل كلام الرب فينا: ” كنت جائعا فأطعمتموني”.

     وهنا قالت أديبة: إن هذا الوضع قد أزاح الشعور الطبقي، فصار الواحد يرى انه مساو للآخر أمام المحنة. وتدرج الحديث إلى المبادرات المحلية، والأسلوب الذي اتبع في إيصال المعونات والفئات التي استفادت أو ستستفيد منها. وقد كانت الكنيسة في كل الأحوال هي الملجأ الطبيعي الذي يتوجه إليه المسيحي تلقائيا لتلقي المعونة، وقد تذكرنا روح التضامن والإخوة المسيحية منذ العهد الأول للمسيحية حيث كانت الكنائس الميسورة نرسل معوناتها، على يد بولس وبر نابا، إلى الإخوة المعوزين في اليهودية وأورشليم (أعمال 11: 27 – 30).

     بهذا الروح عينه أتتنا معونات من الكنائس المسيحية الشقيقة في الخارج ومن قداسة البابا، تضمنت مواد غذائية وطبية وأغطية، ولقد كانت هذه المعونات حافزا ومحركا للكثير من المبادرات التي قامت بها أو ساهمت فيها الكنائس والأبرشيات في العراق.  

                                (مع مساهمة طلال وديع وفاضل ياقين في الكتابة

الدروس المستنبطة

ترشيد الاستهلاك والإنفاق.

وضع أولويات في ضرورات الحياة، والتركيز على ما هو أهم، لكي نطرح جانبا الإفراط والترهل في الاقتناء.

الخروج من الأنانية والتفكير بالذات وحدها، للشعور بحاجات الآخرين ومد يد العون إليهم.

الاقتراحات

 حملة كنسية إعلامية في المواعظ للتوعية والتركيز على معاني العطاء والبعد المسيحي لللاعانات.

 تنسيق عمل الجمعيات الخيرية والهيئات الكنسية المضطلعة بتوزيع الإعانات.

 إنشاء هيئة خيرية مركزية على صعيد كنائس القطر، على غرار منظمة المحبة والدولية ” (كاريتاس) مثلا، لتنظيم صيغ الاعانة واحتواء الحالات الطارئة، وتكون قناة عبرها تساهم كنائس العراق في إعانة المنكوبين في الكنائس الشقيقة.

إقامة أسواق خيرية دائمة ريعها للفقراء.

 إنشاء صندوق دائمي للفقراء.

سعي الكنيسة عبر جمعياتها الخيرية لتوفير فرص  عمل، عن طريق إنشاء معمل إنتاجي تكون اليد العاملة فيه من المحتاجين.

 قيام الخورنات بنشاطات مشتركة يخصص ريعها للمحتاجين. 

المبادرات المحلية

       اتخذت الأبرشيات والكنائس المختلفة في القطر مبادرات لإعانة الفقراء والمحتاجين، معطية الأولوية  للمتضررين من جراء القصف وأعمال التخريب والنهب واذوي الدخل المحدود. وتضمنت الإعانات مواد غذائية وعينية أخرى ومبالغ بحسب الإمكانيات وقد نقل المشتركون في الطاولة صورة سريعة للمبادرات التي ساهموا فيها بأنفسهم:

الآنسة الهام يلدا (كنيسة مريم العذراء الموصل ): فتحت كنيستنا باب التبرع،

وخصصت واردات تبسة الأحد للمحتاجين، وقد نالت المعونات النقدية أكثر من 80 عائلة.

ادمون يوخنا: حدثنا عن عملية توزيع الإعانات الغذائية التي جلبتها الراهبات

الفرنسيسكانيات من الأردن، وقد كان دير الراهبات الدومنيكيات في الموصل الجديدة كمركز رئيسي للتوزيع، وقد عمل هو مع فريق من الراهبات والشباب في تنسيق التوزيع إلى الخورنات في الموصل والقرى بحسب القوائم المعدة. وأفاد إن مصدر هذه الإعانات كان: مجلس أساقفة اليابان، والبعثة البابوية في الأردن، والجمعيات الخيرية المسيحية  الأردنية. والجدير بالذكر إن هذه الإعانات شملت المسيحيين والمسلمين.

الآنسة وسامة متي (كنيسة مار بولس – الموصل): فتح باب التبرع، وانشيء صندوق

خاص، وشكلت لجنة لزيارة الأسر المحتاجة ووزعت عليهم المعونات العينية، كما تم دفع إيجارات عن بعض المعوزين.

رمزي مقادسي (أبرشية الموصل للسريان الأرثوذكس): وزعت الأبرشية إعانات نقدية

مع التركيز عل المتضررين بالقصف، خاصة في كركوك، كما وزعت الإعانات الغذائية المرسلة من قبل مجلس الكنائس العالمي على فقراء الأبرشية.

نصرت سعيد (كنيسة مسكنتة – الموصل): بادرت الكنيسة إلى إسكان العوائل

المتضررة بيوتها بالقصف في بناية معهد شمعون الصفا القديم، مع إعانة نقدية لها، كما أعانت اسر الشهداء. وشكلت لجنة لتنظيم توزيع الإعانات الغذائية.

باسم ياكو (قرة قوش): تضمنت الاعانات مرحلتين: الأولى أثناء الحرب، اذ وفد إلى

قرةقوش أكثر من 700 عائلة، فتشكل فريق من الشباب بمعاونة الراهبات وصار ديرهن مركز استعلامات لتوجيه الوافدين إلى المساكن المستقبلية.

       أما الجانب الآخر فكان جمع وتوزيع المواد الغذائية عليهم، فتشكلت فرق شبابية تجوب البلدة لجمع المؤن وتوزيعها من الدير ببطاقات معدة، وتامين الخبز لهم (3000 صمونة يوميا لمدة 40 يوما) وقد تطوع الفران بالعمل مجانا. أما المرحلة الثانية فكانت ما بعد الحرب، فشملت الإعانات الغذائية القادمة من أهل البلدة أنفسهم، ومنها تنظم التوزيع بالبطاقات لكرمليس وبرطلة. وهناك رصيد شاركت فيه التبرعات المحلية وكنائسنا وجمعيتنا الخيرية والأخويات لشراء المواد. كما قام شباب قرةقوش بمبادرة فريدة إذ أقاموا حفلا ترفيهيا ليومين خصص ريعه للمحتاجين، عقبه حفل ثالث مشترك مع شباب كرمليس وبرطلة للغرض نفسه.

الآنسة مها وديع ألجي وفارعة سنحاريب دكرمانجي:

تحدثنا عن السوق الخيرية الذي أقيم في كنيسة مار توما في الموصل يوم 2 أيار الماضي ووزع ريعه على المحتاجين من كل الطوائف والاديان. وقد شكل تظاهرة إيمانية اجتماعية وتميز بروحانية العطاء المسيحي.

أمير صباغ: تحدث عن مساهمة الجمعية الخيرية للسريان الكاثوليك في الموصل في

توزيع مبالغ نقدية على الأسر المحتاجة. إضافة إلى توزيع الأبرشية للمبالغ الواردة من قداسة البابا ومنظمة كاريتاس على المتضررين من القصف والنهب في الموصل وكركوك واربيل ولذوي الدخل المحدود.

  ((((((()))))))))))

جولة في لبنان

آب – تشرين الاول1991

      لبنان!

      بعد 16 عاما من الحرب الأهلية ومعارك الغرباء وأهل البيت، والتهجير والتقتيل على الهوية وإبادة القرى، وتشرد الآباء والأبناء، وغزو الطامعين واحتلال الأشقاء، وفوضى التحالفات والتحالفات المضادة… بعد كل هذا لا زال هذا الاسم، “لبنان”، يحمل نكهة السحر، وله سحر اللغز.

      في ذاكرة العرب لا زال منارة الانفتاح، وواحة الكلمة الحرة، وملاذ اللاجئين والمستجيرين، ومنتدى الأدباء وأهل الفكر، ومنتجعا هانئا لطالبي الراحة والهواء العليل.

     وفي خيال الغرب لا زال شاهدا لامتزاج الشرق بالغرب والغرب بالشرق ثقافيا وحضاريا. ومختبرا للتعايش في تعددية الأديان والملل والجماعات والجذور، وان لم يكن هذا التعايش سهلا دوما.

      وفي قلب المسيحيين العرب والشرق أوسطين، لبنان هو علامة الرجاء، وعينة الانتماء الأصيل ذي الوجهين إلى عروبتهم ومسيحيتهم، وفي وجوده يقرؤون وجودهم، في اضاءاته وفي ظلاله…

      إلى لبنان هذا، لبنان التناقضات والتحديات  ولبنان الأمل أيضا، حجينا بعد 16 عاما من الغياب. أصدقاء قدامى غابوا، وصداقات قديمة تجددت، وأخرى جديدة عقدت وانتعشت، ومعطيات استجدت على الأرض.. بعضها يحمل بصمات الحرب، بل الحروب المتعاقبة. وبعضها يدير ظهره للحرب ويتجاوزها لتستمر الحياة، بنشاط وهمة وامتداد نحو المستقبل!

      بصمات الحرب! تراها، وبعنف، كالجرح الذي لم يلتئم بعد، منذ مشارف بيروت وأنت قادم من الشام: صوفر، بحمدون، عالية، بعبدا، الحازمية… بنايات محطمة عمارات منهارة، وواجهات مهشمة بالقذائف والشظايا، كنائس منسوفة أو قد طارت أبراجها، وجوامع بلا مآذن.والطريق كله –كسائر طرق لبنان– مزروع بالحواجز العسكرية لتقول لك: لا زال السلام معلقا! أما وسط بيروت، ولاسيما ما يدعونه هناك بخطوط التماس، طريق الشام، المتحف، ساحة الشهداء والنجمة في القلب التجاري. المرفأ… ركام على ركام، أو هياكل عظمية بلا لون ولا ملامح لعمارات كانت.. حطام غزته الأدغال وشجرة وحشية شقت الأرض وسط ما كان حماما أو غرفة نوم. غرب بيروت: الفنادق الكبرى؟ وطن للمهجرين، لا ترى الحياة فيها إلا من خلال الثياب المغسولة المتدلية على الشرفات المحصنة بالبلوك. أثار الحرب والدمار طالت حتى أقاصي الجبل.. والكل يقولون لك بأسى: ما قصم ظهرنا هي المعركة الأخيرة بين القوات والجيش.. جعجع وعون..

     …”لتستمر الحياة “؟! – اجل، ولتمتد نحو المستقبل بعزم وهدوء وأمل.عن هذا الوجه الدينامي الحيوي مما رأيناه واختبرناه من حياة الكنيسة في لبنان. على مدى شهر (21تموز- 18 آب 1991) سأصدي في هذه الجولة.. مقتصرا على محطات معينة.. شهادة على أن الحرب ليست كل شيء في لبنان. وان ليس كل لبناني مسلحا في ميليشيا، وشهادة على أن الروح لازال يهب؛ وان الإنجيل يبقى كلمة تحرق فتحيي وتجدد وتخلق.

                                                                       * دير الصليب

        في هذه المحطة ابدأ

       على ربوة جلّ الديب في الضاحية الشرقية لبيروت يرتفع مجمع من عدة اجنحة يعلو الاوسط منها صليب ضخم يطل بذراعيه على البحر الممتد عند أقدامه. دير الصليب. مستشفى الصليب. منذ 1954 نزلاؤه فقط  من المرضى العقليين والمصابين بالاضطرابات النفسية والمعوقين، رجالا ونساء، بغض النظر عن دينهم، جناح واحد يضم 400 مريضة، 1300 مريض ومريضة هذا العام. بعضهم أصبح شبه مقيم وصار يتباهى، ولربما يتبارى، بأنه أقدم في البيت من الراهبات اللواتي يعتنين به. آلاف المعوقين من طرش وخرس وعميان ومشوهين منذ تأسيسه عام 1923. “جمهورية البؤساء”، هكذا دعي. نور الصليب الكبير لم ينطفئ ليلا إلا إبان الحرب الأخيرة لئلا يستخدمه “الأشقاء المتحاربون” مؤشرا لمدى قذائفهم.

      استقبلتنا الأم الرئيسة العامة، الأخت أرزة، بنت الشيخ بييرالجميل وشقيقة بشير وأمين الجميل رئيسي الجمهورية اللبنانية السابقين. قامة فارعة، وجه حنطي هادئ، ابتسامة خافرة، ونبرة دافئة عندما تتكلم.عنفوان وشباب وبساطة تستمد سحرها من صوت الروح الساكن فيها. راهباتها، راهبات الصليب، 80 منهن يعملن في مستشفى الصليب مع المعوقين والمعتوهين. لقد أنشأهن عام 1930 الأب يعقوب، هذا الراهب الكبوشي اللبناني العنيد ذو اللحية الطويلة الكثة الذي ترى تمثاله البرونزي المطعون بشظايا الحرب في مدخل بلدة جل الديب. زرنا قبره وغرفته ومتحف اشيائه الصغيرة واوسمته وكتاباته. قديس يحلو لبناته أن يكتفين بتسميته “أبونا يعقوب”. عددهن اليوم 250 راهبة متواجدات في لبنان خاصة، ولهن مراكز في سوريا ومصر، وعن قريب في الأردن. رسالتهن خدمة البؤساء من عجزة ومعتوهين وعميان وأيتام ومعوقين ومتسولين.. في مستشفيات مختصة ومأوى ومصحات ومياتم.. مع احدث أساليب المعالجة، وخاصة مع أعمق ما في قلب الراهبة – المرأة من تفان وحنان ومحبة وإيمان. ولقد كان الكهنة العجز أول من أحاطتهم هذه الرعاية. دير يسوع الملك على الرابية المطلة على مصب نهر الكلب، وتمثاله العملاق الفاتح ذراعيه كالشراع، هو ههنا كالشاهد والداعي.

       نترك دير الصليب وفي قلوبنا صدى عطاء لا يضاهي، ودفق إيمان كانت الصلاة الليتورجية التي اشتركنا بها مع الراهبات في كنيستهن قبسا منه، وشذى فرح شيعتنا به الرئيسة وراهباتها. أو يمكن أن يكن بهذه الطيبة وهذا المرح من يواكبن مآسي البشر كل يوم!

                                                    * الكسليك.. جامعة الجذور

        جامعة الجذور أو جامعة “العودة إلى الينابيع”. هكذا وصف صحفي فرنسي جامعة الروح القدس المارونية في الكسليك. أبنية حجرية مستطيلة تتفرع منها أروقة وساحات هي ورشات عمل لكليات جديدة، على منحدر فوق البحر، يضيع فوق البيوت وراء جونية.

        الكسليك.. إحدى منائر المعرفة والاشعاع الكبرى في لبنان، ومركز ابحاث واختبار لفكر مسيحي لبناني شرقي الجذور والمراجع، مع طموح لأخذ الريادة في حركة التجدد الكنسي والليتورجي والبحث اللاهوتي، ونظر يتجاوز حدود لبنان إلى الكنائس الشرق أوسطية الأم. هذا ما تلمسه عندما تتحدث إلى آباء الكسليك، رهبان شباب أو في فجر الكهولة من الرهبانية اللبنانية المارونية النشطة، معظمهم حائز على شهادات عليا من الجامعات العالمية. هم الذين انشأوا الجامعة ونحتوها بسواعدهم في فترة عاصرت الحرب اللبنانية بمعانياتها وإفرازاتها.

“لقد تجاوزنا مرحلة الاقتباس (من الغرب) إلى الإبداع والنهل من مناهلنا الشرقية والسريانية”. سلسلة الدراسات الابائية، اللاهوت الرعائي، والمنشورات الطقسية الصادرة عن قسم الليتورجيا، والتي شقت طريقها إلى الاستعمال في الأديرة والحركات العلمانية تشهد بذلك.ولقد شهدنا نحن بأنفسنا تخرج وجبة جديدة من الطلاب، فتيانا وفتيات، من هذا القسم. من الجامعة نفسها منع وديع الصافي دكتوراه فخرية قبل أيام.

 * دير مار اشعيا

      ويطل مركز الرهبانية الانطونية المارونية.على المتن كالقلعة الشامخة في أعالي بلدة برمانا: بالجبب السوداء العريضة يرتل الرهبان والمبتدئون صلاة الصبح (صفرو) والمساء (رمشو) والعشاء (سوتورو) بالسريانية، وبأصوات فيها رقة الهديل ولها قوة الرعد. دير واسع تتداخل فيه الأروقة الحديثة الفسيحة مع دهاليز القرن السابع عشر المتعرجة في إحدى الأقبية التي أزيلت الطبقة الكلسية من حجارة سقفها لتظهر “العقدة” بجمال قدمها –وكمظهر من مظاهر العودة إلى الجذور يعم كافة أديرة لبنان القديمة–  تستقرالمكتبة الغنية بالمخطوطات والمصادر.

       الأب يوحنا صادر، رئيس تحرير مجلة “حياتنا الليتورجية” يحدثنا عن أبحاثه الميدانية حول الرموز المسيحية القديمة المنحوتة على الحجارة في جبل لبنان، يدعو إلى تنسيق الأبحاث الليتورجية والطقسية في العائلة السريانية (موارنة ) سريان كاثوليك، وأرثوذكس، كلدان،. ثم يستفيض في الحديث عن تيار العودة إلى الجذور ودور الرهبان في حركة التجدد: دراسات العودة إلى الجذور جاءت إبان الحرب. اكتشفنا جذورنا وقيمتنا على ضوء دراستنا في أوربا وبوحي المجمع المسكوني. وبحافز أيضا من مراكز الأبحاث المدنية (الفلسطينية، الوحدة العربية، الإنماء العربي)… المراكز الفكرية المسيحية (كالجامعات ومراكز البحوث ودور النشر) هي التي تغذي النهضة الثقافية والإبداع لدى العلمانيين. ووسائل التثقيف المسيحي الجماهيري كثيرة: إذاعة، تلفزيون محاضرات، شرائط مسجلة، مواعظ، تجمعات شبابية.. نحن أمام نموذج لبناني جديد ثقافيا من نتاج الحرب. وأرباب هذا النموذج قريبون جدا من الأديرة و الرهبان. للرهبان دور أساسي في تجديد لبنان، عليكم انتم في العراق أن تنحتوا شبابكم من الناحية الإيمانية والمسيحية في حلقات حول الكتاب المقدس. والبحث عن الأصالة الإيمانية، والشهادة المسيحية.

       كنا نفكر بهذا حين تكلمنا عن كنيسة العراق وطاقاتها أمام جمهور المبتدئين والمبتدئات والدارسين من الأديرة المجاورة والشباب في قاعة الدير.

       واستلم الحديث الأب ضو، مدرس في الكلية الإسلامية ببيروت: نحن مسيحيون عرب، ونريد أن نبقى كذلك. لنا دور في “تعريب” المسيحية، دور ريادي لنعطي وجها عربيا أصيلا ومتأصلا لمسيحيتنا في أرضنا، ارض العرب. بهذه النبرة وبحماس اكبر سمعنا المطران جورج خضر، مطران جبل لبنان للروم الأرثوذكس، يتكلم.. ويكتب أيضا، افتتاحياته الأسبوعية في جريدة النهار البيروتية. الم يقل لنا البارحة، حين التقيناه في مركز مطرانيته في برمانا، وهو يشير إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسية: نحن نبني لأنفسنا حركة نهضوية نابعة من القاعدة العلمانية. من هذه القاعدة العلمانية الملتزمة ايضا انطلقت جامعة البلمند الفتية للروم الأرثوذكس من نواة معهد يوحنا الدمشقي في تلة البلمند المطلة على طرابلس عاصمة الشمال.

                                                                   * جولة في الآفاق

      العودة إلى الينابيع.. التجذر. لازمة تسمعها لدى الجماعات الرهبانية والأديرة والحركات العلمانية ومراكز الإشعاع المسيحي المختلفة. والله يعلم كم هي عديدة هذه الأديرة والمراكز في لبنان. لا تخلو رابية أو واد إلا وفيه دير أو كنيسة أو مزار لهذا أو تلك من الكنائس، لهذه أو تلك من الرهبنات، الرجالية أو النسائية. في الطريق بينما كنا عائدين إلى دير الشرفة مرورا بميروبا، وبحنس، وبكفيا، والقليعات التي دمرتها حرب الإخوة، وعجلتون، وبزمار، وغوسطا،- وفي كل منها أكثر من دير لأكثر من طائفة-  ترى هل كان الأب صادر يفكر فيها عندما تحدث عن دور الأديرة في حياة لبنان؟ هل كان يفكر بإشعاع دير قنوبين مقر البطاركة الموارنة منذ 400 سنة العالق كعش نسر في احد كهوف وادي قديشا  وادي الحبساء والقديسين؟ لا شك انه  كان يفكر أيضا في دور رهبان جامعة الكسليك في حركة التجديد. وفي دور آباء جامعة اليسوعيين التي فيها درس وتربى معظم الجيل اللبناني الحاكم  والمتنفذ والمفكر وأبناؤهم، مسيحيين ومسلمين ودروزا، في رهبان دير المخلص وجمعية الآباء البوليسيين للروم الكاثوليك ومنشوراتهم الثرية. في الرهبان المرسلين اللبنانيين الموارنة المعروفين بالكريم. في هذه الرهبانية الفتية في شبروح التي اتخذت لها اسم “رهبانية القيامة” لإحياء التراث ألرهباني الشرقي في الصلاة والليتورجية والعمل والنشر. وفي هذه الجمعيات الكهنوتية والاتحادات التي تحاول الموازنة  والربط  بين النمط ألرهباني وضرورات الرعية كجمعية كهنة بزمار للأرمن، وكهنة البرادو الذين التقيناهم  في  خلوتهم السنوية  في دير القيامة… مع كل المشاريع والنشاطات الرسولية والثقافية والشبابية والمدارس وفي مجالات النشر والإعلام التي تديرها أو تنشطها أو تتبناها هذه الرهبانيات في مختلف أنحاء لبنان.

         هل من ينسى دور المطبعة الكاثوليكية اليسوعية منذ أكثر من قرن في نشر الكتاب المسيحي والكتاب المقدس في طليعته وفي ترويج الثقافة العربية؟

        المركز الكاثوليكي للإعلام النابع من والتابع لمجلس البطاركة والأساقفة في لبنان: ينسق ويوثق المادة الإعلامية المسيحية في قسم الإذاعة مع برنامجها المسيحي اليومي. وقسم التلفزيون مع برنامجه الأسبوعي قناة لاستقبال الكلمة المسيحية وإيصال الرأي المسيحي.

        إذاعة صوت المحبة في جونية (FM) على سواعد شباب وفتيات ملتزمين تنقل الكلمة المسيحية  معظم ساعات النهار. وقد فعلت ذلك حتى أثناء الحرب عبر القراءة الإنجيلية. والترتيلة، والتأمل الهادي، والخبر المسيحي، والنقل الحي، والمقابلة الإذاعية. على مدى عشرين دقيقة تحدثنا من “راديو المحبة” عن كنيسة العراق والفكر المسيحي، أذيع الحديث يومين متتاليين

       كاريتاس لبنان المحبة، منظمة إنسانية حبرية اجتماعية تأسست أبان الحرب. تعني بمساعدة وإعانة المرضى والمنكوبين والمهجرين والجائعين ودعم مشاريع إسكان وتأهيل. ميزانيتها 329،9 مليار ل.ل. لعام 1990، ولها في لبنان 300 مركز و 160 موظفا دائما وألف متطوع لجمع التبرعات.

      حركات الشبيبة المسيحية بفرقها الصغيرة والكبيرة، المنظمة والعفوية، لا تعد ولا تحصى في لبنان. سيبقى تجمعها العام في 15 آب 1991 في “المون لاسال” على مشارف بيروت حدثا في تاريخها وقمة في جولتنا اللبنانية.

     مليون شاب وفتاة تجمعوا حول البابا من أنحاء أوربا والعالم في اليوم نفسه في شيستوكوفا في بولونيا بمناسبة يوم الشبيبة العالمي السادس. وتضامنا مع هذا الحدث تجمع 600 شاب وفتاة من أنحاء لبنان (مع وفود من الأردن وقبرص وفرنسا)، بنداء من المجلس ألرسولي العلماني، للتعمق في مقولة البابا للشبيبة المسيحية “لقد اقتبلتم روح الأبناء” على مدى خمسة أيام، وذلك من خلال حوارات ونداءات وأعمال تطبيقية وتعبيرية وصلوات كان قمتها القداس المشترك المتلفز – وكان راديو صوت المحبة يغطي الحدث يوما بيوم. جوعبق بحضور الروح ومرح الفتوة ودفق المحبة.. واسرح بفكري وأحلامي: في العراق اًوَ لا نستطيع تحقيق شيء من هذا لشبيبتنا العطشى المعطاء!…

      آخر محطاتنا في ضيعة بقعطوطة. في بقعة معزولة على كتف الوادي أخُوًة أخوات يسوع الصغيرات، أخوة صلاة وخلوة وابتداء. كن في ذلك اليوم في مهرجان فرح عارم: لقاء عام لكافة الأخوات المتواجدات في الشرق الأوسط: سوريا، مصر، العراق، فلسطين، لبنان.. للصلاة والدراسة، حوالي 50 أختا: كل 3 أو 4 في أخوة  كالأسرة، يعشن رسالة الصداقة والشهادة الإنجيلية والصلاة في البساطة وفي إطار حياة الناصرة: في المعمل، في المستشفى، في المشغل، مع المهجرين مع المعوقين  في إعادة  الأمل  إلى  متعاطي المخدرات وانتشال المومسات، في الاستقبال والانفتاح الدائم إلى معانيات الإنسان.. في شمولية المسيح وعفوية الأطفال.

                                                                           ** العودة

      ودعنا الأخوات الصغيرات -اللواتي لولاهن لما رأينا لبنان كما رأيناه– وقلوبنا تضطرم  في داخلنا.. مما سمعنا ورأينا.

      عودة إلى الذات. وعودة إلى الجذور… لعل هاتين العبارتين تلخصان الاتجاه الذي تتحرك فيه القوى الفاعلة في كنيسة لبنان ومسيحية اليوم. ولعل الحرب اللبنانية نفسها –باستطالتها وبما أفرزت وكشفت. ولربما بما عرت–  دفعت بكنيسة لبنان ومسيحيته إلى تثبيت هويتهما. أي وجودهما. بهذه العودة  تكونان أو لا تكونان:  تلك كانت القضية!

      العودة إلى الذات! أية ذات؟

       الذات اللبنانية والمسيحية اللبنانية المتعايشة بأخوة وشركة ضمن التعددية الكنسية والدينية والمستظلة بظل الارزة الواحدة. إذن. تعددية معترف بها كواقع لا مفر منه وكثراء مشترك. ووحدة لا مناص منها لحياة الجذور؟

      الجذور العربية والسريانية والشرق أوسطية. وكل ما سوى ذلك تبعية أو اغتراب أو عمالة.والثلاثة متاهة وضياع.

((((( (())))))))))))))

البابا عند الهنود الحمر – البرازيل

ش.ر/ت2 – ك1 1991

         للمرة الثانية يعود البابا يوحنا بولس الثاني إلى البرازيل، والى مثلث النوردست (شمال شرق) الفقير بالذات، من 12– 21 ت1 1991. وتأتي هذه الزيارة عاما قبل الاحتفالات التي ستقام في عام 1992 بمناسبة مرور 500 سنة على دخول المسيحية إلى أميركا اللاتينية، وعشر سنوات بعد زيارته الأولى (تموز 1980). ولكن أشياء كثيرة تغيرت في المجتمع والكنيسة البرازيلية. فالأزمة الاقتصادية أخذة في الاستفحال حيث بلغت الديون الخارجية 122 مليارا والتضخم في صعود مستمر. وإذ كانت البرازيل لا تزال تعد ثامن قوة عالمية، فلا زال 60% من السكان يعيشون دون مستولى الفقر، ولا زالت أقلية محظوظة هي التي تسيطرعلى اقتصاد البلاد. ففي ساو لويس (ولاية مار انهياو)، مثلا، 20% من السكان يسيطرون على 90% من الأراضي.

        وإذا كانت الكنيسة الكاثوليكية التي ينتمي إليها 90% من السكان لا تزال تتخذ جانب الفقراء والفلاحين في خطاباتها، فالحماس الأول في هذا الالتزام قد أصابه الوهن وخيبة أمل كبيرة تعتمل في صفوف القاعدة –من كهنة وعلمانيين ملتزمين  ولاهوتيين– من جراء موقف السلطة الكنسية العليا المتحفظة إلى حد التشنج أحيانا، وتدخلات المركزية الرومانية التي لأتني تحذر وتشجب وتدين المبادرات الاجتماعية الجريئة لدى فرق القاعدة وبعض الكهنة والرهبان، وتوجهات لاهوت التحرير–وكان آخر ما فعلته روما إيقاف احد أقطابه، ليوناردو بوف، عن التعليم مرة أخرى– كل ذلك بحجة الابتعاد عن تعليم الكنيسة الرسمي وقراءة الكتاب المقدس قراءة ايدولوجية والانزلاق في العمل السياسي. ولقد ترجمت روما إحكام يدها على توجيه كنيسة البرازيل في هذه السنوات الأخيرة بتعيين أساقفة تقليديين أو محافظين أو منفذين لسياستها على رأس الأبرشيات الشاغرة، كما حدث مع خلف المطران الشهير هلدو كامارا، الذي تبنى قضية الفقراء والفلاحين حتى احتضنه البابا في زيارته الأولى عام 1980امام حشود الناس وهو يدعوه: “يا أخ الفقراء وأخي”.

       هذه العوامل كلها أثرت سلبيا على حرارة الاستقبال الجماهيري للبابا. فلقد لاحظ المراقبون هبوطا في تهافت الناس إلى لقاء يوحنا بولس الثاني وصل إلى 50% اقل من المتوقع (في برازيليا العاصمة كانوا يتوقعون 600000فجاء 200000 فقط). كذلك الاهتمام بخطابات البابا كان اقل من المتوقع؛ بالرغم من تطرقه إلى مواضيع ذات خطورة في المجتمع البرازيلي مثل ظاهرة انتشار البدع التي وصفها البابا “بخطر على المسيحيين يضاهي خطر تجارة المخدرات والحملة ضد الإنجاب”. أليس أن 600000 مؤمن يهجرون الكنيسة سنويا إلى هذه البدع التي تمتلك قنوات إعلامية واسعة وتتمتع بجاذبية ومحفزات مادية تضاهي ما تفعله في الولايات المتحدة إلى حد قيل أن زيارة البابا الثانية للبرازيل إنما سببها النزيف الذي تحدثه هذه البدع في كنيسة البرازيل. ومن المواضيع الأخرى التي تناولتها خطابات البابا مطالبة “بإصلاح زراعي عادل” ودعوة الرئيس فرناتدو كولور دي ميللو للإسراع في الإصلاحات الاجتماعية” على ضوء العدالة والأخلاق المسيحية “وليس بدافع المصالح الخاصة”. أما في غويانا فقد دعا جماعات القاعدة إلى الالتفاف حول أساقفتهم وتجسيد الشركة المسيحية وانتمائهم الكنسي العميق “باتحادهم مع خليفة بطرس”. وفي كامبوكراندي حث البابا على إعطاء الأولوية الراعوية للأسرة وشؤونها، وأدان من جديد الطلاق والإجهاض والدعاية الإباحية وحملة تعقيم النساء والرجال للحد من الإنجاب.

       ولكن قمة هذه الزيارة تمثلت في النهار الذي قضاه يوحنا بولس الثاني مع الهنود الحمر في كويانا حيث استقبل وفودهم (حوالي 220000 هندي في البلاد) فبعد قراءة “رسالة مفتوحة إلى يوحنا بولس الثاني” تفضح المظالم التي تصيبهم وحملات الإبادة التي يتعرضون لها (140 قتيلا من قبائل يانوماميس في 10 أعوام)، أبدت الوفود شجبها للاحتفالات المقبلة بمرور500 سنة على دخول الأوربيين إلى البرازيل ووصفوها “بخمسة قرون من الألم والحزن”. فهم، قبل أن ينظروا إليها من زاوية مجيء المسيحية إليهم، ينظرون إليها من جانب المظالم والطرد من أراضيهم وحشرهم في شبه مناطق مغلقة والاضطهادات التي إصابتهم وسياسة الإبادة التي مارسها الأسبان المحتلون ضدهم.

        ذلك اليوم من الزيارة البابوية لا ينسونه حيث تحدث يوحنا بولس الثاني –وقد وضع على رأسه احد الزعماء الهنود تاج الريش الذي يعتبر رمز السلطة عندهم– وأكد التزام الكنيسة إلى جانبهم: “في أعين الله لا يوجد إلا عرق واحد، هو عرق البشر المدعوين لان يكونوا ابناء الله (…) لقد كانت الكنيسة وستبقى دوما إلى جانبكم، لتدافع عن كرامتكم الإنسانية، لتدافع عن حقكم في حياة كريمة وهادئة، في احترام القيم الايجابية التي تحملها تقاليدكم”.

       لاشك أن هذه التصريحات وحدها –إن بقيت مجرد تصريحات عذبة– لا تكفي لتبييض وجه خمسة قرون من الماسي والإبادة التي تعرض لها الهنود –وهم سكان البلاد الأصليون– وتعرضت لها حضارتهم وارثهم الثقافي على يد الوافدين الأوربيين.

       وهذه الشؤون وغيرها مما أثارته زيارة البابا والتناقضات الداخلية والخارجية العديدة التي تواجهها كنيسة البرازيل والمجتمع البرازيلي ستكون المحك الذي ينتظر الهيئة العامة لمجموع مجالس أساقفة أميركا اللاتينية (CELAM) التي ستنعقد في سان دومنغو في ت1 1992 والتي ستشكل الإطار الكنسي الرسمي للاحتفالات اليوبيلية بمرور 500 سنة على دخول الإنجيل إلى القارة اللاتينية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s