الفكر المسيحي1992

مجلة الفكر المسيحي1992

ت

المقال

العدد

الشهر

السنة

114

جماعة المحبة والفرح    تحقيق          

272

ك2/ شباط

1992

115

البابا يلتقي بالإسلام الزنجي ش.ر      

273

اذار/نيسان

1992

116

اللقاء الثاني لبطاركة الشرق ش.ر      

273

اذار/نيسان

1992

117

راهبات القديسة كاترينة   تحقيق          

276

ايار/تموز

1992

118

الذكرى المئوية  لأميركا اللاتينية ملف               

276

ايار/تموز

1992

119

القداس. شهادة إيمان وحياة  طاولة          

278

آب / ت1

1992

120

البيئة الثقافية لمسيحي الشرق ملف           

280

ت1/ ك2       

1992

1992 المقالات:

جماعة المحبة والفرح تحقيق 

تحقيق /كانون الثاني- شباط1992

      إزاء معاق، أيا كان عوقه، بدلا من أن نطرح السؤال: من خطئ، هو أم أبواه؟! نتساءل: المعاقون إخوتنا، فكيف نشق طريقنا إليهم فنجعلهم يحظون بكل مشاعر الاحترام والحب والحنان والثقة والعناية.. وهم أناس مرهفو الإحساس ويعرفون جيدا أن يقرؤوا مشاعرنا في كل حركة أو ابتسامة أو نظرة أو مبادرة…

    مع الفريق الذي يمارس رسالة “جماعة المحبة والفرح” في الموصل كان للفكر المسيحي هذا اللقاء / التحقيق .

     فوق التلال الوارفة التي تعانق دجلة المنساب بخيلاء وسط الجزرات الرملية المبعثرة في أطرافه، والغابات والمروج الممتدة على جوانبه، في أخاديد الهضاب المشرفة على دير ما ميخائيل الرابض على أكمته في صمت الطبيعة الخريفية الموصلية، تلقتنا “جماعة المحبة والفرح” وترحاب وتحيات صاخبة، وتعالت الأصوات ناشزة متكسرة مرحة بهتا  “نحن جماعة المحبة والفرح”؟

جماعة المحبة والفرح؟… من هم؟

جماعة من الفتيان المعاقين بسبب نقص أو تشوه بنيوي ناتج عن أمراض واختلاطات

منذ الطفولة ، أو عن عوامل تكوينية منذ الولادة ، كالمنغولية ورخاوة الأعصاب وصعوبة النطق وغيرها… عددهم حاليا لا يتجاوز العشرين… يحتضنهم فريق من الشباب والفتيات المتطوعين بدافع من إيمانهم لإدخال الفرح إلى حياتهم وبعث الدفء الإنساني إلى قلوبهم المحرومة وإشعارهم بأنهم خليقون بالمحبة والاحترام بالرغم من عوقهم. ليس فيهم ما يغري سوى أنهم ابناء الأب وإخوة في المسيح، حق لهم ما يحق لغيرهم بل أكثر، بسبب عوقهم، من المحبة والعناية، ويهتم الفريق الشبابي العامل معم بمرافقة تنشئتهم الاجتماعية والمسيحية وبتأهيلهم، وذلك بتهيئة برامج ترفيهية وعملية لهم توقظ قابلياتهم ومهاراتهم وتستحث قدراتهم الذهنية والعضوية.

       أما ألاسلوب المتبع فيوجز في كلمتين معبرتين “المحبة والحركة”. ذلك إن في هذه الأجساد الواهنة المنتقصة قلوبا شديدة الحساسية ومرهفة لكل عاطفة حب وانتباه، والحركة والتنقل يعوضان لديها محدودية قابلياتها الفكرية والذهنية. وهكذا، إلى جانب الحب والفرح المعدي اللذين يحيط يهما إخوانهم المعاقين، يهتم فريق الشباب المنشطين بتنظيم الزيارات الميدانية لهم إلى الأديرة والكنائس وبعض المناطق السياحية والترفيهية، وبتدريبهم على الإبداع اليدوي والفني، وتلقينهم الصلاة والتعبير والنشيد مع الحركة التمثيلية. وفي كل ذلك إنما يبتغون إدخال البهجة والسعادة إلى نفوس هؤلاء الأعضاء المتألمين من جسد المسيح السري وإعطائهم الشعور بذاتهم.

                                                                                   الانطلاقة

        “جماعة المحبة والفرح” انطلقت من فكرة بسيطة نمت في قلب شاب ملتزم وهو شارد في أفكاره في ارض المعركة –وفي الفاو بالذات عام 1986–  لعمل شيء ما من اجل المهملين والهامشيين، وبالتحديد من اجل المتخلفين عقليا. أما الدافع الأساس فهو رفع هذا الإنسان المهمل والمحتقر من قبل المجتمع، وحتى من أسرته أحيانا، إلى المستوى الإنساني اللائق به.

وكيف كانت البدايات؟

    بينما كان “المعاقون” يتحركون في حلقة غير منتظمة وهم ينتقلون من أنشودة إلى أخرى بحماس تقطعه هتافات قصيرة من حنجرة هذا أو ذاك كصلاة تلقائية تعلمها، وجهت هذا السؤال إلى الأخ عماد حسيب مسؤول “الجماعة” ومؤسسها وقلبها النابض.

        افترشنا الأرض ووجهنا نحو النهر المتعرج ، واخذ عماد يستذكر بدايات وعيه وتحسسه، منذ المرحلة المتوسطة، الناس المرذولين والمهملين وغير المقبولة هيئتهم، وكيف كان يعاشر الطلاب الفقراء ويساعدهم ماديا ومعنويا، ولاسيما في دروسهم وحتى في مشاكلهم أو إيجاد عمل لهم. وقد قاده هذا الاهتمام المبكر بالهامشيين إلى تخصيص عطلته الأسبوعية للأيتام في احد الأديرة، على مدى 11 سنة، ينام معهم وينظم ألعابهم ويعطي لهم دروسا في التعليم المسيحي.

     أما مشروع “المعاقين عقليا”.. فبعد “وحي الفاو” ظلت الفكرة تراوده.. وفي أول إجازة له فاتح كاهن رعيته وصديقه الأب فرج رحو وشرح له ما يدور في نفسه، فلقي منه كل تشجيع ودعم لتحقيق الفكرة. كما زار مسؤولي الطوائف المسيحية في الموصل لنيل تشجيعهم والاطلاع على العائلات التي لها معاقون.. “وهكذا انطلقت الفكرة إلى الواقع وبدأت مع الأعزاء نشوان وصفاء ووليد في قاعة كنيسة مار بولس، وفي كل إجازة كنت اقضي معهم عدة ساعات واستصحبهم إلى الكنائس والأديار وبعض الأسر. وأخذت الجماعة الصغيرة تشغلني.. حتى بلغ العدد حاليا 16 فتى”.

 

                                                                            النشاطات

ما هي النشاطات والفعاليات التي تقومون بها ، وهل هناك موعد دوري للقاءاتكم؟

إننا نلتقي بإخواننا المعاقين مرتين في الشهر، يوم الجمعة، وأحيانا أكثر، في العطل

والمناسبات الرسمية. ويسبق اللقاء معهم اجتماع خاص للفريق العامل للتخطيط وإعداد الفعاليات. أما النشاطات فتلخص بما يلي:

 * زيارة الأديرة حيث يقضي إخواننا المعاقون عدة ساعات يمارسون في رحابها هواياتهم المفضلة من رسم وتلوين ولعب. أو تعد لهم برامج ترفيهية وتربوية وتعرض لهم بعض الأفلام والسلايدات.

 * القيام وإياهم بصلوات تلقائية يعبرون فيها عن أنفسهم وعن الرغبات العزيزة عليهم في صيغة أدعية قصيرة وبسيطة جدا مستوحاة من الظرف الراهن كإيقاف الحرب، والسلام، ورفع الحصار. كما نشترك معهم في قداس خاص يقام بطريقة تلائم مداركهم.

* التعليم المسيحي من خلال أحداث وامثلة الإنجيل، تقدم لهم على شكل قصص، نقوم بتمثيلها أمامهم لتقريب المعنى إلى أذهانهم.. فيعودون يمثلونها هم بدورهم 

 * تعليمهم التراتيل الروحية التي يحبونها كثيرا ويتعلمونها بسرعة ويرغبون في إنشادها في المناسبات المختلفة.

 * تنظيم برامج ترفيهية خاصة لهم في المناسبات، مثل عيد رأس السنة، وقد اعتدنا الاحتفال بعيد ميلاد كل منهم، وكم نلاحظ فرحتهم وشوقهم لمثل هذه الحفلات.

 * القيام بسفرات إلى مناطق خارج الموصل، فلقد زرنا اينشكي والقوش، وقرةقوش، ومار ميخائيل وغيرها… أنهم يشتاقون كثيرا لمثل هذه السفرات ويتهيأون لها… فعلى سبيل المثال والنكتة “نقع” احدهم الرز “للبرياني” لإحدى السفرات قبل موعدها بيومين لشدة فرحه. ويتابع عماد مشيرا إلى المردود الايجابي العميق الذي تخلقه هذه النشاطات لدى الفتيان. فهم ينتظروننا بفارغ صبر، إذ يعبرون فيها عن مشاعرهم بعفوية، ويخففون بها عن الكبت الذي تفرضه عليهم حالتهم. كما تتيح لهم التمتع بما ينعم به الناس الآخرون.

اللغة المفهومة

ولكن، أليس صعبا التعامل مع معاقين جسميا وعقليا؟

    كنت أظن ذلك، يجيب عماد، ولكني، في الواقع، وجدته أسهل، فكل ما يحتاجه هؤلاء “الإخوة الصغار” هو المحبة الصادقة وبسط الفرح في قلوبهم المحرومة. أنهم بعيدون عن لغة الغش والمراوغة والخداع التي قد يلجا إليها الآخرون. فإذا كان التعامل مع الشخص الطبيعي يحتاج إلى أكثر من لغة ولربما إلى دهاء، فهؤلاء المعاقون لا يعرفون ولا يفهمون سوى لغة المحبة والبهجة، ولا يؤثر فيهم سوى هذا القرب الإنساني والخدمة الفعلية المقدمة لهم بفرح ومحبة. هذه هي اللغة الوحيدة التي نتعامل بها معهم، لذا أطلقنا عليهم وعلينا نحن العاملين معهم اسم “جماعة المحبة والفرح” لأننا نعتبر أنفسنا جزءا منهم، وأضاف: كنت في البداية اعتقد إني سأعلمهم المحبة، ولكنني اكتشفت أنهم هم الذين علموني دروسا في المحبة والصبر والبساطة، وفي كل لقاء معهم اعتبر نفسي معاقا مثلهم، وبهذا استطيع فهمهم ومساعدتهم.

والأهل؟

     ولكن مشروع “المحبة والفرح” ليس مستشفى ولا معهدا تأهيلياً مستقلا، إنما هو بادرة إنسانية تربوية، والمعوقون لا ينقطعون عن جذورهم العائلية، بل يستمرون يعيشون ضمن أسرهم، لذا كان التلاحم والتعاون بين الفريق العامل وأسرة المعوق أمرا ضروريا وأساسيا، ولذا يرى الشباب أيضا إن رسالتهم تتعدى المعاقين لتشمل ذويهم، بدءا من محاولة إنقاذهم من اليأس والضيق اللذين يعانون منهما بسبب عوق أبنائهم، وصولا إلى تعاونهم الفعلي بتبني أسلوب المحبة والاحترام والصبر في التعامل اليومي معهم في البيت حيث الجو العائلي الطبيعي. من هنا دعوة الشباب لذوي المعاقين إلى مرافقتهم في بعض النشاطات ليروا ويتدربوا على طريقة التعامل الإنسانية والصبورة مع أولادهم. فنداء عماد إلى الأهل هو أن يكونوا معهم يدا بيد لبناء هذا الإنسان “الخاص” وإلا تعامل العائلة ابنها المعاق بالقسوة، أو تهمله وكأنه أثاث لا فائدة منه في المنزل، بل تعمل على أن تشعره بمكانته في الأسرة البيتية، ومن ثم في الأسرة البشرية.

مشاريع المستقبل

    توقفنا قليلا عن الدردشة ثم التفتنا نحو الأولاد وهم في هرجهم، وقد امسك احدهم بالمسجل عاليا يقرب أذان اقرأنه ليسمعوا أغنية جميلة كانوا يرقصون عليها في حلقة متفككة الأوصال:

ما هي طموحاتكم وخططكم المستقبلية ؟

لدينا خطة قيد الدرس تهدف إلى تعليمهم بعض المهن البسيطة التي تتناسب وقدراتهم

الجسمية تمتص فراغ حياتهم وتنشلهم من فكرة للعمل.الة على ذويهم. وقد وجدنا لدى البعض منهم مهارات حقيقية واستعدادا للعمل.

نطمح إلى توسيع المشروع لاستقبال “معاقين” من خارج مركز مدينة الموصل. كما

نود شمول الفتيات المعاقات أيضا.

بعد الحصول على مركز ثابت نود تهيئتهم للتناول الأول ومتابعة تنشئتهم المسيحية

بصورة أفضل.

وان يكون يكون للمشروع  واسطة نقل خاصة تسهل علينا التنقل والحركة والاتصال،

ولمختلف الخدمات اللازمة.

     كنت استمع بلذة إلى حديث عماد وكأنه يسرد تاريخ حياته.. وقصة حبه. في الحقيقة إن المرء يقف صامتا أمام هؤلاء الشباب الذين اكتشفوا المعنى الرائع للإخوة والعطاء، شهادة نبوية رائعة لمعاني الالتزام. لبساطة الأمور العظيمة، في هذا الفريق المعطاء واتخذت الخدمة معناها السامي، وفيهم لمست تحقيق عبارة يوحنا الرسول القائل: “لا تكن محبتكم بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحق” (1يو 3 : 18). 

                                                     (بمشاركة الأخت سانت آتين)

من يتبنى المشروع

أول من احتضن المشروع كنيسة مار بولس (حي الثقافة – بالموصل) وراعيها الأب فرج رحو الذي يوليه اهتمامه الفعلي معنويا وميدانيا. وقد خصص له صندوقا في الكنيسة.  

اسر تساهم في النفقات، وبعضها يستقبل “المعاقين” في داره، لاسيما في مناسبات الأعياد ورأس السنة.

الآباء الدومنيكان قدموا للمشروع غرفتين وفناء في دير القديس عبد الأحد (الساعة) ليكونا مركزا خاصا وثابتا للقاءات والنشاطات.

مسؤول المشروع ومنشطه الأول وصاحب المبادرة هو الأخ عماد حسيب، متزوج وله طفلان. يعاونه فريق من الشباب والفتيات المتطوعين. بعضهم ثابت ودائم (راهبة دومنيكية وإحدى أخوات يسوع الصغيرات)، وبعضهم بحسب ما تتيح له التزاماته الأخرى ( من بينهم: مهندس، باحثة اجتماعية خريجة، علم النفس، موظفة، خريجة مهندس سياحة، جندي، طلاب جامعيون وثانويون، وطفلة (عشر سنوات) تهتم بمعاقة صغيرة عمرها ثمان سنوات).

 ((((((((((((()))))))))))))

البابا يلتقي بالإسلام الزنجي  

(الرحلة البابوية رقم 54)

19 – 26 شباط 1992

ش.ر/اذار – نيسان1992

         كوناكري (غينيا)، زنغويشور (غامبيا)، داكار (السنغال)، عواصم افريقية ثلاث كانت محطات لرحلة البابا الثامنة للقارة السوداء والتي تميزت بكونها لقاء مع الحضارة الافريقية من جهة، ومع الاسلام الافريقي من جهة اخرى، لقاء اتسم بالانفناح والشفافية والحوار… ففي هذه البلدان التي يشكل فيها المسيحيون اقليات ضئيلة، وإن فاعلة، شدّد يوحنا بولس الثاني على الحوار الحضاري والديني بين الفئات المختلفة التي تؤلف هذه المجتمعات، سعيا الى بناء قارة يسودها الاخاء والرقي والتقدم.. وتستتب فيها العدالة والحرية والسلام…

 

       البابا يحب إفريقيا، ويرى فيها أرضا عذراء لازالت تمتلك قيما أصيلة خاصة بوسعها أن تحملها إلى العالم، اليوم، منها:

“رؤية العالم تتمحور حول قدسيته، وعي عميق للعلاقة التي تربط بين الخالق والطبيعة، احترام كبير لكل أوجه الحياة.” مكانة الأسرة والجماعة” أهذه القيم ذاتها هي صدى لما تحتويه خطابات  يوحنا بوالص الثاني في كل رحلاته العالمية. أضف إليها ما لديه من طاقة الانفتاح والتحاور.

        تحت هذا الشعار يعود  البابا الرحالة إلى إفريقيا للمرة الثامنة ليزور 3 أقطار سوداء غالبيتها العظمى على الإسلام، هي السنكال وغامبيا وغينيا، ففي السنكال (7،3 مليون) يشكل المسلمون 95% والكاثوليك 5%، وفي غامبيا (حوالي مليون) يشكل المسلمون 85% والمسيحيون 3% معظمهم انكليكان؛ وفي غينيا (6،7 مليون يشكل المسلمون 70% والمسيحيون 7%). أما النسبة الباقية فهم على الأديان التقليدية. ومع هذه الأكثرية الساحقة فالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين ممتازة عموما، وتخلو من التوترات المعتادة في أماكن أخرى. والحوار الذي دعا إليه البابا مسيحيي ومسلمي هذه الأقطار كان أساقفة السنكال قد اعدوا له بنداء نشروه قبل بضعة أشهر باسم “إيماننا بالمسيح…حتى إن لم نلق التجاوب دائما”. وكانوا قد حددوا لهذا الحوار أربعة أبعاد: حياتيا، وتعاونيا، وروحيا، وعقائديا،. وإذا كان البعد الأخير أصعب الكل، فالأبعاد الثلاثة الأولى إنما تنطلق من الواقع المعاش في هذه الأقطار وتعكس التداخل الحياتي اليومي القائم بين الأقلية المسيحية والأكثرية الإسلامية في جو يتسم عادة بالاحترام المتبادل وبكثير من الديمقراطية. فالرئيس الحالي عبدو ضيوف– وقد خلف الكاثوليكي الملتزم جدا، الشاعر والمفكر ليوبولد سنغور– مسلم، متزوج من مسيحية ملتزمة، وابنته الكبرى كاثوليكية أيضا، ويعلن انه يستمع إلى القداس المذاع بالراديو كل يوم احد! أليس لرئيس أساقفة داكار، الكاردينال ثياندوم، أخ إمام! مثل هذه “التشكيلات واردة في الأقطار التي استقبلت البابا من 19 – 26 شباط 1992. وإذا ما تمتعت الكنيسة بسمعة جيدة وبتأثير كبير في هذه الأقطار” فيعود ذلك إلى الدور الثقافي والحضاري الواسع الذي تلعبه مؤسساتها، بالإضافة إلى الوجه الإفريقي الذي تتخذه المسيحية أكثر فأكثر، في تركيبتها البنيوية (الكوادر والأساقفة)، والإنجيلية – الروحية (الروحانية والتجذر الفكري والتعبيري). وهذا بالذات هو الموضوع المحوري الذي يدور حول السينودس الأفريقي العام المنوي عقده قريبا في موعد لم يحدد بعد (لربما في غضون سنة أو سنتين) لتحريك طاقات كنيسة أفريقيا نحو المستقبل.

         لاشك أن المرحلة الرئيسية من رحلة البابا كانت مرحلة السنغال، ليس فقط للأهمية التي يمثلها هذا القطر باتساعه الجغرافي والسكاني نسبة إلى جيرانه، وإنما خاصة للنموذج الديمقراطي الذي يمثله في أفريقيا في التعايش الآمن والمتناغم بين الديانات وأسلوب المشاركة                في ممارسة الحكم، إضافة إلى الموقع المرموق الذي تحتله الكنيسة فيه، بالرغم من ضالة نسبة عدد أبنائها.

         كان الرئيس عبدو ضيوف بقامته العملاقة (1,98م) الفارعة كنخلة استوائية على رأس المستقبلين في مطار دكار. وبما أن الأفارقة يبكون ويضحكون على إيقاع الرقص، فلقد كانت الرقصات الشعبية وإيقاع الدفوف والجوقات على الموعد، إلى جانب جماهير مؤلفة من المسيحيين والمسلمين. فلمن كان مترددا من هؤلاء الأخيرين في المشاركة واستقبال البابا، كان الرئيس ضيوف والهيئات الدينية الإسلامية قد أعلنوا: ” إذا ما خاف احد من فقدان إيمانه بمصافحة البابا، فليمتنع. أما نحن فسنذهب لمصافحته “.

           ومنذ خطابه الأول نعت البابا السنغال “بالبوابة المحيطة بإفريقيا”، ووصفه “برائد الديمقراطية الأفريقية”، وأشاد بجهوده في انه “يستند في بناء تطوره قبل كل شيء على الثراء البشري لسكانه “.وهكذا ربط يوحنا بولس الثاني في خطاباته السنغالية العامة بين الديمقراطية والتطور والحوار بين الديانات”. ففي اتجاه المسؤولين الدينيين المسلمين قال البابا لدى استقباله إياهم بعد القداس الذي أقامه في ملعب الصداقة بداكار العاصمة: “أن إلهنا هو اله سلام، اله قدوس، اله الحوار”… وأمام قضايا الفقر والحرب، على المسيحيين والمسلمين “أن يبحثوا، في الحوار، عن حلول تجعل المجتمع أكثر عدلا، أكثر إنسانية، أكثر احتراما للحرية ولحقوق وكرامة كل فرد”. أما باتجاه الكنيسة، فقد قام البابا نفسه كزائر مؤمن آت باسم الرب ليستحث الشركة في الحب ويثبت إخوته في الإيمان. وللتعبير عن تأصل الإنجيل في ارض أفريقيا وتجذره في تراثها الحضاري استخدم صورة “الشجرة التي لا ترتفع إلا إذا عمقت جذورها في الأرض التي تغذيها”. حينذاك سيكون بوسع الكنيسة أن تقدم ثمارها في ميادين التعليم، والصحة والرقي الإنساني.. وان تحمل البشرى المسيحية في بيئتها الأفريقية.

            إلى هذه الفكرة الأخيرة عاد البابا في أحاديثه مع الأساقفة، وفي مزار بوبونغوين المريمي الوطني، قال: “هذا الإنجيل الذي استقبلتموه، عليكم اليوم أن تؤصلوا جذوره”. فعلى أفريقيا، اليوم، أن تبشر أفريقيا.

           ولعل الحدث الأكثر مدلوليه وتميزا في المرحلة السنغالية، بل الرحلة البابوية كلها، هو زيارة البابا “لبيت العبيد” في جزيرة غورية، قبالة داكار، حيث كان البرتغاليون في القرن 15 يكدسون الأفارقة قبل ترحيلهم كعبيد إلى القارة الأميركية. فلقد أعرب يوحنا بولس الثاني عن إدانته وأسفه لتلك الأعمال البربرية التي كان أصحابها يتشدقون بالاسم المسيحي: “إن  ممارسة تجارة الرقيق الأسود هي مأساة ارتكبتها حضارة كانت تدعى إنها مسيحية.. لقد جئت إلى هنا  لأكرم كل تلك الضحايا المجهولة، التي لا نعرف اسمها ولا عددها…”.وفي معبد البلدة التي تعود جذورها إلى عام 1482 أعلن البابا: “من هذا المعبد المخصص للألم الزنجي، نستمطر عفو السماء”.

         وكان البابا منذ مقدمه قد ربط بين هذه الرحلة ورحلته القريبة إلى سان دومنغو في أميركا اللاتينية للاحتفال بالذكرى المئوية الخامسة (1492 – 1992) لدخول المسيحية إلى القارة اللاتينية، وذلك “بروح التوبة تجاه هذه الشعوب الأفريقية العظمى التي كانت ضحية محرقة لا زالت مجهولة”.

        أما في غامبيا حيث لا تشكل الكنيسة إلا جماعة صغيرة (17000 مؤمن مع أسقف واحد و5 كهنة أبرشيتين و 17 راهبا كاهنا و47 راهبة –معظمهم من الأجانب -). فقد تمت زيارة البابا تحت شعار السلام والعدالة. وفي العاصمة زنغويشور أشاد البابا بالألفة القائمة بين المسيحيين والمسلمين حيث تتقاسم الجماعتان مقبرة مشتركة وبذلك “تتعايش الجماعتان حتى ما وراء الحياة الأرضية” كما قال الإمام عليون عايدازا. كما أشاد البابا بدور العلمانيين وجماعات القاعدة في حياة الكنيسة الغامبية، ووصفهم “بمنبع النشاط الراعوي والحياة. إنهم حقل تنشئة لوعي المسؤولية الرسولية والتجذر الثقافي للرسالة الإنجيلية”.

       وفي كوناكري عاصمة غينيا دعا البابا الأقطار الأفريقية إلى الاستجابة إلى حاجات مواطنيها المادية و “رعاية حقوق الإنسان والعدالة الديمقراطية”. وكان بذلك يجيب إلى إحدى اللافتات التي رفعها الشباب أمامه: “لا سلام من دون عدالة” ووراء كل ذلك كان شبح دكتاتورية سيكوتوري التي كبتت الحريات باسم “الهوية الوطنية” من 1958 وحتى 1984، ماثلا في الأذهان. كما وجه نداء إلى الأنظمة القائمة في إفريقيا لتدع جانبا منافساتها الداخلية والقبلية وتتبنى السبل الكفيلة لخلق مناخ النمو والبناء الذاتي.

 ))))))((((((((((((((

اللقاء الثاني لبطاركة الشرق الكاثوليك  

18– 22 شباط 1992

ش.ر/اذار- نيسان1992

 

       … واتسع باب “شؤون راهنة” للقاء البطاركة الكاثوليك الشرقيين الثاني في القاهرة حول موضوع حيوي وراهن تناول “حضور المسيحيين في الشرق الاوسط وشهادتهم”. فلقد انكب البطاركة الكاثوليك السبعة على ابراز الدور الريادي الذي كان ولا يزال لكنائسنا المسيحية في حياة وحضارة بلداننا الشرق اوسطية، مشدّدين على التحديات التي تواجهها منطقتنا الساخنة والتي تفرض على المسيحيين والمسلمين ان يتكاتفوا في عمل مشترك بنّاء من اجل مستقبل افضل لبلدان آن لها ان تنعم بالسلام والاستقرار والرخاء…

         عقد البطاركة الكاثوليك الشرقيون السبعة لقاءهم القمة الثاني في المعادي في ضاحية القاهرة من 18- 22 شباط 1992حول موضوع “حضور المسيحيين في الشرق الأوسط وشهادتهم”. ويأتي هذا اللقاء في نطاق الإرادة التي عبر عنها رؤساء الكنائس الشرقية الكاثوليكية في لقاء القمة الأول الذي عقدوه في لبنان في الصيف المنصرم، والذي كانوا قد كللوه بلقاء قمة أيضا مع بطاركة الكنائس الشرقية الأرثوذكسية في لبنان (ف م. آب – ت1 1991)، لوضع جهودهم سوية لتنسيق عمل كنائسهم في معالجة القضايا المشتركة للمسيحيين في  منطقة الشرق الأوسط، حضورهم الفاعل والخير ودورهم الايجابي في حياة بلادهم، والتزام بنائها ورقيها، وبعث الحيوية في شهادتهم المسيحية وطرائق عيش إيمانهم في المعترك الحياتي في هذه البقعة. ولقد بات مثل هذا العمل المشترك والتنسيق ضروريا وحتميا لدى الكنائس المسيحية الشرقية في هذه الحقبة بالذات  لعدة أسباب

     أولها:  التحديات الخطيرة والمصيرية التي تواجه خارطتنا العربية وتهدد سلامها وأمنها ووحدتها، من الخارج ومن الداخل؛

      ثانيها: التحولات الفكرية والايدولوجيات الدينية المتطرفة، هنا وهناك، والتي تشكك  في الأصالة الوطنية والقومية للمسيحيين العرب، أو تحاول، على الأقل، إعادتهم إلى عصور الذمة والوصاية؛.  

       ثالثها: ارتباط مصيرنا وتاريخنا، الماضي والراهن والمستقبل، حياتيا  وحضاريا  وقوميا واقتصاديا، والتحامه  التحام اللحمة بالسدى، مع إخوتنا ومواطنينا المسلمين، معهم  بنينا هذه الأوطان، وما كنا غائبين أبدا عن النهضة القومية المعاصرة، بل من روادها كنا، ولا كنا من الغائبين عن الدفاع  عنها بدمائنا. وليس لأحد الحق في التنازل اليوم عن دوره التاريخي، وان يزايد على غيره. فلا الأقلية العددية تسمح بالانسحاب، ولا الأكثرية تبيح بتجاهل الآخر أو خنقه في ما هو حق له؛

       رابعها: البعثرة والضياع اللذان يشعر بهما بعض المسيحيين، ولا سيما الشباب، بسبب الحروب الطويلة والقاسية –الخارجية والاهلية– سواء أكان في لبنان، أم العراق، أم السودان، أم فلسطين، أم في تصادم الأشقاء المرير في حرب الخليج.. كل ذلك مضافا إلى “رعب” التيار الإسلامي الأصولي الخميني النزعة، مما دفع  بالبعض إلى البحث عن أوطان بديلة عن طريق الهجرة؛

       خامسها: كون جميع المسيحيين في المنطقة العربية، مهما اختلفت طوائفهم وكنائسهم وتسمياتهم (كاثوليك وارثوذكس..) يسبحون في مناخ ثقافي وتاريخي وروحي واحد، ويواجهون التحديات ذاتها، والمشاكل ذاتها، وان اختلفت في بعض التفاصيل المحلية؛ وتحركهم الطموحات والأماني نفسها، ويشعرون بأنهم أعضاء أسرة مسيحية شرقية واحدة، وينظر إليهم من الخارج ككتله واحدة. وكل تجسيم للخصوصيات بيننا ومنا لا يهدف إلى أصالة الشهادة المسيحية والإيمان المتواضع والشركة، هو معول للفرقة والتجزئة، ونتيجة الاثنين التشرذم والضعف ومضاعفة الخوف…

      هكذا إذن يندرج لقاء القاهرة لرؤساء الكنائس الشرقية في باب “العمل الجماعي” وممارسة “الجماعية الكنسية” (Collegialite) لخدمة رعاياهم في الشورى والمداولة، وفي باب تعميق أي التزام مسيحي في الشرق العربي. فإذا كان السؤال المطروح عليهم من الخارج هو: هل وجود المسيحيين مهدد؟ فالسؤال الذي تدارسوه هم سوية هو: ما هو دور المسيحيين وتأثيرهم في بيئتهم؟ كيف يتعايشون بأخوة وانسجام وتعاون مصيري مع إخوتهم المسلمين الذين يتقاسمون وإياهم الوطن الواحد؟ لذا لم يشمل البيان الختامي أي إعلان عاصف وإنما كان نداء هادئا وعطاء شهادة مسيحية ملتزمة في المحبة والألفة والاحترام المتبادل.

      أربعة أيام من الحوار والمداولة والصلاة واللقاءات لا تكفي للإحاطة بمثل هذا البرنامج الواسع، ولكنها، في كل مرة، محطة للاستماع والانفتاح والفهم المتبادل الأفضل.. ومن هذا الفهم الأفضل تأتي المعالجة الأفضل. لقد استمع البطاركة اسطيفانوس الثاني غطاس (مصر: أقباط). نصرا لله صفير (لبنان: موارنة). مكسيموس الخامس حكيم (لبنان– سوريا: روم). اغناطيوس انطون الثاني حايك (لبنان: سريان). روفائيل الأول بيدا ويد (العراق: كلدان). جان بطرس الثامن عشر كسباريان (لبنان: ارمن). ميشيل صباح (القدس: لاتين). استمعوا إلى الصورة التي نقلها كل من كنيسته وبلده، ثم استمعوا أيضا باهتمام إلى أبحاث في الحوار والتعاون والتلاحم قدمها علمانيون، مسيحيون ومسلمون. وكان من بين المتكلمين الوزير السابق وليم سيفين (مسيحي) والجنرال احمد وتيدي “جمعية إخاء الدين” المصرية التي تضم مسيحيين ومسلمين بهدف إشاعة الإخاء والتعاون والانسجام بين أتباع الديانتين. فتكلم الواحد عن ضرورة وضع ستراتيجية كفيلة بوضع حد للإرهاب الذي يفرزه التيار الديني المتطرف، وأبان الآخر دور التيار الصوفي في التقريب بين المسيحيين والمسلمين. أما اللبناني المسيحي نصيف نصار فقد ركز على أهمية الربط الحيوي بين الوجود المسيحي والثقافة العربية.

       هذا الجو “المسكوني – الوحدوي”  ظهر بصورة أجلى في مناسبتين كبيريين أخريين عن هذا المؤتمر، الأول في لقاء البطاركة السبعة مع الرئيس حسني مبارك، والثانية في الزيارة التي قام بها البابا شنودة الثالث، بطريرك الأقباط الأرثوذكس، للبطاركة الكاثوليك في مقر اجتماعاتهم بدير المعادي للأقباط الكاثوليك. ولقد تعدت هذه الزيارة المجاملات البروتوكولية لتصبح نافذة يطل منها البطاركة الكاثوليك على أوضاع الكنيسة القبطية الشقيقة (8 ملايين في مصر). وكما في اجتماع لبنان (19-24 آب 1991) سيصدر البطاركة الكاثوليك الشرقيون رسالة راعوية مشتركة. من المؤمل أن تنشر في عيد الفصح المقبل، ستتضمن توجيهاتهم، صدى لاجتماع القاهرة، في تجسيد التزام المسيحي الأفضل  في شرقنا العربي، من ناحية التأصل الإيماني الأعمق  وتقوية الربط الأخوية والمبادرات المشتركة بين الكنائس الشقيقة  وإعطاء زخم جديد للتفاهم المسيحي– الإسلامي.

 ((((((())))))))

راهبات القديسة كاترينة الدومنيكيات  

المعروفات “بالدومنيكات” أو “الكاترينيات”

تحقيق/ايار- تموز1992

         قلعة من الحجر الموصلي الأبيض الصلد المنقور، ذات ثلاثة صفوف أفقية من النوافذ الواسعة المنفتحة إلى الشرق. يتوسطها، بين جناحين غير متناظرين حجما، برج فارغ نصف دائري، يقطع خشونة حجارته زوجان رشيقان من النوافذ العمودية النحيفة، تحمل ضياء النهار ودفء الشمس إلى الداخل. وتعلو البرج مجرسة إسمنتية مضافة بغير انسجام، يتوجها صليب كبير من الاسمنت أيضا، ومنها ينطلق الرنين الداعي كل يوم احد إلى قداس الصباح.

      هذا هو الدير الأم لراهبات القديسة كاترينة، المعروفات “بالدومنيكيات”، في منطقة الموصل الجديدة. صمم المبنى الأب حنا فيي الدومنيكي في نهاية الأربعينات ليكون ميتما، ثم سرعان ما انتقلت إليه الراهبات في بداية الخمسينات كدير مركزي لهن، لضيق ديرهن القديم في منطقة الساعة بالموصل (العتيقة).

      كانت المنطقة، يومذاك، مبعثرة البيوت، معزولة، وهي اليوم منطقة شعبية زاخرة بالحركة وسوقا ينمو يوما بعد يوم.. والدير واحة واسعة يكاد يختفي وسط تشكيلة غنية  من أشجار الصنوبر والزيتون واليوكالبتس والحمضيات المتنوعة والدوالي المعلقة، شيء واحد يجذب نظرك وفضولك.. سياج الدير العالي مترامي الأطراف وقد استحال، في الآونة الأخيرة، على طول وجهه المحاذي للشارع العام، جداريه زاهية الألوان من لوحات الإعلانات المتراصفة للمحلات التجارية.. 

أقدم رهبانية نسويه عراقية

         جمعية راهبات القديسة كاترينة الدومنيكيات(1) تعتبر أقدم رهبانية نسوية في كنيسة العراق في العصر الحديث، إذ أن البذرة الأولى وضعت عام 1877. ولهذه الرهبنة الوطنية، تأسيسا وتكوينا وتوجها، دور متميز، ليس في إرساء تقليد رهباني نسوي في كنيستنا  العراقية المعاصرة حسب، بل لدورها الكبير أيضا في المجال التثقيفي والتربوي والاجتماعي في العراق، ولا سيما في المنطقة الشمالية، قبل امتدادها إلى بغداد في نهاية الخمسينات، وكذلك لكونها شاهد فعلي وعامل حي للوحدة المسيحية، حيث أن الرهبنة لا تنتمي إلى طائفة معينة بالذات، بل هي من ولكنيسة العراق، تقدم خدماتها حيث الحاجة وإمكانات التلبية، دون اعتبار للانتماء الطائفي. وإذ تأتي الراهبات من مختلف الكنائس، يعشن في وحدة الأسرة الواحدة، من دون أي ارتباط فئوي أو طائفي، ويختبرن بالمقابل تراث الطقوس الكنسية المتنوعة، ويتناوبن في صلاتهن، لاسيما في إقامة القداس ألديري، الطقوس الرئيسية الثلاثة: الطقس اللاتيني (طقس الآباء الدومنيكان المشرفين وبوصفه طقسا محايدا) والطقسين الكلداني والسرياني (طقس الأخوات)، وتحسن الراهبات الإنشاد فيهما. أما في مراكز العمل، أي في الأديرة المحلية، فتتبع الراهبات طقس الأبرشية، وترى صورة مطرانها في صدر غرفة الاستقبال.

         في نطاق التحقيقات التي بدأتها “الفكر المسيحي” حول الرهبنات العراقية(2)، توجهنا هذه المرة، إلى الأخت فيلومين، الرئيسة العامة لراهبات القديسة كاترينة الدومنيكيات، لنتعرف على الرهبنة ورسالتها وحقول عملها.

         انفتح الباب الرئيسي الحديدي بكبسة زر من الداخل، فكنا أمام تمثال كبير لعذراء لورد واقفة بهدوء في كهف كست جدرانه نباتات متسلقة وتزين قاعدته المسيجة أنواع الورود والزنبق. وقادتنا أخت إلى الأم الرئيسة في القاعة الكبرى.

الروحانية والرسالة

         ما هي الروحانية المميزة للرهبنة. وما هي رسالتها؟

        *الأخت فيلومين: بما أن الرهبنة جزء من الأسرة الدومنيكية، فالاركان الأربعة لروحانيتها هي أركان الدعوة الدومنيكية عموما، أي: حياة الصلاة والتأمل، الدرس، الرسالة، (أما الرسالة والحياة المشتركة فتعانق كل نشاط يصيب في خدمة وإنعاش حيوية كنيسة العراق –أو البلد الذي تعمل فيه–  وقد اتخذ ذلك فعليا منذ نشأة الرهبنة وتعمق خلال مسيرتها وخبرتها في ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه التثقيفي – التربوي، والاجتماعي – الإنساني،  والشهادة ضمن الوظيفة.

       لاشك إن قطاع التربية والتعليم قد نال القسط الأوفر من جهد الراهبات، بل كان الحقل الأول الذي حرثنه منذ البدايات الأولى، لاسيما في القرى والأرياف، فقد كن يملكن ويدرن، قبل قرار تأميم المدارس في العراق عام 1974، حضانتين، و 12 روضة، و 10 مدارس ابتدائية  للبنات أو مختلطة، ومتوسطة – إعدادية واحدة: في بغداد ولموصل وقرة قوش وتلكيف والقوش وتلسقف وسنجار وغيرها. وكانت تضم هذه المدارس 4850 طالبة وطالبا، وقد خرجت الراهبات أجيالا لا تزال تلهج لهن ثناء، مسيحيين ومسلمين أيضا. وطالما تميزت هذه المدارس بمستوياتها الدراسية وتكرمت من قبل المسؤولين. ولقد استمرت الراهبات بعد التأميم في تدريس كافة المواد العلمية والأدبية كالسابق –ومن ضمنها الدين–  ولا زالت الإدارة بيد بعضهن حتى الآن في حضانة واحدة، روضة واحدة، وابتدائية واحدة، وإعدادية واحدة إضافة إلى التدريس في مدارس رسمية أخرى، داخل المدن وفي القرى.

       ولا شك أيضا إن تأميم المدارس فتح الفرصة أمام الأخوات ليتوجهن إلى وضع خبرتهن وطاقاتهن بصورة مباشرة، بل بالتفرغ أحيانا، لخدمة الكنائس في التثقيف الديني، سواء في نطاق النشاطات التقليدية كالتناول الأول، وإرشاد الفتيات الاحديات، وأخويات النساء؛ أو في النشاطات الشبابية والراعوية والحركات الرسولية ودورات التعليم المسيحي المكثفة مع العلمانيين، ومع العاملات والموظفات والممرضات، وهناك أيضا “بيت الصلاة” في مبنى عش الرهبنة في الموصل القديمة، حيث تزاول بضع أخوات العمل والصلاة، ويستقبلن “كروبات” من الشباب والفتيات لرياضات روحية أو لقاءات صلاة. ومن المراكز الأخرى التي تعمل فيها أخوات: مكتبة الناصرة للآباء الدومنيكان في بغداد ومركزهم السمعي البصري الديني في الموصل.

      أما في الجانب الاجتماعي، فتقوم الأخوات بزيارة المرضى والأسر الفقيرة –وقد كان لهن دور في الأزمة الحالية في إيصال المعونات إلى عائلات المعوزين–  وليس ببعيد اليوم الذي كانت فيه الدومنيكات، قبل التأميم أيضا  يدرن ميتم القديس يوسف في الموصل. أما اليوم فقد تحولن إلى دار الدولة لرعاية الإحداث في الموصل ويهتممن بالفتيات في ديرهن بالزعفرانية  وبالعمل مع المعوقين في مؤسسة رسمية في العاصمة  ومع “جماعة المحبة والفرح” للمعوقين في الموصل(3). وهناك من اشتغلن سنوات ممرضات في المستشفيات، وهن الآن يتهيأن لفتح مستشفى خاص بهن للولادة في بغداد.

        وفي الوظيفة، هناك عدد من الراهبات موظفات في الدوائر الرسمية، حيث تقدمن من خلال عملهن وعلاقاتهن شهادة حية للالتزام والمحبة المسيحية التي اتخذتها درسوا لحياتهن وقناة الاتصال بمختلف شرائح المجتمع.

الثقافة والتنشئة الرهبانية

         بينما كانت الرهبنة تكتفي في السابق بالشهادات الدراسية البسيطة – ولربما كان في البدايات من لا تحسن القراءة والكتابة – قررت منذ 1957، كما أكدت الأم الرئيسة، أن لا تقبل الفتيات اللواتي لم ينلن، على الأقل، قسطا من الدراسة الابتدائية. ثم عمدت، وفق مناهج مناسبة، إلى تزويد راهباتها بالمستوى الثقافي اللائق، بحسب القابليات والرغبة، ليكن أهلا لتغذية حياتهن الروحية والفكرية ولتثقيف غيرهن. وفي سبيل ذلك صارت معظم الأخوات يكملن دراستهن الإعدادية والجامعية أو في المعاهد المتخصصة. فنال معظمهن شهادات دراسية رسمية وعالية في مختلف الفروع، من داخل القطر أو خارجه، وتعلمن لغات أجنبية تتيح لهن الإجابة إلى متطلبات العصر…

        وكانت قد انضمت إلى الحديث أخوات أخريات…

        أما التثقيف الديني، بفروعه اللاهوتية والكتابية والكنسية، فقد ركزت وأكدت عليه الرهبنة في السنوات الأخيرة، أكثر من ذي قبل، وذلك عبر قنوات ثلاث: التثقيف الذاتي بالمطالعة والمتابعة الشخصية؛ الدورات اللاهوتية والحلقات الدراسية الخارجية، والمحاضرات التي تلقى في الدير الأم –لاسيما لمرحلة التنشئة–  وفق منهج يدعى إليه محاضرون من الآباء، أو على يد الأخوات المتخصصات. وهناك فعلا عدد من الأخوات قضين فترات إيفاد دراسي في فرنسا وايطاليا ولبنان، في مؤسسات كنسية ورهبانية وجامعية.

        أما مراحل التنشئة الرهبانية من حيث التدرج فهي ثلاث:

       1 – فترة الطلب (سنة واحدة) وتستمر فيها الفتاة الطالبة على متابعة دراستها الرسمية الخارجية، ويكون الحد الأدنى للقبول 17 سنة؛

       2 – فترة الابتداء (سنتان) وهي سنوات تفرغ للتنشئة الروحية والرهبانية المكثفة. ويشمل المنهاج التثقيفي محاضرات ودراسات في اللاهوت والكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة، إضافة إلى تاريخ الرهبنة الدومنيكية ومشترعاتها وروحانيتها؛

       3 – فترة الحداثة (3 سنوات) وتلي الابتداء مباشرة بإعلان النذور الأولى لمدة سنة واحدة تجدد كل عام على مدى 6 سنوات، ثم تعقبها  النذور المؤبدة لمدى الحياة.

       وتوقفت الأم الرئيسة قليلا. ثم أردفت بحسرة معبرة عن قلقها من قلة الدعوات الرهبانية. ثم أضافت موضحة إن الأخوات يبذلن جهودا لاكتشاف دعوات جديدة أو ايقاظها، منها دعوة الفتيات الراغبات إلى مشاركة الأخوات في الصلاة واقتسام الخبز، وفي تنظيم لقاءات أسبوعية أو شهرية لمراجعة الذات واكتشاف القابليات وتمييز صوت الرب.

مشاريع المستقبل

         ومشاريع المستقبل؟

        ** الأخت فيلومين: لنا مشروعان اجتماعيان مهمان:

      1 – مشروع “مستشفى الحياة للولادة” في بغداد، الذي هو في طور التكوين ليستوعب في مرحلته الأولى نحو 15 سريرا. بإدارة راهباتنا وملكية الرهبنة، بالتعاون مع أطباء وطبيبات اخصاء.

     2 – مشروع مهني – تثقيفي واسع لفتح مشاغل خياطة للفتيات، هدفه تأهيل وتوفير عمل لهن إضافة إلى التوجيه الاجتماعي والمسيحي، وقد بدأت المرحلة التدريبية في كل من قرةقوش وتلكيف وتللسقف وبرطلة وباطنايا. وفي النية فتح مشاغل مماثلة في الموصل والقوش.

                                                             بمشاركة نجيب قاقو

——————-

(1) انظر ف .م . ت1 ت2 1986 ص 381. وكذلك كتاب الاب خليل قوجحصارلي: القديس عبد الاحد مؤسس الرهبنة الدومنيكية، روما 1990 ص 131.    

(2) الرهبنة الكلدانية الهرمزدية (نيسان 1983)؛ راهبات التقدمة (ايار 1988)؛ الاباء الكرمليون (ك2 1989)؛ الاباء الدومنيكيون (ايار- تموز 1991).

(3) انظر ف .م . ك2- شباط 1992.

أين توجد دومنيكيات القديسة كاترينة

    * عدد الراهبات الناذرات: 134 / المبتدئات:  2 / الطالبات:  7

    * الأخوات المعلمات والمدرسات: 33 /  الموظفات: 17

    *عدد الأديرة في العراق:16(الموصل. بغداد. قرةقوش. تلكيف. برطلة. القوش. تللسقف. باقوفا. باطنايا. بعشيقة. دهوك. عينكاوة ). 

    في الخارج: 4  (روما. لبنان. القاهرة.  بيت لحم).

مراحل التكوين

1877: النواة الأولى من 3 فتيات مساعدة معلمات، يعشن حياة مشتركة في الموصل.

1894: الأب دوميني يقرر تأسيس رهبنة دومنيكية وطنية مستقلة، بالتعاون مع راهبات التقدمة الفرنسيات

1896: أول مدرسة بإدارتهن في سعرت.

1906: انضمام الجمعية إلى الأسرة الدومنيكية.

1914– 1918: فترة الحرب. توقف. استشهاد 7 أخوات.

1927: رئيس عام الدومنيكان يقبل الجمعية في رهبنته رسميا.

1928: افتتاح دار الابتداء بالموصل.

1929: النذور الوقتية، لأول مرة.

1936:  22راهبة يقدمن، لأول مرة. نذورهن المؤبدة.

  ((((((())))))))

 الذكرى المئوية الخامسة لاميركا اللاتينية

1492 – 1992

ملف/ايار- تموز1992

       قارة عمرها خمسة قرون! اعني منذ أن حطت قدما كريستوف كولومب على ارض سن دومنغو عام 1492، وحطت معها قدما المسيحية القادمة من البرتغال واسبانيا…

       أمريكا اللاتينية – وسبق للفكر المسيحي أن تناولتها في ملفاتها العديدة إجمالا وتفصيلا (شيلي، البرازيل، الأرجنتين، المكسيك، الاكوادولر، نيكاراغوا، فنزويلا، بيرو..) – تاريخ  مثقل بصنوف الاستلابات التي أخضعت لها شعوب ذات حضارات عريقة تناضل اليوم من اجل استقلالها السياسي والاقتصادي والثقافي والديني.. وتدعمها كنيسة أدركت أخيرا أنها حاملة إنجيل الحب والتحرر والذي يعطي الأولوية للفقراء والمظلومين والمضطهدين…فأصبحت رائدة لاهوت يدعو إلى التحرير والاستقلال والنمو، وعلى أكثر من صعيد.

      عن بعض أوجه هذه الكنيسة الاميركية  اللاتينية، يحدثنا هذا الملف.

نظرة إلى الوراء وعزم إلى الأمام

          العاب اولمبية (برشلونة)؛ معارض دولية (اشبيلية – الأندلس)؛ مؤتمرات أسقفية لاتينيو -أميركية (سان دومنكو)؛ منشورات مختلفة وبلغات مختلفة؛ برامج تلفزيونية وأفلام سينمائية وثقافية ومتخصصة؛ البابا من جديد في القارة اللاتينية… عام 1922مليء بتظاهرات ثقافية واحتفالية وفنية واسعة، كنسية ومدنية، في اسبانيا وفي أميركا الوسطى والجنوبية، بمناسبة “الذكرى المئوية الخامسة” لاكتشاف أميركا اللاتينية.  

ذكرى.. ولكن

        ولكن مع “الذكرى” كثيرا من الالتباس والتساؤلات والمرارة!

        بماذا يحتفل في الواقع؟ أبوصول الرحالة الايطالي المنشا والاسباني الانتماء كريستوف كولومب إلى ما عرف بعده “بالعالم الجديد”؟ لا شك إن اكتشاف كولومب للقارة الأميركية الجنوبية يشكل إحدى الحلقات الرئيسية في تاريخ البشرية. ذلك إن هذا الاكتشاف زج بقارة كاملة مغلقة على ذاتها منذ ألاف السنين في شبكة التبادل العالمي، وجعل من الأرض كتلة مكشوفة واحدة وحقلا استثماريا واحدا. ولكن اكتشاف كولومب يعني أيضا تدمير شعوب بأكملها وتحطيم حضارات لامعة، لازالت شواهد بعضها شاخصة في حجارة أهرامات المكسيك. انه يعني حملات صيد حقيقية للبشر في سواحل إفريقيا الغربية وسوقهم عبيدا تحت سياط الأوربيين للعمل في استثماراتهم في “عالمهم الجديد”. انه يعني هجمات إبادة جماعية، وقومية وعرقية، بكل معنى الكلمة للسكان الأصليين ودفع المتبقين منهم إلى حياة العبودية والمذلة وحشرهم في حوافي التاريخ كحطام شعوب ليس إلا.. في ذلك ما يدعو إلى الاعتزاز والبهجة؟ سيما وان أوربا خلفت وراءها، لدى الاستقلال، أنظمة قمع واستغلال لصالحها وهيمنة قلة حاكمة ومستحكمة، سياسيا واقتصاديا، على أكتاف جماهير الفقراء والفلاحين والبائسين، في صيغ تكاد لا تختلف بشيء عن عهد الاستعمار المباشر.

          أيحتفل، إذن، بدخول المسيحية إلى عوالم جديدة كانت تتخبط في دياجير الوثنية والأديان البدائية؟ لا شك إن أميركا اللاتينية تضم اليوم نصف كاثوليك العالم، حيث إن 95 % من سكانها الذين يربو عددهم على 395 مليونا هم كاثوليك. وقد تزامن دخول المسيحية إلى هذه الأرض البكر مع اجتياح الأسبان والبرتغاليين لها منذ البدايات، لم يكن التوافق صدمة. والسؤال هو: كيف تمت دعوة السكان الأصليين إلى اعتناق دين الفاتحين؟ هل حمل الإنجيل إليهم دوما كبشرى تحرر وإخوة وكعامل للرقي الإنساني، أم سخر مرارا لتبرير نظريات التفوق واللامساواة؟ أليس أن باسم الحضارة المسيحية والإيمان القويم أخطا الوافدون، مبشرين ومستعمرين، عن قصد أو عن جهل، في تحطيم تاريخ الشعوب الهندية الأصيلة وإدانة تراثها الروحي والأسطوري الشعبي إدانة قاطعة، وكأنه رجس من الشيطان؟

       هكذا، إذن، ووجهت فكرة “الاحتفالات” بالانتقادات والريبة، وأيقظت، في كل الأحوال، مشاعر مريرة في أميركا نفسها، ولاسيما لدى الأقوام الهندية الأصيلة التي تشكل، بالرغم من ما أصابها، نصف سكان القارة، إذا ما أضفنا إليهم أولئك المنحدرين من أصل إفريقي. هؤلاء لم يكونوا هنا، حين استؤصل أجدادهم عبيدا في إفريقيا، ومع ذلك فهم يشكلون اليوم 40% من سكان البرازيل، ترى إي وزن سيكون لهؤلاء وأولئك على مسرح الاحتفالات وفي آفاق المستقبل – وهم لا يحتلون سوى أسفل السلم الاجتماعي في القارة، وفي الكنيسة نفسها لازالوا من دوم ما يستحقون في حمل المسؤولية والمشاركة في الإدارة والقرار-؟

مراجعة حياة

         بسبب هذا كله اتخذ إحياء الذكرى –في إفريقيا وأميركا معا– مسارا يجعل منه عملية مراجعة شاملة لتقييم ما حملته هذه القرون الخمسة من العالم القديم إلى العالم الجديد من سلبيات وايجابيات على حد سواء. مراجعة من اجل نبذ علائق التسلط والهيمنة والتجاهل وإعادة اكتشاف الذات، في جذورها الطيبة وفي أخطائها أيضا وخصوصا.

       وكانت كنيسة أميركا اللاتينية نفسها أول من بدأت فعلا بفحص ضميرها. الم يلتصق اسمها طويلا بأنظمة قمعية دكتاتورية؟ ها هي كنيسة الرجاء في “قارة الرجاء” كما دعاها يوحنا بولس الثاني. أليس من بين صفوفها سبق أن انطلق صوت الإنجيل مجددا، منذ المجمع، كبشرى تحرر ونهوض ذاتي للجماهير المحرومة، وتمرد على الفقر والاستغلال؟ لربما كانت كنيسة أميركا اللاتينية أكثر كنائس العالم تجاوبا وتفاعلا مع روح وتوجيهات المجمع الفاتيكاني الثاني، في مبادرات تطبيقية، راعوية وفكرية ولاهوتية: فكانت ميدلين68 وبويلا؛ وكانت فرق القاعدة، ولاهوت التحرير(1)؛ وكان هلدر كامارا وروميرو واوباند وبرافو… وغيرهم؛ وكانت كل هذه الحركة الشعبية التجددية التي انطلقت من التحام القاعدة العلمانية والرهبانيات والكهنة لاكتشاف دينامية الإنجيل في الحياة والعمل والشهادة. مسيرة محفوفة، في الواقع، بالمعاناة والدموع وحتى بالدماء، كي تأخذ الكنيسة موقعها الطبيعي والواعي والنبوي إلى جانب الفقراء ومن اجل الإيمان الحي الملتزم في بلدان، إذا كانت تحتوي اكبر نسبة من كاثوليك العالم، فهي تحوي أيضا اكبر نسبة من فقراء العالم.

سان دمينغو: أية إستراتيجية؟ 

       ولكن هذا الاتجاه، مع ما يحمل من أمل وحيوية للشهادة المسيحية، لا يلاقي بالإجماع في صفوف الإدارة الكنسية، في ما يخص المفردات والوسائل. وسيكون، لا محالة، محور نقاشات حادة في المؤتمر العام الرابع لأساقفة عموم أميركا اللاتينية، الذي سيعقد في سان دومنكو عاصمة جمهورية الدومنيكان، في الخريف القادم. وسيكون هذا المؤتمر الذي سيفتتحه البابا يوحنا بولس الثاني شخصيا منبر الاحتفالات الكنسية الرسمية بمرور 500 سنة على تبشير أميركا بالإنجيل.

       لاشك إن المجابهة بين السلطة والكنيسة وتيار الالتزام “بأولوية الفقراء” لا تمس الجانب الراعوي المبدئي لهذا الالتزام – وقد اقره مؤتمر الأساقفة العام في ميدلين 68 من صلب رسالة الكنيسة… ولكن الخضات التي أحدثها هذا الالتزام لدى الكثير من الكهنة والرهبان والراهبات، أفرادا وجماعات، لم تكن من دون أن تقلق بل عددًا من الأساقفة والرؤساء الكنسيين. كما إن تلك المجابهة كفت، منذ مدة، أن تكون صراعا مكشوفا بين روما ولاهوتيي التحرير، بالرغم من أزمة الثقة التي انعكست على العلاقات بين القمة والقاعدة. ولكن انزلاقا جديدا دخل إلى المعادلة: فمحور الجدل لم يعد لاهوت التحرير من حيث هو بحث لاهوتي يربط ما بين النظرية والتطبيق الفعلي لالتزام  نضال الفقراء، وإنما الكيفية التي يقرا فيها الكتاب المقدس في الأوساط الشعبية –والمقصود تحديدا في نطاق ما يعرف هناك بجماعات القاعدة–  وخطر قيام ما سمي “بالكنيسة الشعبية” كند للكنيسة الرسمية التي يرئسها الأساقفة. حجتهم في هذا بسيطة وقاطعة: “للسلطة الكنسية، وحدها، وليس “للشعب” إن تفسّر الكتاب المقدس وتوجه الجماعات المسيحية في قراءته، ولها وحدها أن تقرر صيغ التعبير العقائدي واللاهوتي في الكنيسة. هدف النبال في هذه المرة ليست بضعة لاهوتيين منفردين، وإنما طبيعة العمل الراعوي نفسه، الذي يمارسه عشرات من الكهنة والراهبات الملتزمين ميدانيا في أوساط الفلاحين ومع الهنود وسكان الأحياء الجانبية للمدن، في نطاق الجماعات الكنسية القاعدية(2) – وكل هؤلاء الذين، معهم، منذ ربع قرن، اخذوا على محمل الجد توجيهات ميدلين واكتشفوا إن للكتاب المقدس طاقة هائلة للوعي الذاتي والالتزام المسيحي عند صغار الناس الذين رأوا فيه صورة حياتهم ومنه يستقون الأمل والرجاء لوجودهم اليومي بكل معانياته وقساوته.

        أية إستراتيجية  إذن،لعمل الكنيسة الكاثوليكية في أميركا اللاتينية وهي على أعتاب الإلف الثالث؟ هل ستجدد اختيارها، بإصرار ووعي كما فعلت في ميلين 68، لجانب البشرى الإنجيلية المعاشة في معمعة الحياة اليومية بإعطاء الأولوية في سياستها الراعوية واللاهوتية للفقراء والمحرومين، ومع ما في ذلك من احتمالات المجابهة مع الأنظمة وتعريض طمأنينتها كمؤسسة؛ أم سترجح جانب المؤسسة وتحكم قبضة السلطة الكنسية باسم وحدة القطيع والفاعلية الاجتماعية والسياسية الأكبر؟ بكلمة أخرى، ما الحيز الذي سيعطى –بعد سان دومنغو 92–  للفاتيكاني الثاني في التأثير الواقعي على دينامية العمل الراعوي والبحث اللاهوتي والتجدد الكنسي؟ سيما وقد رجحت كفة التقليديين والمؤسسة، بتأثير من روما، على المجالس الأسقفية الوطنية، وفي مؤتمر أساقفة أميركا اللاتينية (CELAM) نفسه!

الكنيسة وحركات الاستقلال في القرن 19

       كان القرن 19 مسرحا لحركات الاستقلال في أقطار أميركا اللاتينية عن التاج الاسباني. ويعتبر سيمون بوليفار (1783 – 1830) من المع إبطال الاستقلال في عموم القارة. وكان للكنيسة موقع مركزي في هذه الحركات، تارة بمشاركتها المباشرة، وطورا كضحية.

      من أشهر أسماء رجال الكنيسة الذين شاركوا مباشرة في حركات الاستقلال، الكهنة: ميكيل هيدالكو، بطل تحرير المكسيك في 1810، وخلفه، خوزيه ماريا مورلوس (1765 – 1815)، والسلفادوري خوزيه ماتياس دلغادو رئيس المجلس التأسيسي لاتحاد  أميركا الوسطى في 1823، والثائر الجمهوري البرازيلي جواكين كانيكا ورفاقه عام 1824.وبين موقعي وثائق الاستقلال في الأقطار المختلفة عدد من رجال الكنيسة. ففي أول مجلس وطني برازيلي هناك 23 كنسيا من مجموع 100، وفي المؤتمر التأسيس لبيرو 26 من أصل 57، وهناك تجربة اليسوعيين التاريخية الفريدة في باراغواي في القرن 18، بإقامة “جمهوريات مصغرة” للهنود تحت نظام حكم ذاتي سياسي – ديني.

      ولكن بقاء الكنيسة كمؤسسة مرتبطة بمصالح التاج الاسباني وعرضة للمساومات البابوية مع الطبقات الأوربية الحاكمة، سرعان ما حرك الأنظمة الجديدة على دفعها إلى حافة الانشقاق عن جذورها الأوربية – الرومانية احيانا بالاضطهاد، أو الاصطفاف وراءها.

———————–

(1) عن “لاهوت التحرير” انظر ف . م . ت2 1987

(2) عن “جماعات القاعدة في الكنيسة” انظر ف . م . حزيران 1977

الجيل المسيحي الأول كيف اعتنق الإنجيل؟

       عندما قدم الأسبان والبرتغاليون إلى أميركا لم تكن الأرض خاوية خالية، بل كانت تسكنها أقوام هندية أصيلة ذات حضارات لازالت تبهر بآثارها الشاخصة حتى اليوم في بيرو والمكسيك. ولم تدخل المسيحية إليهم دوما بالإقناع والعرض بل استخدمت الترهيب أيضا لتقصير الطريق إلى توحيد الأقوام تحت حكم اسبانيا. فأعطي العماد بالجملة من دون تثقيف سابق، وهنا ما يفسر بقاء عادات وثنية كثيرة في عبادات أميركا اللاتينية ورواج التقوى الشعبية. عن تبشير الجيل الأول جاء في كتاب”2000 سنة من المسيحية ” – ج 6 ص 204: “كان برفقة الفاتحين – ضباطا وقادة عسكريين – دوما كهنة لخدمتهم الروحية. وكان هؤلاء أما قسسا وأما إخوة من “رهبان الشكر” (Mercedarios). وكان هؤلاء مسؤولين بصورة خاصة عن نقل الإيمان إلى غير المؤمنين. وكانت رسالتهم تقتصر في الواقع على نصب الصليب بين الاقوام أو على مشارف القرى التي يتواجدون فيها. ولم يكن ذلك ليذهب ابعد. وعند حدوث مجابهة عسكرية، كان الفاتحون يقرؤون إنذارا يرغم الهنود على الاعتراف بملك قشتالة (اسبانيا) سلطانا عليهم، وباله المسيحيين ألها أوحد لهم. لقد كان هذا مهزلة تعكس الذهنية القانونية السائدة آنذاك في اسبانيا وأوربا. وهكذا يوفقون بين ولائهم للملك وضميرهم المسيحي في آن واحد. فلقد كان الملك قد تلقى من البابا الكسندر السادس رسائل توكل إليه مهمة تبشير أميركا. ولقاء هذه “الخدمة المسيحية ” فقط، كان بوسعه أن يجبر الهنود على خدمته وان يبسط ملكه على العالم الجديد. فلقد كان التبشير منذ البداية، جزءا من عملية الاستعمار، وبمثابة الضمان والقاعدة الروحية والقانونية لها” (عن F.S.Av 1979).

لاس كازاس (1474 – 1566) “حرروا الهنود”

     امتدحه يوحنا بولس الثاني، بالاسم، بعبارات قوية وواضحة في رسالته حول “العنصرية” (1988 – رقم 3). كوبا تقيم له نصبا تذكاريا في ترينيداد وهو يحتضن هنديين. بورتولميوي لاس كازاس الراهب الدومنيكي الذي أصبح مطرانا، اكبر مدافع عن الشعب الهندي الأميركي. هو ووالده كان من رفاق كولومب. في هايتي كانت صدمته الأولى إزاء جشع المستوطنين القادمين ووحشية معاملتهم للسكان الأصليين. فانبرى بمواعظه وخطاباته، وبكتاباته ودفاعاته في المستعمرات الاسبانية نفسها وأمام محافل اللاهوتيين، وحتى في البلاط الملكي في اسبانيا، يدافع عن حق الهنود في الحياة والحرية والكرامة، ويطالب بتحريرهم من العبودية، واحترام تراثهم وتاريخهم، ومساواتهم بالقادمين الأوربيين.

    ** في 1531 أمام مجلس أقاليم الهند (الأقاليم الشمالية والغربية للقارة الأميركية  اللاتينية):

     “منذ ست سنوات وانأ اذكر حضراتكم، يا أصحاب السيادة، بالبؤس الواسع الذي تعاني منه هذه الشعوب”الهنود”.إن الإيمان مهان في العالم الجديد، بينما كان بالإمكان أن يكون الله معروفا على شكل أفضل من أي مكان آخر. والحال إن الله أبا المراحم يريد أن نهرع إلى عون الفقراء المتألمين. إن صراخ هذا الدم البشري يصعد إلى عنان السماء وابن الله يضع بين أيديكم سلطة ملء الحاضرة السماوية. لا تقبلوا، من بعد، أن تستمر المساوي بحق الهنود، في أجسادهم وفي نفوسهم.”

    ** في 1544 أمام العاهل الاسباني في اشبيلية:

   منذ وجودي في دير سان باولو، لا يكف هؤلاء المساكين عن اللجوء إليه، خوفا من ملاحقتهم وإخضاعهم للجلد والسلاسل، لو شهدت جلالتكم تهافت كل هؤلاء تجار التوابل الذين ذهبوا إلى هناك لمقايضة منتجاتهم بالذهب والعبيد، لترددتم بين الضحك والاستهجان، فلتعلن جلالتكم من جديد إن هؤلاء الناس “الهنود” هم أحرارا قانونا: أنهم كذلك كما إنني أنا نفسي تماما”.

    “… كل يوم، نحن الأسبان، نصادر هذا الشيء الثمين، ألا وهو الحرية، وإذا كان العاهل يجهل واجبه، فعلى الاسقف ويعني لاس كازاس نفسه أن يذكره بأنه ملزم بتامين الخير لرعاياه ” (عن مجلةN.H. Nov. 991  ).

وجوه نبوية من كنيسة اليوم

كنيسة اليوم إلى جانب تحرير الفقراء

   * أساقفة أميركا اللاتينية في ميدلين 68 وبويبلا  79:

   –  “إننا نجدد اختيارنا التفضيلي الواضح والبنوي للفقراء، كما فعلنا في ميدلين، وأننا نتضامن معهم بالرغم من الانحرافات والتأويلات التي أضرت بروح ميدلين” (1134).    

   – “إننا نتحقق من الهيئات الأسقفية  الوطنية، وعددا كبيرا من قطاعات العلمانيين والكهنة والرهبان قد عمقوا التزامهم مع الفقراء وجعلوه عمليا، وإنهم قد اخذوا، بتشجيع من الكنيسة، بتنظيم ذواتهم كي يعيشوا ايمانهم ويطالبوا بحقوقهم”(1136 – 1137).

   – “إن الشجب النبوي الذي مارسته الكنيسة والتزاماتها على ارض الواقع مع الفقراء، قد أثارت الاضطهاد ضدها..” (1138 – 1139).

  *لاهوت التحرير:

  – “إن لاهوت التحرير هو محاولة  لفهم الإيمان انطلاقا من الممارسة التاريخية، والمحررة، والقمعية التي يخضع لها فقراء هذا العالم، كطبقات مستغلة، وأعراق مذلة، وثقافات مهمشة. انه يولد من أمل قلق بالتحرر، ومن الصراعات والإخفاقات والمكاسب التي تمس المسحوقين أنفسهم، من وعي ذاتي بأننا ابناء وبنات الأب إزاء  إخوة  عميقة وملزمة ” (ص 12).

  – “إن قراءة الإنجيل على ضوء التضامن مع الفقراء والمسحوقين تتيح لنا أن تفضح استغلال ذوي القوة للإنجيل خدمة لمصالحهم، ولكننا لن نحق ذلك تماما، إذا لم نع الجانب النقدي الدائم والخلاق لدعوة الإنجيل المحررة.. إن كلمة الرب تتحدى كل انجاز تاريخي، وتضعه في نطاق مشروع المسيح الأوسع في التحرير الكامل والجذري للإنسان، بوصفه، أي المسيح، سيد التاريخ” (ص 59). 

  ((((((())))))))

القداس.. شهادة إيمان وحياة

طاولة / اب- ت1 1992

        في عدد خاص عن الاوخارستيا كان لابد من استمزاج راي المؤمنين حول “القداس وشؤونه” وما هو من أمر التواصل بين القداس وحياة المؤمن عبر تغيير ظروف الحياة. كان لابد من أن يرد هذا “الرأي” من شرائح مختلفة من المؤمنين، عمرا، وجنساً، وموقعا اجتماعيا ومهنيا، فكانت طاولة مستديرة ضمت عددا من المؤمنين ينتمون إلى كنائس مختلفة في الموصل: حكمت كريم (طالب في كلية الطب )؛ د. عزيز ألبنا (رئيس قسم في كلية الزراعة)؛ سعاد مرقس (ربة بيت)؛ الشماس صباح سليمان (أشغال حرة)؛ إيمان نوئيل (مهندسة )؛ كفاء يوسف (خريجة تجارة)؛ سحر سالم (معيدة بايولوجي)؛ غصون جرجيس (طالبة في كلية الطب)؛ لندا جوزيف رسام (طالبة في كلية العلوم) الشماس حكمت فتالة (محل تجاري؛ ماجدة جميل (ربة بيت / معلمة)؛ يوسف مطلوب (مدير مصرف).

 اهتمام حياتي – تطبيقي

كان سؤالنا الأول حول مفهوم القداس لدى المؤمنين، كيف ينظرون إليه، وما هو الانطباع الذي يحملونه عنه؟

          بادر د. عزيز ألبنا متحفزا منذ البداية بقوله: لكي افهم القداس جيدا، انظر إليه بدءا من زاوية تزامن عشاء الرب الأخير والفصح القديم. فبينما كان الفصح القديم احتفالا بذكرى العبور (من ارض العبودية إلى الحرية) والانتصار، جاء الفصح الجديد الذي احتفل به الرب في العشاء الأخير الذي نعيد ذكراه في القداس، عبورا روحيا من الموت إلى الحياة. من هذا المنطق يرى د. عزيز إن المسيحية بدأت منذ العشاء الأخير.

        في هذا القول أبعاد لاهوتية عميقة تربط ما بين عشاء الرب الأخير وموته وقيامته، بين فصحه والجذور الكتابية التي ينحدر منها.. هذه الاحداث الزمنية التي تشكل حدثا ايمانيا واحدا متماسكا هو “العهد الجديد” بدم المسيح المهراق وجسده المبذول من اجل حياة البشر، حياتنا.. ذلك كله نعيشه، نحن، بالإيمان أيضا بالقداس.

      ولكن المتحاورين ليسوا لاهوتيين أو منظرين، فالذي يهمهم هو الجانب العملي –الحياتي– التطبيقي للقداس، لذا تناول الشماس صباح سليمان الحديث بقوله: أنا كشماس انظر إلى القداس كالتحام مع الله، مع المسيح من جهة، ومع الناس من جهة أخرى، لذا يؤسفني جهل الكثير ممن ليس القداس لهم سوى واجب ديني روتيني أسبوعي، وفي تقديرهم أنهم بتتميمه قد أكملوا الشريعة، وان بتناولهم يحصل تحوّل سحري لديهم. في السياق ذاته هب يوسف مطلوب يدعو إلى أن تلغى تماما كلمة “الروتين” من قاموس المؤمن، وخاصة فيما يخص القداس. ولا يتصور المؤمن إن مهمته قد انتهت بانتهاء القداس، يجب أن يكون ثمة تواصل بين رموز القداس، أي بين ما يدعو إليه من خلال الرموز والحركات والأدعية، وبين الحياة الواقعية التطبيقية. إلى هذا المعنى ذاته كانت تشير إيمان نوئيل تقول: وَجْها  اللقاء في القداس:  مع الرب ومع الإخوة، فوصفت القداس بأرقى أنواع اللقاءات البشرية، قالت انه حالة متجددة، ولعل تغيير المكان والصيغة الاحتفالية، بين الحين والحين، يثري هذا التجدد ويكسر الروتين. أليس كذلك؟ – حتى تناول القربان نحول إلى ممارسة لا عمق فيها ولا هدف سوى مجاملة الآخرين والاصطفاف معهم، تقول سعاد مرقس، فغاب عن التناول اتحاد بالرب وعهد بالتعمق الروحي والالتزام المسيحي. فكيف بالمتناول إذا ما أسرع حال خروجه من الكنيسة –ولربما  بينما لا يزال في داخلها–  يشهر بفلان أو فلانة، ويتكلم بالسوء عن غيره؟ أليست تلك حالة معاكسة لما يفترضه التناول؟

الاوخارستيا: ارتباط صميم بحياة الإيمان

تعليق الأخت سعاد قادنا إلى المحور الثاني الذي تناول حضور القداس، هل يعد فريضة واجبة، أم عادة درجنا عليها، أم حاجة روحية لها ارتباط بصميم واقع المؤمن؟

        قال حكمت كريم: احضر القداس لأتشرف بلقاء الرب وسط احتفال الهي مهيب، فتغمرني السعادة واشعر بانتمائي إلى هذه العائلة المسيحية الكبيرة، وشبه الشماس صباح سليمان ترقبه موعد القداس  بترقب الحبيب موعد لقاءاته، وركز يوسف مطلوب على تفرغه لقداس الأحد هو وعائلته مهما كانت الظروف والمناخ والأشغال، فكل شيء يهون أمام ما يمنحني هذا الاحتفال المقدس، وعززت ماجدة عزيز بمثل عائلة فتية يتناوب فيها الزوجان، أسبوعا بأسبوع، على الاهتمام بالطفل، ليتمكن الآخر من المشاركة في الاوخارستيا.

       من هذه القناعة المبدئية بقدسية اوخارستيا الأحد، انزلق الحديث إلى ما يعتري التنفيذ أحيانا، فأشارت كفاء يوسف إلى الرتابة التي تتم فيها كثير من القداديس. غصون جرجيس لم تنكر وجود الرتابة أحيانا، ولكنها ترفض أن تكون عاملا في عدم الالتزام. سعاد مرقس لم تكتف بتخطي الرتابة، بل قدمت حلولا لتجاوزها ووضعتها بيدي الكاهن النشط ليستقطب المؤمنين بمساعدة كادر اللجان الطقسية أو لجان الخدمة لخلق أجواء الصلاة والمشاركة. وكوجه من أوجه كسر الرتابة سلطت سحر سالم الضوء على نوع من اللقاءات الروحية والقداديس الخاصة التي تتم في بعض المناسبات كالرياضات الروحية أو السفرات ولمجموعات صغيرة من الشباب والأخويات حيث يكون التجانس من حيث العمر وطرائق التفكير والمرونة في استخدام الأطر التقليدية.

      وهنا أدلى د. عزيز ألبنا بملاحظة كظمها حتى هذه اللحظة وهي إن الحديث يأخذ منحى الكم في الحضور، فلا يمكن إهمال النوعية في الحضور، وهذا هو الأهم، وإذا كان هذا الأهم نصب أعيننا فالسؤال الذي نطرحه على أنفسنا سيكون: ما هي ثمرة حضوري القداس، وكم أثرت مشاركتي في حياتي؟ وابدى تألمه للحضور الشكلي عند قسم كبير منا، أو حضور التباهي والتظاهر.

      وحين هممنا بالانتقال إلى المحور الثالث، أجمل الشماس صباح دوافع حضور القداس بقوله: أرى من كل ما قيل إن هذه الدوافع –إضافة إلى الدافع الإيماني والعقائدي– تعود إلى العوامل التالية: العامل الثقافي ويتمثل في  قابليات الكاهن لتوجيه لموعظة؛ العامل الطقسي ويتمثل في الأجواء الروحية وقدرة الانجذاب التي تخلقها الليتورجيا؛ العامل الاجتماعي ويتمثل في لقاء الأصدقاء والمعارف؛ العامل النفسي ويتمثل في ما تملكه بعض الكنائس من أجواء إيحائية وهيبة خشوعية بهندستها ونظامها؛ العامل الفني ويتمثل في جمال الأداء والأصوات وإتقان الجوقات.

يجب أن تكسر القوالب

المشاركة في القداس ما رأيكم فيها؟ ما هي الصيغ التي تفضلونها أو تقترحونها؟ – المحور الثالث.

         أثار السؤال هموما في الأعماق، وعبر الجميع عن الآثار السلبية التي يتركها الجمود والسكون وبقاء القداس، في كثير من الأحيان، حضورا جامدا يؤدي فيه أشخاص معدودون الأدوار الرئيسية بعيدا عن المؤمنين، بينما يبقى هؤلاء على مقاعدهم في دور المشاهدين. لذا كان من المفيد جدا التمييز الواضح بين فكرة حضور القداس، ومفهوم “المشاركة في القداس”. فانبرى د. عزيز ألبنا الذي تشعر إن مداخلاته تعكس دائما حرصا ومعاناة؛ ودعا إلى تحريك القوالب الجامدة التي تسير عليها بعض مفردات الطقوس، لاسيما تلك التي تجاوزها الزمن، ففي كل زمن يجب خلق ما هو ضروري وملائم لواقع الحياة. وأضاف: لقد بني إباؤنا الكنسيون في السابق الطقوس لتكون تطبيقا للإيمان وفي اتصال مع الحياة. لماذا نبتر قداسنا اليوم عن الحياة؟ سعاد مرقس تقول: اجل، يجب أن تكسر القوالب، يجب الموازنة بين المظهر والجوهرة، يجب ربط الصلة ما بين الليتورجيا والحياة اليومية، تضيف ماجدة جميل.

          ولكن لهذا “الربط” وجهين:  وجه شخصي يتمثل في جعل القداس غذاء إيمانيا للبناء الروحي الذاتي، ووجه خارجي يتمثل في طاقة العطاء الإنجيلي التي يضعها فينا القداس.عن الوجه الأول تكلم الشماس صباح سليمان عندما ميز بين “حضور الأخذ” و “حضور العطاء”.  في الحالة الأولى ينتظر المؤمن من دون جهد من عنده، وفي الثانية يتفاعل في أعماقه وينفتح لنعمة الرب كي يتحول من الموت إلى الحياة ويعمل لحصول التغيير في حياته. أما عن الوجه الانجيلي فتكلم حكمت كريم: لحضور القداس بعد تبشيري أيضا، حيث نشعر بشمولية مسيحيتنا، ومنه نحمل قيم المسيحية إلى العالم. على منواله نسج يوسف مطلوب بقوله: ما آخذه من القداس احمله في تعاملي، أبثه في العالم:  وأضافت إيمان نوئيل: إذا أخذنا كثيرا، نعطي كثيرا.

        وعندما جئنا إلى صيغ المشاركة الفعلية برزت بعض الأفكار العملية، مع بقائها فقيرة في معالجاتها. قال د. عزيز: المشاركة محصورة بين جماعة معينة ثابتة تتقاسم الأدوار. حبذا لو يشارك احدهم –من غير هذه المجموعات–  بالقراءات، مثلا، بالتناوب. وتوقف الحديث ردحا عن اللجان الطقسية في بعض الكنائس أو لجان الخدمة التي تنتدب حول كاهن الرعية لإعداد المفردات المتحركة في القداس واختيار القراءات وتنظيم الاحتفالات وتنسيق مشاركة المؤمنين الضرورية والشمامسة والجوقات. ولم يخف احد ما لكاهن الرعية نفسه من دور رئيسي وأساسي في تنشيط المشاركة وإحياء الاحتفال الاوخارستي أو تجميده، ولكن إلى جانب ذلك، على المؤمنين، والشباب معهم وخاصة، أن يعوا مسؤولياتهم في عضد الكاهن في إنعاش الاحتفالات، وفي مَدّه باقتراحاتهم وتشجيعه على الحركة، ومطالبته بتنوير المؤمنين حول مضامين الاوخارستيا وقيم القداس ودوافع التجديدات.

       أخيرا ورد اقتراح على لسان الشماس صباح سليمان: حبذا لو يصار إلى اخذ عينات من صيغ الاحتفال والمشاركة في كنائس القطر وعكسها على صفحات المجلة، للاطلاع والاستيحاء.

ضعف في الإيمان.. واغتراب..

أخر محور: أزمة القداس لدى غير الممارسين. ما هي الأسباب التي تمنع أو تعيق عن القداس؟

         قالت سعاد مرقس: هناك من يقول: أنا مؤمن واصلي في البيت، فلا داعي لحضوري إلى الكنيسة. وأردف د. عزيز: منهم من يحضر مرة أو مرتين، فيرى من لا تسره رؤيتهم، فيحجم عن العودة. وقال حكمت عزيز: منهم من تمنعه أوقات القداديس عن الحضور لانشغاله في التزامات أخرى. ونقل الشماس حكمت فتالة إن من الناس من يكتفي بسماع قداديس مسجلة في منزله. وقالت إيمان نوئيل: هناك من يلقي التبعة على سلبيات الكاهن ونفوره الشخصي منه. فقطع يوسف مطلوب مصرا على إن السبب العميق المباشر لعدم الاشتراك في القداس هو ضعف الإيمان. فهنا يجب أن تتم المعالجة. فتوضح غصون جرجيس إن الإيمان نفسه يتعمق بهذه المشاركة الفعلية في القداس. وكأني بها تقول: “أفضل دواء لمعالجة أزمة القداس هو القداس نفسه، فليأت هؤلاء الإخوة وليشاركوا إخوتهم في الصلاة والإيمان وليعيشوا معهم هذه الساعة الإيمانية، وسينالون نعمة الإيمان ويذوقون طعم الرب”.

       وهنا أثارت كفاء يوسف مسالة الشعور بالغربة فذكرت إن ثمة من لا يملك شجاعة الحضور والمشاركة لأنه يرى نفسه غريبا عن الجماعة، لا سيما عندما لا يهتم به احد. فعلق احدهم إن هذا الأساس اكتشفه عند مرتادي الكنيسة بصورة متباعدة فيراهم ينزوون وحدهم كالغرباء في فناء الكنيسة، وكم تراهم تتبدل وجوههم عندما تبادرهم أنت أو الكاهن بالتحية.

      وفيما أشارت لندا جوزيف أنها لا تشعر بهذه الغربة، فتندفع وتشارك في النشاطات كالجوقة ولقاءات الصلاة مثلا، ثم أضافت عن أسباب التغيب: هناك من يدعي قلة الوقت. فتلتها ماجدة عزيز بوجوب تنظيم الوقت، وتطرقت إلى موضوع الضيوف، فقالت: لتكن لنا شجاعة الاعتذار، إذا اقتضى الأمر، عن قبول زيارات –أو التزامات–  في وقت القداس، وإذا تفاجأنا بزيارة فأحاول استصحابهم معي إلى القداس.

 

        ساعتان من اللقاء. أسرار إيمانية غنية. طقوس روحية سامية.. ومؤمنون غالبا ما يجهلون ثراء إيمانهم. منهم متعطش للمعرفة، ومنهم أبعدته هموم الحياة عن مجرد الالتفات. فأين الخلل؟ لا شك إننا جميعا معنيون، كهنة وعلمانيين، آباء وأبناء، جيلا اثر جيل.. إذن الدواء في التوعية، وفي الانفتاح.. بالسماع.. بالاطلاع.. بالقراءة.. بالخروج من العزلة الإيمانية إلى لقاء الإخوة.

                                        (مع مشاركة حنان حداد وعبد الأحد يوحنا)

أم ماهر: بقي معنا في هذا السر

أم ماهر (ربة بيت سبعينية) تعذر عليها الانضمام إلى الطاولة لظروفها الصحية، فتحركنا نحوها في منزلها المتواضع حيث تعيش وحدها بين لوحات وحيدها وتستقبل أحفادها الصغار من وقت لآخر، فأغنتنا بآراء من زمانها ومن غير زمانها:

** مفهوم القداس بالنسبة إليك؟ لماذا تحضرين القداس باستمرار؟

القداس هو الذبيحة. الطريقة التي قدمها لنا المسيح ليبقى معنا في هذا السر العظيم. وانأ احضر القداس بدافع المحبة ذاتها التي أحبنا بها يسوع.

** ألا تزعجك السلبيات في الكنيسة، أو بعض الحاضرين؟

أنا راضية عن القداس كما هو، لا التفت لشيء أو أتحدث عن احد لئلا أخطا.

** ما الذي يعجبك بالأكثر في القداس؟

الموعظة، واراها مهمة جدا، تقربني من المسيح. لا أتخلى عنها.

** لماذا يتغيب البعض عن القداس، يا أم ماهر؟

لو عرفوا قيمته!..

** رأيك بالجوقات؟

أسلوب رائع ومهم، وأتمنى أن ترافق الموسيقى كل التراتيل. الرسالة المرتلة أفضلها على المقروءة، أفضل القداس الصباحي على المسائي.

  ((((((())))))))

البيئة الثقافية لمسيحيي الشرق

كتاب/ملف/تشرين الثاني – كانون الاول 1992

        كتاب يستكشف البيئة الثقافية والاجتماعية التي تطورت فيها المسيحية المشرقية ذات التقليد السرياني – البيزنطي – العربي. ما تبقى من تلك “المسيحية” العريقة هو ما يشكل كنائسنا الشرق أوسطية اليوم… والعودة إلى هذا “الإرث” بالنسبة إلى للمؤلف، ليس مجرد غوص تاريخي في السيرة الذاتية لكنائسنا، وإنما له هدفان رئيسيان آخران: أولهما إلقاء الضوء على ثراء هذا الإرث وإيقاظ البحث والاعتزاز لدينا بجذورنا الإيمانية والكنسية والجغرافية، ومن ثم استلهام أمانة الآباء وأصالة إيمانهم، مع الواقعية التي بها تفاعلوا مع حلقات التاريخ المتتالية في هذه المنطقة، وذلك لاستنباط العبر والحيوية لمسيحيتنا الشرقية اليوم.

       في صلب هذه الثقافة العربية التي سرعان ما استوعبوها، بل ساهموا مساهمة فعالة في تكوينها واغتنائها منذ القدم، فعربوا واستعربوا، دون التخلي عن هويتهم.. كان المسيحيون دوما كالروح في الجسد. في الأمس وكذلك اليوم. أينكر احد ما كان للمسيحيين العرب من دور ريادي في بعث الروح القومية وإحياء التراث اللغوي في تاريخنا العربي المعاصر.

     كل هؤلاء الشعراء والفلاسفة المسيحيين، والمفكرين واللاهوتيين، والوزراء والأساقفة العظام.. الذين نحتوا اسمهم في تاريخ بلادنا، كل هؤلاء المسيحيين الصامتين الذين لم يكفوا عن الترتيل والصلاة، والتفكير والكتابة، والحراثة والبناء..وحتى التألم في اليوم، على هذه الأرض المشرقية.. أنرضي أن تكتب صفحتهم الأخيرة على يدنا؟! أم نبقى، كما كانوا، منفتحين للتاريخ وتفاعلاته، شهودا أحياء وحيويين، للمسيح ولكنيسة ترقى جذورها إلى الرسل، في الفجر الأول للمسيحية. فهي إذن عنصر منغرز كالصخر الصلد في قلب هذه الأرض، أو كالسنديانة يتوازى عمق جذورها مع اتساع أغصانها وصلابة جذعها.. فلا تهزها الرياح، الرياح تمر، وهي الصامدة. لنؤمن بهذا…

        في هذا الكتاب الصادر بالفرنسية يبرز المؤلف – وهو مسيحي شرقي حلبي – وجهين علميين يمثلان التقليديين الرئيسيين في الشرق، السرياني والبيزنطي، وهما افرام السرياني، ويوحنا الدمشقي. ومنطلق هذا الاختيار ما يمثلانه في التراث الأدبي والفني والفكر اللاهوتي والليتورجيات التي تكونت انطلاقا في إنطاكيا في سوريا وبلاد ما بين النهرين، ولا زالت كنائسنا الشرقية، الكاثوليكية والأرثوذكسية، على مختلف طقوسها، تتغذى منه حتى اليوم.

        كلاهما عاشا في عهود أزمات وتحولات، على الأصعدة الفكرية والسياسية والدينية، وكلاهما لعبا دورا بارزا في الدفاع عن أصالة الإيمان ضد الانحرافات. كلاهما كانا لاهوتيين وشاعرين استخدما القصيدة المرتلة والإيقاع لجعل العقيدة حياة في متناول عامة الشعب.

        فافرام (306 – 373) هو ابن هذه الجماعات المسيحية النهرينية التي عاشت في خضم صراع حضاري سياسي بين امبراطوريتي الرومان والفرس والتي، أكثر من سواها، أرست إيمانها على تقاليد الجماعات المسيحية الفلسطينية الأولى، في ذهنية شرقية أرامية صرف. فتلقت ارث افرام، ليس كنيسته السريانية، بشقيها الشرقي والغربي، وحدها، بل الكنائس الارمنية والقبطية واليونانية الشقيقة أيضا.

        ويوحنا بن سرجون الدمشقي (665 – 753) هو ابن هذا الجيل المسيحي المشرقي الذي عاصر الإسلام دينا وقوة عسكرية، ونسج أول تجربة للتعايش والحوار في دولة إسلامية، فهو الذي كان لاهوتيا لامعا وتدين له الليتورجيا البيزنطية بمجموعة كبيرة من القصائد والسلالم الموسيقية، كان أيضا وزيرا لخليفة المسلمين في البلاط الأموي.

         من فصول كتاب رنيه خوام العشرة، نستل فقرات مهمة من الفصل الأول بعنوان:

 

                          “زماروا الله” أو “شعراء الله الغنائيون”

 

(…)هناك شاعران كلاهما من ملافنة الكنيسة الجامعة، يحتلان الصدارة بين سائر أقرانهما، يطيب لنا أن نطلق عليهما اسم “زماري الله” (أو شعراء الله الغنائيين)، لأنهما  كلاهما غذيا الصلاة الطقسية بشعرهما إبان أزمة مشابهة، وقادا مجتمعيهما في عملية تغيير ضرورية للتأقلم: مار افرام السرياني ومار يوحنا الدمشقي. كتب الأول بالسريانية (أرامية يسوع المتنصرة) والثاني باليونانية، وعاش الأول في القرن الرابع والثاني في الثامن، افرام اضطر إلى هجر وطنه بسبب احتلال الفرس للأرض الرومية التي كان يقطنها، فبات عليه أن يبني حياته من جديد على أسس جديدة وفي ظروف صعبة. غير أن صيغة جديدة للمسيحية لازالت قائمة حتى اليوم، خرجت من تلك المحنة. أما يوحنا الدمشقي فقد شهد سقوط الإمبراطورية البيزنطية النازفة سقوطا مأسويا، ليحل محلها فاتحون جدد ودين توسعي. وبذلك امحي ماض وتلاشى تماما لتفتح صفحة جديدة في بناء مسيحية على أسس ثورية: أسس الشهادة والإشعاع والحوار الأخوي مع أقوام غير مسيحية وتبدلت حتى قواعد القصيدة الشعرية…

        وجر هذا الشاعران، كل في زمانه، مسيحي بيزنطية وراءهما. ففي زمن التدهور الكامل للبنى الاجتماعية والسياسية طرق هذان الأبوان الكنسيان أسلوبا جديدا في الشعر، بحثا عن لغة جمالية شمولية تستمد قوتها من الفكر الديني. وهكذا يعود لحن الإنسان الطافح بالبهجة وسط المصاعب التي تواجهه على خطى المسيح، يعود لينظم من جديد إلى تيار المزامير، ويفتتح عهدا ملوكيا سيبسط نفوذه من ضفاف الفرات وحتى أقاصي الأرض الروسية وسيبيريا، وفي جزر متفرقة في شواسع الصين (…).

        لقد كان تأثير افرام ويوحنا الدمشقي قويا جدا على الاتجاهات الفكرية لمسيحيي المشرق، وكلاهما تحركا بالرغبة العميقة ذاتها لتجسيد الدعوة المسيحية في عصريهما، وتوجها في عملهما إلى الطبقات الشعبية المسيحية خارجا عن أي منصب كنسي (كان افرام شماسا إنجيليا في الرها) ويوحنا علمانيا بسيطا في القدس، ولكن تحت توجيه السلطة الدينية. ولئن سلك الاثنان مسلك التقشف، فلقد كانا كلاهما قبل كل شيء وفي جوهر تكوينهما النفسي “شاعرين غنائيين لله ” مدفوعين بقوة الروح القدس التي توحد ولا تفرق (…).

        في مسقط رأسه نصيبين – هذه المدينة التي ستنتقل إلى الفرس – رأى افرام بأم عينه محاصرة قلعتها على يد عدو الإمبراطورية الرومانية، شابور الثاني، إذ كان الرعب قد استولى على الجماعة المسيحية من وشوك الوقوع في يد عاهل وثني. فانبرى افرام يهدئ روع إخوته في العماد بوضع قصائد موزونة تدعى “ميمري” في خط التقليد السامي. وتتميز هذه القصائد بتقنية شعرية عالية جدا مما يحدونا على القول بأنها لم تكن التجربة الأولى لصاحبها. فالصور الكتابية تتنادى بها، والقوافي والأوزان التي تربط الجمل تسهل عملية الاستظهار، والأفكار تتداعى في تيار شعري باطني ما هو إلا حصيلة نأمل طويل. هكذا تتأين الرسالة المسيحية من دون أن تنكر شيئا من ماضيها، بينما يصبح الحاضر لها نبع ثراء روحي للذين يحيون من كلمة الله.

       وسيأتي يوم يرتل فيه “السرياني” العقيدة المسيحية في الرها في قصائد موزعة إلى مقاطع يفصلها هتاف أو ردة هي مؤشر إلى مشاركة الشعب. وهذه القصائد هي ما ندعوه أل “مدروشي” أما “سوغيثو” فهي قصيدة إذا قرأت الحروف الأولى من صدر أبياتها حصلت على اسم أو على عنوانها، فتاتي قراءة جميع أجزائها لازمة، وتتضمن هذه القصائد كل معانيات الحياة، وتصلح لان تتلى، أو ترتل في جوقين متناوبين، أو تغنى، أو يتناولها فريقان في حوار يضاعف التأثير الذي تطبعه  في خيال الشعب ” في هذه القصيدة تتكلم الكائنات الجامدة، وتتفجر الطبيعة في التعبير عن ذاتها، وتتجلى أنبياء الكتاب وشخوصه الغابرون لينقلوا لنا عبر مصائرهم الأرضية (…).

        وعلى الأرجح ترجم مار افرام إلى اللغة اليونانية أو ولفت قصائده. فمار غريغوريوس النيصي (+ نحو 395) شقيق مار باسيليوس اسقف قيصرية –وكان هو نفسه شاعرا–  نجد في شعره مجانسات مع أسلوب مار افرام، وتبدو مشاعر “السرياني” وصوره البيانية وكأنها تتقافز عفويا من قلم “النيصي” كلما استسلم لانفعال قوي (…).

       (وهنا يستعرض المؤلف أسماء بارزة أخرى في الشعر الكنسي اليوناني استوحت عبقرية مار افرام، ويثني على عملية الاقتباس والتقابس بين بلاد ما بين النهرين وسوريا واسيا الصغرى، هذه العملية التي أثرت البلاغة المسيحية ونقلت إشعاعها عبر بيزنطية من الشرق إلى كافة كنائس الغرب اللاتينية والسلافية. أليس إن الاقتباس والتقابس علامة شركة وتواصل ضمن الأسرة).

      مار افرام نفسه يؤكد انه سلك مسلك مؤلف غنوصي هو برديصان،  ويأبى تواضعه العميق أن يقول بأنه اغني تقنيات إسلافه وإيحاءاتهم الشعرية. مار افراهاط كان معاصرا له (كتب بين 337 – 345)، وكذلك مار يعقوب أسقف نصيبين، ومار شمعون برصباعي (الذي عاش في عهد شابور الثاني بين 310 – 379)، ولربما ميلس أسقف سوس في العهد ذاته وهؤلاء الأربعة كلهم كانوا من بلاد ما بين النهرين أصلا وثقافة (…).

       نرسي، معلم مدرسة نصيبين الجديدة النسطورية، الذي أطلق عليه لقب “قيثارة الروح القدس”، تناول فن “سوغيثو” وأضاف إليه، فترك لنا زهاء 360 قصيدة عبرت بعضها إلى الكنيسة السريانية (الغربية) تحت اسم مار افرام. ولهذه الكنيسة أيضا مار يعقوب السروجي (+ 521) الذي دعي ” مزمار الروح القدس وكنارة الكنيسة الارثوذكسية “، وقد وضع زهاء 700 ميمر زاخر بالبديع والبيان. كما إن قسما كبيرا من الإرث الشعري السرياني هو من تأليف شاعر شعبي يدعى شمعون كان شماسا خزافا (قوقويو)، وهو معاصر ليعقوب السروجي

       إلى هذه الجوقة انضم جديد خارجي في الربع الأول من القرن السادس في شخص البطريرك المونوفيزي سويريوس الإنطاكي (+ 538)، كتب هذا باليونانية ونشر مجموعة قصائد على إلحاح الشعب بعد تردد، لقناعات نسكية شخصية. هذه المجموعات نقلها إلى السريانية بولس الرهاوي نحو سنة 619، محافظا بدقة على عدد المقاطع الالية لكل بيت. وقد استوحى سوريوس الإنطاكي الأناشيد اليونانية القادمة من الإسكندرية، والتي أغناها على الأرجح مار قورلس الأورشليمي (+ 386). وقد أنجب هذا التزاوج الجديد بين العبقرية الشعرية اليونانية والسريانية بعض المنوعات الأدبية ذات الأهمية الثانوية مثل أل “سدور” وال “عونيثو” وخضعت الكتابات المترجمة لتوزيع جديد، تحت تأثير كتاب الصلوات البيزنطي المدعو “اوكتويكوس”، أي “السلالم النغمية الثمانية ” وهي من ارث مار يوحنا الدمشقي (…..)

      ومرت الأيام…

      وشهدت دمشق بين جدرانها انبعاثا لثقافة يونانية جديدة.وبعد تأسيس الإمبراطورية العربية حدث تمازج جريء للغاية بين الثقافة البيزنطية التقليدية والثقافتين العربية والآرامية. وليس من باب الصدفة أن يكون الشعراء الغنائيون الثلاثة الأكثر شهرة في ذلك العصر، ألا وهم  مار سوفرونيوس بطريرك القدس(1) ومار اندراوس أسقف كريت (2)، ومار يوحنا الدمشقي من مواليد دمشق (…).

(وهنا يورد المؤلف أسماء شعراء كنسيين عديدين آخرين كان لهم دور في الدفاع عن العقيدة القويمة بقصائدهم وتعاليمهم ومواعظهم، منهم رومانس المرنم ومار قوزما المرنم (+ 760) اخو مار يوحنا الدمشقي بالتبني، ومعلمهما قوزما الكبير، ليخلص إلى الحديث عن الجو الأدبي والفني السائد آنذاك في دمشق)

      حيث كان الشعر والموسيقى فرصة لتجارب عبقرية ولوضع تأليف متميزة في جو من الحرية، وحيث كان خلفاء السلالة الأموية الأوائل يتبنون ويرعون طروحات فنية   وأدبية، وفي الفكر الفلسفي والسياسي، فكان هناك شعراء مسيحيون في اللغات العربية واليونانية والسريانية، وكثيرا ما كان بلاط الخليفة المسلم يستضيف مناظرات شعرية متنوعة، وكان شاعر السلالة الأموية الرسمي، الأخطل، مسيحيا سريانيا مونوفيزيا (…).

       ويذكر المؤرخ المسلم أبو الفرج الاصبهاني في القرن العاشر في “كتاب الاغاني” إن جليسي يزيد بن معاوية كانا… شاعره المفضل المسيحي المونوفيزي الأخطل، ووزير ماله المسيحي الملكي سرجون أبو يوحنا الدمشقي.

(وتتوالى فصول الكتاب لتستعرض مفردات هذه البيئة الثقافية والفكرية التي تفاعلت فيها الكنيسة المشرقية تحت ظل أنظمة عربية إسلامية، في دمشق وبغداد خاصة.. وفي مختلف العصور اللاحقة ). 

———————

 سوفرونيوس هذا (+638) هو الذي سلم مفاتيح القدس للعرب تحت شروط مشرفة بعد اندحار الجيوش البيزنطية.

 (+ 740)

من شعر رومانس المرنم

على طريق الجلجلة

على طريق الجلجلة:

مريم كالنعجة

تتفرس بَحََملِها وليدِها                                 هبني كلمة منك

الذي يساق الى الذبح                                  يا ايها الكلمة

يعصرها الألم وهي تتبعه                             لا تغادرني هكذا

برفقة نسوة اخريات                                   صامتاً

وتخاطبه منتحبة:                                      يا من حفظتني طاهرة

         الى اين تذهب يا ولدي                                يا ابني والهي

مِن أجل مَن                                           – بطرس.. توما.. وكل الاخرين..

تنهي جريَك السريع؟                                 لا احد من هؤلاء كلهم

         هل هناك اعراس جديدة اخرى في قانا؟            وحدك انت من اجل خلاص الكل

         أمِن أجل تحويل الماء خمرا من جديد               تموت يا ابني

         تسرع الخطى؟                                        وحدك

         أأذهب معك يا ابني                                   مع انك جميعا وقيتهم من المخاطر

         ام انتظر عودتك؟                                     مع أنك جميعا فديتهم

                                                                  يا ابني والهي..

مناغاة مريم لابنها الطفل

مناغاة مريم لابنها الطفل:                                في صمته؟

بأنغام رقيقة                                          – كيف افتح ينبوع الحليب

      فاضت عواطف مريم وناغته:                              لك ايها النبع؟

      مَن أنعم على المعدَمة؟                                      كيف اغذيك

      بان تحبل وتلد وحيدا غزيرا                                يا مغذي البرايا؟

      صغيرا كبيرا.                                               كيف الفّك في القمط

      كله لديّ                                                      يا متشحاً بالنور؟

     ولدى كل احد كلّه.                                         – لن أغادر يا ابني

واعجباه!                                             كنت معي أم مع الجميع!

     لطفل شيخ                                                    كن الها لمن يدعونك

     مضطجع امامي                                              وربا لمن يخدمونك

     عيناه في السماء تحدقان                                     وكن اخا لمن يحبونك

     وشفتاه لا تكفان تختلجان                                    لتربح الكل

     أتراه مع الله يتحدث                                                         (فنقيث الميلاد)

من كتاب مار يوحنا الدمشقي

الاوخارستيا:

اننا ندعو جسد المسيح ودمه “تبادلا” لاننا بهما ناخذ بالمبادلة لاهوت يسوع المسيح. اننا ندعوهما “شركة” لاننا بهما نشترك في يسوع المسيح. لاننا بهما ننضم مشتركين بجسده ولاهوته، لاننا بالاوخارستيا نعقد الصلة مع المؤمنين الاخرين ونتحد بهم. اذ اننا بالفعل، عندما نتناول من هذا الخبز، ندخل جميعا في جسد ودم المسيح، ونصبح اعضاء لبعضنا البعض، ونشكل جسدا واحدا مع المسيح.                                            (ص145)

—————————————————————–

من مواعظه:

المسيح على الصليب: فلنأت اليه، لنشترك في آلامه، كي نشاركه مجده ايضا. المسيح بين الاموات: فلنمت عن الخطيئة كي نعيش للبرارة. المسيح ملفوف وموضوع في اكفان نقية: فلنتجرد من رُبْط الخطيئة، ونتشح بالضياء الالهي. المسيح موضوع في قبر جديد: فلنتطهر من الخمر العتيق، ولنصبح عجنة جديدة كي نغدو موضوع راحة المسيح.       (ص184)                                                                               

من شعر مار افرام

قبيل الولادة:

كالسفينة المحملة بالخيرات

حملت البتول مريم

شبل الاسد

ذلك الذي كتب عنه يعقوب.

واذ كانا في الطريق الى بيت لحم

قالت البتول ليوسف:

ها قد حان الزمان

ليولد الحمل

فصلى الصديق واجهش قائلا:

ايها الاله الذي خلق الاعالي واعماق الارض والبحار وما فيها

تحنن على امتك

في يوم ميلادك

لا سرير لا فراش لا بيت لها تستتر.

مبارك الذي ترك المركبة في الاعالي

واختار مذوداً  له في مغارة

     ليمنحنا الحياة بتواضعه.

في بيت لحم:

بيت لحم اليهودية اجتزتُ

وسمعتُ صوت مناغيات عذبة

فأخذني الذهول

صوت مريم تناغي وليدها:

ارتضيتَ بي وصرتُ امك يا ربي

مَن ابوك؟

امك لا تدري

مر السرافيم

فتنشر اجنحتها

صفوفا ومراتب

ولتهتف بالتهليل والتقديس.

مر والدتك

فتجثو وتسجد لك

وتعطي الحليب

لتلك النار التي رآها موسى

على جبل سينا.

مبارك الذي ترك المركبة في الاعالي

واختار مذودا له في مغارة

    التمجيد لتواضعه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s