Posted by: abu faadii | 2013/08/03

الفكر المسيحي1993

مجلة الفكر المسيحي1993

121

مقابلة مع المطران أنطوان أودو 

286

نيسان/حزيران

1993

122

الأناجيل الازائية في مؤتمر      ش.ر

284

نيسان/حزيران

1993

123

كاني ماسي بين الماضي والحاضر           

286

نيسان/حزيران

1993

124

بهاء الحقيقة رسالة بابوية عامة  ش.ر    

289

ت2 / ك1

1993

مجلة الفكر المسيحي 

1993 المقالات:

الأناجيل الازائية في مؤتمر الرابطة الكتابية  

ش .ر/ نيسان- حزيران1993

          حول موضوع “الأناجيل الازائية ” أي متى ومرقس ولوقا، عقد إقليم الشرق الأوسط لرابطة الكتاب المقدس مؤتمره الدراسي  الإقليمي الثالث في دير سيدة ألبير –جل الديب بلبنان من مساء الأحد 3 ك2 1993. وشارك فيه زهاء 60 متخصصا في الدراسات الكتابية في خمسة أقطار عربية عديدة هي لبنان وسوريا والعراق(1) ومصر وفلسطين. وكان معظم المشاركين من الأساقفة والكهنة . وكان عنصر العلمانيين ضعيفا.

وقد حضر جلسة الافتتاح عدد من رؤساء الطوائف المسيحية وممثلو الرهبانيات في لبنان. كما حضر جانبا كبيرا من الجلسات سكرتير الرابطة العام الأب لودجر فلدكامبر وهو ألماني الجنسية. وترأس المؤتمر ونظمه الأب بولس الفغالي منسق إقليم الشرق الأوسط.

                                                                   أهداف المؤتمر

كان المؤتمر في أساسه مؤتمرا دراسيا، هدفه الأول تنشيط الدراسات الكتابية في أقطار الشرق الأوسط في منظور منفتح إلى الدراسات والاكتشافات الحديثة في علم الكتاب المقدس. أما هذه الدراسات ، فبالإضافة إلى طابعها العلمي البحثي، فهي ترمي إلى تعميق محتوى “الرسالة ” التي تتضمنها الكتب المقدسة، وتجاوز القراءة السطحية أو التفسيرية الحرفية لربطها بالحياة الإيمانية ونضال الإنسان اليوم . فيكون هذا النص “بشرى” تنقل إلى المؤمنين عبر الأجيال.

 وكان للمؤتمر أهداف عملية وراعوية أيضا، أولها إفساح الفرصة أمام هذه النخبة من منشطي الدارسات الكتابية لتبادل الخبرات والانفتاح إلى حيوية الكنائس الشقيقة. ولقد عمل منظمو المؤتمر لبلوغ  ذلك عبر عدة قنوات:

 1 – محاضرات ومساهمات راعوية إعلامية، لعرض النشاطات الكتابية وشهادة الكنائس المشاركة، والتعريف بالمعاهد والمراكز المتخصصة بدراسات الكتاب المقدس في الأقطار المشاركة.

2 – الاوخارستيا اليومية التي كان يشرق بها كل نهار بحسب طقوسنا الشرقية (الماروني/ السرياني/ البيزنطي/الكلداني/ القبطي/ الارمني ). وكذلك كانت تبتدئ الجلسات في كل صباح بصلاة يعدها احد الوفود المشاركة بحسب تراثه الليتورجي المتميز.

3– معرض للبيع المباشر لطبعات الكتاب المقدس والإصدارات الجديدة، من كتب ومجلات، حول الدراسات الكتابية في اللغة العربية.

                                                                الأبحاث والمحاضرات

كانت أبحاث المؤتمر ذات طابعين: منها الدراسات العلمية، ومنها المشاركات ذات الطابع الراعوي. وقد القي عشرون بحثا متفاوت الأهمية والمضمون:

6 في إنجيل متى (مضمون “الكنيسة ” جماعة متى. الخطب في متى.“يسوع المسيح”

لدى متى. الأمثال في متى متى كيف يقرا العهد القديم ).

ثلاثة بحوث عن إنجيل لوقا (“يسوع المسيح” لدى لوقا. التوجه إلى الفقراء في

لوقا.“الأمثال” في لوقا ). بحث واحد عن إنجيل مرقس (الالام عند مرقس).

خمسة بحوث عن الازائيين والازائية (يوحنا والازائيون. مسائل راعوية حول الأناجيل

الازائية. اللاهوت الأخلاقي في الأناجيل الازائية. طاولة مستديرة حول المشكلة الازائية ).

 وخمس بحوث متفرقة: 1– إنجيل الطفولة (الأب افرام سقط – العراق)؛ 2 – إنجيل برنابا؛ 3– الإنجيل والقران؛ 4– صلاة “أبانا” عن ثيودور المصيصي؛ 5– التفسير واللاهوت ).

وضمن توجيهات المؤتمر العملية خصصت جلسات، بعد الظهر، للعمل في مجموعات تطبيقية للتدرب على قراءة وتحليل نصوص مختارة من الكتاب المقدس في إطارها الكتابي والتاريخي والروائي والتفسيري والراعوي.

                                                                         أهمية الحدث

       انطلق المؤتمر من قول تلميذي عماوس “كان قلبنا يضطرم وهو يفسر لنا الكتب”. فكما قلب  حدث القيامة وقراءته على ضوء “الكتب”، كذلك أراد المؤتمر أن تكون “دراساته ” إصغاء إلى”تفسير” يسوع للبشرى التي يحملها “الكتاب” لحياة كنائسنا.

       ففيها نعتبر المؤتمر علامة صحة في هذه الكنائس، وفي كنيسة لبنان المستضيفة خاصة، نراه صدى وامتداد للمبادرات المتنوعة والاهتمام المتزايد في كنائسنا، في السنوات الأخيرة، للدراسات الكتابية، إضافة إلى ما زود به المؤتمرين من خبرات جديدة وعمل جديد.

       أما في الجانب الإعلامي، فلقد أولت وسائل الإعلام اللبنانية حدث المؤتمر أهمية متميزة فنقلت إذاعة صوت المحبة –وهي إذاعة مسيحية أهلية FM –محاضرات المؤتمر على الهواء مباشرة. أو بتسجيل. كما نقلت شبكة LBC وهي كبرى القنوات التلفزيونية اللبنانية–  وقائع اليوم الثاني  نقلا حيا من التاسعة صباحا وحتى الواحدة بعد الظهر. مما جعل المشاهدين في صلة مباشرة مع قاعة المؤتمر –وقد اتصل أكثر من واحد بسكرتارية المؤتمر مستفسرا أو معقبا–  وكان الأب جوزيف مونس مسؤول التلفزيون في المركز الكاثوليكي للإعلام، بين محاضرة وأخرى، يقدم للمشاهدين نبذا إعلامية عن “الرابطة الكتابية”، وعن المنشورات والدوريات التي تعني بدراسات الكتاب المقدس في لبنان، عن بعض المجلات المسيحية العربية المتمثلة في المؤتمر، ومنها “الفكر المسيحي” التي حظيت بالتقديم مرتين كما كان المؤتمر يزود الصحف اللبنانية يوميا بتقرير عن جلسات وأبحاث المؤتمر. وستصدر هذه الأبحاث في كتاب مستقل.

هذا وسينعقد المؤتمر القادم في لبنان أيضا عام 1995، وسيكون موضوعه “كتاب أعمال الرسل”.

                                                            (بالاشتراك مع الأخت سانت آتيين)

————

تألف وفد العراق من: المطران يوسف توماس مطران البصرة للكلدان. والاب أفرام سقط الدومنيكي منسق الرابطة في العراق. الاب جاك اسحق. الاب جرجس القس موسى. الاخت سانت اتيين الدومنيكية.  

الرابطة الكتابية الكاثوليكية العالمية FBC

        مؤسسة كاثوليكية علمية تتألف من منظمات إقليمية ومحلية تعني برسالة الكتاب المقدس تأسست عام 1969 تهدف:

نشر ودعم وطبع ترجمات الكتاب المقدس بالمشاركة مع سائر الكنائس ليصبح الكتاب المقدس في متناول الجميع.

تشجيع دراسات الكتاب المقدس. اعتمادا على الأصول العلمية والتاريخية من اجل إبلاغ الكلمة الألهية في عصرنا.

تنشيط تبادل الخبرات المتعلقة بالدراسات والتفسير والتطبيق، بحيث يخدم البحث العلمي النشاط الراعوي .

تشجيع المجموعات القاعدية الصغيرة لدرس الكتاب المقدس وربطه بالحياة.

تشجيع الحوار بين الكنائس والأديان، انطلاقا من الكتاب المقدس الواحد الذي من وحيه تنبثق.  

 ((((())))))))))))))

 

كاني ماسي… بين الماضي والحاضر

بين الماضي والحاضر/ نيسان – حزيران 1993

       هي القرية المركزية في منطقة بروالي بالا الخصبة ببساتين التفاح وأنواع الفاكهة والعيون العذبة الرقراقة الغزيرة. تقع وسط سلاسل وعرة من الجبال الخضراء. فتحتضنها سلسة بروجا شمالا وسلسلة طلانا غربا، وتبعد عن الحدود التركية حوالي 2 كم. يربطها طريق جبلي قديم بمنطقة العمادية، وأخر حديث ينطلق من زاخو إلى الشمال الشرقي فيصلها بعد نحو 70 كم.

      للمزيد من التفاصيل توجهنا إلى الشماس درياوش ابراهيم في منزله بالحي العربي في الموصل. وهو من مواليد كاني ماسي بالذات (1916) وفيها قضى طفولته قبل إن ينتقل إلى الموصل لدراسته المتوسطة والثانوية، وقبل أن ينزل إلى معترك الحياة إذ عمل في شركات عالمية في البصرة وفي أماكن عراقية أخرى:

      كاني ماسي، واسمها يعني بالكردية “عين السمك” ويحلو لأبنائها أن يدعوها بالسورث “اينا دنوني” وكانت ناحية عامرة تابعة لقضاء العمادية، يسكنها أثوريون أشداء يحبون العمل بقدر ما يحبون الحياة، لم يبقى منهم اليوم سوى حوالي 20 أسرة من أصل 100 عائلة أصابهم الترحيل عام 1987 بعد أن كانت قد رحلت القرى الأخرى المجاورة، وكانت ترحيلات سابقة وهجرات متلاحقة بسبب أحداث الشمال قد أفرغت حوالي 30 قرية مسيحية أثورية تحيط بكاني ماسي، لها شان في التاريخ الحديث للكنيسة الشرقية.

     أما موارد المنطقة فهي الزراعة بأنواعها وخاصة الأرز والكروم وأجود أنواع الفواكه (130000 شجرة تفاح) والخضار. وكان الأهالي منذ 300 سنة يستخرجون الحديد من الصخر لصنع بعض العدد الزراعية والبيتية. أما علاقات هذه القرى مع أكراد المنطقة فكان يسودها التعايش السلمي عادة.

    ويسترسل أبو وليم في ذكرياته عن مسقط رأسه الذي يتمنى لوعاد ليقضي غروب حياته فيه. ويتكلم كالجدول السلسبيل، مثل الذي يجري عند أسفل قريته ويسقي بساتينها الوارفة، بسورث مطعم بالانكليزية التي يتقنها.

      كاني ماسي “عين السمك” عينان في الحقيقة تقع الواحدة شرقا ومياهها باردة 6 أشهر في السنة والأخرى غربا ومياهها دافئة 6 أشهر. ومار ساوا هو شفيع المنطقة الكبير. وله كنيسة قديمة جدا في مدخل القرية مبنية من حجارة ضخمة ولها باب واطئ. وفيها “حوذرا” (كتاب الصلوات الطقسية) مخطوطة بالكلدانية  تعود إلى العصور الغابرة وتعيد تاريخ كاني ماسي إلى ما قبل القرن العاشر. للمنطقة عيدان: شيرا مار ساوا ويقع في 13 أيلول، وشيرا مار كيوركيس ويقع في 24 نيسان، ويحتفل بها في كاني ماسي أو دوري المجاورة –التي كانت مركزا أسقفيا لحقبة طويلة–  بتجمعات دينية شعبية وفولكلورية واسعة، تعيد إلى المنطقة أبناءها المشتتين الآن في بغداد والموصل وكركوك ودهوك والبصرة وغيرها. واستوطن قسم آخر منهم كندا واستراليا والسويد وألمانيا وأميركا. ولقد أعطت بروالي بالا للكنيسة أساقفة وكهنة كثيرين، وبرز من أبنائها في مختلف الميادين العلمية والعملية.

أسماء القرى والكنائس في بروالي بالا الواقعة بين الزاب الكبير شرقا والخابور غربا

اسم القرية        اسم كنيستها              اسم القرية         اسم كنيستها    

1 – اقري           مريم العذراء             17 – مايي              مار قرياقوس

2- خواسارك        مريم العذراء            18 – هيس               ربان بثيو

3 – ما لخثا          بيت خنينا                19 – مركاجيا           ربان بثيو

4 –بيبالوك          مريم العذراء             20 – موسكا             مار يوسف

5 – سردشتي        مار يوخنا                 21 – توثي شمايي     مار يوسف

6 –هالو             مار يونان                22 – كاني بالاف        مريم العذراء

7 -خوارا            مار يونان                23 –كاني مزن          مريم العذراء

8 –ممسموسكي    مار يونان                24 – بالندا               مار اوراها

9 – مخربيي       مار يونان                 25 – باس                مار اوراها

10 –اشمائلي      بني شموني               26-  تاشيش              مار قرياقوس

11 – بيتانورتي    بني شموني             27 – جديدي               بني شموني    

12 –دوري       مار كيوركيس           28 – بيقولي                 بني شموني    

13 –اياتي        مار كيوركيس            29 – جلك اعلى             مار موشي

14 – كلي         مار قيوما                  30 – جلك اسفل            مار موشي

15 – كاني ماسي   مار ساوا               31 – جقلا اعلى             مار موشي

16 – ديرشكي       مار ساوا              32 – جقلا اسفل             مار موشي 

 (((((((((((()))))))))))))

 

“بهاء الحقيقة” رسالة بابوية عامة

ش.ر/تشرين الثاني- كانون الاول1993

      صدر أخيرا الرسالة  البابوية  العامة المرتقبة ” بهاء الحقيقة ” (VERITATIS SPLENDOR) حول الأسس اللاهوتية لتعليم الكنيسة الأخلاقي. فلقد كان البابا يوحنا بولس الثاني قد وعد بهذه الوثيقة منذ الأول من آب من عاو 1987.ومن اجل إعدادها نظم الكرسي ألرسولي عدة حلقات في الفاتيكان، خرجت بلا اقل من عشرة نصوص. وفي صيف 1991 تدخل البابا شخصيا، ولكنه لم يرتح للنص المقدم له. فتناول الموضوع بنفسه، أخذا بعين الاعتبار ما وضع أمامه من اقتراحات أو تعديلات.

      ويذكر إن من التعديلات المهمة التي طرأت على النص النهائي الرسمي المنشور حذف الفقرات التي كانت تشير إلى “العصمة البابوية” وقد ذكر اللاهوتي الألماني الشهير هانس كونك في تعليق له على الرسالة (انظر “الشهادة المسيحية” عدد9 ت1 1993 )، إن هذا “الحذف” جاء على طلب عدد من الكرادلة والأساقفة وللاهوتيين. وقال كونك إن مثل هذا “يحدث لأول مرة في تاريخ الكنيسة “.

     مهما يكن، فهذه الرسالة تعد من أكثر الوقائع البابوية  أمانة لصاحبها في موضوع اللاهوت الأخلاقي، معالجة وإنشاء. وإذ لم تذكر بأسمائها كل القضايا “الأخلاقية”التي يتطرق لها يوحنا بولس الثاني في خطاباته عادة، فلان الهدف لم يكن الدخول في المفردات التفصيلية، بقدر ما هو وضع “قواعد ” لاهوتية ونظريات لتوجيه “الكنيسة المعلمة” فيما يخص سلوكية المؤمنين، الخاصة والعامة ؛ وفي العلاقات الاجتماعية، وربط ممارسات  السياسة والاقتصاد بالقيم الأخلاقية والروحية.

     تتكون الرسالة من ثلاثة فصول كثيفة الفكر والعبارة تغطي 190 صفحة من القطع المتوسط. الفصل الأول هو عبارة عن تأمل موسع حول حفظ الوصايا من خلال قصة الشاب الغني في الإنجيل. الفصل الثاني وهو القسم الأساسي، يتوجه إلى اللاهوتيين وقادة الفكر المعاصرين، ويعالج المحاور الفكرية التي ينطلق منها التعليم الأخلاقي البابوي في الرسالة: – الحرية والشريعة – الضمير والحقيقة – الاختيارات الأساسية والسلوكية الواقعية – الفعل الأخلاقي… الخ. أما الفصل الثالث فهو تطبيقات راعوية.

      في ما يلي نقدم الرسالة في خطوطها الرئيسية، وسنعتمد نص الترجمة الفرنسية المنشورة في صحيفة “الشهادة المسيحية ” (T.C)(عدد 9 ت1 1993).

                                                              لماذا هذه الرسالة؟

     “باسم المسيح وبسلطته حرض الأحبار الاعظمون منذ القدم، وشجبوا وشرحوا.. وبيقين من سند روح الحق لهم ساهموا في إعطاء فهم أفضل للالتزامات الأخلاقية في حقول الجنس، والأسرة، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية “.

      هكذا يبدأ يوحنا بولس الثاني “مناظرة”  طويلة   لوضع المنطلقات الايدولوجية (الكتاب المقدس، لاهوت الكنيسة، التقليد ) لتدخل السلطة الكنسية في التوجيه الأخلاقي والسلوكي للمؤمنين، إزاء النزعة التحررية المعاصرة وإزاء اجتهادات بعض اللاهوتيين، سيما وان هذه” الاجتهادات ” وتلك”النزعة” صارت، على ما جاء في الرسالة، تحرك “في الجماعة المسيحية نفسها التشكيك والاعتراضات العديدة على الأصعدة الإنسانية والنفسية  والاجتماعية والثقافية والدينية وحتى اللاهوت الصرف، ضد تعاليم الكنيسة الأخلاقية، بحيث تعدى الأمر أن يكون مجرد معارضات محدودة ومتقطعة، ليصبح محاججة شامة ونظامية للإرث الاخلاقي.. بل يعلنون بكل بساطة إن بعض التعاليم الأخلاقية للكنيسة باتت مرفوضة، ويرتئون أن السلطة الكنسية نفسها لا يمكن أن تتدخل في الشأن الأخلاقي إلا “لتحريض الضمائر” و “العرض القيم” تاركة لكل واحد أن يستلهمها بصورة ذاتية في قراراته واختياراته الحياتية “.

     إزاء هذه ” الأزمة الحقيقية “، كما يصفها البابا نفسه، نضج في داخلي قرار كتابة (هذه) الرسالة العامة “.  إذا بات “من الضروري إعادة القراءة لمجمل التعليم الأخلاقي للكنيسة بهدف  التذكير ببعض الحقائق الأساسية للعقيدة الكاثوليكية “. ويوضح البابا أن رسالته هذه ” تأتي تعمدا بعد صدور كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ” (ف. م.ك2 –آذار 1993)، لأنه “المرجع الأكيد والأصيل لتعليم العقيدة الكاثوليكية “!، فهذه الرسالة تتواصل وتكتمل بذلك الكتاب.

      ” في مرحلة ما بعد المجمع، انتشرت بعض تفاسير للأخلاقية المسيحية لا تنسجم مع ” العقيدة المقدسة “.. وان من واجب السلطة الكنسية أن تعلن عدم انسجام بعض توجيهات الفكر اللاهوتي، أو هذه أو تلك من التأكيدات الفلسفية، مع الحقيقة المهمة “.

                                                 الخطيئة المميتة والخطيئة العرضية

     ومن تلك الأخطاء ” إخضاع بعض اللاهوتيين لمراجعة عميقة التمييز التقليدي نفسه بين الخطايا المميتة والخطايا العرضية “.

       البابا يدحض يبقى:اتجاه: وجود خطايا مميتة وأخرى عرضية والتمييز بينهما ” واقع ثابت بحسب تقليد الكنيسة “.  ويستند البابا في دحضه على إثباتات المجمع التريدنتيني (1545) والوثائق البابوية الصادرة حديثا. ففيها يول أولئك بعدم إمكانية ارتكاب خطيئة مميتة ألا برفض حر قاطع وواع لله “. وهو ” بصعوبة وقوع ذلك نفسيا على الأقل “. كما انه ” يصعب على الإنسان أن يحطم صلة الشركة مع الله ج1ريا ببرهة زمنية قصيرة ثم يعود تائبا، تدخل الرسالة البابوية في تفاصيل “مدرسية ” لتحديد طبيعة الخطيئة المميتة: أولا: ” لا يمكن بناء قواعد لاهوتية من اعتبارات سيكولوجية نفسية ” ؛ ثانيا: ” مع كل التقليد الكنسي ندعو خطيئة مميتة الفعل الذي يرفض به الإنسان، بحرية ووعي، الله وشريعته وعهد الحب الذي يعرضه عليه الله، مفضلا التوجه إلى ذاته، أو إلى أي وضع مخلوق وزائل، أو أي شيء مناف لإرادة الله.ويحدث ذلك بصورة مباشرة وواضحة، كما في حالة خطايا عبادة الأوثان والجحود، والإلحاد ؛ أو بصورة مماثلة كما في كافة حالات نبذ وصايا الله في مادة خطيرة “.

    ولكن السؤال يبقى: ترى من الذي يحدد خطورة المادة؟ – ومن هنا تبدأ من جديد الحلقة المفرغة بين ” السلطة الكنسية ” و ” الفرد ” بين ” التزام الحر بالفعل ” و ” مادة الفعل ” أيهما ” يحدد “الخطورة؟.

                                                   الفعل الأخلاقي والفعل الواعي

      من يقرا هذا القسم من الرسالة يرى نفسه أمام أستاذ في لاهوت الأخلاقيات يبني أطروحته على أسس نظرية توماوية (نسبة إلى توما الاكويني اللاهوتي الذي يسرد البابا اسمه عدة مرات أو يورد نصوصا منه ) ويسترسل في استدلالاته ” لتحديد أخلاقية الأفعال استنادا إلى مدى علاقة حرية الإنسان بالخير الحقيقي “. ” فالفعل (البشري) جيد أخلاقيا، عندما تتطابق الاختيارات الحرة فيه مع الخير الحقيقي للإنسان “.

      أما الخير الحقيقي للإنسان فهو ما يقوده نحو ” هدفه الأسمى، وهذا الهدف هو الله نفسه “.” فالنية الحسنة وحدها ” لا تكفي، بحسب فكر البابا لتحديد أخلاقية الفعل، وان أي تحديد فلسفي أو أخلاقي ” لقيمة الفعل البشري ” لا ينطبق مع ” وصايا الشريعة الإلهية والشريعة الطبيعية ” تحديد ينافي ” عقيدة الكنيسة ” – حتى وان انطلق من رغبة ” التحرر من ضغوط أخلاقية توسم بالإجبار والفرض والاعتباط، وتبدو لا إنسانية “، أو أملته ” متطلبات الحوار والتعاون من غير الكاثوليك وغير المؤمنين “.

     قد تكون هذه المحاولات مفهومة، ولكن خلاصة الأمر، يقول يوحنا بولس الثاني هي: ” يلزم المؤمنون أن يعترفوا ويحترموا الأحكام الأخلاقية الخاصة التي تعلنها وتعلمها الكنيسة باسم الله، الخالق والسيد “.

                                     الأخلاقية وتجديد الحياة الاجتماعية والسياسية

     لعل التطبيقات الاجتماعية والسياسية هي أكثر ما في هذه الرسالة تميزا وصلة بالواقع البشري، بصفته مجموعة من العلاقات والمصالح. ففي هذا الباب وحده محكمة مع ما يمكن تسميته ”  بالفكر السياسي ” للبابا يوحنا بولس الثاني الذي يعبر عنه في خطاباته الكبرى إبان زياراته العالمية، وقد عبر عنه بوضوح اكبر في رسالته العامة ” السنة المئة ” التي أصدرها بمناسبة مرور مئة عام عل رسالة لاون 13 الشهيرة حول القضايا الاجتماعية (انظر ف.م.ايار – تموز 1991).

    ينطلق البابا من مجتمعا سوية لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا قام على الإيمان بالله. ” على هذه الحقيقة وحدها يمكن بناء مجتمع جديد وحل مشاكله “.

     في مقدمة هذه المشاكل يضع البابا ” مختلف أشكال الاستبدادي التي لابد من تجاوزها لفتح الطريق أمام حرية حقيقية للشخص “. أما ” جذور الحكم الاستبدادي المعاصر فيجدها في نكران الكرامة السامية للشخص البشري، هذه الصورة المنظورة لله اللامنظور “. ” من اجل ذلك بالذات يكون الشخص البشري بطبيعته موضوع حقوق لا يجوز أن يستبيحها أي احد، فردا كان أم جماعة،طبقة، أم امة، أم دولة “.

      وفيما يعطي البابا صوته لضحايا ” المظالم الاجتماعية والاقتصادية والفساد السياسي، من شعوب وأمم بكاملها، حيث يرتفع الاحتجاج المرير من أناس كثيرين أهينوا وأذلوا في حقوقهم الإنسانية الأساسية، يسترسل قائلا: ” في المجال السياسي، ينبغي أن نلاحظ بان حقيقة العلاقات بين المحكومين والحكام ؛ والشفافية في الحياة العامة ؛ والنزاهة في الخدمات العامة ؛ واحترام حقوق الخصوم السياسيين ؛ وضمان حقوق المتهمين إزاء حكم أو إدانة سريعة ؛ واستخدام الأموال العامة استخداما عادلا ونزيها ؛ ورفض الوسائل الغمضة أو غير المشروعة للاستيلاء على الحكم أو الاحتفاظ به أو توسيعه بأي ثمن، كل هذه الأمور تجد تقييمها في       ميزان القيمة السامية للشخص وفي المتطلبات  الأخلاقية الموضوعية لإدارة الدول 

    ولكن البابا يبقى يقضا إزاء الاستبداد الجديد في الحكم بعد زوال الأنظمة السلطوية السابقة – ومنها الماركسية -:

      ” في بلاد عديدة.. هناك تهديد لا يقل خطورة اليوم بسبب نكران الحقوق الأساسية للشخص البشري، وبسبب ابتلاع السياسة للطموحات الدينية التي تسكن قلب كل إنسان: انه خطر التحالف بين الديمقراطية والنسبية الأخلاقية التي تحجب عن التعايش المدني كل مراجعة الأخلاقية الثابتة وتحرمه جذريا من الانفتاح للحقيقة “.

    أما “الحقيقة” التي يتكلم عنها يوحنا بولس الثاني فهي الحقيقة الآتية من الله والتي وحدها تحيي الإنسان.

       من اجل ذلك يربط البابا بين القيم الأخلاقية الصحيحة وبناء المجتمع الفاضل: ” في جميع ميادين الحياة الشخصية والعائلية  والاجتماعية والسياسية، تقدم الأخلاق خدمة متميزة – حين تقوم على الحقيقة، وفي الحقيقة تنفتح على الحرية الحقة – لتقدم الشخص في مسيرته نحو الخير، وكذلك للمجتمع في نموه السوي “.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: