الفكر المسيحي1994

مجلة الفكر المسيحي1994

125

البابا تحت الرقابة      كتاب             

296

نيسان/حزيران

1994

126

بطاركة  الشرق  في العراق ش.ر      

296

نيسان/حزيران

1994

127

الفكر المسيحي مدرسة فكرية في

288

تموز/ ت1

1994

128

الكنيسة وتحديات العالم المعاصرملف               

288

تموز/ ت1

1994

129

عالم الرهبان والراهبات       ملف              

ت1ك1

1994

1994 المقالات:

البابا تحت الرقابة    

كتاب/نيسان- حزيران 1994

      في حزيران 1991، أي أربعة أشهر بعد “حرب الخليج” صدر في باريس كتاب للصحفي الفرنسي المعروف جان تولا (*)حول موقف البابا يوحنا بولس الثاني من هذه الحرب، قبل وبعد اندلاعها. يقع الكتاب في 147 صفحة موزعة على مقدمة وعشرة فصول(1)، وملحق ببعض الوثائق المتعلقة بالأزمة(2). وإذ كان العنوان الأول للكتاب (“البابا ضد حرب الخليج”)، دلالة على موقف رئيس الكنيسة الكاثوليكية المشرف ضد واقع الحرب، فالعنوان الثاني،

 (“يوحنا بولس الثاني تحت الرقابة”)، إنما يشير بعبارة مثيرة إلى شبه الحظر والتعتيم اللذين فرضهما الإعلام الغربي عامة والأمريكي خاصة على أقوال ونداءات ورسائل يوحنا بولس الثاني المناوئة لفكرة الحرب على العراق والداعية إلى معالجة الأزمة سلميا.

يبدأ الكتاب بسؤال يلقيه الصحفي الفرنسي المعروف جان – بيير الكباش في قناة أوربا على  الكردينال اتيشيغاراي رئيس لجنة العدل والسلام البابوية: ” لماذا لم يتكلم البابا إثناء حرب الخليج؟”. فيجيبه الكردينال محتجا: “كلا، هذا غير صحيح. فلقد تدخل لا اقل من 55 مرة بين 2 أب 1990 و 31 آذار 1991..،

       ولكن موقف البابا كان يتلخص بأنه مع السلام..لا يتمنى الحرب، لان الحرب “الحرب مغامرة لا رجعة فيها”؛ لان الحرب تعني “تصعيد الأحزان والماسي”؛ لان الحرب “طريق لا يليق بالإنسانية”؛ لان الحرب “وسيلة بدائية لحل الخلافات”؛ لان الحرب “حل” غير واقعي، فهو لا يحل المشاكل، بل يخلق مشاكل جديدة “. أما الطريق الأمثل الخليق بالحضارة والأكثر فاعلية فهو طريق المفاوضات والحوار الشجاع. وفي الأزمة الراهنة، فالعدل والسلام منوطان بقضيتي فلسطين ولبنان.

      هذا كان موقف الفاتيكان.

      وهذا ما لم يرق للولايات المتحدة. بل اعتبر صوت البابا نشازا يفكك تلاحم المتحالفين، واعتبر صاحبه داعية استسلام و “خائنا لمصالح الغرب”. فلا غرو أن “تحاول الأصوات التي تدق طبول الحرب”على حد تعبير صحيفة الاوسرفاتوري رومانو الفاتيكانية، خنق الكلمة التي نزعج”. وتعني بها كلمة البابا. فكان التعتيم الإعلامي على مواقف البابا، بل لقي ضغوطا وتهديدات، وقيل أن قنبلة وجدت في حينها في مكاتب راديو الفاتيكان. ومع ذلك كله بقي يوحنا بولس الثاني حتى الدقيقة الأخيرة من الهجوم على بغداد يدعو إلى السلام والمفاوضات وربط قضايا الشرق الأوسط مع بعضها لتبحث معا في مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة (20 أب 1990). وبذلك التقى مع خطة الرئيس صدام حسين للسلام الشامل في 12 أب 1990.

       في الفصل الثالث يستعرض المؤلف المداخلات الكبرى التي قام بها البابا، منها.

      20 أب 1990: تصريحه “أن أزمة الخليج لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية، وإنما عن

طريق الدبلوماسية الدولية والأمم المتحدة”.

      21 أب 1990: استقباله سفيره في العراق والكويت، ماريان اوليش، وتصريح هذا الأخير بأنه “مستعد للخدمات الإنسانية” مما ترجم في حينه باستعداد الفاتيكان لمبادرة وساطة، علما بان السفير البابوي في العراق لم يغادر بغداد طوال الحرب.

      26 أب 1990: أول تصريح شخصي بصوت البابا يربط قضايا الشرق الأوسط: الخليج، فلسطين، ولبنان مع بعضها، هذا الربط الذي رفضه بعناد البيت الأبيض وحلفاؤه.

       ليلة عيد الميلاد 1990: أمام شبكات التلفزيون العالمية: “ليقتنع مسؤولو العالم كافة بان الحرب مغامرة لا رجعة فيها. فبالعودة إلى التعقل، والصبر، والحوار، وفي احترام الحقوق الثابتة للشعوب والناس، يمكن اكتشاف وسلوك طريق التفاهم والسلام”.

      12 ك2 1991: أمام السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي ألرسولي (124) دولة: “هناك بعض الحالات تتطلب قرارات سياسية سريعة. أولهما قضية الشعب الفلسطيني الذي”… يعامل بظلم “. ولبنان “البلد المفكك الذي احتضر سنوات طويلة أمام أعين العالم “.وقضية الخليج التي يأبى قداسته أن تحل عن طريق الحرب “لان الحرب لو وقعت، لأصابت الكارثة البشرية كلها “.

      15 ك2 1991: أي يومين قبل الكارثة: الورقة الأخيرة يلقيها البابا بتوجيه رسالتين شخصيتين منفصلتين إلى الرئيس صدام حسين وجورج بوش، لعمل كل ما بوسعهما من اجل السلام التفاوضي. ويذكر المؤلف إن بوش؛ بينما أجاب البابا في اليوم التالي مطمئنا إياه “بأنه يتبنى نداءه”. كان قد اخبر جميع سفرائه بسرية بأنه سيضرب في ليلة 17 ك2، واخفي قراره عن الفاتيكان وحده!

      وبعد الضربة استمر يوحنا بولس الثاني يصارع القدر لإيقاف الحرب وصد الهجوم البري والعودة إلى التعقل وحماية المدنيين…

     ليس في نيتنا تلخيص فصول الكتاب، وإنما عكس بعض الأفكار الرئيسية التي يضمها. فبالإضافة إلى ما يتعلق مباشرة بمواقف البابا، يكشف الكتاب النقاب عن جملة حقائق تسترت وراءها عملية “عاصفة الصحراء” برمتها، فبانت مكيدة حيكت لتسوية حسابات. وفرض هيمنة أمريكية بغطاء دولي، والذريعة إخراج العراق من الكويت. من هذه الحقائق نقتطف ثلاثا فقط.

     1 – إصرار بوش شخصيا على رفض أي حل تفاوضي. فلقد كشف الصحفي الأمريكي الشهير بييلر سالنجر في كتابه “حرب الخليج، الملف السري”، إن بوش قرر الصدام المسلح مع العراق أمام معاونيه في كامب ديفيد منذ مساء 3 أب 1990، وهو الذي افشل مشروع مؤتمر جدة في 4 أب لبحث المسالة عربيا. كما كشف بوب ووبراوت، الصحفي الذي كشف فضيحة ووترغيب، في كتابه “القادة” إن بوش قرر الهجوم الفعلي في 17 ك2 1991 في الساعة الثالثة فجرا، ووقع عليه منذ 29 ك1 1990، أي 12 يوما قبل لقاء بيكر – طارق عزيز في جنيف، وما خلا ذلك كله كانت سلسلة من المناورات الأمريكية والتضليل الإعلامي، وشحن بطاريات الرأي العام العالمي ضد العراق في حرب عالمية ثالثة من دون الاسم.

      الحرب لم تكن قدرا محتوما إذن: هنا ما اكده بريماكوف مبعوث الرئيس السوفيتي نفسه في كتابه “حرب كان بالإمكان تلافيها” –وقد ترجم إلى الفرنسية بعنوان مغلوط تعمدا (مهمة في بغداد)

      – أما لماذا هذا الإصرار على ضرب العراق، فيجب جان تولا، من وجهة نظر أميركا:

خوفا من أن يتزعم العراق العالم العربي – وله كل المقومات السياسية واالعلمية. والتقنية والبشرية.

       خوفا من القوة العسكرية العراقية وتحكمها بقسم كبير من السوق النفطية العالمية.

       مسايرة للمصالح الإسرائيلية والناخبين اليهود الاميركان.

       أما الدافع الأساسي لكل ذلك، فيشخصه الصحفي الفرنسي بول– ماري لاغورس مدير مجلة “الدفاع الوطني”، بتصميم أميركا فرض نظامها الدولي الجديد لحماية مصالحها وترسيخ قدمها في هذه المنطقة من العالم لما تحويه من طاقة ستراتيجية، في ظروف دولية مؤاتية تماما لها (انهيار الاتحاد السوفيتي؛ رغبة الصين الخروج من عزلتها؛ تعاطف حكومات أوربا مع السياسة الأميركية لمصالحها ونيل حصتها؛ انقسامات الدول العربية).فرات أميركا في “ذريعة الكويت” فرصة تاريخية من الحماقة أن تتركها. فقد خطط بوش وشوارسكوف لهذه الضربة منذ ت2 1988، كما كشف كتاب “عاصفة الصحراء” إسرار البيت الأبيض للصحفي العالمي اريك لورانت (“7 أسرار جورج بوش” في الكتاب الذي نقدمه ص 135).

       3 – سياسة الميزان والمكيالين استخدمتها أميركا والغرب بشكل فاضح مع العراق. يتساءل المؤلف: إذا كان العراق قد خرق القانون   فهل لخصومه أن يلقنوه دروسا هم أنفسهم بحاجة إليها؟ فيقول فيما يقول:

       منذ أربعين سنة والشعب الفلسطيني اقتلع من أرضه وشرد. في الكويت ذاتها كان ثمة 450000 فلسطيني كيد عاملة تخدم مصالح بضعة اسر” وداخل أرضهم المحتلة يفجر الجيش الإسرائيلي بالديناميت أو البلد وزر مئات البيوت الفلسطينية ويقتلع أشجارهم ويقتل ألاف الأشخاص”. لهؤلاء يقال: “اصبروا قليلا أيضا، بينما يقوم نفير عام دولي لإعادة أمير متخوم إلى عرشه، لا يعرف حتى معنى كلمة الديمقراطية!!!

        اللبنانيون أليس وطنهم رهينة بيد السوريين منذ 1975؟

        مجلس الأمن اتخذ 197 قرارا بخصوص القضية الفلسطينية، كم منها طبقت إسرائيل حتى اليوم؟

من ادخل حراس الثورة الإيرانية إلى البقاع اللبناني وشجع زراعة الأفيون فيه؛ من قتل 30000 من مواطنيه في حماة؟

        من الذي احتل 37% من جزيرة قبرص عام 1874، وأعلنها جمهورية تركية قبرصية، بالرغم من 34 قرارا دوليا لم يطبق منها ولا احد؟

        هل طلبت الولايات المتحدة إذن مجلس الأمن عندما ذهبت قواتها لغزو بنما، أو غرنادا، أو سان دومنغو، أو عندما ألغمت مواني نيكاراغوا؟ بأي حق يعطون الحق لأنفسهم، هم الذين يصفعون الحق الدولي؟

       هذه وغيرها وغيرها من النماذج يسردها المؤلف –وهو كاهن له 28 كتابا في القضايا الإنسانية… –  ويختمها متسائلا: هل طبق الحصار على هؤلاء كلهم كما طبق على العراق؟ هل هوجموا هم أيضا ب 18000 طن من القنابل لإعادة “الحق” إلى نصابه؟!

———————— 

(*)  Jean Toulat, Lo pape contre la guerre du golfe (jean – pay lii censure, Oeil, paris 1991)

(1) 1- نبي منزوع السلاح 2- “المدياقراطية” (أي نظام حكم وسائل الاعلام) 3- ساهر الفاتيكان 4- القوة تحتقر الحق 5- المباحثات غير المكتملة 6- المجزرة 7- اين غلبتك يا حرب؟ 8- اساقفة العالم وحرب الخليج 9- الاساقفة الفرنسيون 10- اعمدة السلام الثلاثة.

(2) رسائل البابا الى رئيسي الولايات المتحدة والعراق- نداء الام تيريزا الى الرئيسين – خطابا البابا في 17 ك2 1991 وفي عيد الفصح – سبعة اسرار بوش – تقرير بعثة تقصي الحقيقة عن الحرب في العراق.

 

(((((((((())))))))) 

بطاركة  الشرق الكاثوليك في العراق

زيارة تضامن في المحنة من 28 شباط – 6 آذار 1994

ش.ر/نيسان- حزيران1994 

        بدعوة من غبطة البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد ووزارة الأوقاف العراقية وبالتنسيق معها، وفي أول بادرة من نوعها في تاريخ قطرنا وكنيستنا، زار العراق، من 28 شباط وحتى 6 آذار 1994 بطاركة الشرق الكاثوليك، وقد ضم الوفد الذي نزل ضيفا على الحكومة العراقية، كلا من أصحاب الغبطة اسطيفانس الثاني غطاس، بطريرك الإسكندرية للكنيسة القبطية الكاثوليكية من مصر، وجان بطرس الثامن عشر كسباريان بطريرك الأرمن الكاثوليك من لبنان، وميشيل صباح بطريرك القدس اللاتيني من فلسطين/الأردن، وقد مثل المطران بولس إميل سعادة النائب ألبطريركي العام غبطة البطريرك الماروني مار بطرس نصراللة صفير(لبنان)، والمطران جورج المر مطران عمان مثل غبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم بطريرك الروم الكاثوليك (دمشق/ لبنان)، أما غبطة بطريرك السريان الكاثوليك مار اغناطيوس أنطوان الثاني حايك (لبنان) فقد مثله المطران ميخائيل جميل النائب ألبطريركي العام.

       ورافق الوفد ألبطريركي المونسنيور لويس الديراني المدبر البطريركي للكلدان في لبنان، والأب الياس خليفة رئيس جامعة الروح القدس في الكسليك – لبنان، وعدد من أمناء سر البطاركة وممثلي هيئات كنيسة عليا في لبنان، مع وفد إعلامي كبير ضم 17 صحفيا ومندوبا عن المؤسسات الإعلامية المسيحية المرئية والمسموعة، في لبنان، ووكالات الإنباء الوطنية وجريدة النهار البيروتية، وقد انظم إليهم في العراق مندوبون عن وسائل الإعلام والتلفزة العراقية، حيث غطيت نشاطات الوفد تغطية واسعة في الصحافة والراديو والقناة الأولى طيلة أيام الزيارة. وفي ختام الزيارة اصدر وفد البطاركة بيانا أعربوا فيه عن تضامنهم مع شعب العراق، مسلمين ومسيحيين، في معانياته، وأعلنوا أن استمرار الحصار خرق لحقوق الإنسان، وفي المؤتمر الصحفي الذي عقدوه في فندق الرشيد في بغداد قبل مغادرتهم القطر صباح الأحد 3/6، ناشدوا البابا يوحنا بولس الثاني، ومجالس الأساقفة وكنائس العالم وهيئة الأمم المتحدة وحكومات الدول للعمل على رفع الحصار الجائر المفروض على العراق…

محنة الحصار

        “لقد جئنا إليكم ونحن نعلم أن العراق الشقيق، والكنيسة العراقية في محنة. جئنا لكي نحمل الصليب معكم.. وقد ألينا على أنفسنا أن نأتيكم عديدين لنحمل إليكم محبة جميع الكنائس.. جئنا لكي نعبر لكم عن تضامننا ومحبتنا…”.

       بهذه العبارات أعطى البطريرك غطاس اتجاه الزيارة وجوها الراعوي والتضامني منذ الأمسية الأولى (الثلاثاء 1 آذار) في كلمة ألقاها في حفلة استقبال كلية بابل الكنسية للفلسفة واللاهوت والمعهد ألبطريركي الكهنوتي الكلداني باسم اقرأنه الذين “ارادواه كوزير مفوض عنهم” على حد تعبيره.

       فلقد حملت كافة الكلمات التي ألقاها  أصحاب الغبطة والسيادة الوفد، إثناء تجوالهم ولقاءاتهم الرسمية والشعبية في بغداد والموصل وقراها، هذا الاهتمام في التعبير بقوة ووضوح ووحدة الصف عن وقوفهم مع شعب العراق في محنته من جراء الحصار الظالم المفروض عليه، والمناداة بوجوب رفع هذا الحصار الجائر الذي هو”خرق أكيد لحقوق الإنسان” كما صرح البطريرك كسباريان لمندوب “الفكر المسيحي”: “سنرفع نداء إلى قداسة البابا والى سكرتيرعام الأمم المتحدة بهذا الشأن. ولدى تواجدنا في البلاد الأوربية أو الأميركية سوف نتكلم عن هذا الموضوع ونحرك الكنيسة الكاثوليكية، وخاصة المطارنة، لكي يأتوا فيكونوا شهود عيان لألام شعب العراق”.

        ألام شعب العراق شهد الوفد صورة منها مروعة ومباشرة لدى زيارته ملجأ العامرية وإحدى المستشفيات الشعبية. أما غبطة البطريرك بيداويد فلم يغب عنه ما يعانيه العراق إنما هو إحدى الصورالبشعة لهذا “النظام الدولي الجديد” المزعوم. فقد جاء في كلمة الترحيب التي ألقاها باسم كنيسة  العراق في القداس المشترك الذي احتفل به البطاركة في كنيسة مار يوسف الكلدانية في الخربندة في بغداد، يوم الخميس 3/3/1994: “لقد تلمستم آثار الحصارعلى حياة أبنائنا وإخواننا إلى درجة الحرمان.. أمور لا يقرها أي دين.. فان دلت على شيء، فإنما تدل على همجية ما يسمى بالنظام الدولي الجديد”.

       وجاء نداء البطريرك صباح في القداس المشترك إلى “المحافظة على الكرامة الذاتية في كل الظروف مهما اشتدت”. والى التكاتف بين المؤمنين والمواطنين جميعا، من كافة الأديان والمذاهب والأعراق، لتجاوز المحنة: “كل واحد منا قوي في محبته لأخيه” وضعيف إذا ما خذل أخاه”. واستطرد: الفرج هو من الله ومن أنفسكم، لا نستجديه من غريب أو من متكبر يعطي ليبقي الفقير فقيرا”.

       هذه المواقف كلها حملها البطاركة وعبروا عنها بشعور عال من المسؤولية والتضامن العميق أمام المسؤولين من اعلي المستويات الذين قابلوهم. فلقد استقبل قبيل عودته السيد نائب رئيس الجمهورية الأستاذ طه ياسين رمضان، ناقلا إلى الوفد تحيات الرئيس القائد صدام حسين وتقدير سيادته لزيارة الوفد في ظل ظروف الحصار، مما يكسبها في نظر سيادة الرئيس القائد أهمية وقيمة متميزين. وقد عبر وفد البطاركة عن مشاعر تقديرهم البالغ وأشادوا بجهود القيادة الحثيثة، والسيد الرئيس صدام حسين شخصيا، في إرساء دعائم الوحدة الوطنية واحترام القيم الإيمانية والأديان وبناء ما هدمه الظالمون بإصرار وصبر.

        هذه المحاور دارت حولها أيضا لقاءات وفد البطاركة مع الأستاذ طارق عزيز نائب رئيس الوزراء الذي استقبل الوفد يوم الأربعاء 2/3؛ والدكتور عبد المنعم احمد صالح وزير الأوقاف والشؤون الدينية الذي وضع إمكانات الوزارة في خدمة الوفد؛ والسيدان محمد سعيد الصحاف وزير الخارجية، وحامد يوسف حمادي وزير الثقافة والإعلام اللذين استقبلا الوفد يوم 1/3، والسيد رئيس المجلس الوطني. كما كان الوفد قد التقى أيضا بالرفيق عبد المجيد الرافعي أمين سر قيادة قطر لبنان.”      

   “تشددوا في الإيمان والرجاء”

        هدف آخر لا يقل أهمية أراد وفد بطاركة الشرق أن يؤكدوا عليه وهو “تثبيت إيمان” أبنائهم في كنيسة العراق: “رسالتنا إليكم هي رسالة سلام ومحبة –قال البطريرك صباح في كنيسة مار يوسف في بغداد– ودعوة إلى تشديد إيمانكم وتقويته، فتزدادوا معرفة بمن آمنتم به.. لكي يكون لكم النور والقيامة”. و “القيامة” تعني الرجاء والحياة والبناء ومواصلة المسيرة بأمل، وطنيا وكنسيا وروحيا، بالرغم من كل شيء:

      هذه البشرى حملها البطاركة وأساقفة الوفد إلى الموصل وقراها يوم الجمعة والسبت 4 و5 آذار في كلمات تميزت بالحماس والحرارة والنشوة العارمة لدى استقبالهم من قبل جماهير كالأمواج تهدر وتزغرد وتهتف في الموصل وقرة قوش وكرمليس وبرطلة وتلكيف وتلسقف والقوش. تحت شعار حملته اللافتات في كل مكان: “ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام.. بالخير.. بالخلاص”(اشعيا): “جئنا إليكم لكي نسمعكم كلمة إخوة ومحبة ورجاء.. ونحثكم على مواصلة المسيرة بعزم وصمود” هتف البطريرك غطاس في أول كلمة للوفد أمام جماهير الموصل من اعلي شرفة كنيسة أم المعونة. فلقد وصل الوفد ظهر الجمعة 4/3 وكان في استقباله في مفرق حمام العليل رهط كبير من الكهنة والراهبات والمؤمنين يتقدمهم السادة أساقفة الموصل الكاثوليك والأرثوذكس الذين رافقوا موكب البطاركة إلى دير مار بهنام الشهيد حيث تناولت الوفود طعام الغداء على مائدة الدير العامرة. ومن بعد الغداء كانت المحطة الأولى قرةقوش، ثم كرمليس ثم برطلة، فالموصل حيث قابل الوفد السيد محافظ نينوى مساء. “انتم مدينة الشهداء.. قلوبنا وقلوب المؤمنين جميعا في البلاد العربية والكنائس الشرقية” بل في كل كنيسة في الشرق والغرب هي معكم.. ليضع المسيح في قلوبكم قوة القيامة”. قال البطريرك صباح أمام حشود قرة قوش التي كانت تجري كالسيل الذي لا ينتهي وسط الأهازيج والتصفيق وقرع النواقيس. كما هتف في اليوم التالي في كنيسة تلكيف التي غصت بأبنائها في لمحة عين: “إننا نفرح بإيمانكم، ونصلي لكي يبقى فيكم عامرا. القيامة. الرب، في الأمل، في المسيح القائم من بين الأموات”.

القيامة.الحياة..الصمود… كانت أيضا محاور كلمات المطران ميخائيل جميل ممثل بطريرك السريان الكاثوليك: “نحن بني شعب العراق قاومنا الطوفان ولم نغرق، ولن نغرق. جئنا لنشهد أن الشعب العراقي لا يموت:”. قالها ونادي بها ثلاثا أمام شعب كرمليس المحتشد في كنيسة مار أدي مبشر المشرق، وهو نفسه هتف في اليوم التالي بحماس ابن الأرض العراقية أمام جماهير تلسقف التي اختلطت ألوان الربيع فيها بألوان صباياها في ساحة الاستقبال: “من أعماق جذور أرضنا لنا تراث في القيامة ومن أساطير تموز وكلكامش، هذه الأساطير التي تعطي القيمة للإنسان العراقي في الخلق والديمومة”. وكان الصبيان يلوحون بأغصان الزيتون، على تراتيل الجوقة التي احتلت الاسطحة المشرفة على منصة التحية. وتحت أقدام جبل القوش نادى المطران بولس سعادة، ممثل البطريرك الماروني، بلدة البطاركة والرهبان: “اعطيتم ضريبة الدم، ليكن هذا الدم منارة تحيي المستقبل، تشددوا في الإيمان، حافظوا على الرجاء. انتم ابناء القديسين”.

.. وتمسكوا في الأرض مع إخوانكم

       الإيمان لا يكون حيا إلا إذا تجسد في ارض وشهد فيها.. يوم تزهر ويوم تمطر، يوم تعطي القمح حزما ويوم تجدب، يوم أعراسها ويوم ندبها.. موضوع التجذر والتمسك في الأرض موضوع آخر احتفل به وفد البطاركة لدى لقائهم بهذه الجماهير التي لم يكونوا يتخيلونها بهذا العنفوان، أليست جذورها الإيمانية ترقى الى عهد الرسل؟ أليس من هنا انطلق مبشروا الهند والصين الأوائل؟

       “انتم ابناء القديسين. حافظوا على وجودكم في هذه الأرض العراقية، ابقوا هنا سدودا وجبابرة مع إخوانكم المسلمين، متعايشين متحابين في العراق الواحد..”.

       قال المطران سعادة منتخيا أهالي القوش في كلمته النارية مذكرا اياهم براية المسيح التي يحملونها عاليي الجبين، وكانوا قد احتشدوا في اعلي القصبة تحت الرايات ومعالم الزينة.

      وكان البطريرك الفلسطيني ميشيل صباح قد سبق أن دعا في كنيسة مار يوسف الكلدانية في بغداد إلى التمسك بأرض الجدود بشدة، والى وقفة مراجعة حياة مسؤولة أمام ظاهرة الهجرة: “أن الله يريدنا مسيحيين في أوطاننا حيث منحنا نعمة الحياة والإيمان، وليس في مهاجر العالم. إن نعمة الإيمان هي دعوة ورسالة نؤديها لكنيستنا ولوطننا”.. اليوم كما في البارحة: “عندما رأينا هذه الجماهير عدنا بالفكر إلى أوائل الكنيسة إلى عهد الرسل.. نحن اليوم وكأننا في احد الشعانين..” هكذا صدح صوت المطران جورج المر ممثل بطريرك الروم الكاثوليك في مهرجان برطلة حيث استقبل البطاركة وممثلوهم بأكاليل الورود وضعتها فتيات برطلة حول أعناقهم على الطريقة الهندية. كما هتف في اليوم التالي بجموع باطنايا من على المنصة التي نصبت في الهواء الطلق وفي يده غصن زيتون من التي استقبل بها الصبيان موكب البطاركة: “نحن معكم أنرى ونسمع ونبشر بما رأيناه”. 

       وكان موكب البطاركة قد توجه منذ الصباح الباكر، يوم السبت 5/3 إلى تلكيف فباطنايا فتلسقف فالقوش، فدير السيدة حافظة الزروع لاستراحة قصيرة، بعدها عاد الوفد إلى الموصل لتناول الغداء في دير مار كوركيس، فالعودة إلى بغداد.

     مهرجان فرح عارم على مدى أسبوع. تظاهرات إيمانية، تقوي الرجاء، تسند الأمل.. شحنة تشعرنا بأننا جزء من كل اكبر.

                                             (بالاشتراك مع الأب يوسف توما)

 

(((((((((())))))))) 

الفكر المسيحي – مدرسة فكرية في كنيسة العراق

(في الذكرى الثلاثين)

تموز- تشرين الاول 1994   

        مما لاشك فيه “الفكر المسيحي”،“في مسيرتها على مدى ربع قرن، قد ساهمت من موقعها في خدمة كنيسة العراق وتجديدها. فلقد أدخلت فيها، ومن دون أي شك، تيارا فكريا يتسم بالشباب والحيوية، ونمطا من الانتماء إلى الكنيسة يتسم بالوعي والفاعلية والنضوج”(1)، ولقد ظهر ذلك عبر معالجاتها المختلفة. فالخط الفكري المنفتح والمتحرك، غير الراكد في المياه التقليدية أو المتجمد في القوالب الموروثة لمجرد كونها موروثة –مع الأخذ بعين الاعتبار حاجات القراء وانتظار اتهم وطاقة استيعابهم مع موازنات أخرى– هذا الخط تلمسه في ما تحمله المجلة من أراء ومحاولات ووجهات نظر وتحليلات ومتابعات، سواء جاءت بأقلام أصحاب المجلة أو محرريها الرئيسيين.فبين الافتتاحية والخبر وكيفية انتقائه وتقديمه؛ بين الملف الدراسي أو الإعلامي والمعالجة اللاهوتية أو الراعوية وحتى أسئلة المسابقة أو المناقشة؛ بين السؤال والجواب والتحقيق والمشكلة أو الهمسة.. بين هذه كلها خيط جامع  موحد يظهر في النمط الفكري والنفس الأدبي وفي مواصفات اختيار الموضوع وأسلوب طرحه. كما يظهر هذا الخط في ما تصدي له المجلة من التيارات الفكرية المستجدة في الكنيسة الجامعة في ميادين البحث اللاهوتي أو الكتابي، والخبرات المسكونية، وفي نماذج الشهادة التي تعيشها الكنائس المحلية في البلدان المختلفة في إطار واقعها التاريخي والثقافي والاجتماعي الخاص. ولا أغالي إذا ما قلت أن الإعداد الخاصة (19 عددا من 1974 – 1994) تشكل قمما في هذا الجهد الفكري حتى غدت  “الفكر المسيحي” بحق “مدرسة فكرية” لجيلين من القراء ينتمون إلى كل الكنائس المسيحية في العراق، وحتى من غير المسيحيين: جيل الستينات المتفائل بالتغيرات النوعية الكبرى، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي بدلت وجه العراق الجديد، وجيل الثمانينات والتسعينات المجروح الباحث عن أمله المفقود.

       في هذه المحاولة سأركز على ثلاثة محاور يتجلى فيها هذا النمط الفكري المفتح المتجدد الذي حملته “الفكر المسيحي” والذي يربط جدليا وحياتيا بين الأصالة –أي الأمانة للحقيقة-، والجانب التطبيقي لها– أي الأمانة لواقع الإنسان، والمسيحي خاصة.

1 – دراسات الكتاب المقدس

       لعل الكتاب المقدس هو من الأبواب الأطول عمرا في المجلة. فلقد خصصت له بابين متميزين، الأول ثابت منذ 1978 بعنوان “من وحي الإنجيل” وقوامه نص إنجيلي وشرحه وتطبيقه على الحياة (115 موضوعا)؛ والثاني متحرك ثم شبه ثابت للدراسات الكتابية المعمقة بأسلوب علمي وبأقلام متخصصة. فإذا استثنينا فذلكات مبسطة، تعاقبت على هذه الدراسات على أسماء تعتبر مراجع خبيرة في علم الكتاب المقدس في العراق، أمثال الأب منصور ألمخلصي الذي قدم الأناجيل تقديما علميا وتحليليا ومقارنا بين أيلول 1973 وشباط 1976 (12موضوعا). ثم استلم الباب الأب افرام سقط بكلا كفيه، وبمثابرة خلقت تقليد الدراسات الكتابية المسلسلة المعمقة “الفكر المسيحي” وجعلت القراء في ترقب دائم (22موضوعا من أيار 1982– ايار1989). وفي هذا الخط المحمل بأحدث ما وصلت إليه الدراسات الكتابية المعاصرة وبحصيلة ما وضعه علماء بارزون في دراسة العهدين الجديد والقديم، أمثال اسطفان  شربنتييه والكاردينال دانيلو والأب كوب ألمخلصي البغدادي وآخرون، كتب الأب بيوس عفاص، بين نيسان 1990 وك1 1993 عدة دراسات جادة وجريئة بطروحاتها ومفاهيمها الجديدة حول القيامة، وأناجيل الطفولة، وروايات أللآلام، والاوخارستيا، والصلاة الربية (6 مواضيع فضلا عن افتتاحيات عديدة). ناهيك عن عدد خاص حول “الكتاب المقدس” في ت1 – ت2 1982 (96ص)، وقد حمل 13 بحثا مختلفا من كل هذه الأبحاث، وقد تجاوزت المئة والخمسين بين دراسة وإجابة إلى سؤال، نخرج بحصيلتين:

     الأولى أن دراسات الكتاب المقدس بلغت شوطا من التطور والاتساع والمنهجية أصبحت فيه علما قائما في ذاته واحدث انقلابا حقيقيا، في العقود الأخيرة، في المفاهيم وفي ربط النصوص الكتابية يبعضها وببيئاتها التاريخية والفكرية والحضارية؛ وان هناك وحدة وتواصلا جوهريين بين العهدين القديم والجديد، ولا يمكن الأخذ بالثاني أو فهمه من دون العودة إلى الأول لأنه امتداد له، وكلاهما من الوحي ذاته.

      أما الحصيلة الثانية فهي وجوب تطبيق المثل القائل “أعط القوس باريها” كل مرة كنا أمام “مفسرين” مكتفين بعلمهم، لا تستند اجتهاداتهم إلى دراسات كتابية رصينة!

2 – البحث اللاهوتي

     ربما لم تحدث الدراسات الكتابية التي نشرتها “الفكر المسيحي” الجدل نفسه الذي أحدثته الأبحاث والمحاولات اللاهوتية التي قدمتها المجلة لقرائها، لاسيما في السنوات الأخيرة، وهذا شان ليس خاصا “الفكر المسيحي”، إذا أن الشيء ذاته واقع تجاه الطروحات اللاهوتية الجديدة أو الأنماط الجديدة للفكر اللاهوتي في الكنيسة الجامعة. “فعلقات” مجمع عقيدة الإيمان برئاسة الكردينال راتزينغر مع اللاهوتيين المعاصرين في أوربا وأميركا اللاتينية معروفة، وقد أصدت لها المجلة بين الحين والأخر. وللسائل لماذا؟ نجيب بكلمة وهي أن هذه “الطروحات الجديدة” أو “الأنماط الجديدة” تخرج عن أسلوب الطرح التقليدي الرسمي المألوف، ولربما تدعو إلى إعادة النظر في مفاهيم طالما استكانت لها السلطة الكنسية وبنت عليها سلوكياتها.

    إن الفكراللاهوتي الذي اختارته “الفكرالمسيحي” –وهي في الأساس ليست مجلة اختصاص في البحث اللاهوتي– تناولت يصوره رئيسة  الكريستولوجيا (لاهوت المسيح)، ومفهوم الكنيسة، ومفهوم الخلاص والتحرر. وهو على ثلاثة أنواع:

      1 – ما هو مبعثر في ثنايا مقالاتها وروح كتابها وبين اسطر معالجاتها وحتى أخبارها وتقاربها من زبده الطروحات اللاهوتية المعاصرة والمتسمة بالانفتاح، وحلحلة العقيدانية الجامدة، وربط الجهد اللاهوتي النظري بحركية الحياة الإنسانية وحاجتها التطبيقية.

     2 – أبحاث منشورة أو تقديم نماذج من الفكراللاهوتي المعاصر لأسماء بارزة في “دنيا اللاهوت” مثل لاهوت التحرير، ولاهوت العلمانيين، ولاهوت الكنيسة.. الخ 

     3 – أبحاث ومحاولات لاهوتية بقلم كتاب المجلة بأنفسهم.ممن عالجوا الشأن اللاهوتي بنتاج أغزر في المجلة، ولكل منهم خصائصه:

     * الأب عبد السلام حلوة: اتصفت كتاباته منذ 1973 وحتى وفاته عام 1984 (25 بحثا) بالبحث عن نهج خاص في الفكر اللاهوتي أكثر التصاقا بواقعنا العربي المسيحي ومعانيات الإنسان. ويتفرع هذا النهج على محورين:

     – محور اسميه “نضال الإنسان”– وهو محور اتجه إليه في السبعينات يلامس أو يعتلن في أجواء لاهوت التحرير وعلاقة الإنجيل بالسياسة والحضارات، ومن هنا نداؤه إلى “لاهوت عربي “(ت1 1977 وشباط 1978).

      أما في الثمانينات فقد عالج محورا ثانيا  يخص لاهوت الإسرار في رؤيا انتروبولوجية تكشف عن “موقع الإنسان” فيها. وكان آخر بحث له نشر في العدد التالي لرحيله وهو في فجر نضوجه الفكري يعالج “مفهوم الإنسان على أضواء الاوخارستيا” (ك2 1984).

       * الأب لوسيان جميل: هو الآخر يبحث عن منهج جديد في الطرح اللاهوتي، يتميز بخاصيتين: 1 – نبذ الأسلوب والطروحات التقليدية باعتبارها غيبية ونازلة من فوق، أي غير نابعة من حاجات وطبيعة الإنسان في بيئته التاريخية ضمن الزمن؛ 2 – الانطلاق بالتفكير اللاهوتي من تحت، أي من واقع الإنسان الانتروبولوجي الذي من داخله ومن بيئته الحضارية  يصوغ فكرته عن الله والكون والمصير. بالنسبة إلى الأب لوسيان ليس ثمة موضوعا لا يخضع للمعالجة اللاهوتية، ولطالما طرح مواضيع شائكة أثارت جدلا تناولت حياة الكنيسة، والسلطة، والخطيئة، والطبقية في الفكر الكنسي، والنبوة، وموقع العلمانيين، والوحدة المسيحية.. الخ (22 بحثا من 1971 – 1972 ).

      * الأب لويس ساكو: قلبت معالجته اللاهوتية موازين قديمة في لاهوت الكنيسة والإسرار والحركة المسكونية (14 بحثا و9عن الآباء من 1984 – 1994). فلقد بدا الأب لويس الكتابة في الشأن اللاهوتي في شباط 1984 بملف بعنوان “المشارقة هراطقة أم مستقيمو الإيمان؟”. ثم أعقبه بأبحاث تردّ الاعتبار إلى اللاهوت الشرقي وتكشف النقاب عن الوحدة الإيمانية اللاهوتية الأصيلة القائمة فعلا بين الكثلكة والأرثوذكسية في ما يخص الأسس المشتركة: لاهوت شخصي المسيح (الكريستولوجيا)، ومفهوم الكنيسة، والإسرار، والخدم.. ومما يقوي حجة الأب لويس استناده في فكره على آباء الكنيسة، لاسيما الشرقيين، قبل وبعد الانفصالات. 

       * الأب يوحنا عيس: تندرج مقالاته في اتجاه اللاهوت الراعوي مع خلفية كتابية ينطلق منها أو يستند إليها،فمنذ بحثه “نظرة في شمولية الخلاص من خلال الأنبياء” (ت1 –ت2 1982) وحتى ك2 1994 كتب 34 مقالا متنوعا تناول فيها شخصية المسيح في أوجهها المتعددة بصورة رئيسية، الكنيسة، الخلاص، الإنسان، الكهنوت، الأديان،.. الخ، وتنطلق كلها من هم راعوي –إيماني يتلخص في الإجابة إلى سؤالين– ما هو المفهوم اللاهوتي والكتابي الصحيح للقضية المطروحة؟– ما هو دور المؤمنين اليوم تجاهها؟

3 – حركة الشهادة والحياة في الكنيسة: 

       المدرسة  ليست فقط  موضع  توفير العلم والمعرفة، ولكنها موضع توفير الخبرات التطبيقية أيضا وإيقاظ الالتزام لدى تلامذتها في واقع الحياة العملية. هذا ما فعلته “الفكرالمسيحي” أيضا بنقلها حركة الحياة والخبرات المعاشة في كنائس العالم وفي كنيسة العراق، ليس لمجرد نقل إعلامي محض، ولا لوضع احد تحت الأضواء ليس إلا، وإنما لبث الوعي والتوجه نحو الممارسة الفعلية والتزام الحي.ونشيرهنا إلى أن “حركة الحياة والخبرات” هذه لا تقتصر على نقل الإحداث حسب، وإنما تعانق حركة الأفكار وتطورها أيضا.وهذا ما تابعته المجلة بشغف منذ البداية.ولقد قامت “الفكرالمسيحي” بهذه المهمة من خلال أبواب  متعددة مثل “شؤون راهنة” حول إحداث ووقائع هامة من حياة الكنيسة داخل القطر وخارجه؛ “الملفات” الإعلامية حول كنيسة محلية في بيئتها التاريخية والاجتماعية كيف تحيا رسالتها  وكيف تجاهد؛ الصفحة “الوسطية” حيث عرفت المجلة منذ 1986 وحتى اليوم، شهرا بعد شهر، بعشرات المزارات والمراكز المسيحية في العراق؛ “الأنباء” التي تنقل القاري إلى حركة الحياة في إرجاء الكنيسة الجامعة المنتشرة في القارات الخمس بمختلف طوائفها وأوضاعها ولغاتها وخبرتها وهيئاتها؛ “الأخبار المحلية” و”التحقيقات” التي تعكس أهم نشاطات كنيسة العراق، قمة وقاعدة، ذات الطابع الشمولي؛ باب “الأدباء النصارى” ثم مؤخرا “الإعلام”، وقد قدما نخبة من رجالات الأدب والفكر والدين المسيحيين العراقيين.. 

      وكما تعددت الأبواب، فكذلك الأساليب التي عكست حركة الحياة والفكر في الكنيسة،مثل: أسلوب التقرير الصحفي؛ نقل الخبر أو الوثيقة بنصها أو بروحهما؛ المقابلة أو اللقاء الشخصيين؛ التعليق الصحفي أو الهمسة الخفيفة؛ الافتتاحية؛ الدراسة الجادة.. الخ.. ولا ننسى الدور المعبرللصورة التي ترافق الخبر أو الحدث.

خاتمة

        “الفكر المسيحي”، أكثر من أية مجلة مسيحية عراقية أخرى –مما ظهر حتى الآن– اتسمت بالنضوج الفكري، والإخراج الصحفي المتطور، والمنهج الشمولي المنفتح، والاستقلالية. ولعل كونها صادرة عن القاعدة ولها، وليس عن المؤسسة الكنسية الرسمية، أو جهازا إعلاميا رسميا ناطقا باسمها، أتاح للمجلة هذه الاستقلالية الفكرية. ولكن الاستقلالية لم تفهمها “الفكرالمسيحي” ابدا من دون شعورعال بالمسؤولية وبالالتزام تجاه حياة الكنيسة، وكنيستنا  في العراق بالذات، حاضرا ومستقبلا، وتجاه بناء وشموخ ووحدة العراق الوطن.

————-

(1)   انظر العدد الخاص الصادر بمناسبة يوبيل المجلة الفضي (ت1 ت2 89 ص 309)

((((((((((((((()))))))))))

           الكنيسة وتحديات العالم المعاصر

ملف /تموز 1994

        الكنيسة وتحديات العالم المعاصر

ملف /تموز 1994

    “غالبا ما يحدث في إثناء ممارستنا خدمتنا الرسولية اليومية أن تتخدش آذاننا مما يقوله البعض ممن، وان اشتعلوا بالغيرة الدينية، يفتقدون الحكم الصائب والرؤية في نظرتهم إلى الأمور. ففي الأوضاع الراهنة للمجتمع لا يرون إلا خرابا ومصائب وقد تعودوا أن يقولوا بان زماننا ساءت أموره جدا مقارنة بالعصور السابقة. أنهم يسلكون وكان التاريخ الذي هو معلم الحياة لم يعلهم شيئا, وكان في عهود المجامع السابقة كان كل شيء كاملا في ما  يخص العقيدة المسيحية والأخلاق والحرية الحقة في الكنيسة . ”

   “انه يبدو لنا ضروريا أن نعلن اختلافنا التام مع أنبياء الشؤم هؤلاء الذين ينادون دوما بالكوارث, كما لو كان العالم على وشك الانهيار “.

    بهذه الكلمات المتفائلة والمحملة بالأمل افتتح يوحنا 23 المجمع الفاتيكاني الثاني قبل 30 عاما, وبها فتح نوافذ الكنيسة لرياح العالم الخارجي. وفي هذه الرياح كان النسيم الهادي الذي يمر فيه الله،وكان الريح العاصف الذي يصفق الأبواب والنوافذ العتيقة ؛ كان الهواء النقي الذي ينعش الرئتين بعد طول احتصار, وكان التيار الصاخب الذي يجلب معه أصوات  العالم ونداءاته. أصوات ونداءات كان وفي بعضها أنين الاستغاثة وفي بعضها الآخر هدير التحدي.

    يوحنا 23 لم يكن ساذجا إلى الحد الذي يجهل فيه انه بفتح نوافذ الكنيسة يلقي فيها عاصفة الثورة الداخلية, بمعنى الانقلاب الجذري في تأملها ذاتها وتحديد موقعها وطبيعة رسالتها الحقيقية في العالم وللعالم. ذلك انه لا وجود للكنيسة إلا في العالم وللعالم. وقد قبل يوحنا 23 التحدي. إذ انه لا يمكن للكنيسة أن تسال نفسها عن ذاتها كما لو كانت جزيرة معزولة وحدها. والعالم الذي تتوجه إليه الكنيسة عالم تحبه وتقبله كما هو في تركيبته المعقدة.  في اضاءاته وظلاله, في طاقاته ونزعاته. وقد عبر عن ذلك بولس 6 في خطابه الختامي للمجمع في 7 كانون الأول 1965 –  وقد صار “العالم” على لسانه هو “الإنسان” بكل تناقضاته:” لم تكتف كنيسة المجمع بان تدرس طبيعتها الذاتية والعلاقات التي تربطها بالله, بل أنها اهتمت كثيرا بالإنسان, الإنسان كما هو اليوم في واقعه: (…) الإنسان الذي لا يرضى عن ذاته أبدا, الذي يضحك ويبكي ! الإنسان المتقلب, المستعد أبدا للعب أي دور, المتصلب الذي لا يؤمن إلا بالواقع العلمي, الإنسان كما هو, الذي يفكر ويحب, الذي يشتغل وينتظر شيئا جديدا دائما, الإنسان المتشح ببرارة طفولته والحامل سر فقره وألمه المشفق ؛ الإنسان الانفرادي، والإنسان الاجتماعي، الإنسان الذي “يمجد الماضي”، والإنسان الذي يحلم بالمستقبل ؛ الإنسان الخاطئ، والإنسان البار….”.

    ويستطرد بولس 6 قائلا: ” إن تيارا من التعاطف والإعجاب سرى من المجمع على العالم المعاصر.0 فعوض التنبؤات المشؤومة، انطلقت نداءات ثقة من المجمع نحو العالم المعاصر، وقيمه لم تلاق الاحترام حسب، بل أحيطت بالتكريم، وجهوده نالت الدعم، وطموحاته كانت موضع تطهير وبركة “.

    لا احد يشك في أهداف المجمع، أو يجسر أن يشجب ما قاله البابا يوحنا 23 أو بولس 6 ولكن عندما تطلق ثورة ما، قد لا يجري كل شيء فيها على هوى مخططيها. فلقد طرحت “المراجعة ” الواسعة والشمولية التي تلت على بساط البحث والمحاججة – إن لم نقل زعزعت – مفاهيم وقواعد تقليدية ثابتة  حتى الآن ضمن الكنيسة وفي بنى العلائق والأخلاق وحتى في صيغ التعبير العقائدي. كما حركت بعض الشيء بما حملته على مدى 30 سنة  من بعد نقدي وصدامي أحيانا، موازين القوى بين المركز والأطراف، بين القمة والقاعدة، فبدت “كنيسة  ما بعد المجمع ” للبعض من “أنبياء الشؤم” الذين تحدث عنهم يوحنا 23 عرضة للرياح المبيدة بعد أن كانت قلعة حصينة حتى الآن. وفيما رأت الأكثرية – لا سيما في القاعدة – في تيار التجدد المجمعي عمل الروح الذي يطهر ويحيي ويجدد شباب الكنيسة – وان رافق الألم كل عملية تطهير ونمو – هرع الخائفون – لا سيما في السنوات الأخيرة، في شبه “ردة” تسندها القمة، بل تنطلق منها أحيانا كثيرة – يتحمسون من جديد “أكنيسة يعاد بنائها بشكل آخر إحكاما في سلطتها الإدارية، وببنية أكثر هرمية، كنيسة أكثر مركزية من أي وقت مضى، بحجة أن كل المصائب وقعت – في أعينهم – من جراء اللامركزية التي أرادها الفاتيكاني الثاني.0 هذا المجمع  الذي أعاد إلى الأذهان  بان الكنيسة هي شعب الله، والذي أراد الكنيسة في عالم اليوم “.

 

 

                                                                   الكنيسة في عالم اليوم

   لعل الوثيقة المجمعية المعنونة ” الكنيسة في عالم اليوم ” هي أكثر وثائق الفاتيكاني الثاني عصرية، لما تحمله من انفتاح واتساع آفاق وحركة تجاه العالم وقيمه. ليس للحاق ب هاو “الركوع أمامه”، كما يتخوف “المحافظون” فيتشكون ويحذرون ويدينون، وإنما لان الكنيسة في هذا النص الرسمي – وهو ذو طبيعة راعوية عميقة – تجدد وعيها ومسؤوليتها الرسولية والتزاماتها تجاه العالم: بإعلان تضامنها معه في منجزاته وتركيبته وفي حدوده من جهة، ولحمل البشرى الإنجيلية إليه، من جهة أخرى. في هذا التوجه نجد أبعاد المجازفة الإنجيلية المدعو إليها المسيحي المعاصر خارج حدود التقليدية للارتماء في المستقبل بثقة كبيرة بالله وبنفسه، وهذا عمل من أعمال الروح شبيه بما فعله بالرسل ألاثني عشر صباح العنصرة عندما زجهم وسط العالم خارج حدود الجغرافية والقومية والفكرية.

   للعالم وجهان في الكتاب المقدس، وخاصة عند الإنجيلي يوحنا: عالم “شرير” فاسد هو مرادف للخطيئة والعبودية وموطن لكل انحراف، إزاء هذا العالم وسلبياته –وهي سلبيات لا تنكر ولا تخفى.0 قد يقع المسيحي في خطر الانعزال والانطواء كوقاية من التلوث، وقد تكون اكبر تجربة تتعرض لها الجماعة الكنسية هي الاكتفاء بتقوية الصفوف الداخلية والتأكيد على الهوية الذاتية، كما لو كان لهذه الهوية شان خارج حدود صلتها بالعالم. وقد يدفع مثل هذا الجو الدفاعي بالكنيسة المؤسسة أما إلى التمترس وراء مبادئ لا تريد لها أن تتزعزع لخلق الأمان, وأما إلى الانسحاب من المعركة بفزع، والحالتان لا تفتحان بابا للمستقبل, ولا تشجعان سوى على عملية  التحجر والاغتراب. أما الاحتماء بدفء جماعة حميمة متجانسة وراء الأبواب المغلقة   فلا ينسجم البتة مع الطبيعة الرسولية للكنيسة.

    يقول اللاهوتي جان ريغال في كتابه “اعدوا مستقبل الكنيسة”: “إن ما يعرض الكنيسة للخطر ليس هو النقص في العدد أو ضعف مؤسستها، وإنما ثقل مخاوفها. والتجهم العقائدي فيها لا يعبر عن حرصها على الأمانة لرسالتها، على ما يبدو، بقدر ما يعبر عن قلق خفي عميق أمام تحديات مجتمع في حالة تطور دائم “.

   إن جل ما يطلبه يسوع لتلاميذه من أبيه إزاء هذا “العالم / المجتمع” في وجهه السلبي هو”هو أن يحفظهم من الشرير، لا أن يخرجهم من العالم “(يو 17: 15).

   أما الوجه الآخر للعالم، فهو هذا العالم الذي أحبه الله حتى انه جاد بابنه الوحيد لتكون له به الحياة، العالم الذي لم يرسل الله إليه ابنه ليدينه، بل ليخلصه(يو 9: 16-17)فالعام الذي

تتوجه إليه الكنيسة, إذن, هو العالم موضوع الخلاص, العالم موضوع البشرى. العالم الذي أقام الله معه عهده الأبدي والذي يضعنا فيه ويعطينا إياه حقل رسالة وخدمة, وكمشروع بناء غير مكتمل, نساهم في كماله وخلاصه مع سائر ذوي الإرادة الصالحة. الذهاب إلى لقاء هذا العالم هو بمثابة لقاء مع الله بيسوع المسيح. لذا نقول بان هذه النظرة إلى العالم ليست مجرد نظرة اجتماعية تحليلية لعناصر القوة والضعف فيه, وإنما هي نظرة إيمانية تندرج في صلب سر التجسد والفداء, حيث انضم الله إلى الإنسان حيث هو في بيئته الطبيعية. افترى تنتظر كنيسة اليوم أن يأتي العالم حتى عتبتها ويقول لها “هلمي وخلصيني؟”

                                                                   الكنيسة المعاصرة

     ولكن كلمة الكنيسة لن يسمعها عالم اليوم إلا إذا خلت من كل اقتحامية كسب أو شك في النوايا, إلا إذا تقدمت بحب وتقدير وثقة بقدرات هذا الزمن الراهن من جهة، وبطاقاته على تجاوز ذاته نحو الأفضل من جهة أخرى. أليست هي هذه المعاصرة بالذات؟ أن لا تدين الكنيسة العالم – وخاصة أن لا تكتفي بذلك – بل أن تنظر إليه نظرة ايجابية وتحبه،  فتبني معه حوارا، وتصغي إلى انتظاراته، ولا تتردد من التفاعل مع قيمة الايجابية الخاصة، وتستثمر إضافات واكتشافاته في مادين العلم والبحوث وفي الخبرات الإنسانية الهادفة إلى نماء الإنسان وتحرره وكرامته، فردا ومجتمعات ودولا. اوليست رسالتها الخاصة أن ترقى بكل ذلك إلى تحقيق ملكوت الله بين البشر، والرقي بالإنسان المخلص إلى مرتبة ابناء الله؟ !

   كما إن المعاصرة للكنيسة تعني إن إعلان الإنجيل لن يصبح بشرى على لسانها إلا إذا اتخذ لغة هذا العصر قناة للعبور والتعبير، واللغة هنا لا نقصد بها كلمات ومفردات، وإنما نمطا من التفكير والحضور أيضا، والسماع، والاتصال يتيح الوصول إلى الأسئلة الصحيحة للناس، إلى مراكز اهتماماتهم. بعبارة أخرى إلا إذا أصبحت جسر حوار مع الوجود في حركيته وطموحاته. هذا الوجود الذي يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف الحضارات والجذور الثقافية والخصوصيات التاريخية والزمن الراهن. أليس هذا هو “التجذر الثقافي ” للإيمان والإنجيل، الذي طالما يدعو إليه يوحنا بولس الثاني؟ 

    التاريخ وحده يشهد كم إن الكنيسة “أخذت ” من التراث البشري وحضاراته – منذ بدايتها – لنقل البشرى الإنجيلية وصياغة تعابيرها اللاهوتية والليتورجية والروحية وحتى لتنظيم هيكلتها كمؤسسة ضمن المجتمعات. فلقد استعارت أفكارا وفلسفات ولغات عبر العصور من شعوب كثيرة، وبعضها كان وثنيا، أو يدين بغير عقيدتها، افتراها تتنكر اليوم لهذا التقليد

العريق في ورود كل خبرة بشرية و “توظيفها”، إذا صح القول، لحمل الكلمة بحيوية وفصاحة وتقبل أفضل؟ أليس هذا ما نشعر به اليوم كل مرة تدان خبرة لاهوتية أو راعوية تستند على تحليل جديد للواقع، هنا وهناك؟

   إن المجمع وضع الكنيسة في شبه مسيرة حج متفائلة نحو.0 العالم ! لسماعه، للإنصات إليه، للوصول إلى أسئلته الصحيحة.0 ولمحاولة الإجابة إليها، اجل، ولكن هل للكنيسة أجوبة على كل الأسئلة؟

    هذا وجه آخر مما يطرحه روح المعاصرة على الكنيسة.

   ولعل الخطيئة الرئيسة تكمن في مثل هذا الادعاء الذي غالبا ما يجر إلى مواقف قاطعة وقطيعة، ويعطي الانطباع لدى بعض رجال الكنيسة – وليس في المراتب العليا حسب – إن لهم أجوبة جاهزة وأدوية سارية المفعول ولكل العلل، لا تنتهي مدتها أبدا… !

    أليست الكنيسة هي أيضا في حالة بحث عن بعض الأجوبة؟ أم من العيب أن تبدو أنها لا تملك أجوبة نهائية لكل شيء؟ ولعل مسالة الأخلاقية الأسرية والعلاقات (الإنجاب، الجنس.)، ومفهوم ممارسة السلطة والرسالة (طريقة تعيين الأساقفة واستقلالية الكنائس المحلية، موقع العلماني في الكنيسة.)، وحرية البحث اللاهوتي (اللاهوتي الأساسي، لاهوت التحرير.. ) وعلاقة المرأة بالكهنوت (الكهنة المتزوجين، القسيسات..) لعل هذه المسائل هي من القضايا الكبرى التي عرضت مصداقية المؤسسات الكنسية للاهتزاز في السنوات الأخيرة، لأنها أعطت الحكم القاطع من زاويتها الخاصة في مسائل لا يمكن أن يغلق باب البحث فيها بمجرد قرار يصدر من فوق، إلا يمكن أن نرى في هذه “المواجهات” نقصا حقيقيا في شروط الحوار، والاكتفاء باتخاذ القرار الجازم من طرف واحد عوضا عن المؤمنين في القاعدة وكأنهم مجرد قاصرين أو مستلبين؟ أليس أن أول شرط الحوار هو الاستماع وإعطاء حق ممارسة الكلمة للطرف الآخر، حتى إذا لم يكن هذا “الآخر” ندا خارجيا مناوئا. أي بكلمة أوضح، حتى إذا كان هذا الحوار بين السلطة والكنيسة “المعلمة” والمؤمنين، أو فئة منهم؟

   في الكنيسة – المؤسسة عقدة قديمة مستفحلة وهي الادعاء بامتلاك الحقيقة كلها وحدها، لذا نعطي لنفسها حق الجزم القاطع متى ما شاءت. وعلم النفس والاجتماع يقولان – وقولهما يستند إلى الواقع الخاضع للاختبار – إن كل شعور بالضعف أو النقص أو قصر الحجة – في الفكر أو أسلوب الحكم – يعوض عنه بالادعاء. أو الجزم القاطع السلطوي، أو بالتموقع فوق الآخرين، وهذا موقف دفاعي صرف، أي تحفز وقائي وانفصال عن الآخرين يأتيان نتيجة عجز عن بناء صلة متكافئة  معهم. إن العبور من كنيسة مؤسسة تظن أنها تعرف كل شيء وتنفرد بحكمها، إلى كنيسة تسمع وتستنير وتبحث عن الحاجات الحقيقية لأبنائها ضمن الحقبة التاريخية التي يعيشونها، هذا العبور هو اهتداء حقيقي معروض على

كنيسة اليوم، وعلى مختلف مستويات، كنداء وكتحد. فما تطالب به المعاصرة في النهاية كنيسة اليوم هو أن تكون كنيسة: تسمع قبل أن تتكلم، تستقبل عوض أن تحكم, تحب للعالم قبل أن تتقي شره تشجع أكثر مما تدين تدفع إلى الإبداع لا الخوف ؛ تدعو إلى التعبير عن الذات، لا إلى الصمت، تنادي بالبشرى لا تشكك”.  

                                                                         الكنيسة المحلية

    إن نداء “المعاصرة والتحديث” الذي أطلقه البابا يوحنا 23 في الكنيسة بعبارته الشهيرة (Aggiomamento) أراده “حالة جديدة” تعيشها الكنيسة المعاصرة في العالم المعاصر بروح عنصرة جديدة وبثقة لا حد لها بعمل الروح القدس الحاضر والفاعل في أعماقها   وإذا كانت هذه “الحالة الجديدة” نداء المجمع بنصوصه وحركيته إلى الكنيسة الجامعة بشموليتها   فهو نداء موجه أيضا وبديهيا إلى الكنائس المحلية – إذن إلى كنائسنا الشرقية أيضا التي كشقيقاتها، وقعت بشخص بطاركتها وأساقفتها وثائق المجمع – جميعها، من دون استثناء, معنية بسلوك طريق التجدد والمعاصرة، بكل ما في الكلمة من ايجابية وجدة إنجيلية, وإلا بقيت متخلفة ومتغربة تجر نفسها كعربة خيل هرمة لا تصلح لأكثر من نقل القش، علما بان التجدد والمعاصرة لا يتنافيان أبدا مع الأصالة الهوية الذاتية ولا مع الأمانة لتراث الآباء. بل إن هذه الأمانة وتلك الأصالة تستدعيان التحديث إذا أردنا للهوية الذاتية إلا تكون مجرد بطاقة صفراء من الماضي, ولتراث الآباء متحجرا في متحف التاريخ الطبيعي. وإنما أن يستمر هذا التراث وتلك الخصوصية يرفدان حاضرنا بالإبداع والحياة. أليس هذا هو سر الدينامية التاريخية للإنجيل وتجسيده الفعلي عبر حركة الحياة مع بقائه هو هو؟ واذهب إلى القول بان الكنيسة المحلية، حتى آخر حلقاتها الفاعلة، أي الخورنة بمختلف أنشطتها الراعوية والثقافية والاجتماعية، هي موضع عيش وممارسة هذا التجديد وتطبيقاته الفعلية اليومية.

    إننا نشهد اليوم في الكنيسة، بالرغم من كل شيء – أي بالرغم ممن يحبذون البقاء في أماكنهم أو العودة إلى الوراء – نشهد أمورا كثيرة تتحرك أو تفقد مواقعها السابقة . أشياء تموت وأخرى تولد: هذه هي ستة الحياة. ولأنها كذلك فهي ظاهرة صحية. السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ما الذي يموت وما الذي يولد؟ اليس في الموت سر الحياة؟ فإذا كانت القشرة الخارجية وحدها تموت أو تتشقق، فلا باس، طالما إن الحياة تتجدد في عروق الصنوبرة واغصانها !

   لنأخذ مثال ولادة الجماعات الصغيرة في الكنيسة، لقد شعر المؤمن – ولاسيما جيل الشباب – بالضياع في القطيع الكبير – والقطيع الكبير بطيء الحركة طبعا،

تسرقه غريزة البقاء  بأمان  ضمن جدار الحضيرة – فصار يبحث عن فضاء حيوي في جماعات صغيرة يشعر قيها أولا: بأنه شخص معترف به ضمن جماعة دافئة من الأصدقاء ذوي الإحساس المماثل، وثانيا: حيث يمكنه يعبر عن إيمانه بحرية وعفوية لا يجدها في الانقيادية التقليدية، وثالثا: حيث يجد حقلا للتطبيق وللشهادة الفعلية لإيمانه الملتزم.

    هذه الجماعات الصغيرة التي دعيت “بجماعات القاعدة” وفي أميركا اللاتينية وإفريقيا كان لها دور كبير في التجدد الكنسي والوعي ألرسولي الروحي  لدى القاعدة هماك. وقد برزت في أوربا في هيئة عدد من الجماعات الرهبانية والعلمانية المكرسة الصغيرة الجديدة.

    وعندنا في كنيسة العراق اليوم عدد غير يسير مما ندعوه “بالكروبات الصغيرة”. إننا  لسنا هنا في سياق تحليل متكامل لطبيعة كل هذه الكروبات التي تأتي لتحل محل الأخويات التقوية القديمة، والأخويات الرسولية التي توارت لأسبابها ي أواسط السبعينات، ولكن بوسعنا القول إن المنتمين إليها يشكلون جمهورا واسعا من هؤلاء العلمانيين الشباب والفتيات والخريجين الذين يبحثون، في الواقع، ألا يكونوا مجرد مستهلكين في كنائسهم   والعطش إلى ثقافة مسيحية ودينية ناضجة ومنفتحة تغذي إيمانهم بالحيوية والإشعاع. ومن هذا الباب نقول بان هذه المجموعات القاعدية – مضافة إلى الطاقات الأخرى الكامنة في أعداد أخرى من اليافعين والشباب الذين لا ينتظرون سوى من يلتفت إليهم ويستنفرهم – يمكن أن تشكل طاقة علمانية واسعة للتجديد الروحي والفكري والرسولي لكنيستنا، وبالتالي لعصرنتها، لو توفرت فيها الشروط التالية:

1 – أن لا تكون مجرد “فريق خدمة” ملحق لدعم أنشطة خوري معينة.

2 – أن تخرج عن طابع الحلقات المقتصرة على بنائها الذاتي، لتصبح مدارس تنشئة روحية  ولاهوتية وكتابية جادة تقرن الثقافة النظرية الرصينة مع الحس الرسولي والكنسي الملتزم، أي أن ترسخ فيهم الوعي أولا: بأنهم والكنيسة حالة واحدة، وبأنهم بناتها اليوم وكوادرها غدا، وثانيا: بأنهم منذ اليوم رسل الإنجيل حقا في كنيستهم وبلدهم، وبقدر اعتناقهم هذين الالتزامين معا وفعليا، بقدر ذلك يمكننا أن نتفاءل حول مستقبل كنيستنا في العراق.

   لاشك إن هذا التفاؤل يبقى مبتورا، بل افتراضيا، إذا لم تنظر إليه ضمن سياق أوسع، سياق كافة القوى الفاعلة الحية في كنيسة العراق، ومن هذه القوى لا اذكر

فقط الكهنة والرهبان والراهبات والتيار الحيوي والتجدد الذي يمكن أن يبعثوه في القاعدة الكنسية بأنشطتهم الكنسية المختلفة وروحانيتهم المعاصرة المتدفقة وأفكارهم وكتاباتهم ومواعظهم، لربما يقال بان ذلك منتضر منهم أصلا  بل اذكر أيضا وخاصة كل هذه الشريحة العلمانية المسيحية التي تعني بالثقافة عموما: بالكتابة والتأليف والفكر والأدب والبحث والتاريخ والفنون على أشكالها  احترافا وهواية.0 كل هذه القوى، لو تعانقت كفاءاتها بإيمان واع وملتزم، وساهمت مباشرة في رفد كنيستنا بإبداعاتها المستلهمة من التراث المسيحي أو تصب فيه، لشكلت قاعدة مسيحية متقدمة ومبدعة وأدخلت كنيستنا العراقية في عهد جديد.0 هل احلم؟ من لا يحلم ليس له ما يحققه ! ولكنني أعود فأقول: إن هذه الجماعات كلها لن تلعب دورها في كنيستنا إلا إذا وجدت لها فيها “موطنا”: ففي مجتمع كمجتمعنا تعطي القيادة فيه والقرار بيد السلطة والمؤسسة، لا يمكن لها أن تلعب دورا نبويا حقيقيا ما لم تنل ضمان الكنيسة المؤسسة وهذا “الضمان يعني ويستدعي في واقع حالنا ” تغييرا عميقا – إن لم اقل اهتداء جذريا – في طبيعة العلاقة بين القمة والقاعدة في كنيستنا: بين الأساقفة وكهنتهم، بين هؤلاء العلمانيين, بين الاكليروس والكوادر الفكرية أو الاجتماعية الأخرى، بين المرشدين وكروباتهم، بين السلطة الكنسية ووسائل النشر والإعلام ومنها الصحافة بالذات، بين عملية التعليم المسيحي ذاتها ونوعية المادة التي تعطى، بين موقع الكاهن الاجتماعي والديني ونوعية التنشئة التي ينالها.  والاعتراف من ثم بدور كل فريق أو نشاط في حياة الكنيسة ورسالتها: ولكي يتم ذلك بصورة متناغمة ينبغي احترام خصوصية وتمايز كل دور ضمن سياسة راعوية منسقة وتخطيط.

    اعرف إن ما ادعوا إليه يشكل تحديا كبيرا لكنيستنا في وضعها الحالي, ولكن جزءا كبيرا من مستقبل كنيستنا في العراق يعتمد على الجوانب الذي نعطيه لهذا التحدي, كما اعرف إن ذلك لا يتحقق بين ليلة وضحاها، وإنما هو مشروع طويل الأمد، يتطلب تخطيطا والية تنفيذ دؤوب, في منظور إنجيلي وكنسي ومستقبلي، يتفاعل ايجابيا مع واقعنا الاجتماعي والثقافي الكنسي والقومي.  

  ((((((((((((((()))))))))))

عالم الرهبان والراهبات

 ملف / ت2 ك1 1994

عالم الرهبان والراهبات عالم متعدد الوجوه والالوان. ولو خطر ببال احد ان يقيم متحفا للازياء الرهبانية، ولا سيما ازياء الراهبات – هذه التي يجهل الله نفسه عددها، كما تقول طرفة خبيثة – للزمه بناء من عدة طوابق! فالزي لا يختلف من رهبنة الى رهبنة حسب، بل في الرهبنة الواحدة يختلف زي الطالبة عن الراغبة، والمبدئة عن الناذرة، وزي العمل عن زي الصلاة او الزي الرسمس..

    عدد الرهبان والراهبات في الكنيسة الكاثوليكية يتجاوز اليوم (1,300,000)، ينتمي 73% منهم الى الرهبانيات النسائية، و 27% الى الرجالية، وبسبب نسبة النساء العالية جدا يشكل “العمانيون” في الرهبانيات الاغلبية الساحقة (82%)، اما الرهبان المعتنقون الكهنوت فيمثلون 18% فقط.

    جيش عرمرم.. لو ادركنا اتساع انتشاره الجغرافي حيثما تواجدت الكنيسة في العالم اجمع، وتنوع انشطته في المجالات اللاهوتية والتبشيرية، والتيارات الفكرية والروحية، والمؤسسات الثقافية والتربوية والصحية والاعلامية، ومختلف اوجه التنمية والرقي الانسانيين؛ لو ادركنا هذا التنوع وعلمنا ان بعض هذه الانشطة  لا ينحسر في الوسط المسيحي، لادركنا الحجم الكبير الذي يحتله الرهبان والراهبات في حياة الكنيسة وتاريخها ورسالتها في العالم.

     سينودس اساقفة عام برئاسة البابا انعقد في روما من 2 – 29 ت1 الماضي، خصص لموضوع “الحياة المكرسة ورسالتها في الكنيسة والعالم”. دلالة على اهمية الموضوع. وفرصة لنا، في هذا الملف كي نجيب الى اسئلة مثل: الحياة الرهبانية ما هو تاريخها؟ ماذا يعني تنوع طرائقها؟ وما هي طبيعتها؟ ما موقع الرهبان والراهبات في حياة الكنيسة ورسالتها في العالم اليوم؟

منذ بدايات المسيحية.. التاريخ

     منذ اواسط القرن الثالث عرفت المسيحية زهادا من الرجال والنساء اعتزموا العيش بموجب روح الفقر والتجرد الانجيليين في حالة العزوبية وسط جماعة المؤمنين. وكان يطلق عليهم في سوريا وبلاد ما بين النهرين اسم “ابناء وبنات العهد”. وكانت اول صيغة منظمة لهؤلاء ان يعيشوا اثنين اثنين او ثلاثة ثلاثة بجوار كنيسة.

     من هذه الصيغة الزهدية العفوية ولدت الحياة الرهبانية قبيل نهاية عهد الاضطهادات واعلان المسيحية دينا رسميا للامبراطورية الرومانية الجديدة مع قسطنطين الملك (306- 337). فبرزت الحياة الرهبانية كظاهرة ملفتة للنظر في مختلف اقطار الشرق الاوسط القديم: مصر وسوريا وفلسطين وبلاد ما بين النهرين (العراق)، وقبدوقيا (غربي تركيا)، واتخذت لها

صيغا متنوعة.  

” آباء الصحراء”: فهناك الاتجاه التوحيدي (آباء الصحراء في مصر) مع القديس انطونيوس المسمى بابي الرهبان (+ 356) هذا الفلاح الصعيدي الذي، لدى سماعه في كنيسة قريته، قول المسيح للشاب الغني: “اذا اردت ان تكون كاملا، اذهب وبع كل ما لك وتعال اتبعني”، هجر الدنيا واعتزل في الصحراء لحياة الصوم والصلاة وقراءة الكتاب المقدس والعمل اليدوي. ومن هنا تفرع النساك والحبساء مع القديس مقاريوس (+ 390) عندما تجمع بعض النساك  في مناسك متجاورة وصاروا يلتقون يومي السبت والاحد للمشاركة في قداس الاحد وتقاسم طعام اخوي. وخطا القديس باخوميوس خطوة اخرى، نحو سنة 330، حين جمع رهبانه في دير وفق قانون ينظم حياتهم المشتركة وبروحانية النموذج الاخوي للجماعة المسيحية الاولى “اذا كان كل شيء فيما بينهم مشتركا، كما يذكر كتاب اعمال الرسل(2:44).

“الرهبان السريان “: اما في سوريا وبلاد ما بين النهرين  فقد ازدهرت الحياة

الرهبانية في الفترة ذاتها، ولكن مع خصوصية متميزة وهي الروح الرسولية، فلطالما جعل الرهبان السريان من اديرتهم قاعدة انطلقوا منها للتبشير والتعليم حتى بلغوا البلدان المجاورة كالجزيرة العربية وسواحل الخليج العربي جنوبا، وبلاد فارس شرقا، وحتى الهد والصين. علما بان الاديرة نفسها كانت تستقطب المؤمنين للتبرك والاسترشاد.

   ومن الاسماء الكبرى للحياة الرهبانية الرسولية لدى الشرقيين السريان مار افرام (306- 373) الذي وازن بين حيته الرهبانية بين العزلة والنشاط الرسولي والتعليمي لجماعة المؤمنين في نصيبين ثم الرها، والقديس يوحنا فم الذهب (354- 407)؛ وابراهيم الكشكري (491- 586) الذي نظم الحياة الرهبانية في بلاد فارس وشمال العراق، وقبله متى الناسك.. ولا يخفى ما كان للرهبان من تاثير كبير على حيوية ومجريات حياة الكنائس الشرقية ذات التقليدين السرياني واليوناني البيزنطي. 

الرهبانية الغربية: اما في الغرب فقد انتشرت الرهبانية على يد اساقفة عظام

ومؤسسين كبار، امثال القديس اوعسطينوس (354- 430) اسقف افريقيا الذي وضع مشترعات بني عليها مؤسسو الرهبنات الغربية اللاحقة؛ والقديس بندكتس او مبارك (480- 547) الذي يعتبر ابا الرهبان في اوربا. وكان النهج البندكتي يتمحور حول قطبين جوهريين: الصلاة الديرية الاحتفالية المرتلة والاعمل اليدوية والزراعية، فكان رئيس الدير في ان واحد ابا روحيا وأشبه بمدير مزرعة كبرى واسع النفوذ والسلطة. ولقد دفع رجوح كفة هذا القطب الثاني الى اصلاحات جذرية متتالية شطرت الرهبنة في القرن العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر.

الرهبانيات الكبرى: اما القرن الثالث عشر فقد شهد ثورة في النهج الرهباني الغربي، فازاء تكدس الثروة بيد الكنيسة واتساع صفوف الفقراء، قامت من القاعدة حركات تدعو الى العودة الى صفاء الانجيل وروح المسيحية الاولى، وظهر ما عرف “بالرهبانيات المستعطية” حول شخصين ملهمين، هما فرنسيس الاسيزي ( 1182- 1226) الذي جسد روح الفقر والبساطة والفرح والمسالمة، فكانت الرهبنة الفرنسيسكانية، التي تشعبت فيما بعد ثلاثة فروع كبرى: الفرنسيسكان، الكونفانتولين او الديريين، والكبوشيين؛ وعبد الاحد او دومنيك كوزمان (1170- 1221) الذي اختص رهبانه الدومنيكان بالتعليم والوعظ، لذا سمو بالاخوة الواعظين. وفي الاسرتين الدومنيكية والفرنسيسكانية فروع نسائية متعددة الاسماء والاهداف، وهي على اتجاهين متكاملين: تأملية وعاملة في الرسالة المباشرة.

        كما ظهرت في العصر ذاته الرهبانية الكرملية على يد نساك لاتين على جبل الكرمل في فلسطين، وقد خضعت لحركة اصلاحية عميقة في القرن السادس عشر على يد القديسة تريزيا الافيلية والقديس يوحنا الصليبي، وكلاهما اسبانيان.

  وفي هذا القرن ذاته الذي شهد عصر النهظة الفكرية والفنية والانسنية، واكتشاف العالم الجديد وبدء الرحلات الاستكشافية والاستعمارية الكبرى اطلق اسباني اخر هو اغناطيوس دي لويولا (1491- 1556)، رهبانية جديدة باسم “اليسوعيين” تختص بالتبشير ورعاية العلوم والتربية.

الحياة الرهبانية…، لماذا؟

    ان كان جميع المسيحيين، بعمادهم مدعويين الى القداسة والعيش بمقتضى مباديء الانجيل، “كاملين كما ان اباهم السماوي هو كامل”(متى 5: 48)، فقد شعر بعضهم، من الرجال والنساء، وعلى مر العصور، ان الرب يدعوهم كي يعيشوا هذا النداء بترك كل شيء واتباع المسيح  على طرقات البشرى الانجيلية (كما دعا بسوع الشاب الغني: متى 19: 16 – 21)، وفي سبيل الاجابة على هذه الدعوة وتكريس حياتهم برمتها لله الذي يفوق حبه اي امر اخر، انتهج هؤلاء الرجال والنساء بكامل حريتهم  نمط حياة خاص باركته الكنيسة ورعته.

     هذا النهج الخاص هو الذي دعي بنهج “المشورات الانجيلية”: “اذا اردت ان تكون كاملا…” و “.. تعال واتبعني” يقول يسوع للذي ساله الكمال! اي “ومت تلميذي، تشبه بي”.. وكان مسيح الانجيل فقيرا، وعفيفا، وطائعا لابيه، فعلى خطى المسيح يلتزم الراهب او الراهبة ان يعيشا باسلوب مبتكر وخاص هذه الاوجه الثلاثة الاساسية من حياة الانسان وهي: علاقته بالمادة، عواطفه، وحريته.

      وهكذا، فعلا، بعد فترة استعدادية (تدعى الرغوبية)، يليها زمن تهيئة مباشرة (تدعى الابتداء) يلتزم الراهب او الراهبة بنذورعلنية، عيش المشورات الانجيلية الثلاث: الفقر والعفة والطاعة. وتكون النذور اول الامر لفترة زمنية محددة ثم لمدى الحياة.

      ولكن ما هي ابعاد هذه “النذور” في الحياة العملية للراهب او الراهبة؟

الفقر: لقد اخلى المسيح ذاته وعاش فقيرا، متضامنا مع الناس في معانياتهم، متجردا

عن خيرات هذه الدنيا، واثر الصغار والفقراء والمرذولين في زمانه، ولكن من دون ان يحتقر هو اي احد او اي شيء. ولقد قاسم يسوع كل شيء مع تلاميذه: وقته، وافراحه، واتعابه، وحتى رسالته وروحه.

     وعلى خطاه يختار الراهب ان يعيش وضيعا، فقيرا في الروح وفي التطبيق العملي، فلا يمتلك شيئا باسمه الشخصي؛ يعمل بيديه  او بمزاولة الاعمال الفكرية، ويضع كل “نتاجه” بتصرف جماعته الرهبانية او لخدمة الفقراء والمعوزين الذين بحظون باولوية اهتماماته.

العزوبية في العفة:  لقد كان المسيح عازبا، ولم يعرف الزواج ولا الابوة الطبيعية.

ولكنه كان حرا تماما امام المرأة، ولم يبد اي تمايز بيت تلاميذه، رجالا كانوا ام نساء. وانما كان همه الاكبر ان يكشف للناس الوجه الحقيقي لابيه السماوي، ويعيش معهم وبينهم اخا لجميع الناس.

     وبالعزوبية التي يختارها الراهب من اجل ملكوت الله، لا طعنا بالزواج او ازدراء يقيم الاسرة والابوة، وانما ابتغاء ان يعيش حبه الاكبر ليسوع ويعطي الاولوية القصوى في عاطفلله، ويكون من ثم متفرغا لاخوته البشر.  

الطاعة: لقد جعل المسيح “طعامه ان يعمل بمشيئة من ارسله” وكان طائعا لله ابيه حتى الموت”.

والراهب الذي ينخرط في جماعة رهبانية معينة، يلتزم بالطاعة للقوانين والمشترعات الخاصة بها، على يد الرؤساء المسؤولين عنها باسم الكنيسة. ولكي تكون هذه الطاعة بحسب روحانية الانجيل  ومثمرة، يجب ان تكون واعية، حرة، وبروح الاسرة المتحابة التي يحركها هدف واحد لدى الرئيس والمرؤوس.

ومن اركان الحياة الرهبانية ايضا:

الحياة المشتركة:  فالرهبان (والراهبات) يستلهمون روح الجماعة المسيحية الاولى

“اذا كان كل سيء مشتركا بينهم..بقلب واحد ونفس واحدة” (اعمال 4: 32)، فيعيشون الحياة المشتركة ضمن جماعة ديرية (او في اخوة صغيرة)، بصورة طبيعية وثابتة وفي بساطة العلاقات الاخوية. كما يشتركون معا في الاوخارستيا، والصلاة، والصمت، والعمل، والرسالة، والموارد، والطعام، واقات المرح.. ويتبرون دوما ان المسيح حاضرا في ما بينهم، هو القائل: “حيثما اجتمع الاثنان او ثلاثة باسمي، اكون انا في وسطهم” (متى 18: 20). وهكذا، بالحب الذي يكنه الرهبان لبعضهم البعض، يعطون الشهادة للايمان والرجاء والمحبة والغفران والتواضع والفرح.

الصلاة: اذا كان الراهب رجل الله ومختصا بخدمته، فالصلاة هي طريقة الملوكي اليه،

وينبغي ان تحتل الصدارة في حياته، وتتغذى صلاته من كلام الله  في الكتاب المقدس وفي الليتورجيا والسجود الصامت والرياضات الروحية، ومن رسالته ذاتها.. وتشكل الاوخارستيا محور روحانيته.

الرسالة: الراهب صوت ينادي بحياته قبل لسانه بان الانجيل هو بشرى خلاص لكل

انسان. وهكذا تكون وظيفته الاساسية والوجه المرئي من حياته ان يشارك الكنيسة رسالتها فعليا في حمل هذه البشرى الى العالم، في مختلف مرافق الحياة، فسواء كان نهج حياته تأمليا (كالنساك والمحصنين). او عمليا ( كالرهبان العاملين في الحقول الانسانية والتربوية والصحية..)، فالراهب يبقى دوما مبشرا ودليلا لاخوته. وقد لا يرى الناس منه سوى هذا “الوجه الرسولي” الخارجي كمبرر لحياته المكرسة.  

الخاتمة

الرهبان والراهبات نعمة وضرورة للكنيسة. نعمة لانهم يمثلون “الذاكرة الحية لمثالية الانجيل في الكنيسة، وهم شهود لحب الله وقداسته لابناءها وللعالم. وضرورة لانهم يشكلون الرعيل المتحرك الامثل لحيويتها الفكرية والرسولية، وقد مثلو دوما في تاريخها الجناح المنفتح للتجديد والمبادرات وابتكار طرائق معاصرة دوما لتجسيد الاوجه المتنوعة لرسالة الكنيسة في العالم، سواء في ميادين الرسالة المباشرة، ام خاصة في ميادين الفكر والبحث اللاهوتي والروحانية. وحيوية كنيسة محلية ما انما تقاس بحيوية رهبانها الى جانب اكليروسها

                                                  الاب جرجس القس موسى

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s