المسيحيون وفلسطين1,2

 18

المسيحيون وفلسطين(1)    – ملف

19

ت2

1972

21


المسيحيون وفلسطين(2)    – ملف

 20

 حزيران

1973

المسيحيون وفلسطين 1

ملف/ت2 1972

    عقدت في لندن من 11– 16 أيلول الماضي الندوة العالمية الثانية للمسيحيين من اجل فلسطين لدراسة هذه المشكلة المستعصية على ضوء التاريخ والوقائع، وإيقاظ الضمير المسيحي وتحريكه عالميا لنصرة شعب تشرد وطرد من أراضيه عنوة وظلما وقد اشترك في هذا المؤتمر زهاء 170 شخصية مسيحية عالمية من رجال دين وعلم وفكر بالإضافة إلى مراقبين ومندوبين عن المقاومة، وقد وردتنا دعوة شخصية لحضور هذا المؤتمر العالمي.

    هذا ويخدر بالإشارة إلى أن أصحاب المبادرة هم قبضة من أصدقاء فلسطين من محرري صحيفة “الشهادة المسيحية” الأسبوعية الفرنسية المعروفة بمواقفها المؤيدة لقضايانا، وهم الذين نظموا بالتعاون مع مسيحيين من الشرق، الدورة العالمية الأولى التي عقدت في بيروت عام 1970.

” لماذا نحن المسيحيين نهتم بهذه القضية وانطلاقا من أي أساس؟”

     هذا هو السؤال الكبير الذي ألقته ندوة بيروت والذي استكملت نقاشه ندوة لندن لتنطلق إلى مبادرات جديدة لتوضيح إبعاد القضية في الأوساط المسيحية وخارجها، وهذا ما نريد الإسهام فيه في هذا “الملف” شعورا منا بواجبنا القومي والمسيحي معا تجاه أخينا الفلسطيني “المنفي” وأرضنا المقدسة المغتصبة.

    في الشهر الماضي أعلن راديو اسرائيل، وبهدوء تام، بدء الاحتفالات بمرور 25 عاما على قيام دولة إسرائيل، ولكن كيف نشأت هذه “الدولة” ومن أي خام بنيت؟

في فجر القرن العشرين كان فلسطين قطرا عربيا يشمل الجزء الجنوبي

الغربي من ولاية سوريا التابعة للإمبراطورية العثمانية. لغة أبنائها العربية: 80% مسلمون و 10% مسيحيون من مختلف الطوائف و 10 % من اليهود   وكان هؤلاء الاخيرون يملكون 65 ألف هكتار من الأرض على مسافة تبلغ 2632302 هكتارا. وفي 23 ت1 1922 قامت سلطات الانتداب البريطاني بأول عملية إحصاء وكشفت على إن سكان فلسطين قد بلغ عددهم 752148 من 7717   من جنسيات مختلفة، 660641من العرب، أما اليهود فكانوا 83790. وعشية التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة في 29 ت2 1947 والقاضي بإقامة دولتين في فلسطين أحداهما عربية والأخرى يهودية، كان سكان فلسطين زهاء 2115000، منهم 1310000 مسلما و 700000 يهوديا و 35000 مسيحيا، وكانت أملاك اليهود تساوي 6% من المساحة الكلية.

     وهكذا ذهب عدد اليهود في تزايد مطرد، لا لازدياد في الولادات، وإنما بسبب الهجرات المتعاقبة المنظمة من أوربا وأميركا وبعض الدول العربية التي خيرت رعاياها اليهود سنه 1947 بين البقاء والرحيل، وتوسعت أملاكهم إضعافا مضاعفته بالشراء المغري الأسعار وبالخديعة والاستيلاء، بينما تضائل عدد العرب حتى أصبحوا أقلية لا تتعدى الثلاثمائة إلف بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 وهجرة النازحين.

     إننا لا نبغي كتابة تاريخ مفصل للقضية الفلسطينية، وإلا للزمنا كتاب كامل، إنما سنكتفي بسرد الوقائع الهامة التي آلت بنا إلى هذه الكارثة، وتحليل الملابسات التاريخية والدينية والعرقية التي رافقت هذا النزاع الذي بدا صامتا ولكن مبيتا ومصمما تصميما محكما من قبل الصهيونية العالمية  ، منذ القرن الماضي، قبل أن ينتبه العرب إلى خطورته فكان ما كان!

1947  : الأمم المتحدة تقرر التقسيم على طلب بريطانيا في 29 ت2 وللدولة اليهودية 56% من مساحة فلسطين، وللدولة العربية 42 % ومنطقة القدس الدولية 2%، رفض الطرفان التقسيم واشتبك في حرب ضارية اشترك فيها 64 ألفا من الهاغانا بين مسلح ومقاتل وجاسوس و4000 من الايرغون و 300 من الشيرون وكلهم ممتهنو حرب من الجيوش الاوروبية والأميركية، يساندهم الدعم الغربي المعنوي والسياسي والمادي والعسكري المبطن. أما العرب فتقدموا إلى الحرب بجيوش حديثة التكوين، قليلة السلاح، وبالرغم من إبلائهم البلاء الحسن كانت الحصيلة مذابح دير ياسين وكفر قاسم والقدس… وبضعة آلاف من القتلى والجرحى والقرى المحروقة و300 ألف مشرد فلسطيني. وفي 15 أيار 1948 عوض أن يعلن عن قيام دولتين في فلسطين أعلن دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل وفي اليوم نفسه أعلنت روسيا والولايات المتحدة اعترافا بإسرائيل كأمر واقع. ووقعت الهدنة، وجاءت حرب 6 وتشريد 5 ألف عربي، مسلم ومسيحي، آخر واحتلال غزة وسيناء والضفة الغربية والجولان – وحلم الصهيونية أن تمتد من الفرات إلى النيل – 

لماذا نحن المسيحيين نجابه القضية

        لقد نشأت إسرائيل من مفارقة تاريخية كبرى وهي محو إلفي سنة من التاريخ وتوطين قوم في فلسطين، عنوة واغتصابا، لا صلة لهم بالأرض. لقد أتوا من روسيا وأوربا وأميركا حيث تقلبوا في مختلف المناصب وانتموا، كسائر مواطنيهم، إلى جميع الطبقات الاجتماعية. هكذا كان حاسهم منذ عهد الجاليات اليهودية  العرق أو المهتدية إلى اليهودية قبل المسيح في بلاد فارس وما بين النهرين وأعالي الأناضول واسيا الصغرى واليونان ومصر وليبيا وايطاليا واسبانيا وكرين والجزيرة العربية (أعمال 1: 8 – 11).

      وإذا بيهود العالم يقررون “العودة” – كما يدعون – إلى فلسطين، وكأنهم خرجوا منها البارحة، حجتهم في ذلك إن فلسطين ارض إبائهم، إذن بلادهم، ارض الميعاد التي وهبها الله لهم، وما كانوا إلى الآن إلا عائشين في المنفى! ولإقامة “دولتهم” في هذه” الأرض ” نعتبر كل الوسائل مشروعة وعلى دول العالم إن تساندهم في إقامتها، ولكن لنتوقف لكي نحلل الأسباب التي آلت بنا إلى هذا المنطق والنتائج التي نجمت وقد تنجم عنه:

      في منتصف أواخر القرن الماضي قامت حركة مناوئة لليهود في روسيا على اثر التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد – وكان لليهود شان في الحياة الاقتصادية – استغل فيها شعور عدائي تقليدي بين المسيحيين واليهود لا صلة له بسماحة الإنجيل. فشهدت فلسطين، على اثر ذلك، الموجة الكبرى الأولى من المستوطنين اليهود(1867). وشهدت أوربا الغربية الحركة ذاتها فنشأت طلائع مقاومة سليمة وانبرى بعض المفكرين والكتاب اليهود للدعوة إلى “تجمع” يهودي في بقعة من الأرض، وكانت هذه البقعة “فلسطين” بالذات، كما اقرها مؤتمر بال الصهيوني (1897) لما لليهود بها من صلات روحية،

     ولكن الموجة العدائية الكبرى لليهود فجرتها النازية الهتلرية عندما نادت بتفوق العرق الجرماني وطاردت اليهود وأبادت منهم أكثر من ستة ملايين، لا لشيء إلا لكونهم يهودا، وهادنتها بعض الدول الأوربية بصمتها. وهذا هو ما يدعى باللاسامية.

     إن ضميرنا المسيحي يشجب هذه الجرائم التي يندى منها جبين الإنسانية، ولكنه يشجب في الوقت نفسه أن يداوى الظلم بالظلم. لقد كان تنكر الغرب لمفاهيم الإنجيل سببا في هضم حقوق اليهود في بلادهم الأصلية وقتلهم الجماعي، وكان على هذه الدول التي ثقلت ضمائرها بتلك الجريمة أن تعوض عنها باحتضان مواطنيها اليهود من جديد بكامل حقوقهم، إلا أنها أسكتت ضميرها بان عاونتهم على اقتلاع مليون عربي مسيحي ومسلم من بيوتهم. لقد ادعوا أنهم “يهبونهم” أرضا بلا شعب، فإذا بهم يجعلون شعبا بلا ارض، وتتكرر المأساة وتتضخم في حزيران 1967 بحيث يصبح اللاجئون والمشردون والمبعدون مليوني نسمة   فسؤالنا الذي يفرضه ضميرنا المسيحي هو: لماذا لا يتفهم أولئك الذين عطفوا  على مأساة اليهود في ألمانيا وأوربا، لماذا لا يتفهمون مأساة الفلسطينيين المشردين من ديارهم والممتهنة كرامتهم منذ ربع قرن، لقد طالب الصهاينة ونالوا أرضا سكن فيها بعض إبائهم قبل ألفي سنة بحجة العودة إلى بلاد إبائهم واعترفوا بشرعية هذه “الحجة”، بينما يرفضون حق مليوني فلسطيني في العودة إلى بيوتهم وحقولهم التي طردوا منها قسرا قبل 25 عاما فقط. هذا ولو سلمنا جدلا بالنظرية الصهيونية في “الحصار.اريخي” المزعوم لأخذنا عليهم عدم تطبيقها الشامل لأنها تقودنا إلى أحداث تغيرات جذرية على خارطة العالم، ولوجب أن يعود العرب المسلمون إلى اسبانيا والرومان والايطاليين إلى فرنسا وسواحل سوريا وفلسطين، ولوجب طرد الانكليز من بلادهم، أما سكان الولايات المتحدة واستراليا فاجهل أين يجب ترحيلهم ؛ أم أن هذه النظرية جائرة إلا إذا خدمت مطامع الصهيونية.

     اجل لولا مساندة الاستعمار العالمي لما صار ما صار. إن هذا الاستعمار مرتبط ارتباطا عضويا بالحركة الصهيونية العالمية لأنها رأس حرباه، كما صرحت غولدا مائير نفسها منذ 1925: ” لن يختار الانكليز العرب لاستعمار فلسطين، نحن الذي سيختارون”. وهذا ما تم فعلا فقد عاشت إسرائيل طفولتها في حضانة بريطانيا، ثم اتجهت بعد الحرب العالمية الثانية إلى الولايات المتحدة حيث توجد أضخم جالية يهودية متنفذة، بينما أغدقت عليها ألمانيا الغربية ولا تزال الأموال لشراء سكوتها بحجة التعويض عن الأضرار النازية بحق اليهود، وهكذا تحافظ إسرائيل على بقاء نفوذ الاستعمار الاقتصادي والعسكري في المنطقة لقاء الحفاظ على وجودها وإمدادها بالسلاح والدعم السياسي.

     وبفضل هذا التواطؤ لا زالت إسرائيل تخطط في السر وتهدد في العلن أنها غير مستعدة للتراجع، ولا حتى إلى حدود 1948، فقد صرح موشي دايان يوم 15/7/1968: ” إن إباءنا قد توصلوا إلى حدود أقرت مشروع التقسيم، وإما جيلنا فقد وصل إلى حدود 1948، وإما جيل الأيام الستة، فقد وصل إلى السويس والأردن وهضبة الجولان. وهذه ليست النهاية فبعد خطوط وقف إطلاق النار الحالية ستأتي خطوط جديدة لكنها ستمتد عبر الأردن ربما إلى لبنان والى سوريا الوسطى”.

     لا يستطيع دايان أن يقول خلاف ذلك، فهو منطقي مع ذاته، لان هدف الصهيونية الأبعد هو إسكان ألاثني عشر مليون يهودي المنتشرين في القارات الخمس في ارض مساحتها  5893 ميلا مربعا (مساحة الدولة اليهودية بحب مشروع التقسيم)، فلا بد إذن من التوسع وغزو أراضي جديدة: هذا ما تفعله إسرائيل بتخطيط وعزم متحدية، بطريقة لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث، والعالم كله وتضرب عرض الحائط إدانات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وشجب المحافل الدولية، إن اسرائل تعمل وتهدم وتتجاهل كما لو كانت سيدة العالم ” وتخلق أوضاعا واقعية” جديدة لحمل الكل على الرضوخ لها، بينما نحن نكتفي بالتهديد والبكاء والوعيد والخصام. إننا لا نريد استخدام وسائلها الجائرة لانتزاع حقوقنا، ولكننا من جهة أخرى لم ولن نقبل بمنطق القوة المتفوقة.

     قد تكون إسرائيل لأسباب لا يجهلها احد متفوقة عسكريا وتقنيا  : ” غير أن الايدولوجية التي تقوم عليها والتي توحد بين الدين والشعب والعرق، كما يقول الدكتور قسطنطين زريق في كلمته في الندوة العالمية الأولى للمسيحيين من اجل فلسطين،إنما هي رجوع إلى مفهوم مضى عليه الزمن…إن ما يعرضه الفلسطينيون العرب ويحاربون من اجله هو إقامة دولة فلسطينية علمانية ديمقراطية وتقدمية، يعيش فيها المسيحيون والمسلمون واليهود بسلام، ويتمتعون بحقوق متساوية. وهنا تقوم الطريق إلى المستقبل وليس في الصهيونية العنصرية المنغلقة “.  

     “الصهيونية العنصرية المنغلقة”: تلك ليست كلمة أطلقت جزافا، فالصهيونية مذ نشأت انتهجت سياسة عرقية مكشوفة، وإسرائيل اليوم هي نازية جديدة تنادي بعزل اليهودي عن سائر الناس وتنصب نفسها وصية على يهود العالم، لا بل تذهب إلى ابعد إذ تحسب جميع يهود العالم مواطنين له، بينما تتنكر لأصحاب الأرض الشرعيين   لا بل تعتبر فئة من مواطنيها أنفسهم غرباء أو مواطنين من الدرجة الثانية، لا لشيء إلا لأنهم مسيحيون أو مسلمون أو دروز، بالرغم من كونهم في فلسطين قبل مجيء دايان ومائير بآلاف السنين!

      لقد ذكر الأب غوتييه، وهو كاهن فرنسي قضى عدة سنوات في إسرائيل يشتغل عاملا في الناصرة مع العمال العرب، قبل حرب 67، ذكر حوارا جرى له مع أبراهام بن ياكوب مندوب الهستدروت حول وضع العرب، فقد أعلن له الأب: ” إنكم تتصرفون بالضبط كتصرف هتلر، وتطبقون ذات الأسلوب، إلا إنكم غيرتم الإشارة الجبرية. فحيث كان هتلر يضع علامة (-)، قاصدا إبادة اليهود، وضعتم انتم علامة (+) قاصدين إنقاذ جميع اليهود، وفي كلتا الحالتين بقيت العرقية بدون تغيير: طل اليهود ولا شيء إلا اليهود”. وقصة رفض الحكومة الإسرائيلية عام 1962 منح الجنسية الإسرائيلية للأب دانيال، الراهب الكرملي اليهودي الأبوين، لكونه تنصر، ومنحها إياها لأولاد العقيد شاليت وهو يهودي متزوج بامرأة يهودية ملحدة، قصة معروفة.

       لقد أعلنت الكنائس المسيحية في الغرب بيانات عديدة تشجب اللاسامية، والمجتمع المسكوني الفاتيكاني نفسه اصدر بيانا يعرض مسلكية العلاقات الصحيحة بين المسيحيين وأصحاب الديانات الأخرى بما فيها اليهودية – والإسلام – ومرمى ذلك ديني أنساني بحت، ولا يعني البتة، لا من قريب ولا من بعيد، الاعتراف “بدولة إسرائيل”، فالفاتيكان أصر منذ 25 عاما على إلا يمنح مثل هذا الاعتراف أبدا، إلا إن الصهاينة تهجموا على القرار في الداخل لمجيئه اقل مما كانوا يتمنون، واستغلوه سياسيا في الخارج، فالقضية المطروحة اليوم على الضمير المسيحي هي التمييز بين الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وبين اليهودية والصهيونية:

      فالشعب اليهودي واقع بشري يتكون من بقايا الجماعات اليهودية المنتشرة في إرجاء العالم منذ ما قبل المسيح لأسباب شتى. ودولة إسرائيل كيان سياسي استعماري غرس في فلسطين بالقوة عام 1948 ويغلف ايدولوجيته الامبريالية بغشاء من الدين، أما اليهود فديانة تنظم علاقة الإنسان بالله بحسب شريعة موسى وتعده لقبول المسيح المخلص، وفعلا انتشرت تعاليم المسيح، في فلسطين وخارجها، في الأوساط اليهودية، باديي ذي بدء، وتنصر قسم كبير منهم. أما الصهيونية فهي حركة عنصرية لا دينية لا تمت إلى الدين اليهودي إلا بكونها جردته من روحانيته وأحالت اليهودية إلى قومية مميزة. فالصهيونية الملحدة – التي تشجبها اليهودية الأرثوذكسية الرسمية – تعتبر اليهودية مجرد   مرحلة من تاريخ العبرانيين، يجب أن تتجاوزها فتصبح امة سياسية وقوة اقتصادية تسيطر على العالم. أما الكتاب المقدس فلا يعود “توراة” مقدسة وصوت الله إلى البشر، بل كتابا تراثيا مجردا من أية روحانية، يحمل شيئا من أخبار “الأقدمين” وآدابهم، كتاب حكم وقصص وأساطير، تماما كأحد كتب الميثولوجية التي كانت تجسد الروح القومية لدى اليونان والرومان والبابليين.

      وبدعة اليهود الكبرى، ومفارقة أخرى من مفارقاتها، هي استغلال التوراة حرفيا وتفسير أقوال الأنبياء تفسيرا سياسيا، إذ باسمها تدعى “العودة” إلى ارض الميعاد وجمع شمل “شعب الله المختار” من جديد في الأرض التي وهبه إياها الله “أرثا مؤبدا”!

     إن هذه إلا تبجحات وادعاءات مراوغة، فان يكون الله أبا الشعب اليهودي  فقط تشويه صارخ لصورة الله الذي يعز عليه كل إنسان مهما كان لونه أو عرقه، وان كان اليهود قد دعوا يوما “شعب الله المختار” فلان الله اختارهم ليحملوا رسالة التوحيد إلى العالم، ونظرا إلى الرجاء الذي كان مزمعا أن يتحقق للبشرية عن طريقهم بالمسيح يسوع، وهذا هو معنى قوله تعالى لإبراهيم: ” بك تتبارك جميع الأمم”. فالشعب المختار حقا لا يقوم على مميزات عنصرية أو عرقية أو حضارية: ” لا يخطر ببالكم أن تقولوا في نفوسكم ا نابانا إبراهيم، لأني أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم” (متى 3: 9). وقد نادى الأنبياء أنفسهم وناشدوا بني إسرائيل ألا يركضوا وراء كيان سياسي فيحصروا دعوتهم الروحية في انطوائية عرقية ضيقة. إن رسل المسيح أنفسهم كانوا سجناء هذه الفكرة، وكم عمل المسيح في روحنة نظرتهم إليه والى ملكوت الله الروحي.

    إن إيماننا المسيحي يوجب علينا قراءة العهد القديم في ضوء الإنجيل، إذا ما هو سوى مسيرة وارتقاء تدريجي نحو المسيح.

    ومثل هذه الدول الدينية المستمدة سلطتها من لله مباشرة، مسيحية كانت أم إسلامية أم يهودية، قد عفا عليها الزمن، من جهة، زمن جهة أخرى كم حشرت الله في عنصريات بغيضة كانت السبب في الحروب الدينية والمذابح وصنوف البربرية.

     فالصراع، إذن، في فلسطين،مهما غلفته الدعايات المتباكية على مصالح اليهود، ليس مطلقا صراعا دينيا بين اليهود والمسلمين أو المسيحيين، إنما هو مجابهة سياسية بين محتل عسكري لا يقيم أي وزن لحق شرعي ويضارب على كرامة الإنسان وبين شعب يفرض عليه الصمت.

      من اجل هذا ومن اجل “الدفاع، باسم التعليم الإلهي المبني على العدالة والمحبة” عن حقوق الإنسان وحقوق الله بوجه تفسير الكلام المقدس تفسيرا سياسيا وعنصريا، كما قال الأستاذ شارل حلو، الرئيس اللبناني السابق، في خطابه الافتتاحي للندوة المسيحية، هذا التفسير الذي يجعل من ملكوت الله لا ملكوت نور ونعمة، بل عالم عتمة  وظلمات، والذي يجعل منه إمبراطورية  دنيوية قائمة على العنف المتواصل ” نرفع صوتنا كمسيحيين! لان المسالة تهم الإنسان، ولاتها قضية عدل وحق مصلوب لا يمكن لضميرنا المسيحي إلا يتحرك، ولا يمكن لأحد أن يتهمنا بالتطفل على السياسة!

لأجل  هذا  كله  نجابه  القضية   نحن  المسيحيين!

                                                    الأب جرجس القس موسى

((((((((()))))))))))))

المسيحيون وفلسطين 2

      في العدد 19 – ت2 1972– نشرنا القسم الأول من هذه الدراسة عن موقف المسيحيين من قضية فلسطين وحللنا منطلقات اهتمامنا بتا واستعرضنا فيها مراحل المعضلة مع تفاقم الحركة الصهيونية العالمية التي استهدفت منذ البدء إنشاء وطن قومي لشتات اليهود على ارض فلسطين وقد قاد هذه الحركة بضراوة الصحفي اليهودي المجري هرزل ودعم دعاوته بكتابه “الدولة اليهودية” (1896) مع أئمة الحركة الصهيونية أمثال اليهودي الانكليزي حاييم وايزمان الذي كتب”… راجين إن تصبح فلسطين أخيرا يهودية على مقدار ما هي انكلترا انكليزية، فلسطين لن تصبح دولة يهودية إلا متى أصبحت أكثرية سكانها يهودية”!

     لقد قيلت هذه الأقوال وخطط لتنفيذها قبل إعلان “الدولة” ببضع عشرات من السنين وعلى مرأى ومسمع وتأييد من بريطانيا ، وجاء وعد بلفور (1917) بداية التنفيذ، وبلفور لم يكن إلا صهيونيا  بجلد بريطاني حيث صرح سنة 1921: “إن الصهيونية أهم من رغبات وادعاءات 700000 عربي”. وبهذا المنطق سلمت انكلترا فلسطين إلى الصهاينة فكان أول مندوب سام لها فيها يهوديا صهيونيا، هربرت صموئيل، وبالمنطق الاخرق نفسه صرح نرومان، الرئيس الأميركي سنة 1946 لأربعة من سفرائه في الدول العربية: “أسف أيها السادة ولكن علي أن أجيب إلى مطاليب مئات الألوف من الناس الذين يتمنون نجاح الصهيونية، وليس لي مئات الألوف من العرب بين ناخبي”. وفي 14 من أيار 1948 أعلن رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، دافيد بن غوريون، قيا “دولة إسرائيل” ثماني ساعات قبل انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، بالرغم من احتجاجات العرب وقرارات الأمم المتحدة. وكانت أميركا والاتحاد السوفييتي السباقتين في الاعتراف “بالدولة الجديدة “.

    ومنذ ذلك الحين ونحن في حالة حرب لا نعرف متى تنتهي، وفي حالة بحث عن حل أو حلول وفي هذا القسم الثاني من دراستنا سنحاول استعراض الخطوط العريضة للحلول المطروحة ودور المسيحيين فيها، رسميا وشعبيا.

    بوسعنا أن نوجز الأساليب المطروحة لمعالجة قضية فلسطين في ثلاث نقاط وهي: الدبلوماسية والمقاومة الفلسطينية ووسائل الإعلام.

الدبلوماسية

     منذ أن وقعت مصر الهدنة الأولى مع إسرائيل في 24 شباط 1949 وتلتها سائر الدول العربية باستثناء العراق، والدول العربية تبذل قصارى حصافتها الدبلوماسية لحل المشكلة المستعصية   وجعلت من معضلة فلسطين قضيتها الكبرى. وكان من أهداف الجامعة العربية الرئيسية منذ تأسيسها (1945) التحرير الكامل لفلسطين. وفي كل بيان مشترك أو زيارة رسمية أو مباحثات بين دولة عربية ودولة صديقة يكون لقضية فلسطين حصة مرموقة وكم من بعثة دبلوماسية عربية وفلسطينية جابت بلادا وعقدت مباحثات مع كبار الشخصيات السياسية العالمية والعربية بشان فلسطين.

       إلا أن “قصر البلور” في نيويورك هو أكثر من سمع وشهد عن المساعي الدبلوماسية التي بذلها العرب وأصدقائهم من دول العالم على اختلاف أنية والشيوعية والرأسمالية ودول العالم الثالث. فلو جمع كل ما قيل والقي من الكلمات وتخذ من قرارات، منذ 25 عاما، في قضية فلسطين في المنظمة العالمية لملا عدة مجللات، ناهيك عن مساعي الجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية والوزراء العرب والقيادات. يكفي أن نعرف إن إسرائيل تلقت من الأمم المتحدة 62261 إدانة فقط لاعتداءاتها على الدول العربية وخرق الهدنات بين 1949و1964. أما منذ حرب 67 فالله اعلم من الأرقام.

       وتضاعفت الجهود  الدبلوماسية للخروج من هذا المأزق لاسيما بعد حرب 67 حيث رمت دول صديقة جديدة بثقلها ومنها فرنسا، وتحرك العرب وأصدقاء فلسطين وأبنائها في البلاد العربية وفي المهجر مع سائر إخوانهم العرب المغتربين، وكثير منهم يحتل مراكز حساسة، لشرح القضية وإبعادها وتنوير الغرب علاي النوايا التوسعية لمخططات إسرائيل. وقد نجحت هذه الحملات والمساعي بما يبعث الى الأمل بدلالة ازدياد تفهم وتعاطف العالم معنا، حكومات وشعوبا وهيئات، وقد قطعت بعض الدول علاقتها مع إسرائيل أو حدت من تعاقدها، وخست اسرائيل كثيرا من هيبتها السابقة. ولذلك دوره الكبير في تعجيل عودة الحق إلى أصحابه.

المقاومة والثورة

     كان العالم الخارجي يرى –لاسيما قبل 67– في قضيتنا قضية نزاع على الحدود واشتباكات بين الجيران لربما مردها عداء ديني عريق أو تعصب عرقي. وكانت إسرائيل في الداخل وفي الخارج، تعلن بألف طريق وطريقة بنها دولة مسالمة، إنما تطالب بحق الحياة. أما نحن فنعرف أنها قضية شعب طرد من أرضه عنوة واستبيحت كرامته. وهذه الحقيقة الفائقة نفسها تحولت، بفضل دعاية الصهيونية العالمية وقصر نظر العرب، إلى مشكلة “لاجئين” بحاجة إلى خيمة وطعام ولباس. فيلجئوا إلى المؤسسات الخيرية وتنتهي مشكلتهم!

     ولئلا تبقى القضية “قضية لاجئين” وعرضه بين المساومين قامت حركات التحرر والمقاومة من ابناء فلسطين نفسها ونشطت عملياتها بعد 67، وهي تشكل طلائع ثورة تريد إن تأخذ مقدرات شعب فلسطين بيدها. وقد شرح سبب قيامها الشهيد كمال ناصر، الناطق الرسمي باسم القيادة الموحدة والثورة الفلسطينية في الندوة العالمية للمسيحيين من اجل فلسطين (بيروت – أيار 1970): “نحن الشعب الفلسطيني ننطلق من قناعة عقلية وجدانية عميقة أن عملية الاعتداء هذه استهدفت، من خلال خطة كبيرة، اقتلاعنا من جذورنا ليستوطن أرضنا قوم آخرون جيء بهم من أقاصي المعمورة لاغتصاب وطننا وإقامة دولة عرقية تعصبية منغلقة… نحب أن نعلن للعالم بأسره بأننا رفضنا في الماضي وسنرفض دوما هذا الواقع ونؤكد حقنا الطبيعي المشروع في العودة إلى منازلنا وحقولنا ومتاجرنا واسترجاع كل ما ضاع منا بالأسلوب الذي نختاره، سبيل الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، ولم يكن لنا أي مناص في هذا الاختيار فقد غضت أنظمة العالم المختلفة طرفها عن الجريمة النكراء التي مارستها الصهيونية على أرضنا… إننا لا نقاتل من اجل القتال ولا نحارب من اجل الحرب، فثمة أشياء أجمل واحلي يجب أن ينجزها الإنسان في هذه الحياة بعيدا عن العنف والحرب”.

        ويستطرد: “ثم جاء الخامس من حزيران ليعطي الدليل القاطع للمتمردين في إدانة الصهيونية كحركة توسعية، وإبراز الشخصية الفلسطينية… نحن بكل بساطة نمارس حقا ولا نمارس حقدا. ونستقبل كل الناس نحرص على تعبئة جماهيرنا ومقاتلينا هذه الأفكار  لأننا علم أن حقدنا سيرتد علينا بنفس الامراض التي تعاني منها الصهيونية لو ماسنا الحد  فنحن في سبيل جيل صحي لا يكره ولا يبغض “. لذا كان أي عمل تخريبي من قبل المقاومة ضد العزل من السلاح، لاسيما خارج فلسطين، ينسف جهودنا.

     ولكي نلم بكل أبعاد الثورة الفلسطينية علينا أن نربطها بحركة التحرر العربي العام، لا بل هي جزء من ثورة العالم الثالث. فإسرائيل في وضعها العقائدي والعسكري الحالي لا يمكنها أن تستقر في مئة عام. وقد تهمد الأوضاع بضغوط مصلحية من الدول الاستعمارية، ولكن إن اعتبر العدو الركود نصرا، فهو “نصر” قصير الأمد، أما على المدى البعيد، فإننا شخصيا مقتنع من إن النصر سيكون لشعب فلسطين، إذ لا يمكن أن يستتب السلام إلا باستتباب الحق، فالثورات لا تنطفئ بانطفاء رجالها، وان سكت هؤلاء فلن يسكت أولادهم، الثورة فكرة، والفكرة لها نفس الأجيال فالمقاومة رمز انبعاث جديد وصرخة بعدم الرضوخ والاستسلام، ورجال المقاومة، لأنهم فدائيون، يموتون ليحيا غيرهم، نحترمهم ونكبر أهدافهم وإيمانهم بقضيتهم، وسيأتي اليوم الذي سيضطر العدو إلى التحدث إليهم.

      والذي ترمي إليه المقاومة، وقد أعلنته أكثر من مرة، هو إقامة دولة ديمقراطية علمانية حرة على ارض فلسطين يتعايش ويتضامن ويتمتع فيها جميع سكانها الأصليين   من مسلمين ويهود ومسيحيين، بالحق والواجبات نفسها   دولة تجتث منها كل تفرقة دينية أو عرقية أو عنصرية. وهذا لن يتم إلا باستئصال الكيان السياسي الصهيوني العنصري التوسعي.    

الإعلام

     بقي أن نعلم أن الدبلوماسية مهما نشطت واتسعت، والمقاومة مهما اشتدت وتكثفت فلابد من غطاء إعلامي ذكي مدروس وشامل يدعمها، لا في العالم العربي وحسب، بل بالخصوص باتجاه العالم الخارجي، لاسيما العربي. وان يكون الإعلام ذكيا معناه أن نطلع على نفسية من نخاطب وندرس الاتجاهات الفكرية والسياسية والمؤثرات التاريخية والدينية، الداخلية والخارجية، للمجتمعات التي نريد كسبها إلى جانبنا ومعرفة ما مدى ارتباطها الاقتصادي والاستراتيجي ببلادنا، لكي نعرف كيف نوجه إعلامنا، فنخاطب هذه المجتمعات بمنطقها ولغاتها وأساليب تفكيرها وعلى أعمدة صحفها ووسائل إعلامها نفسها. ولنسع جهدنا لمخاطبتها بلسان صحفييها ومثقفيها ومفكريها “فطالما لا نجعل الشعوب الأخرى تشهد لنا، كما يقول أمين معلوف، فان قضيتنا لا تتجاوز الاستعراض الصحفي”. والذي نرمي إليه نحن هو تغيير العقليات، من ثم نيل التزامها بقضيتنا، كما التزمت من قبل بقضايا فيتنام والجزائر وإفريقيا… وللوصول إلى هذا الالتزام من قبل أصدقائنا ومناصرينا علينا تقديم معلومات حقيقية واضحة وجدية مدعومة بالأرقام والتواريخ والتحليلات العلمية الموضوعية، باعتدال، بعيدا عن السطحية والعاطفية والثرثرة والغلو. لذا توجب علينا أيضا معرفة كل شيء عن عدونا وأساليبه الدعائية وتضليلا ته وما يقال في العالم عنا وعنه.

       تملك الصهيونية، بحسب إحصائية نشرتها جريدة “الرسالة” الموصلية (3/10/72)،  1036 صحيفة دورية مسجلة رسميا على أنها صهيونية خالصة، وفي الولايات المتحدة 218 صحيفة يهودية بالعبرية و 146 جريدة يومية أو أسبوعية أو شهرية بالانكليزية، ناهيك عن محطات الإذاعة والتلفزيون والسينما الصهيونية أو المتعاطفة معها، أما في أوربا الغربية فتملك الصهيونية 158 صحيفة دورية، وفي إفريقيا واسيا تسيطر على أكثر من 220 نشرة. ومحطة راديو إسرائيل تذيع بجميع اللغات الرئيسية وقد اقترح ايغال الون مؤخرا، بحسب صحيفة “معاريف” الإسرائيلية (16/2/73) تمديد البث بالعربية 24 ساعة.

إزاء هذا الغطاء الإعلامي الصهيوني الكثيف، أين نحن؟

      إننا لا ولنا في البداية، ويلزمنا “عقلنة” إعلامنا ومضاعفة دراستنا واعتماد عرب المهجر وأنصار فلسطين من غير العرب، وحتى من اليهود أنفسهم، خارج إسرائيل وداخلها، الذين يزداد عددهم. ونكتفي من هؤلاء بذكر اسم الدكتور شاهاك الأستاذ في جامعة القدس الإسرائيلية وعضو رابطة حقوق الإنسان في إسرائيل، احد مناوئي الصهيونية وقد أعلن في حديث له في لندن، منددا: “إن إسرائيل من دون دستور منذ تأسيسها، وهذا دليل على أنها ليست مكتفية بالمناطق المحتلة، بل تترك الباب مفتوحا لتوسيع أراضيها”.

      كما وان هناك وثائق تكشف الحقائق يجب إبرازها، وقد أشار كلود بوريه  كلمته أمام الندوة المسيحية العالمية من اجل فلسطين في بيروت إلى بعضها مثل كتاب دافيس، احد مندوبي الأمم المتحدة لدى وكالة الغوث، وكتاب الجنرال فان هورن رئيس بعثة الأمم المتحدة، وكتاب: “انهيار اليهودية” لموشي مناحيم، وكتاب “العرب في إسرائيل” للمحامي المسيحي العربي صبري جريس وقد نشره في حيفا بالعبرية عام 1966، يضاف إلى هذه العناوين اعمل الندوة المسيحية الأنفة الذكر وقد أشاد بوريه بمركز الدراسات الفلسطينية في بيروت الذي اخذ على عاتقه ترجمة ونشر الكتب والوثائق وتحليلات كبار المفكرين والشهادات والمستندات المتعلقة بالقضية. وقال:

     “الوثائق المهمة قد تغير الرأي العام العالمي وتؤثر على ذوي الضمائر الحية المضللين، حتى بين اليهود أنفسهم. وقد آن الأوان ليدرك المسؤولون العرب والفلسطينية أهمية هذه الكتب إلى جانب الوسائل الإعلامية الواقعية إذ أنها تتمتع بنفس أهمية السلاح الحربي، لا بل فاعليتها اقوي إلف مرة من الدعاية العاطفية التي لا تؤثر إلا على الذين كان لديهم استعداد مسبق لفهم القضية”.

      وهكذا بوسعنا أن نقول بأنه  عبر هذه المسالك الثلاثة مجتمعة، الدبلوماسية والمقاومة والإعلام، سيتمكن شعب فلسطين أن يستعيد حقه وأرضه، إلا انه من نافل القول ا ناي تسوية للقضية تتجاهل الحق الشرعي للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه ستكون تسوية منحازة وفوقية، إذن فاشلة.

——  مبادرات المسيحيين في القضية  ——-

       إننا لن نناقش هنا المنطلقات الفكرية والإيمانية التي تدعو المسيحيين إلى الوقوف بجانب الحق الفلسطيني –وان كان هؤلاء المسيحيون عربا أو مرتبطين بالعرب ثقافيا أو تاريخيا أو جغرافيا، كالسريان والأرمن والأكراد، فالقضية قضيتهم لا اقل من إخوانهم المسلمين، وفلسطين فلسطينهم أكثر من سواهم– إنما نتطرق إلى المبادرات المسيحية التي تساهم في معالجة القضية، وذلك على صعيدات ثلاثة: الرسمي والشعبي والفدائي.

المواقف الكنسية الرسمية

      يبقى الفاتيكان من الدول القلائل التي رفضت الاعتراف بإسرائيل كيانا ودولة، وقد اعترفت بها غير واحدة من الدول الإسلامية نفسها، وذلك بالرغم من الضغوط الصهيونية، بينما له علاقات دبلوماسية مع عديد من الدول العربية كالعراق ومصر ولبنان وسورية وتونس والجزائر والكويت. وقد أكد غير مرة على ثبات موقفه، كان آخرها لدى الزيارة الفاشلة التي قامت بها غولدا مائير لبولس السادس   بالرغم مما حاكنه إسرائيل من تلفيق للحقائق. وقد أذاع المكتب الصحفي للفاتيكان اثر الزيارة بيانا جاء فيه: “لقد أجاب البابا طلب غولدا مائير لأنه رأى من واجبه إلا يترك أي فرصة تفوته كي يعمل لصالح السلام… وفي المكانة الأولى مصالح لاجئي فلسطين”. واستنكر البيان كذلك تهويد القدس وجعلها عاصمة إسرائيل (الأسبوع العربي 22 ك2 73).

     والبابا بصفته رئيس دولة الفاتيكان، والرئيس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية، وارفع سلطة أدبية وروحية في العالم، لا يدع فرصة أو خطوة ايجابية إلا ويبذل قصارى تأثيره لإحقاق الحق ونصرة الشعب الفلسطيني. ولطالما أشغلت القضية تفكير وخطابات بيوس الثاني عشر ويوحنا الثالث والعشرين ولاسيما بولس السادس وظهرت في لقاءاتهم مع رؤساء الدول والحكومات والهيئات العالمية المختصة والشخصيات العالمية، المدنية والدينية.

     وتحمل باستمرار إذاعة الفاتيكان وصحفه، بشتى اللغات، مثل الاوسرفاتوري رومانو والاوسرفاتوري ديلا دومنيكا ونشرة الإذاعة بالعربية احتجاجات البابا والأساقفة للانتهاكات الإسرائيلية وطرد العرب. وقد كان موقف بولس السادس واضحا حتى ولاسيما ابن زيارته التاريخية للأراضي المقدسة (ك1 63) إذ أتاها حاجا، متجاهلا الحدود السياسية، عن تعمد ولكن الصهاينة يستغلون كل شيء سياسيا كما فعلوا مع التصريح المجمعي في علاقات الكنيسة مع الديانات الأخرى الذي جاء دينيا بحتا يوضح مسلكية العلاقات الصحيحة بين المسيحيين وأصحاب الديانات الأخرى، ولم ببريء اليهود قط من دم المسيح، كما زعموا، وكان التصريح قد اخضع قبل إقراره للجامعة العربية.

    وكم سعا البابا دون وقوع حرب 67. وحين وقوعها  تكاتفت مع جميع هيئات الغوث والكنائس لإرسال الإعانات لضحايا الحرب مع العرب.

      هذا ومنذ 1948 نعمل “البعثة البابوية لفلسطين” ومنظمة “الغوث الكاثوليكي” ومنظمة “المحبة الدولية” وغيرها من الهيئات المسيحية في خدمة اللاجئين العرب في سوريا ولبنان وأردن وغزة.

    ومن جهة أخرى فقد عقدت لقاءات على مستويات أساقفة ومندوبين رسميين عن الكنائس المسيحية في الشرق والغرب، لدعم الفلسطينيين اللاجئين. وقد دافع أكثر من بطريرك وأسقف، في الشرق والغرب، عن حقنا المغتصب. فمواقف بطريرك الروم الكاثوليك مكسيموس حكيم لا يجهلها احد، وقد لخصها بكلمة وجهها إلى الرئيس اللبناني يوم انتخابه بطريركا (ت2 1967):

      “… بينما نحن رأينا في أن نخدم أولادنا عرب فلسطين (كان غبطته قبلا مطران أبرشية الجليل) الذين بقوا في بلادهم وتعرضوا فيها لكثير من وجوه الضغط والإساءة والسلب، فكنا في داخل المعمعة وفي خط الدفاع الأول، معتزين بعروبتنا، ندافع عن المبدأ الصحيح ونسمع صوتنا عاليا في الداخل والخارج، في سبيل إحقاق العدل،.. ولئن كنا مع قداسة البابا بولس السادس، نردد إننا لا نريد الحرب بعد الآن، إلا أن هذا لا يعني إننا نرضى بان تحل الحرب لغيرنا مشاكله وحدوده…”.

    ولم تكن مواقف سلفه مكسيموس صائغ اقل وضوحا وجرأة، لاسيما إبان الحرب 67 إذ أعلن مرارا وقوفه وشعبه “بجميع الطاقات إلى جانب البلدان العربية لتحرير الوطن العربي المحتل ظلما”.

    وفي بغداد أقيم، اثر العدوان، قداس مسكوني عن أرواح شهداء الوطن، تمثلت فيه الدولة وتحدث فيه غبطة البطريرك الكلداني بولس الثاني شيخو عن واجب حشد الطاقات الروحية والمادية في العراق والبلدان العربية لمواصلة المعركة حتى الحل العادل السوي.

    وفي الضفة الغربية نشر الزعماء المسيحيون والمسلمون بيانا مشتركا في جريدة الدستور الأردنية (16/8/967) نددوا فيها بالتشريعات الصهيونية غير الشرعية ورفضوا الاحتلال وأكدوا على عروبة القدس.

     وفي حادثة حرق المسجد الأقصى (أيلول 69) انضمت البطريركية المسكونية الأرثوذكسية إلى سائر الكنائس وأعلنت في بيان رسمي إن هذا الاعتداء يعد “اهانة لا فقط للدين الإسلامي، بل للضمير الديني والحرية والحضارة بأقدس ما لها بحقوق الإنسان”.

    وفي سوريا نشر البطاركة الشرقيون ورؤساء الطوائف المسيحية “نداء إلى الوجدان المسيحي” سلم إلى الرئيس نيكسون وبعض رؤساء الدول الغربية حول قضيتنا ومطامع إسرائيل في القدس (انظر ملحق حزيران 1971 في “الفكر المسيحي”).

وفي الجزائر تحرك الكاردينال دوفال وتحدث أكثر من مرة عن حقنا في أرضنا.

     وفي الأرض المحتلة قاد المطران يوسف ريا مقاومة باسلة ضد قوات الاحتلال التي اغتصبت أراضي قريتي أقرت وكفر برعم عام 948 وسار على رأس مظاهرة احتجاجية بعد أن كان الأهالي قد تحصنوا في الكنيسة، تضامنا معهم، قرعت أجراس كنائس لبنان وألقى الكهنة كلمات تفضح التعسف الصهيوني.

وغيرها من المبادرات التي لا يمكن حصرها جميعا في هذه العجالة.   

المواقف المسيحية الشعبية والمبادرات الشخصية

      بعد حرب 1967فرضت القضية الفلسطينية ذاتها على الرأي العام العالمي وبينما كانت من قبل، في الكنيسة، تستأثر انتباه السلطة في الدرجة الأولى، فقد نزعت بعد67 إلى صفوف الشعب واستأثرت بقطعات جديدة من المؤمنين والرعاة، على صعيدين فردي وتنظيمي، وفي ما ياي نستعرض بعض هذه المبادرات:

لعل أهم التنظيمات المسيحية التي نشأت بعد 67 هي “الندوة العالمية للمسيحيين من

اجل فلسطين”.  بهمة عدد من أصدقاء فلسطين، من المسيحيين العرب والغربيين، وقد أوضحت أهدافها في مقدمة الكتاب الذي نشرته عقب دورتها الأولى المنعقدة في بيروت من 7 – 10 من أيار 1970، وهي خلق توعية مسيحية مسكونية فعالة للقضية الفلسطينية والخروج بخطة مشتركة لأجل القيام بحملة إعلامية، لاسيما تجاه المسيحيين في الغرب. لذا كان للندوة سكرتاريتان أحداهما في بيروت والأخرى في باريس. ومما جعل دراسات الندوة صريحة وموضوعية كون المشتركين غير مرتبطين بمواقف رسمية مسبقة وغير ممثلين لهيئات حكومية أو كنسية. أما الدورة الثانية للندوة فقد عقدت في لندن في 11 – 15 من أيلول 1972. وتنشر “الندوة ” أبحاثا عديدة في القضية الفلسطينية؟

نشر فريق من “لاهوتي الشرق الأوسط” في بيروت في ك1 1967 “مذكرة في

مستلزمات الإيمان المسيحي إزاء المعضلة الفلسطينية”.

قررت اللجنة التنفيذية للاتحاد العالمي للطلبة المسيحيين بالإجماع في جنيف في 22

تموز 1970 تبني مشروع “الضمير المسيحي والقضية الفلسطينية” وهدفه نوعية الضمير المسيحي العالمي وإبراز معطيات القضية الإنسانية واللاهوتية؟

في الجزائر عقد 300 مسيحي اجتماع توعية في مركز ابن اقنوب في 5 ك1 1970

لدراسة القضية الفلسطينية من وجهات النظر القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

في 4 – 8 أيلول 1972 نظم “المكتب المسكوني للشرق الأوسط للاستعلامات

والتفسير ” اجتماعا للاهوتيين كاثوليك وبروتستنت وأرثوذكس، من الشرق والغرب، في دير ايلسفور بانكلترا لدراسة معطيات القضية على ضوء العهد القديم وعلاقة الكنيسة المسيحية باليهودية.

عقدت لجنة حقوق الإنسان التابعة “للندوة العالمية” من 6 – 9 أيلول 1972 اجتماعا في ويستمنستر لدراسة حقوق الفلسطينيي الفلسطينية،.

ومن الشخصيات المسيحية البارزة التي تهتم بالقضية على صعيد الفكر والتوعية – وكثير منهم مرجع في الدراسات المؤتمرات الفلسطينية، المسيحية والعالمية -:

جورج مونتارون (فرنسا) سكرتير الندوة العالمية للمسيحيين من اجل فلسطين في باريس ورئيس تحرير مجلة “الشهادة المسيحية” الباريسية.

الأب جان كوربون (لبنان) صاحب عدة بحوث لنصرة القضية.

المطران جورج خضر (لبنان) صاحب عدة كتب ومقالات ومحاضرات عن فلسطين، منها كتاب ” فلسطين المستعادة “.

ميشيل شيحا (لبنان) مفكر قدير دافع دوما عن حقوق الفلسطينيين.

الأب جورج ديمون (الأردن) شاهد عيان للمأساة إذ عاش طويلا في العقبة.

أنطوان عطا لله (فلسطين) صاحب دراسة قيمة عن مشكلة  “القدس”.

الأب بول غوتييه (فرنسا) وقد اخ”. الظلم الإسرائيلي إذ عاش طويلا مع عمال الناصرة العرب. صاحب كتاب “القدس ودم الفقراء”.

السيد غرانغو (الجزائر) يعمل في توعية مسيحية في بلاده عن القضية.

إن ماري ابلمنز (بلجيكا) من لجنة التضامن مع المقاومة الفلسطينية والشعب العربي.

دومنيك فون بورج (سويسرا) صحفي.

خوسيه اوسكا (كوبا) ألقى كلمة بليغة عن التلاحم مع القضية في ” الندوة العالمية “.

الدكتور افريل م.  مخلوف  (الولايات المتحدة)  من  أصل  عربي  وغيرهم 000

وهناك الصحافة المسيحية التي تعمق الوعي المسيحي، أكثر فأكثر، في الأبعاد الحقيقية للقضية، ومن أهم ما يصل ألينا متها:

“الشهادة المسيحية” الأسبوعية الفرنسية المؤيدة للقضايا العربية وبصورة خاصة

قضية فلسطين. وقد زار رئيس تحريرها والمسؤول فيها عن الشؤون العربية بغداد في العالم الماضي وقد نشرت جريدة “الجمهورية” مقابلة معهما (15/5/1972).

“المسرة” الشهرية اللبنانية التي لو جمعت أبحاثها عن القضية الفلسطينية لألفت مجلدا

ضخما يحيط بالقضية من كل جوانبها.

“المنتدى” وهي نشرة إعلامية مسكونية تصدر في بيروت بالعربية والفرنسية

والانكليزية تنشر كل ما يكتب أو يقال عن قضية العرب الكبرى، لاسيما في الأوساط المسيحية.

“النشرة” يصدرها القسم العربي في إذاعة الفاتيكان وهي تنشر كل ما يصدر عن

الكرسي ألرسولي والأساقفة بخصوص فلسطين وقضاياها.

“الفكر المسيحي” التي تعلن تأييدها دوما للقضية العربية وعودة إخواننا الفلسطينيين

إلى ديارهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم.

ولا تخلو أية منشورة مسيحية عربية دورية من مواقف تؤيد القضية العادلة.

الفدائيون المسيحيون

     بقي أن نقول كلمة في اشتراك المسيحيين في العمل الفدائي والمقاومة. وندع الكلمة للشهيد كمال ناصر، أعلنها هادرة في قاعة اليونسكو ببيروت في أيار 1970، أمام وهاء ثلاثة ألاف مستمع، في الندوة العالمية للمسيحيين من اجل فلسطين.

      “إن العربي المسيحي يدرك تماما أن المسيحية ثورة إنسانية ملتهبة عارمة مستمرة في المجتمع وقد ألهبها السيد المسيح وهو أعظم ثائر أنجبته الإنسانية، فالمسيحية ثورة في وجه الظلم والعدوان والاغتصاب والعنصرية 000 وبهذه المناسبة أرى لزاما علي أن أؤكد إننا، نحن المسيحيين العرب، ملتحمون التحاما عضويا بالمجتمع الذي أسهمنا في بناءه وتكوينه 000مؤكدين أيضا بأننا على الصعيدين العلماني والكنسي لا نقل ضراوة وشراسة في محاربة الصهيونية عن احد ابناء امتنا قيادة وقاعدة واحدة في وجه كل غزوات أرادت أن تنال من أرضنا وكرامتنا وعزتنا”.

    لقد برهن هذا الفدائي المسيحي على أقواله بدمه إذ استشهد من اجل فلسطين في الغارة الإسرائيلية على بيروت في 10 نيسان 1973. وليس كمال بطرس ناصر، ابن بلدة بير زيت الفلسطينية، الشهيد المسيحي الوحيد الذي يموت لتحيا فلسطين.

    وهناك أسماء مسيحية أخرى يحتل بعضها مراكز قيادية، فكرية أو قتالية، أمثال نايف حواتمة: الأمين العام للجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين، وجورج حبش: رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجاكلين خوري: ممثلة فلسطين في مؤتمر المرأة الإفريقي الأسيوي في الصين (13/8/72)، والفدائيتان تيريز اسحق هلسة وريما عيس طنوس اللتان أجبرتا طائرة بلجيكية على النزول في مطار اللد (8 أيار 972) وقد حكم عليهما بالإشغال الشاقة المؤبدة. وغيرهم كثيرون…

    أما الأكثرية منهم فسيبقون مجهولين، لأنهم اختاروا الالتحام الصامت الخفي بفصائل الكفاح، جنودا مجهولين لتحرير الأرض المقدسة وفدائها.

     يعزى إلى موشي دايان هذا القول: “الذي سيهزم العرب أخيرا جنرال اسمه الملل:. انه مخطئ وايما خطا. فأصحاب الحق هبوا ولن يستكنوا إلى أن يعودوا، وتكلموا ولن يسكتوا بعد، ورفعوا أصواتهم ولن يهداوا إلا وهم في بيوتهم. لقد حملوا سلاح الأمل والصمود ولن يملوا من الصمود والرجاء لان النصر للصامدين!.   

 

                                      الاب جرجس القس موسى

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s