Posted by: abu faadii | 2013/08/06

معرض الإعلام المسيحي 2005 لبنان

معرض الإعلام المسيحي 2005- انطلياس (لبنان)

عقد في لبنان للفترة من 25 ت1 إلى 4 ك1 2005 وفي 27/ت/2005

كلمة العراق في المؤتمر ألقاها

IMG_0078

المطران مار باسيليوس جرجس القس موسى  بعنوان:

المسيحيون: أية رؤية أي مستقبل؟

الفدرالية وتحديات التعايش في العراق

الإخوة الأساقفة الإجلاء

أيها السيدات والسادة الأصدقاء

أبدا شكري لمنظمي هذا اللقاء الإعلامي وفي مقدمتهم الأب خضرة رئيس فرع لبنان للاتحاد الكاثوليكي الدولي للصحافة () لإتاحة الفرصة للتحدث إليكم عن العراق، بلدي الجريح النازف! كلمة التوافق كانت المفتاح المشترك بين كافة الأطراف السياسية طيلة فترة كتابة مسودة الدستور العراقي الجديد، ولازالت هي المفتاح الآمن لدى كافة مكونات الشعب في العيش المشترك. ذلك إن التوافق قانون الحياة، وان لم يخل من التحديات. تحيات مع الذات، وتحديات مع الآخر. وإلا أصبح انصياعا، والانصياع تبعية لا يرضاها احد. لذا يكون التوافق حصيلة حوار وموازنة واقعية.

لا احد يشك في التيار الديني الإسلامي على المسار العام للعراق الجديد، مما انعكس على ديباجة الدستور الجديد وبعض مواده. ومع هذا فتيار أكثرية العراقيين، لا في الوسط السياسي وحده، بل على صعيد القاعدة الشعبية ذاتها، وليس لدى غير المسلمين فقط، ليس هو أن يكون العراق دولة دينية كإيران، أو عرقية كإسرائيل.

المادة الأولى من الدستور الذي استفتى عليه الشعب العراقي في 15 ت1 الماضي تعرف العراق بأنه نظام “جمهوري، نيابي، ديمقراطي، اتحادي”. كلمة ” اتحادي” تحاشت لفظة “فيدرالي” (غير العربية) ولكنها لم تستطيع إخفائها.

الناطقون باسم السنة يعترضون على الفدرالية لأنها، برأيهم، مخاطرة قد تؤدي إلى تذويب الدولة الموحدة. الأكراد لا يمكنهم التنازل عما ناضلوا من اجله بالروح والدم واكتسبوه من تجربتهم في الحكم الذاتي. تيار شيعي تدغدغه تجربة الفدرالية لتعطيه كيانا وشخصية بعد النسيان التاريخي والتهميش ألصدامي. ولدى المسيحيين المسيسين، ضحية التذوب والإزاحة الدائمة، تومض فكرة كيان ذاتي في سهل نينوى. ومع ذلك يرفع الجميع  شعار ” العراق خيمتنا الواحدة”.

ولعل المسيحيين هم أكثر الجماعه هتافا بان أوتاد هذه الخيمة تمتد جذورها إلى ما قبل الإسلام، إلى أشور وبابل وأكد وسومر والكوفة والحيرة وقطيسفون ونينوى.

إن العراق – والشرق الأوسط عموما – لم يكن أبدا بلد ثقافة واحدة، ولا عرق أو قومية واحدة، أو ديانة أو لغة واحدة. وان وجهه الراهن ليس إلا امتدادا لتاريخه ألتعددي الذي يرقى إلى ألاف السنين. فلا يمكن لأي احد، وان كان هذا الأحد أميركا العظمى، أن يبقى عراقا جديدا بتجاهل تاريخه.

لقد ألقيت محاضرة عن العراق في مؤتمر بانكوك  في ت1 من العام الماضي بعنوان ” سفينة نوح أم برج بابل؟”: هنا تكمن العقدة والتحدي في عراق اليوم!

أولا: التعددية قدر العراق

المجتمع العراقي يرتكز على نموذج عشائري، قبلي، وواقع، في ما يخص قواعد الحياة والنظام ألعلائقي، تحت تأثير القيم السلفية والديانات المختلفة. وهذه القواعد تجزيء للمجتمع العراقي الى وحدات متباينة من السلوكية والشرائح الاجتماعية:

1 – التعددية الثقافية والدينية

يقدر عدد السكان في العراق ب 25 مليون: الأكثرية الساحقة منهم مسلمون (95%). المسلمون ينتمون إلى فريقين كبيرين: الشيعة (60%) والسنة (40%)،. يميل الشيعة إلى الصوفية والتماسك الطائفي. أما السنة فهم اقل التصاقا بالأماكن والمراجع الدينية. رجال الدين في السنة ليس لهم تأثير كبير على الحياة الاجتماعية والسياسية، بينما تحتل المراجع الدينية في الشيعة هيمنة كبيرة، إيجابا وسلبا ولعل ذلك يتأتى من إن الشيعة كانوا لقرون طويلة خارج السلطة السياسية التي كانت على الأرجح بيد السنة.

المسيحيون يشكلون أقلية ضئيلة من 4% (حوالي 800000)، ينتمون إلى فريقين أساسيين: الكاثوليك (70%)، والأرثوذكس. وينقسمون إلى عدة كنائس: الكلدان (وهم الجماعة الأكبر (500000 – 600000)، السريان الكاثوليك (75000)، والسريان الأرثوذكس (75000)، الأشوريون (40000)، الأرمن الكاثوليك والأرثوذكس (15000)، اللاتين، الروم الكاثوليك والأرثوذكس، وقلة بروتستنتية. أل(1 %) الباقي يضم طائفتين دينيتين قديمتين: الصابئة المندائيين وهم من الوحي اليهودي – المسيحي ويكرمون مار يوحنا المعمدان، واليزيديين وهم من التأثيرات الزردشتية والإسلامية.

2 – التعددية العرقية

يشكل العرب أكثرية بارزة (75% من السكان). وإذا بدا وجه العراق في الخارج وجها عربيا   فبسبب الأكثرية الديموغرافية ذاتها، بالتأكيد، ولكن أيضا بسبب تاريخه الذي ساد فيه العنصر العربي سياسيا وثقافيا عبر التاريخ منذ الفتح العربي – الإسلامي في 633 – 636.

القومية الثانية من حيث العدد والتأثير السياسي هم الأكراد (20%). والأكراد سنة، ويعيشون في كردستان، الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي منذ 1991. ومنذ سقوط صدام يلعبون دورا فاعلا ومؤثرا في الواجهة السياسية العراقية، بل يبدون الأكثر تنظيما وقوة ونشاطا.

وهناك قوميات اقل عددا يتقاسمون الخارطة العراقية، كما يلي:    المسيحيون الذين يشكلون اقل من مليون مواطن، وقد كانوا حتى ألان يكادون لا يهتمون بالانتماء القومي، وكانوا يعتبرون أنفسهم مسيحيين عراقيين قبل كل شيء، تتحد هويتهم بكنائسهم. أما اليوم فينادون بانتمائهم إلى القومية (الكلدانية السريانية الآشورية)، وان كان قسم منهم، لاسيما المتكلمين بالعربية، لا تهمهم المسالة القومية كثيرا. فمنذ التغيير صارت المسالة القومية لدى المسيحيين تأخذ حيزا كبيرا في خطابهم، وقد شغلتهم محاولات إيجاد اسم موحد لها ولم يفلحوا، مما أربك صفوفهم. من الناحية الديمغرافية تضم بغداد اليوم اكبر عدد منهم (70%) يليها سهل نينوى. وهناك قومية مسيحية أخرى هم الأرمن.

ثم يأتي التركمان وهم مسلمون. وجماعتان أخريان صغيرتان: الشبك وهم من الشيعة، والكاكية ولهم جذور فارسية. أما اليزيديون فيميلون إلى اعتبار أنفسهم أكرادا، سيما وان معظمهم يقطنون في مناطق في كعوب الجبال الكردستانية ويتكلمون اللغة الكردية.

3 – التعددية اللغوية

العربية هي اللغة السائدة في الحياة الثقافية والاجتماعية في القطر وهي اللغة الرسمية. غير أن الكردية تسود منطقة كردستان وقد أصبحت في مسودة الدستور الجديد (مادة 4) لغة رسمية ثانية. أما السريانية فهي اللغة الأم ولغة الليتورجيا للمسيحيين، دخلت مؤخرا كمادة تدريسية في المدارس التي أكثرية طلابها مسيحيون. كما دخلت كلغة للتدريس في بعض المدارس في كردستان، ولغة رسمية بحسب (المادة 4) ” في الوحدات الإدارية التي يشكلون فيها كثافة سكانية”. الأرمن يتكلمونالشبكية. ويعلمونها في مدارسهم التركمان يتكلمون التركمانية. الشبك يتكلمون الشبكية. والكاكية يتكلمون لهجة فارسية.

والصابئة يصلون بالمندائية وهي لغة آرامية قريبة من السريانية 0

4 – صدى هذه التعددية الاجتماعية – الثقافية – التاريخية في مسودة الدستور     مادة 3: العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب.

مادة 2: يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لأغلبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الإفراد في حرية العقيدة  والممارسة الدينية، كالمسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين.

مادة 39: العراقيون أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم؟

مادة 121: يضمن هذا الدستور الحقوق  الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان، والكلدان والأشوريين (ملاحظة عدم ذكر السريان)، وسائر المكونات الأخرى.

هذا وغيره يحمله الدستور، وفي طياته كثير من المكتسبات الجديدة، غير أن العبرة والمصداقية ستكون في التطبيق. ولكنه يحمل جذور تناقض أيضا، سيكون التوفيق فيع صعبا، مثل مضمون المادة الثانية

أولا: الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع:

لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.

لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.

السنا حقا في “سفينة نوح”، يبحر فيها أكثر من زوجين زوجين من كل صنف! ثانيا:ح هذه السفينة في الإبحار بسلام أم سيغمرها الطوفان؟ انه لتحد كبير حقا!

ثانيا: المسيحيون؟ فاعلون أم مشاهدون؟

لو نظرن إلى حضورهم في الحياة العامة، والى أنشطتهم الاقتصادية ومستواهم الثقافي والاجتماعي، لقدرت عددهم ب 20%. مع أنهم لا يتعدون أل 4%: بالكاد 800000، مغمورون في بحر من المسلمين، تتاكلهم هجرة متسارعة، لاسيما منذ حرب الخليج الأولى. وهكذا تضمر المسيحية العراقية التي يرقى وجودها إلى 2000 سنة، والحاضرة هنا في ما بين النهرين قبل الإسلام ب 633 سنة، وتفرغ من دمها في نزيف يومي. لا شك أن المسيحيين ليسو الوحيدين الذين يتركون البلد،

ولكن الأمر يصبح مأساة بالنسبة إلى أقلية تصاف بمثل هذا النزيف وبمثل هذه الوتيرة. ما هي الأسباب؟ قد تكون هي ذاتها أو بعض منها مشابها لأسباب الهجرة من كل البلاد الشرق أوسطية: 1- اقتصادية / 2 – تخلصا من الحرب وتبعاتها / 3- استيلاء الدولة على أراض في القرى المسيحية، وإعطاءه لغرباء بغاية تغيير الواقع الديمغرافي / 4- تصاعد الأصولية الإسلامية / 5-  سلمان   للحقوق العامة / 6- غياب الأمن، والاختطافات، والاغتيالات اليومية، والتهديدات  الإرهابية / 7- التغييب من القرار السياسي والمشاركة الوطنية /8- إغراءات الحياة في الغرب.

هذه هي أهم أسباب سقوط المسيحيين في تجربة الهجرة!

أما على الصعيد الاجتماعي، ولكي أكون منصفا، أضيف إن العلاقات على الصعيد اليومي والجيرة والعمل تسير بصورة معقولة. هناك صداقات غير قليلة وحتى شراكات عمل بين المسيحيين والمسلمين. ويبقى المسيحي في أعين المسلم هو هذا الشخص الجدير بالثقة، الكفء، الأمين، المسالم، المثقف. ولكن المسيحي تعب من أن ينظر إليه من فوق أو من مجرد زاوية المنظور التقليدي كفرد من رعايا “أهل الذمة”: ملحقا بالخيمة كعامل دؤوب أو كمنتج أمين، أو مدير مصالح البيت والعشيرة. انه يطمح إلى التمتع بوضع قانوني يضعه على قدم المساواة مع اقرأنه. كما في واجباته كذلك في حقوقه.

فمن اجل الانتقال من دور المشاهدين إلى صنف العاملين والصعود إلى درجة المواطنة المتساوية، عمد المسيحيون، منذ التغيير، إلى زج أنفسهم في حلبة السياسة بأحزاب وحركات سياسية عدة. أنها المرة الأولى في تاريخ البلد تقدم أحزاب سياسية “مسيحية” الاسم والانتماء الاجتماعي نفسها بصورة معتلنة كقوة سياسية للدفاع عن حقوق المسيحيين والحصول على دور معترف به في الشؤون العامة. وكردة فعل للاستلاب التاريخي تأخذ هذه الأحزاب منحى علمانيا مستقلا عن الزعامات الكنسية، مع ايدولوجية قومية صيغت صياغة في معظم الأحيان لهدف القضية المطروحة.

إننا من زاوية أخرى نعترف أن ثمة تفاحة خصام بين السلطة الكنسية والأحزاب “المسيحية” فكلاهما تتنافسان السلطة على هذه الأقلية المسيحية المكونة من 4%. فلقد كانت هذه الأقلية حتى الآن ترى في الكنيسة الخيمة الجامعة والمحامية عنها، والناطقة الرسمية باسمها، والمرجع الذي تعود إليه، ليس فقط على الصعيد الديني بل أمام السلطات العامة أيضا. واليوم مع المعطيات الجديدة، تقف الجماعات المسيحية أمام مرجعية مزدوجة: مرجعية سياسية – مدنية تطالب بها الأحزاب السياسية ” الكلدانية الأشورية السريانية”  الظاهرة حدثا على الساحة؛ ومرجعية اجتماعية – دينية معترف بها تقليديا ومن دون منازع للكنيسة، والسلطة الكنسية ليست على استعداد للتخلي عن المقاليد بهذه السرعة!

مثال ذلك ما جاء في رسالة غبطة البطريرك الكلداني إلى  رئيس الوزراء في سياق طلبه إدراج “الكلدان” كقومية ثالثة في الدستور” وتوضيحه بان الشعب الكلداني لا يمثله إلا أبناؤه ومنظمات بعد الرجوع إلى البطريركية الكلدانية، مرجعيتهم الوحيدة ” (7 حزيران 2005) وقد تلت ذلك تجاذبات إعلامية مع الأحزاب حول فكرة “المرجعية الوحيدة”. (انظر” رديا كلدايا” تموز 2005).

مهما يكن، فالمسالة القومية والعرقية هي إحدى المسائل الشائكة الكبرى اليوم في العراق. لان الأقليات (ومنها المسيحية) التي عانت من التهميش والتذويب حتى الآن تحاول لعب دورها على المسرح السياسي انطلاقا من هذه القاعدة للحصول على حقوقها في المواطنة الكاملة.

هل ربحوا القضية؟ على الصعيد الدستوري هناك عدة مواد تخص المسيحيين في مسودة الدستور التي نالت 76% من التاييد في استفتاء 15 ت1 الماضي. أما على الصعيالومضات:ي فلم يتغير شيء يذكر حتى الآن، وان كانت الوجوه الجديدة لا تزال تسمعنا كلاما طيبا. بلي هناك بعض الومضات: مسيحيون في عضوية بعض الهيئات المدنية في المحافظات التي فيها كثافة مسيحية. ولكن التمثيل في الحكومة يسوده شعور بالانتقاص. ففي المجلس الوطني لم تختر إلا شخصيات من المرتبة الثانية، وتابعة للأحزاب الكبرى القيادية، مع امرأة وزيرة للهجرة، تحولت في الحكومة الحالية إلى وزارة مستحدثة للعلوم والتكنولوجيا. مما اعتبره البعض صدقة غير ذات قيمة.

أما الكنيسة، المتمثلة بمطارنتها، فلقد طلبت مشاركتها المعنوية إبان فترة الانتقال من قبل الأحزاب السياسية المختلفة، ومن ضمنها الأحزاب ذات النزعة الإسلامية، وكذلك من قبل الجهات العشائرية والثقافية والإدارية. فلقد دعوا في نطاق الجهد المشترك لإعادة البناء، كي يمثلوا لا فقط جماعتهم، بل لكي يمثلوا تيار الحكمة والتضامن أيضا. ويسعنا القول إن جوا من الحوار الإسلامي – المسيحي ظهر لأول مرة على صعيد القادة الروحيين. ولكن هذا الحضور تقلص منذ عودة المؤسسات.

ولكن برأيي، لم تعط المؤسسة الكنسية اهتماما كافيا وجادا لدراسة الظاهرة العراقية الجديدة والتخطيط للمستقبل. ترى هل تستطيع ذلك حقا؟ إن نوعية الفكر الكنسي، وموضوعية التحليل، ولربما وضوح الرؤيا، كلها غائبة. فالجو العراقي ضبابي حقا. وهكذا، كما في كل الأحوال، ننتظر الغد إلى ا نياتي! ألا أيها الصبح انجلي.. ومع ذلك تمت مبادرة، كانت الأولى من نوعها، (وكانت من وحي السفير البابوي في بغداد). ففي جو الاستعداد لكتابة الدستور الجديد، أصدرت هيئة البطاركة والمطارنة منذ نيسان 2003 بيانا مشتركا موجها إلى مجلس الحكم، يطالب الدستور العراقي الجديد بالاعتراف بالحقوق الأساسية: الدينية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية للمسيحيين.

لقد استبشرنا أن تكون تلك بداية صحيحة لدور تلعبه الكنيسة كأم ومرشدة للتوجيه والمشورة والتحليل وتوحيد الصف والكلمة، لا للانحياز. ولقد قام مجلس مطارنة نينوى بأكثر من مبادرة لجمع كلمة الأحزاب “المسيحية” والاتجاه نحو آلية للعمل الموحد والمنسق ينطق باسم المسيحيين ككل، وليس باسم إستراتيجية حزب معين أو طائفة منفردة. ] غير أن انتكاسة خطرة ثملت هذا الاتجاه، برأيي، عندما وضع البطريرك الكلداني ثقله إلى جانب الحزب الديمقراطي الكلداني ليسنده كقومية “كلدانية” (نص الرسالة في “رديا كلدايا” تموز 2005). وبذلك أزاح نفسه عن الدور الروحي والكنسي للنطق باسم عموم المسيحيين في العراق، وقلص كلمته لصالح الكلدان “كقومية” منفردة عن الآخرين [.

ثالثا: تعايش أم شراكة؟

إن العراق سائر، أو يود السير نحو مجتمع مدني، تعددي، ديمقراطي. بيد أن ذلك لا زال في طور الجنيالساحة:م تياران كبيران يتقاسمان الساحة:

1) التيار الإسلامي  ذو التأثير الكبير على الطبقات الشعبية، ]والذي يتجه نحو نظام أصولي على النموذج الإيراني، أو السعودي، أو على الأقل بحسب طبعة عراقية خاصة [.

2) التيارات العلمانية التي تمثلها الأحزاب السياسية المبنية على قوالب الديمقراطية الغربية. ويكون العمود الفقري لهذا الخط: الحزبان الكرديان الرئيسان (الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني)، والأحزاب العلمانية المتكونة  من المعارضة السابقة، ومعها الأحزاب ” المسيحية” التي تحاول إيجاد مكان لها تحت الشمس. أما الموازنة بين كل هذه الأحزاب ذات الايدولوجيات المتباينة، والمتواجهة أحيانا، فليس بالشيء الهين. وقبل أن تتوصل إلى التعاون في جو ديمقراطي حقيقي، فهي الآن في حالة حرب مواقع، قد لا تكون معلنة، ولكنها حقيقية.

الحكومة الحالية يغلب عليها ]الطابع الشيعي المتعاطف مع التجربة الإيرانية [.

طابع النهج الفكري الإسلامي وفي ديباجة الدستور لا يرد أي ذكر صريح لحقبة ما قبل الإسلام في العراق. يتقاسم السلطة مع الشيعة بثقل واضح الأكراد، أكثر الناس دفاعا عن الفدرالية. أما الفدرالية في العقل الباطني للأكراد فهي نوع من “الاستقلالية الذاتية” يكرسها الدستور ويغترف بها، لئلا تكون من بعد رجعة إلى الوراء.. أما إلى الأمام، فبلى!

ولكن إذا كان الشعب العراقي يتكون من كيانات عديدة دينية وعرقية ولغوية وسياسية…فارضيتة  المشتركة زرعت فيه اتجاها جديدا. فالحضارات المختلفة التي تراكمت فيه تركت بصماتها، لامحالة للجميع،لوعي الجماعي لسكان مابين النهرين: فالسومريون، والاكديون، والأشوريون، والآراميون، ثم الفرس والسريان المسيحيون، وأخيرا الإسلام.. كلهم اثروا التراث الحضاري لهذا البلد ليكون الخيمة الموحدة للجميع، واسم هذه الخيمة هو العراق. إن هذه الذاكرة الجماعية أهابت بجيل من المفكرين، والبحاثة، والفنانين، والشعراء، والروائيين والرسامين والمؤرخين، والمخرجين، والصحفيين والمربين…أن يتكلموا عن الشراكة في الحياة كشرط حيوي ومنطقي لورقة هذه الحضارة التعددية المشتركة. وظهر نمط جديد من المواطنة بالرغم من السياسة المنحازة التي انتهجها النظام السابق، وبالرغم من الأفق الأحادي الذي ينادي به البعض اليوم. انه على خطا من يزعم أن العلامة الفارقة الوحيدة للعراق، وللشرق الأوسط عموما، هي العروبة والإسلام. هذا هو الاتجاه الذي تتبناه حركة الانتقال نحو التعددية الديمقراطية في العراق.

لا يمكن بناء المجتمع الديمقراطي المتوخى من دون الاعتراف بمبدأ “الشراكة”، وأول مقومات الشراكة هي الاعتراف بالآخر وبحق الآخر، ووضع هذا المبدأ موضع التنفيذ ميدانيا بين كافة مكونات المجتمع الاجتماعية، والعرقية، والدينية، والجغرافية، والتاريخية، والسياسية، أن المطلوب حقا هو اهتداء حقيقي في الذهنيان والسلوكية الاجتماعية لدى أناس كان البعض منهم يتصرفون كأسياد مطلقين؛ ومن طول ما استحوذوا على السلطة  ظنوها  وقفا  ذريا  عليهم وعلى أولادهم، بينما كان الآخرون  مواطنين من الدرجة الثانية. في مثل هذا المجتمع الديمقراطي المشتهى لا تعود تبقى “أكثرية حاكمة” تفرض شرائعها وامتيازاتها، ولا “أقلية مسموح بها” ()، مرغمة على جرجرة أوراقها الثبوتية وولائها في كل نقطة سيطرة مرورية. في مثل هذا المجتمع المقترن يكون الوطن مشروعا مشتركا، لا ملكية خاصة: من دون استئثار أو تفرقة عنصرية أو دينية أو في الجنس. والحال إن “الشراكة” الحقيقية تبتدئ في الاعتراف بالخصوصيات الثقافية والقومية والدينية والتاريخية اعترافا كاملا، ولكن في إطار الانصهار في وحدة الوطن الواحد. كما أن الشراكة لا يمكن أن تكون حقة إلا إذا تأسست على المشاركة السياسية المسؤولة للإطراف المختبيتهم،ذه المشاركة ذاتها هي المدخل إلى الوعي الجماعي الذي يوصل الفرد والمجموع إلى الشعور بان الوطن بيتهم، وان بيتهم هو الوطن.

خاتمة: ما قلته عن العراق يسري على سائر أقطار الشرق الأوسط. كل بحسب مقوماته الخاصة  فمن دون هذه القواعد سنبقى خارج الطريق. وسيبقى وجود المسيحي، في العراق وفي إيران وسوريا والأردن ومصر وفلسطين وحتى في لبنان، مع فارق خصوصيته، مهددا، ولا أجرؤ أن أقول مؤقتا! بالنسبة لمسيحي العراق كان لبنان نموذجا ننظر إليه كضمان وكمنار. ولا زلنا اليوم أيضا ننظر إليه كمختبر تطبيقي: إذا كانت مسيحية لبنان معافاة، فنحن بخير؛ وإذا كانت مسيحية

لبنان في ضيق، فماذا يكون منا؟! إذا خسرت مسيحية لبنان رهانها، خسرنا نحن أملنا وأحلامنا. إذا فرغ لبنان من قواه المسيحية، الروحية والبشرية   فلقد فقدنا صمام الأمان في بلداننا الأخرى؛ وإذا فقد توازنه في العيش المشترك، أصابنا الدوار! مع علمنا وعلمكم إن بلداننا ذات التقيد المسيحي العريق الذي يرقى إلى بدايات المسيحية، هذه البلدان التي فيها صيغت قوالب الفكر واللاهوت والطقوس والحياة الرهبانية الأولى.. ولكننا، الستراتيجي للبنان المسيحي.

ولكننا، نحن وانتم، نعلم أيضا علم اليقين بان حضورنا المسيحي في هذه البلدان حيث يتواجد المسيحيون كمواطنين أصيلين منذ فجر المسيحية، يبقى رسالة وشهادة نعيشهما مع وضمن صفوف إخوتنا المسلمين في وحدة الأوطان والتكوين والمصير والحياة. ومع إغراءات الغرب الذي تشدنا إليه وشائج إيمانية وتقنية، أحب إن اختم بما قلته من منبر ندوة نظمها المؤتمر الإسلامي الشعبي في بغداد قبيل سقوط النظام: أنا اقرب إلى أخي المسلم العراقي والعربي مما إلى أخي المسيحي الغربي في كثير من القيم والمفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية وحتى الدينية.

المطران باسيليوس جرجس القس موسى

(انطلياس الأحد 27 ت2 2005)

IMG_0077PHOT0025.JPGPHOT0028.JPGIMG_0076

Advertisements

Responses

  1. […] 2005 – معرض إعلام – لبنان من 25 ت1 إلى 4 ت2   2005 […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: