كلمة في افتتاح كنيسة عذراء فاطمة2001

كلمة في افتتاح كنيسة عذراء فاطمة في الموصل

كلمة راعي الأبرشية خلال افتتاح كنيسة عذراء فاطمة في الموصل

يوم الجمعة الموافق  9/11/2001.

أخيرا.. وبعد حوالي ستة أشهر من العمل نفتتح كنيسة عذراء فاطمة في حلتها الجديدة. وقد بدت كالعروسة التي تكاد لا تعرف بعد اتشاحها ببدلة العرس.. جميلة.. تملا العيون وتبهج القلوب. فالشكر لله.. والشكر لجميع الذين ساهموا في إظهارها بهذا الثوب، بل بهذا لجمال الرائع. لن اذكر اسما معينا. فكثيرون هم الذين، في الخفاء أو العلن، بقليل أو كثير، بالتبرع المالي أو العيني أو بالكتف، وحتى بالتعاطف والقلب ومراقبة العمل باهتمام وفرح، أو المشورة الفنية واللمسة الإبداعية، وضعوا اسمهم في سجل العاملين.

إلى الجميع شكري. جازاهم الله ببركاته ونعمه.

لقد كانت اصغر كنائسنا.. لذا نالها الاهتمام الخاص.. فصارت بهذه الأناقة.. الحمد لله. فالعمل والهيكل كلاهما لمجد اسمه ولجمع المؤمنين واحتضان الشباب في الصلاة والعبادة والإخوة الإيمانية وعيش الروح الكنسية والمسيحية المنفتحة معا.

أركز كلمتي اليوم واستلهمها من عنصرين تحملهما كنيستنا هذه.

أولا: الصليب البرونزي الذي يعلو الهيكل.

لقد أراد الفنان إبراز فكرة جاءت في كتابات آباء الكنيسة وهي: الصليب شجرة الحياة، ترمز إليه في اللوحة هنا الأوراق التي تخرج من قاعدة الجذع. ورمزية الصليب شجرة الحياة مستقاة من قصة ادم في الفردوس كيف مد يده إلى الشجرة المحرمة فتناول ثمرة الموت ؛ ومن ثم كيف إن الكنيسة على الجلجلة مدت يدها على الصليب فنالت ثمرة الحياة والتحرر. والكنيسة ها كناية إلى البشرية جمعاء. هذه الصورة نجد صداها في الصلوات الطقسية، وفي الطقس السرياني نجدها خاصة في صلوات يوم الجمعة العظيمة، والجمع الاعتيادية. ففي صلاة الساعة الثالثة ليوم الجمعة جاء ما يلي:

في الساعة 3 آكل ادم الثمرة في جنة عدن متجاوزا الوصية وفي الساعة 3 ارتقى رب عدن عود الصليب…

الشكر للروح الذي جعل الصليب قوة لكنيسته، وتحت أطرافه (كالأغصان الممتدة) أحفظنا من الهلاك.

آباء الكنيسة قارنوا أيضا بين رمزية الصليب الذي يصلب المسيح الرب عليه نلنا الخلاص، والحية النحاسية التي صنعها موسى في البرية وكان كل ملدوغ ينظر إليها يشفى. فلقد جاء في صلاة صباح الجمعة:

وسط مضارب الاسرائيليين

نصيب موسى حية نحاسية

وكانت ترمز إلى الصليب صانع الحياة.

وما هذه الأبيات إلا صدى لما جاء في إنجيل يو (3: 14):

“كما رفع موسى الحية في البرية

فكذلك ينبغي أن يرفع ابن الإنسان

لتكون به الحياة الأبدية لكل من يؤمن به”

وتكتمل هذه الصورة

في كتاباتنا الطقسية والآبائية برمزية الصليب مذبحا ومعصرة. جاء في صلاة الليل ليوم الجمعة أيضا:

تعال وقل لي أيها الصليب ما هو سر قوتك؟

فمن أقاصي الأرض إلى أقاصيها تسجد لك الشعوب!

يجيب الصليب: صرت مذبحا على رأس الجلجلة

وفوقي صلبوا ابن الله

عصره اليهود كالعنقود بالرمح

ولن يذوقوا من خمرنه

وقبلته الكنيسة المقدسة وقدمته على المذبح

وها هي تتنعم بطعمه.

في هذا البيت إشارة إلى الغداء بموت المسيح وقيامته، والى الاوخارستيا التي نقدمها على المذبح غذاء الكنيسة اليوم وقيامتها المتجددة كل يوم.

هكذا يكون الصليب لنا رمز الحياة والقيامة والتجدد.

إذا انحنينا أمامه فللرب نسجد ؛ وإذا كرمناه، فالحي المائت والمائت الحي أبدا نكرم؛ وإذا رسمنا به جباهنا واتخذناه رمزا لنا ولكنائسنا، فلانة رمز فدائنا ورجاء قيامتنا، ومجدد إيماننا، وعنوان فرحنا.

الصليب آية سلام. الصليب علامة نصر. الصليب صار فدائنا، وبه كلنا نفتخر

ثانيا: الاسم: “كنيسة عذراء فاطمة”

قصة الاسم: في عهد الاحتلال الغربي الإسلامي لاسبانيا والبرتغال. أمير أحب فتاة اسمها فاطمة، وعلى اسمها دعي البلدة فاطمة. وفي هذه البلدة التي لا تزال تحمل هذا الاسم ظهرت العذراء لثلاثة أطفال إثناء الحرب العالمية الأولى.

فسميت سيدة فاطمة، أو عذراء فاطمة.

فكنيسة عذراء فاطمة، بهذا الاسم ذي النكهة العربية الإسلامية، وفي بلد ذي وجه إسلامي حيث نعيش سوية ومعا، مسيحيين ومسلمين، منذ ظهور الإسلام،

لا فقط كمواطنين أصيلين متجذرين، بل كأخوة في الوطن الواحد في احترام متبادل والتزام حتى الموت بالذود عنه وبالتزام بقضاياه. أرى في هذا الاسم رمزا إلى العيش المشترك والشراكة في التاريخ الواحد. حالة واحدة نعيشها، بل مصير واحد نعيشه كل يوم وكل دقيقة.

إننا نعرف المكانة الخاصة والمتميزة التي للعذراء مريم في الإسلام. فسورة مريم وال عمران هي جوهرة القران الكريم بما تحمله من تعليم ومعان وإجلال لشخص السيد المسيح وأمه البتول الطاهرة.

إني أرى في اسم “عذراء فاطمة” التي نكرس كنيستها اليوم في جيرة وتواجه مع جامع لإخوتنا المسلمين، أرى في هذا الاسم وفي هذا الحدث الذي يمس العذراء التي نجلها كلانا بعمق وجه كأم لنا “مريمانا”، أرى دعوة متجددة إلى تقوية الحوار الأخوي القائم بيننا في حياة كل يوم.والحوار سماع واحترام متبادل، وتقييم وانفتاح على ما لكل طرف من ارث روحي ومزايا وإبداع وايجابيات. انه دعوة للطرفين كي نركز على ما يجمعنا، وهو كثير، لا على ما يفرقنا، في القيم الدينية والأخلاقية وفي المفاهيم الروحية واللاهوتية والكتابية. فنحن أبناء الكتب السماوية ذات الجذور المشتركة، النابعة من والعائدة إلى الله أبينا نفسه .

لننبذ التفرقة بكل مفرداتها، ولنزرع دوما روح المحبة والاحترام والسلام بين أبنائنا وشبابنا وأطفالنا في وحدة وطنية راسخة، في عراق واحد منيع، خيمة وسماء تضللان كل أبنائه وبناته بالحماية ذاتها.

آمين

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s