Posted by: abu faadii | 2013/08/11

لقاء مع الاب فوايوم 1973

لقاء مع الاب فوايوم

مؤسس اخوة يسوع الصغار والرئيس العام لاخوة الانجيل الصغار

كانون الثاني 1973 

الاب رينيه فوايوم مؤسس اخوة يسوع الصغار واخوة الانجيل الصغار والاب الروحي لعدة جمعيات روحية ورسولية، علمانية وكهنوتية، تسير بحب روحانية الاب شارل دي فوكو، هو احدى الشخصيات البارزة الكبرى في  كنيسة اليوم وله خبرى فريدة في قضايا العالم والكنيسة لسعة ثقافته واتصاله الدائم بالجماهيرعبر “الاخوات” المنتشرة في العالم كله، وباهتمامات الكنيسة عبر اللقاءات والمحاضرات التي يلقيها في مختلف انحاء العالم. وقد القى مواعظ رياضة روحية في الفاتيكان على قداسة البابا وحاشيته سنة 1968

والاب فوايوم الذي يبلغ من العمر حوالي 65 سنة عدة كتب، ترجم بعضها الى العربية مثل “اخوتي جميع البشر” و “على خطى يسوع” وقد قدم الى الموصل في اليوم الرابع عشر من شهر تشرين الثاني الماضي لترأس حفلة نذور اخت صغيرة عراقية (عدد ك1 1972)، فانتهزنا هذه الفرصة واجرينا معه المقابلة التالية          (قلم التحرير) 

الفكر المسيحي – لا شك ان المسيحي، في يومنا هذا، تتحداه معظلات جديدة لم تعرفها الاجيال السابقة ؛ وايمانه نفسه يقف امام شبكة من الافكار والمتطلبات التي لا تسهل علية عملية الاختيار، وتتركه متأرجحا بين العقيدة والحياة. هل تعتقد ان هناك قطيعة حقيقية او توترا ما، بين متطلبات الانجيل ومتطلبات الحياة العصرية؟

الاب فوايوم – ان القضية التي تطرحها هنا قضية واسعة… استهل اجابتي بالقول بان المسيحيين يعانون، في معظم الاوقات، من نقص مريع في معرفة الحقائق المسيحية، وينساقون بسهولة كبيرة وراء غواية الصحافة والعبارات الدعائية وبعض الابحاث اللاهوتية المبسطة الشائعة. يجدر بنا ان نعلن اولا ان المسيحي ولم يتبدل ولن يتبدل، واعني بلفظة “المسيحي” هذا الانسان القائم امام الله: الله لم يتبدل، فالله في عام 1972 والله في زمن المسيح هو هو، لقد ان الاوان لهؤلاء المسيحيين الذين سجنوا حياتهم المسيحية ضمن بيئات مسيحية تقليدية وأطر سهلة ان يلقوا على انفسهم اسئلة اساسية مثل قضية وجود الله. ان هذه القضية تطرح من جديد، وجب ان ننعش اقتناعنا بها بصورة اعمق، ونفهم جيدا ما الذي جاء به المسيح المبشر ك هذا هو، في الواقع جوهر مسألة الايمان المسيحي. ولكن هذا الايمان لم يتبدل في جوهره، انما التغيير في طبيعة الالتزامات الانجيلية: كيف ينبغي ان نعيش الرسالة المسيحية اليوم؟ اظن ان ما يلزم هو معرفة المشاكل المطروحة في كل حالة، في كل بلد، ومن ثم تحليلها… وهنا تأتي ضرورة التعاون والبحث العقلي المشترك. ولكن ما اراه ثابتا اليوم، في كل مكان، هو هذه الحاجة العميقة الى تجديد الجماعة المسيحية.

في عالم كان مشبعا بالثقافة المسيحية، حيث كان الايمان مدعوما بالبيئة والاسرى والخورنة، كانت الامور تسير طبيعية. اما الآن… لذا كان لا بد من ولادة جديدة تلقائية للجماعة المسيحية… قد لا يدخل الشباب في تلك الجماعات التقليدية –الخورنة… الاخويات التقوية…– انهم بحاجة الى ان يشعروا باستقلالهم أكثر، لأن لهم مشاكل جديدة، ويريدون ان يبحثوها في ما بينهم، سوية. وهذا البعد الجديد اراه من ميزات المسيحية الحاضرة، واعني بهذا البعد، بعد بعث الجماعة المسيحية…

بوسعنا ان نقول عن القرن الماضي ان المسيحيين –مع توسع بعض العبادات التقوية– كانوا يتمركزون حول شخص يسوع المسيح ويجهلون الانجيل، فقد كانوا، الى حد ما، يملكون المسيح من دون الانجيل، أما الآن فالعكس هو الصحيح. هناك من يشك، اليوم، بآلوهة المسيح، لكنه مع  ذلك يطالع الانجيل. هناك من يتأمل بالانجيل ويطبقه في حياته، بل نجده حتى بين أيدي اشخاص ملحدين، فبالنسبة الى هؤلاء يصبح الانجيل نمطا معينا لفلسفة معينة في الحياة.ولكن الشيء الاساسي بالنسبة الينا هو ان نكتشف الالتزامات الانجيلية ونبقى امناء للايمان، لشخص المسيح، لأننا لو اقتطعنا الانجيل من يسوع المسيح، لا يعود، من ثم، انجيل يسوع المسيح.

الفكر المسيحي –  كيف يسع المسيحي بضمير مرتاح ان يوفق، في الواقع، بين التزامه نحو الكنيسة والتزامه الزمني؟

الاب فوايوم – اعتقد ان ذلك وجه جديد من أوجه الحياة المسيحية.

واذا تكلمت من خلال خبرة “اخوات” الاب شارل دي فوكو، لقلت ان الامانة لهذين البعدين –أعني بهما الحياة التأملية والالتزام الانساني– هي بيت القصيد. الالتزام الانساني بصفتنا مواطنين في الارض يعني الالتزام بكل مهام الحياة المهنية، والاجتماعية، والسياسية. وليس لك  الا  ان  تلاحظ التطور الذي طرا في الكنيسة مع رسالة بولس السادس عن الاشتراكية، ووثيقة الاساقفة الفرنسيين في لورد، ناهيك عن الوثائق المختلفة الصادرة عن اساقفة اميركا اللاتينية التي ركزت على الاهمية البالغة لعيش الالتزامات الانجيلية حتى في البعد السياسي. وهذا امر جديد. لانه في السياسة يجد المسيحي نفسه مع سائر الناس –طبعا بوسعنا ان ندافع عن الكنيسة في مواقف معينة لعدم تدخلها، نظرا الى وضع كل بلد– ولكن لنميز. ففي ما يخص العدالة، الخير العام للبلد… الكل سواسية. ان عنوان وثيقة الاساقفة الفرنسيين وحده يعبر عن طبيعة: “الممارسة المسيحية للسياسة”، وليس “ممارسة لسياسة مسيحية”، فليس ثمة سياسة “مسيحية”.

ان ما يلفت نظري هو ان جميع المسيحيين الأصيلين هم ملتزمون سياسيا – وعندما اقول “سياسيا”، آخذ هذه الكلمة بمعناها الواسع، اعني جميع النشاطات الاجتماعية والانسانية-، وهم في الوقت نفسه ظامئون جدا الى الحياة التأملية الروحية. انهم يقومون برياضات روحية، بل يودون حفظ القربان المقدس في بيوتهم –وهناك اساقفة قد سمحوا بذلك-. ثمة انبعاث حاجة جديدة اكثر عمقا في النفس المسيحية لحضور سر المسيح، وهذا شيء جديد. واظن انه من اللازم تحليله وتقيمه. انها قضية عبادة حرة، ولكنها تعبر عن حاجة يشعر بها المسيحيون الى مساعدة حميمة اكثر من المسيح.

الفكر المسيحي – هذا يقودنا الى السؤال التالي: كيف ينبغي ان يكون الموقف المسيحي من التحديات المعاصرة التي تتقاذفه من كل جانب، واخص بالذكر المال،الجنس،الحرية،العمل السياسي،الثورة او الاحتجاج. فالى اي حد يسعنا الالتزام بها، دون الابتعاد عن روح الانجيل؟

الاب فوايوم – لا نستطيع الاجابة بصورة عامة، اذ ينبغي دراسة الحالات الواقعية. الا اني اظن ان مسيحيا لوحده لا يستطيع ايجاد مخرج. وهنا يجدر القول بان المسيحي المنفرد لم يعد قادرا ان يبقى مسيحيا بكل معنى الكلمة. كل ما ذكرته يشكل معضلات جديرة بالبحث، ويتنافس الناس فيه اكثر فاكثر، ويجب ان يكون لنا ازاءه راي مسيحي، وهذا الراي يجب ان يصاغ جماعيا.

ان المسيحي لا بد ان يكون في “قطيعة” مع العالم. هذا امر لازم. لقد قال المسيح: “انا لست من العالم…” والمسيحي لا يمكن ان يطابق حياته كليا مع “العالم”… لقد كانت الاخلاقية، في السابق، اخلاقية مسيحية، بالرغم من بعض المبالغات، اما الان فلم تعد الاخلاقية مسيحية.

الادب ليس مسيحيا. لا بل امست هذه الحضارة تقدم للانسانية مثالية جديدة غريبة تماما عن الاولى، لذا  لا يمكن ألا نكون في المعارضة والقطيعة، ومع ذلك يجب ان نساهم.

الفكر المسيحي – هذه هي المسألة الكبرى: ان المسيحي يوجد على المحك وعليه ان يعتنق القطبين في آن واحد: ان يكون في العالم، وان لا يكون من العالم.

الاب فوايوم – هذا ما قاله المسيح: اترككم في العالم. لقد صلى الى ابيه ان يحفظ الذين يؤمنون به ويقيهم من الشرير. انه لم يخرجهم من العالم.

اظن ان ما ينبغي ان يتحاشاه المسيحي هو الضياع في المشاكل الكبرى،والا لما خرج منها. لا نعقلن الاشياء. يجب ان نبحث المشاكل على مستوى الانسان الذي يجب ان يساهم في حلها. خذ مثال فريق او جماعة معينة، انظر ما هي المعضلات التي يعانون منها وادرس معطيات بيئتهم. ليس لنا ان نحل المسائل الكبرى التي تلقى في اجواء مجردة، بل الحالات الواقعية التي نتواجد فيها.

الفكر المسيحي –  يتحدثون في الغرب –قد وصل المد الى اوساطنا المثقفة– عن ازمة الايمان. هل هناك حقا ازمة ايمان، أم هي رفض لتقليد معين، رفض لعالم قديم، الى حد ما؟

الاب فوايوم –  ان ازمة الايمان، هي قبل كل شيء ازمة شخصية جدا، فليس هناك ازمة ايمانية في الهواء ؛ فيجب ان نرى كل حالة على حدة. والازمة موجودة فعلا عندما تتعدى ان تكون ازمة اخلاقية. فمثلا كان يقال عن شاب يقع في حب فتاة او يتصرف تصرفا شائنا انه فقد الايمان: ان القضية تختلف تماما. على كل حال يظهر اليوم ان مضمون الايمان نفسه تلفضه العقلية المعاصرة، والعقلية المعاصرة عقلية علمية تنفي، اكثر فاكثر، الابعاد المافوقية. فالسوال القائم هو: ما هو الايمان؟ يجيبك البعض: انه مجرد نظرة معينة الى الحياة، وهنا توجد ازمة ايمانية حقيقية. لذا لزمنا ان نتفحص القضايا على صعيد المسيحيين الذين نحمل مسؤوليتهم، فنرى الامور في واقعيتها.

الفكر المسيحي –من خلال خبرتك العالمية، هل تعتقد ان الانسان المعاصر، لا سيما الشباب ينتظرون بعد شيئا من الكنيسة، واذ اقول”كنيسة” أعني”الكنيسة– المؤسسة” الى حد ما؟

الاب فوايوم –  قليلا

ولكني اعتبرها ازمة عابرة. ان مظاهر الكنيسة تخيب الانسان المعاصر، ومع ذلك فهو بحاجة الى الكنيسة. في الوقت الحاضر نرى ان حركات التجدد الدينية – في الغرب – هي من خارج المؤسسة الكنسية، وحركات الشباب التي غالبا ما احتككت بها لا تنتمي اداريا الى اية كنيسة. ولكن مع ذلك لا يمكننا الاستغناء عن الكنيسة. لا شك ان للكنيسة مآخذ على نفسها – مثل المظاهر، بعض مفاهيم السلطة، النقص في روح الفقر، بعض العقلية الاكليريكانية – ولكن الثبات من دون الكنيسة أمر مستحيل. ومع ازمة السلطة الراهنة، نحن بحاجة ماسة الى سلطة في الايمان. انني اعتقد باننا في حقبة صعبة، ولكن لا ينبغي التشاؤم: انها ازمة عابرة.

الفكر المسيحي – نحن نعلم بأن “الاخوة” تختص بالاوساط الفقيرة، فلماذا اخترتم هذه الاوساط بالذات.

الاب فوايوم – انظر الى الانجيل: انه يبحث بصورة خصوصية عن محبة من هم أكثر فقرا. وهذا ما يجعل الانجيل في أساس روح العدالة وأحترام البشر. حين نحترم الفقير، فاننا نحترم الانسان حقا، أما اذا احترمنا غنيا، فأننا نحترم ثروته، ثقافته، نشاطه الاجتماعي. هكذا نحقق اقوال يسوع حين شابه نفسه بالفقراء. انا اعتقد ان هذا هو سر الانجيل.

الفكر المسيحي –  الى  اي حد تتحسس هذه المجتمعات حضور الاخوة والاخوات الصغار؟

الاب فوايوم – الاخوة والاخوات الصغار هم حبة رمل صغيرة على الساحل. ان هؤلاء الاخوة الصغار، بعددهم القليل، هم رمز صغير لبعض الناس، وهم لا يريدون ان يكونوا أكثر من ذلك. فالاخوة والاخوات الذين يتكرسون لهذه الرسالة، لهم القناعة بأنهم انما يجيبون الى نداء الله. ولكن ثمة طرقا شتى يعيش فيها المرء هذا النداء: عندما ارى رجالا في الاقتصاد والسياسة يحملون مفهوم الاحترام للانسان وهم مستعدون لعمل كل ما من شأنه ان يغير الاسس الاقتصادية والسياسية لجعلها اكثر انسانية، فاقول حينئذ: اننا نعمل في اتجاه واحد. اجل هنا شيء من الانجيل.

في الانجيل كبير هو الوقت المخصص للبؤساء، للخطأة… هناك لص اليمين على الصليب، المرأة الزانية، السامرية، هناك زكا، هذا الرجل الجشع، الذي لنعتناه اليوم رجلا ظالما ورأسماليا بشعا…

ثم غادرنا الاب للقاءات اخرى. وقد كان يستعد للسفر الى اليابان، وقضاء عيد الميلاد في فيتنام لمتابعة “الاخوات” الجديدة. ومن هناك يشد الرحال الى كاليفورنيا لملاقاة جماعة من الكهنة، ومن ثم يغادر الى نيويورك حيث سيزور الاخوة الصغار الذين يهتمون بالشباب الهيبي وبمتعاطي المخدرات، قبل ان يعود الى مرسيليا بفرنسا حيث مقره.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: