مع البطريرك روفائيل الأول بيداود1989

مع البطريرك روفائيل الأول بيداود 

حزيران – تموز 1989 

فيما غطى عدد أيار خبر انتخاب وتنصيب غبطة مار روفائيل الأول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان، لما لهذا الحدث من أهمية كبرى في حياة الكنيسة الكلدانية بشكل خاص والكنيسة العراقية بشكل عام. يحمل إليكم هذا العدد نص المقابلة التي تلطف غبطته ومنحها لمجلة الفكر المسيحي في الأيام الأولى من جلوسه على كرسي بابل وتوليه مهام البطريركية الجسيمة في مرحلة دقيقة من حياة الكنيسة في العراق.

وإذا تتقدم “الفكر المسيحي” من غبطته ببالغ الشكر والامتنان والتقدير وقد زادها شرفا وغبطة تلطفه برعاية احتفالات اليوبيل الفضي في بغداد (21 تموز) – تضع بين أيدي قرائها هذه المقابلة التي خصهم بها غبطته، وفيها الكثير من الآمال والطموحات والمشاريع والمخططات التي يعج بها قلبه الراعوي الكبير.

أول ما يتبادر إلى الذهن وأنت ترى هيبة هذا الرجل الذي نحت من جبال كردستان بقامته الفارعة وعنفوان مشيته النشطة التي لم تنل منها السنوات أل 67 شيئا، وبثوبه الكهنوتي الذي يوحي إليك بغنى أعماقه. أو تستمع إليه يحدثك بيسر ودراية وشمولية رؤية عن الدين والحياة. والتاريخ والحداثة، وعن الكنيسة والتجديد، وعن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني – وقد كان احد أبنائه – وسبل تجسيد توجيهاته في كنيسة اليوم، وفي كنيسة العراق بالذات.. عندما ترى، إذن، هذا الرجل وتستمع إليه أو تراه ينصت إليك بانتباه تشعر انك أمام رجل كنيسة من طراز متميز، نظرة إلى الأمام وفكرة نحو القمم لا إلى الوديان.

البطريرك روفائيل بيداويد بإنسانيته العميقة ودماثته.. يختصر المسافات بينك وبينه عندما يحدثك فتشعر بالمودة تغمرك، وإذا ابدي راية كان رأي النبيه إلى دقائق الأمر وإحاطاته. وإذا جد الحديث عن ثقل مهامه البطريركية سقاه بكلمة مرحة أو بقصة من لطائف يوحنا الثالث والعشرين. ومنها أن البابا الطيب الذكر في الأيام الأولى من حبريته توجه إلى مستمعيه مرة قائلا: “يقولون أن وظيفة البابا صعبة. أما أنا فأقول أنها سهلة جدا. فعندما يعمل هذا العدد الكبير من الكرادلة والأساقفة عوضي، فان المهمة تسهل علي”. واستطرد البطريرك مبتسما: “بالتعاون ومعكم انا  أيضا ستسهل مهمتي”.

بهذه الطرفة أجاب بعض الزائرين الذين جاءوا للسلام عليه في دير الراهبات

الكلدانيات بنات مريم في منطقة المسبح ببغداد يوم قابلت غبطته لاستلام حديث هذه

المقابلة التي تكرم وخص بها “الفكر المسيحي”، اثر غبطته منحها كتابة والإجابة بخطه الأنيق رغبة منه في التركيز والإحاطة.

وقد جعلنا محور هذا اللقاء الصحفي الأول مع غبطة البطريرك بيدا ويد حياة الكنيسة في العراق وآفاق مستقبلها في جبريته.

الفكر المسيحي: غبطتكم، بعد 23 سنة مطرانا على أبرشية “في الأطراف”، مع ما حملتم فيها من مسؤوليات وأفكار تأملتموها طويلا وتمنيتم تحقيقها، ثم فجأة تدخلون معمعة جديدة في قمة السلطة البطريركية.. كيف تتصورون مهمتكم الجديدة كراس للطائفة الكلدانية وتجاه الكنيسة في العراق ككل؟

·        البطريرك: من خلال تجربتي طوال تسع سنوات كمطران للعمادية في

كردستان العراق وثلاثة وعشرين سنة في لبنان حيث ساهمت في نشاطات مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان وهي المؤسسة التي تجمع طاقات الكنيسة العاملة في شتى الحقول الدينية والروحية والتربوية والتعليمية والاجتماعية وحتى السياسية بقدر ما للسياسة من علاقة برسالة الكنيسة العامة، اعتقد أنها كانت مدرسة لي أكسبتني الكثير من الخبرة في شؤون الإدارة الكنسية والتي آمل أن أوظفها في خدمة الطائفة الكلدانية العزيزة التي هي جزء لا يتجزأ من كنيسة العراق بالتعاون مع أصحاب السيادة مطارنة ورؤساء الطوائف المسيحية الشقيقة، وهدفنا واحد وهو بناء كنيسة الله بروح التعاليم الإنجيلية والكنيسة المتوارثة في تقاليدنا العريقة التي ترتقي إلى عهد الرسل أنفسهم.

الفكر المسيحي: لو أردتم أن تشخصوا ثلاث أولويات على المدى القريب في حياة كنيسة العراق، كي تتوجه صوب التجدد والنهوض، فما تكون؟

·        البطريرك:  أرى إن كل بناء يقوم على الأساس ومن ثم على التخطيط المتكامل

حسب الحاجات والمتطلبات التي تفرضها حياة الكنيسة. فالأولوية الأولى هي العمل على توحيد الجهود كلنا سوية في المحبة والتعاون. على مثال الجماعة المسيحية الأولى “بقلب واحد” (اعمل الرسل 1/14، 2/45) متسامين فوق مصالحنا الطائفية الضيقة معتبرين أنفسنا”كتيسه واحدة”، إذا كنا نريد أن نكون حقا تلاميذ الرب يسوع. حاملي رسالته وشهادته إلى العالم.

والأولوية الثانية  هي “الشهادة” التي على كل واحد منا أن يؤديها للرب يسوع

وللإنجيل (أعمال 1/8) الشهادة التي تقوم على حياة مسيحية مثلى:

كل واحد من موقعه وحسب طاقته، للعمل على بناء الكنيسة التي هي شعب الله، كما وعلى  بناء الوطن في حياة قوامها المثل والقيم الروحية والأخلاقية. أما الأولوية الثالثة عندي فهي “الشبيبة” على مختلف فئاتها من طلبة ومهنيين وعمال لتوجيههم التوجيه الصحيح في تربية مسيحية صادقة وروح وطنية مخلصة، ليعوا مسؤولياتهم فأنهم بناة المستقبل وأمل المجتمع.

الفكر المسيحي: ذكرتم مرارا المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني –وقد كنتم احد إبائه منذ البداية-. ماذا تعني قراراته وتوجيهاته في نظركم، بالنسبة إلى كنيستنا. وهل هناك ضرورات رئيسة في مقرراته تنون وضعها موضع التنفيذ بحسب برنامج زمني؟

·        البطريرك: كان لي شرف المشاركة في المجمع المسكوني والتوقيع على

مقرراته ولقد كان هذا حلمي منذ سني دراستي اللاهوتية. والمجمع المسكوني نعمة كبرى أعطيت للكنيسة في القرن العشرين لتحقيق ما اسماه الطيب الذكر البابا يوحنا الثالث والعشرون بل أي تحديث الشؤون الكنسية بأساليب علمية عصرية لتواكب مسيرة البشرية في التقدم والرقي حسب متطلبات العصر ولخير الإنسان الذي هو الموضوع الرئيسي لاهتمام المجتمع الديني والمدني بغية تحقيق تكامله الروحي والزمني وسعادته الحقيقية في حياة كريمة تعيد إليه “صورة الله” (تكوين 1/27). وكنيستنا مثل غيرها من الكنائس هي بأمس الحاجة إلى عمل التجدد هذا، مستلهمة مبادئ الإصلاح من مقررات المجمع المسكوني المقدس وتعليماته في مختلف المجالات الروحية والأدبية والاجتماعية وسوف ندرسها إن شاء الله في مجمع عام دعوت إليه عند تسلمي مهام البطريركية.

الفكر المسيحي: في خطابكم التنصيبي تكلمتم، غبطتكم، مع “رؤساء الطوائف المسيحية الشقيقة” عن “مجلس اخوي حولكم يجتمع في أوقات معينة للتشاور وتبادل الآراء”. ما هي طبيعة هذا “المجلس” في تصور غبطتكم؟ ممن يتكون؟ هل يشترك فيه أساقفة كاثوليك وأرثوذكس؟ هل هو “مجلس أساقفة” بالمنظور المجمعي كما هي الحال في سائر البلدان، أم هو شيء آخر؟

البطريرك: بالحقيقة إنهما مجلسان: الأول يجمع الأساقفة الكاثوليك على غرارمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان. وهذا أتمنى أن يصبح “مجلس أساقفة” بالمنظور المجمعي، والثاني ذو طابع مسكوني يضم رؤساء الطوائف المسيحية الشقيقة معنا لتدارس كل

القضايا المشتركة مثل الأعياد والاصوام والأنظمة الكنسية العامة التي من شانها أن توحد صفوف الشعب المسيحي استجابة لإرادة السيد المسيح الذي دعانا إلى المحبة والوحدة تحقيقا لرغبة قلبه الإلهي ورغبة عموم المؤمنين في الوحدة المسيحية الشاملة (يوحنا 17).

الفكر المسيحي: دعوتم الكهنة يوم تنصيبكم إن “يشعروا المؤمنين والجماعات الرعائية أنهم حقا أعضاء في الأبرشية والكنيسة”. ماذا تعنون بذلك؟ هل تفكرون بإنشاء هيئات أو مجالس راعوية، أم هي دعوة عامة للتوعية؟

·        البطريرك: لا ريب أن للعلمانيين دورهم  المميز في كنيسة الله وإنشاء المجالس

الراعوية ضرورة ملحة في كل خورنة وأبرشية ليشاركوا بصورة فعالة في حياة الكنيسة ومؤسساتها. وقبل الشروع في تأليف هذه الهيئات بمقتضي توعية عامة لإعداد الشعب وتحضيرهم للعمل الرسولي حسب روح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني وتعليماته.

الفكر المسيحي: عملية التثقيف المسيحي حاليا هي نشاط يكاد يكون فرديا يتبع غيرة هذا الكاهن أو سخاء ذلك العلماني. بالرغم من الجهود المبذولة تبدو مبعثرة. هل لكم تصور خاص في هذا الشأن للمستقبل من حيث المناهج والمتابعة وأساليب التعليم؟

·        البطريرك: لابد من تنسيق الجهود ونحن كما قلت وأؤكد نؤلف كنيسة واحدة

هي كنيسة المسيح في العراق مؤلفة من طوائف مختلفة وعلى هذا الأساس يجب تنظيم عملنا ليأتي بالثمار المرجوة في توحيد المناهج والكتب للتعليم المسيحي في جميع المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية وفي الجامعات. وعلينا أفي خلق مراكز ة موزعة في مناطق مختلفة. وماذا يمنع أن تكون مشتركة أيضا بين الطوائف المسيحية طالما المناهج والكتب سوف تكون موحدة. فتستفيد المراكز إذا قد يزداد عدد المدرسين في هذه الحالة، بدل أن تتوزع جهودنا وتتبعثر طاقتنا في نفس العمل الواحد الذي هو هو في كل طائفة، هذا بالإضافة إلى أن جميع أولادنا في مثل هذه المراكز المشتركة سوف يجمع قلوبنا ويوحد كلمتنا ويعطينا قوة ويكسبنا منعة في الإيمان وفي العمل ألرسولي.

الفكر المسيحي: ذكرتم غبطتكم في خطابكم يوم التنصيب عن الحياة  المشتركة  بين  الكهنة.  من خبرتكم كيف تتصورون إمكانية ذلك ونحن متعودون على الحياة المستقلة كل في خورنته. هل تفكرون بصيغ معينة لتحقيق مثل هذه “الشركة”؟

·        البطريرك: أرى أن حياة الكهنة المشتركة هي في صالح الكنيسة وصالح الشعب

في الوقت ذاته، حيث أن العيش المشترك بين الكهنة يقال محبة والإخوة ويساعد على التعاون المتبادل من جهة وينظم العمل ألرسولي إلى ما فيه خير النفوس من جهة أخرى مقدما للمؤمنين مثالا في المحبة والوحدة. وان تحقيق ذلك ممكن في خلق مراكز سكن موزعة في أرجاء المدينة بشك يتلاءم والوضع الخورني، مؤلفة من جماعات أربعة أو خمسة كهنة تتوفر لهم فيها أسباب المعيشة والراحة من سكن ومطبخ وخدمة وترفيهها المعبد الخاص الذي يجمع الإخوة للصلاة المشتركة  والعبادة مع تامين المناوبة “الخفارة” ليكونوا ليل نهار مستعدين لخدمة ابناء رعاياهم كما هو الحال مع الأطباء في دور المرضى والمستشفيات. فيتوزع الكهنة على كنائسهم للقيام بخدماتهم في الأوقات المقررة حسبما يتطلبه الواجب والحاجة ثم يعودوا بعدها إلى مراكزهم المشتركة حيث مقر إقامتهم الرئيسي.

وبإمكان الكاهن أن يستعين بموظف علماني براتب نظامي، يؤمن الدوام في كنيسته في ساعات الدوام  صباحا ومساء، ويكون باتصال دائم مه الكاهن المسؤول لاستدعائه كلما اقتضى الأمر حضوره للخدمة.

و معقدا بعض الشيء، لكنه بسيط لمن يسعي إليه بنية طيبة وروح تضحية طلبا للخير العام. وقد يسهل كثيرا إذا ما أدرك الكاهن فائدته بالنسبة إلى راحته الشخصية كما وراحة المؤمنين من الوجهة الروحية والعملية.

الفكر المسيحي: “الفكر المسيحي” عرفت فيكم أبا وصديقا ومشجعا. ما هي توجيهاتكم إليها وهي تحتفل هذا العام بمرور 25 سنة على إنشائها، قضتها في خدمة كنيسة العراق؟

·        البطريرك: إني أقدم التهاني الأبوية لأسرة الفكر المسيحي من هيئة تحرير

وادارة وقراء لما بذلوه من جهود طيبة في تطوير المجلة سنة بعد سنة. حتى أصبحت من المجلات الدينية الراقية في العالم العربي منبرا للكلمة والحوار في خدمة الإنجيل وإدارة إعلام وتوعية في كنيسة العراق في أبوابها الشيقة الثابت منها والمتحرك فيها جعلت منها مجلة الأسرة المسيحية ومجلة الشبيبة المسيحية.

أمنيت المقابلة: مناسبة يوبيلها أن تستمر مجلة لا طائفية بل مجلة كنيسة العراق تنقل إلى ابناء الكنيسة الواحدة “الفكر المسيحي” الصحيح في الأمانة التامة للعقيدة المسيحية والأخلاق القويمة فتكون أداة خيرة لبنيان الإنسان والوطن.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s