مع المطران أنطوان أودو 1993

مع المطران أنطوان أودو مطران حلب للكلدان

نيسان – حزيران  1993

وجه هادئ. محيا واسع تضلله خصلة كستنائية مسالمة. عينان تراهما متأملتين في شيء آخر، ولكنهما منتبهتان إليك، رقيق المعشر والكلمة، يعكس نفسا في سلام، وقلبا يحترم الآخر بعمق، يسوعي، حسه ألرهباني اليسوعي ولا اتساع آفاقه الفكرية والإنسانية والكنسية.

هذا هو المطران اودو، مطران أبرشية حلب الكلدانية الجديد. شاب لازال في ربوع الأربعين (مواليد حلب 1946).

كنت أحس انتباهه ومتبعته بجدية في قاعة المؤتمر، المؤتمر الكتابي الثالث الذي نظمته الرابطة الكتابية للشرق الأوسط في دير سيدة ألبير بلبنان في أوائل شباط الماضي، وقد ساهم هو نفسه ببحث بعنوان “يوحنا والازائيون”. والمطران اودو من الاختصاصيين البارزين في علم الكتاب المقدس في الشرق الأوسط. (ف. م ت2 – ك1 1992).

على هامش المؤتمر التقيته –بعد إجهاض أكثر من موعد– في غرفته الصغيرة.. قبل أن تدركنا الجلسة المخصصة لتقرير النشاطات الكتابية في العراق. أجلسني قبالة، تاركا ضوء النافذة في ظهره..

ثلاثة محاور: وضع التعليم المسيحي في سوريا، حلب والعمل المسكوني، والجماعة الكلدانية هناك.

* الفكر المسيحي:  استلامكم مسؤوليات حلب الكلدانية تبعدكم عن الاهتمام

المباشر بشؤون التعليم المسيحي. ما هو وضع التعليم المسيحي في سوريا من حيث الإمكانيات والمناهج والتنظيم؟

         المطران اودو: بهدوء وكلمات كان يبدو اهتمامه في دقتها وإيجازها:

قبل تعيني مطرانا، كان الأساقفة قد اسندوا إلي مرشديه جمعية التعليم المسيحي بحلب (1991 – 1992). وتابعت هذه المهمة، يساعدني فيها الأب جورج بيروني (ماروني). فهو يهتم بالإرشاد الروحي، واهتم أنا بالمناهج التربوية التثقيفية مباشرة.

أما سؤالك عن وضع التعليم المسيحي في سوريا الآن،  فأجيب بان في سوريا منهاجا رسميا يتناول التربية الدينية من الصفوف الابتدائية وحتى الثانوية، ويستند هذا المنهاج إلى برنامج ومفردات وضعتها لجنة مسكونية مشتركة بين الكنائس المختلفة، الكاثوليكية والأرثوذكسية ؛ بإشراف وإقرار وزارة التربية والتعليم. وتدخل مادة الدين المسيحي في الامتحانات الرسمية (الوزاري في العراق) وهي ملزمة لجميع الطلبة المسيحيين.

الصعوبة التي نواجهها هي إيجاد معلمين كفوئين لمادة التربية المسيحية في المدارس الرسمية، حيث تبقى المادة ثانوية، مقارنة بالأهمية المعطاة للمواد المتهجية الأخرى، لا سيما عندما يكون عدد الطلاب قليلا، فيكلف بتدريسها أشخاص لا كفاءة لهم ولسد الفراغ في الساعات التدريسية المخصص هاهم.

* الفكر المسيحي: حدثونا عن جمعية التعليم المسيحي التي كان لحلب دور الريادة فيها. تأسيسها. تنظيمها. حقول عملها. صعوباتها.

         المطران اودو:  احتفلت جمعية التعليم المسيحي في حلب بيوبيلها المئوي

عام 1991، مما يعطي عراقة فريدة حقا لمدينة حلب في حركة التربية المسيحية. وهذه الجمعية غير طائفية، بمعنى أنها لا تخدم طائفة معينة واحدة، وإنما هي في خدمة الكنائس الكاثوليكية كلها، والجهة المسئولة عنها مباشرة هي مجلس الأساقفة الكاثوليكي في حلب، يمثلهم دوريا احدهم، ولأربع سنوات، والمسئول الحالي هو المطران بطرس مراياتي، مطران حلب للأرمن الكاثوليك. بهذا المعنى أقول بان عمل الجمعية عمل مسكوني ناجح، حيث تتوزع المراكز على الرعايا والأديرة والكنائس بحسب المناطق، والطلبة يؤموها بحسب قربها من بيوتهم، بغض النظر عن انتمائهم الطائفي، ففي باب العمل المشترك لا نجد أية صعوبة تنظيمية أو شخصية. فهناك منافسة بين المراكز: وهذا أمر ايجابي يحمل الجميع على تحسين أساليبهم لإيصال كلمة الله إلى الأطفال بصورة أفضل. وإذا كان ثمة خطر في العمل فهو خطر الروتين والرتابة، إذ قد يتحول الأعضاء، من مسئولين ومربين، إلى مجرد أساتذة يرددون ما سمعوه مرات عديدة. مما يحملنا دوما على التيقظ والتنشيط في إقامة دورات روحية ولاهوتية وتربوية.

ويستطرد سيادته متطرقا إلى الجوانب التنظيمية:

أعضاء الجمعي علمانيون متطوعون لخدمة التثقيف المسيحي، وقوامهم اليوم 25.  عضوا من شباب وشابات. وتدير شؤونهم وتنسق عملهم لجنة مكونة من عشرة أشخاص: مرشدان وراهبة وسبعة علمانيين من الشباب والفتيات. تجتمع مرة في الأسبوع لتنسيق مختلف نشاطات الجمعية التي تعمل في 2. مركزا للتربية المسيحية في حلب. وتشرف على المحاضرات التثقيفية والدورات التي أعطى للأعضاء. أما هذه المحاضرات فهي على نوعين: يقسم الأعضاء إلى مجموعتين: مجموعة التنشئة التاهيلية التي تضم الشباب والفتيات الذين يتدربون على مهمة إحياء اللقاءات الدينية، ليكونوا مؤهلين للتعليم؛ ومجموعة تثقيف الأعضاء المتقدمين (القدامى)، والعلمانيين الآخرين الراغبين في التعمق اللاهوتي والكتابي.

الشهادة الثانوية هي شرط من شروط القبول في العضوية لإتباع السنة التاهيلية، وفي كل سنة نقبل حوالي 5. مرشحا، فيثبت منهم، بعد مرورهم أمام اللجنة التربوية الفاحصة، حوالي 3. فتى وفتاة. بعد السنة التاهيلية يعينون في المراكز لسنة تدريبية أخرى قبل أن يستلموا مسؤولية التدريس. وتتراوح أعمار الأعضاء الفعليين حاليا بين 2. – 4. سنة. أما الأعضاء القدامى الذين تتجاوز أعمارهم هذه السن، فيتسلمون مسؤوليات إدارية في المراكز. فينتج أن العملية التربوية الدينية تقع على عاتق الشباب والشابات.

وتجدر الإشارة إلى أن العمل التدريسي مجاني، ولكن الجمعية تقابله بإعطاء ثقافة مستمرة وبتهيئة رحلات ودورات –عموما داخل القطر– تتكفل الجمعية بتكاليفها. أما تمويل الجمعية فيم  تبرعات المحسنين من مدينة حلب، فلدينا ما نسميه باللمة  السنوية، حيث تدور لجنة على التجار والمتمكنين لاستلام المساهمات

* الفكر المسيحي: لحلب أيضا ريادة في العمل المسكوني. حدثونا، سيادتكم، عن العلاقات المسكونية في واقع حلب وفي سوريا عموما. ما هي الأبعاد العملية  للعمل المسكوني بين الكاثوليك أنفسهم، وثم مع الإخوة الأرثوذكس؟

         المطران اودو: أود أن اذكر في بادئ الأمر أن أساقفة حلب الكاثوليك

الستة يجتمعون أسبوعيا، كل يوم سبت، للتداول في شؤون الكنيسة الراعوية. ويسود هذه اللقاءات جو من التفاهم والاحترام ورغبة في ممارسة المسؤولية الراعوية  بصورة تشاورية.

والقاسم المشترك بين هؤلاء الأساقفة هو كنيسة حلب بتركيبتها التعددية، وبما فيها من تواجد مع الإخوة المسلمين، ومن ثقافة عربية وأجنبية مميزة. وتضم مدينة حلب بين 13. – 15. ألف مسيحي، و 5.% منهم كاثوليك، وهؤلاء هم بحسب أهميتهم العددية: الروم، الأرمن، السريان، الموارنة، الكلدان، اللاتين، أما الطوائف الأرثوذكسية فتتمثل بحسب أهميتها العددية كالآتي: السريان، الروم، الأرمن، البروتستنت.

يجتمع رؤساء الطوائف المسيحية العشرة هؤلاء سوية مرة في الشهر، للمداولة في الشؤون الكنسية المشتركة، في جو من المودة والاحترام المتبادل. وإذا كانت عملية التنسيق في العمل الراعوي المشترك أكثر دقة هنا، فعلينا  ألا نهمل أهمية ودور اللقاءات المسكونية الأخرى والمشاركة بين رؤساء واكليروس الطوائف المختلفة (الأرثوذكسية والكاثوليكية) في الصلوات ولا سيما في مناسبات الأعراس والجنازات، وفي اللقاءات الثقافية حيث يشارك محاضرون، من هذا الطرف أو ذاك، في إلقاء محاضرات لدى الأشقاء من الطرف الآخر.

* الفكر المسيحي: نأتي الآن إلى سؤال خاص. ما هو حجم الجماعة الكلدانية في أبرشيتكم. ما هي إمكاناتكم في الرسالة. ما وضع الدعوات عندكم؟

 المطران اودو:  تتمثل الكنيسة الكلدانية في سوريا بأبرشية واحدة، مقرها مدينة حلب. وتضم أبرشية حلب 8 رعيات موزعة من أقصى الشمال والى أقصى الجنوب، وهي: حلب (حيث الكرسي الأسقفي مع أكثرية الكلدان السوريين، ويصل عددهم إلى 5.. عائلة)، ثم دمشق – الحسكة – تل عربوش – القامشلي – المالكية – خانيك – دير الزور. أما العدد الإجمالي للكلدان فيبلغ نحو 12…، وإذا أضفنا إليهم إخواننا العراقيين الوافدين وصل العدد إلى حوالي 15….

أبرشيتنا فقيرة جدا بالكهنة، إذ ليس لنا سوى كاهنين راهبين عراقيين، يبلغ كبيرهما 8. عاما، والآخر 6. عاما. ولكننا نبتسم للمستقبل، حيث أرسلت 6 شباب للدراسة الكهنوتية، كلهم في مرحلة الفلسفة واللاهوت: 3 يدرسون في اكليريكية غزير بلبنان ويتابعون تحصيلهم العلمي الكهنوتي في جامعة الكسليك ؛ واحد يدرس في الجامعة الاوربانية في روما؛ واحد عراقي يهتم بالمهجرين في الجزيرة ؛ والآخر سيرسم في الصيف المقبل في معهد المعادي بمصر.

بالرغم  من هذا الفقر في الإمكانات، نضع في أهدافنا الرئيسية الآن تنشيط التربية المسيحية في مختلف الرعيات. فلقد بدأنا في حلب والحسكة والمالكية وتل عربوش بفتح مراكز للتثقيف المسيحي تستقبل الأطفال والشباب والشابات. ونأمل فتح مثلها في كل رعية. كما نحاول أن يكون في كل رعية لجان راعوية علمانية تساعد المطران والكهنة في إدارة شؤون الكنيسة الراعوية والمادية. وفي حلب ذاتها لنا لجنة خيرية نشطة جدا، ولجنة أخرى للسيدات تهتم في تنظيم النشاطات الاجتماعية، ولجنة للأوقاف.

* الفكر المسيحي: جولة سريعة في آفاق الواقع والمستقبل.. ولاشك أن في قلبكم طموحات كتومة واسعة أخرى.. هل لكم من كلمة أخيرة؟

–  المطران اودو: إننا، كأبرشية كلدانية، نعتبر جذورنا في العراق. والسينودس القدس والارتباط بغبطة البطريرك هما اللذان يوثقان ويرسخان هذه العلاقة العضوية. ونأمل أن يكون هناك تعاون بين مختلف الأبرشيات لبناء الكنيسة في شرقنا العزيز، وفي العراق موطن كنيستنا الأصيل.

المطران اودو نفسه عراقي الأصل، ووالده ذاته القوشي المولد، وهو من نسابة البطريرك الشهير يوسف اودو (+ 1878).. فلا حرج أن يكون حسه عراقيا!

ودعته شاكرا تلطفه بهذا الحديث للفكر المسيحي –وكان يتهيأ للعودة إلى أبرشيته الحلبية– وتصافحنا على أمل اللقاء في أيار المقبل في العراق، حيث سينظم سيادته إلى الأساقفة الكلدان في اجتماعهم العام، الذي سينكب ولا شك على تنشيط الإعداد للمؤتمر ألبطريركي الكلداني العام المقبل.. والذي يطمح –ونحن معه– لان يكون ملتقى وأداة راعوية فاعلة لحياة الكنيسة وبعث طاقاتها في رياح التجدد والتزام الاشمل.

 

أجرى اللقاء:

الأب جرجس القس موسى

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s