Posted by: abu faadii | 2013/08/11

مقابلة مع الأب جوزيف مونس1989

مقابلة مع الأب جوزيف مونس

كنيسة لبنان في ظروف الحرب

ك1 1989 

اشترك في مهرجان المربد التاسع عام 1988، زار الموصل والبصرة ويكن للعراق محبة وإعجابا لا يحاول إخفاءهما. أستاذ علم الإنسان. (الانتوبولوجيا) في إحدى الجامعات اللبنانية. مسؤول القسم الصحافي والتلفزيوني في اللجنة الأسقفية اللبنانية لوسائل الإعلام. الأب جوزيف مونس، أربعيني دمث المعشر، سريع التصاحب، يتقد حيوية تحت مظاهر الهدوء. لا فرق لديه أن يبادر الساعي إليه بالعربية أم الفرنسية أم الانكليزية، وحتى الألمانية والايطالية. لبنان يسكن في اللبنانيين،ة لبنان، كالأرز فيه، شموخ وارث لا يمكن المساومة عليهما. شموخ وارث لكل اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين.

في نطاق المؤتمر الدولي الخامس عشر للاتحاد الكاثوليكي الدولي للصحافة المنعقد في بلدة روهبولينغ الألمانية الغربية من 16 – 22 تشرين أول 1989 التقيت بالأب مونس –وقد كنا نزيلي فندق واحد– ووجهت إليه حفنة من الأسئلة حول “كنيسة لبنان في ظروف الحرب” باسم “الفكر المسيحي” التي يقراها ويتابعها بلذة وترقب: “إني أحب خطها الفكري وأسلوبها وقد عدت إليها في أحاديثي عن العراق”. أليس هالمسيحي: لي “من دون مجاملة” عندما حدثني عن عزمه إعداد برنامج تلفزيوني عن كنيسة العراق في التلفزيون اللبناني..

الفكر المسيحي: كيف تواجه  الكنيسة في لبنان حالة الحرب؟

كنا جالسين في احد المطاعم الصغيرة الأنيقة مع عضوي الوفد اللبناني الآخرين ننتظر وجبة الغداء عندما ألقيت هذا السؤال الأول وقلمي متحفز للكتابة. فلقد جرت المقابلة على الطريقة الصحفية المألوفة في المؤتمرات، أي بين جلسة وجلسة أو رشقة قهوة وأخرى، وعلى ثلاث مراحل، مع بعض المطاردة..

الأب مونس: بعد نظرة في البعيد للتركيز ومسح نظارتيه السميكتين، وقال:

الكنيسة في لبنان واجهت حالة الحرب على مستويات عدة ألخصها كالأتي:

1 – المستوى الروحي: لقد حافظت الكنيسة عل جوهر الرسالة المسيحية في المحبة والتسامح والتواصل بين جميع الطوائف الدينية حتى في أصعب الحالات وأشدها عنفا.

فانطلاقا من رسالة المسيح المنفتحة تؤمن هذه الكنيسة بالعيش المشترك والشهادة للقيم الإنجيلية في المحيط العربي الذي تعيش فيه، اسرد لك مثالا على هذه الرغبة وهذا الواقع: عندما اغتيل مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد فتحت البطريركية المارونية أبوابها لقبول التعازي، ليس فقط تضامنا مع الأشقاء المسلمين، بل شعورا بان فقدان مفتي الجمهورية هو مصاب لكل اللبنانيين. كما إن الكنيسة سهرت في الإطار الروحي نفسه على إنعاش روح الصلاة في هذه المحنة الكبرى والثقة بان الخلاص آت مهما صعبت الظروف وطال الزمن. ولقد شاركت جميع الكنائس في صلوات عامة داخل الكنائس ضمن الطوائف المسيحية وحتى الإسلامية من اجل السلم والتعايش ونصرة لبنان وطنا واحدا موحدا للجميع. إن كنيسة لبنان هي كنيسة الرجاء.

2 – المستوى الاجتماعي: لقد فتحت الكنيسة أديرتها ومعابدالحاجات. ها لجميع المهجرين وبذلت من مالها لإغاثة الفقراء. ولقد كانت مشاركتها هامة وان غير كافية في هذا البحر من الحاجات. من جانب آخر دعمت الكنيسة عمل المؤسسات الخيرية والإنسانية مثل المستشفيات والمياتم وعالجت كثيرا من حالات الفقر والعوق والبطالة.وأمنت التعليم لأبناء المهجرين. وبمن خسروا بيوتهم جراء التدمير أو التهجير.

3 – المستوى الثقافي: لقد كانت الكنيسة حاضرة في مختلف النشاطات الثقافية والفنية والأدبية بالرغم من أحداث الحرب واشتركت في العديد من المعارض والفعاليات مثل معرض الكتاب العربي والعالمي. كما أشير إلى أنها شجعت أكثر من أي مرجع آخر، على استمرار المدارس بتامين التعليم بدعمها المادي والمعنوي والروحي، ولم يترك ولد متشرد إلا وضمته المؤسسات التربوية والكنائسية.

وأضاف الأب مونس بشيء من الفخر والاعتزاز: إن ذلك ليس بغريب على الكنيسة المارونية التي أقرت قبل الغرب والشرق.

التعليم الإلزامي المجاني لجميع اللبنانيين على السواء في مجمعها العام منذ 1673، والتي أخرجت أول كتاب عربي بالطبع سنة 161. في دير قزحيا.

4 – المستوى السياسي: لقد وقفت الكنيسة في لبنان في وجه الاحتلال الإسرائيلي والسوري والتعصب الإيراني الوافد وطالبت الغرباء بالخروج وترك لبنان لأبنائه، وتعاطفت مع جميع نداءات الدول العربية والمجتمع الدولي. لقد أعلنت دوما أنها مع لبنان حر سيد مستقل متعدد الطوائف.

يحترم تراثات الجماعات المختلفة التي تؤلفه. ويساوي المسيحي: أبنائه على أساس العدل والكفاءة، وليس على أساس الانتماء الطائفي، وهذا ما يحدو بكنيسة لبنان إلى رغبة في إقامة نظام علماني حر لا يلغي القيم الروحية، بل يلغي الدولة الطائفية.

الفكر المسيحي: في الواقع  اللبناني الحالي، كيف هي علاقات الكنائس المسيحية في لبنان

–وهي عديدة– في ما بينها؟ وهل حقا نستطيع الحديث عن “كنيسة لبنان” بصيغة المفرد؟

­    الأب مونس: لبنان عرف دوما بالتواصل بين الجماعات والحضارات

والأديان، لذلك يتميز أهله بما يسمى “بالحالة المسكونية” وهي الحالة التي تجعل جميع طوائفه جسما واحدا متماسكا بفضل عامل المصير الواحد والقربى والتزاوج، وبقرب كنائسها من بعضها البعض.

وهنا لمس الأب مونس بشيء من المرارة واقعا لم يتجاوز بعد حلقته الذاتية أو رؤياه القصيرة المدى، فقال مستدركا: ولكن، يعز علينا أن نرى أحيانا بعض الانكماش عند بعض الكنائس الشقيقة واكليروسها، إذ لا نؤمن نحن بالكنائس القومية التي تقول مثلا، أنها كنيسة أرثوذكسية عربية أو مارونية. إننا نعتقد أن الكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية وتعبر عن ذاتها بتراث طقسي ولغوي وقومي واجتماعي متميز. نحن كنيسة واحدة، أما انتماؤنا القومي واللغوي والتراثي والطقوسي والاجتماعي فيعبر عنه في أنماط حضارية مرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والمجتمع الإنساني.

من منطلق هذا الروح الوحدوي فتح مجلس البطاركة والأساقفة “الكاثوليكي” الدائم جميع لجانه لكافة الطوائف المسيحية، لتمتزج وتتعاون في خدمة مسكونية واحدة.

كما أن الحركة المسكونية نشطة في لبنان وتتجلى في اللقاءات والاستمزاجات المستمرة على كافة الأصعدة، سواء بين رؤساء الطوائف أو في صفوف القاعدة. وكذلك في أحياء أسبوع الصلاة من اجل الوحدة المسيحية بالمشاركة الشبيبة والرسمية الفعلية في الصلاة والأسرار، كما أن هناك تعاونا وثيقا بين الكنائس في النشاطات الإعلامية،والحركات الرسولية، والخدمة الاجتماعية، والعمل الراعوي والمجالس المشتركة التي تضم رؤساء الطوائف المختلفة في اجتماعات دورية.

الفكر المسيحي: ما هي أهم النشاطات الكنسية في لبنان تجاه الشباب وفي حقول الرسالة والإعلام؟

­    الأب مونس: في باب الحركات الرسولية أسست الكنيسة “المجلس الرسولي العلماني” ويضم 3. حركة رسولية علمانية تعني بالشؤون التربوية والتوعية الروحية والالتزام المسيحي كالأخوية المريمية وجماعة الفوكولاري والرعية الجامعية والأخوية الطلابية المسيحية والأخوية العاملة المسيحية ورابطة الأساتذة المسيحيين… وغيرها، أما في باب النشر، فقد نشرت المطابع –ومعظمها في أيدي الكنائس– خلال الحرب، أهم المخطوطات السريانية والعربية حول الكتاب المقدس، كما نشرت دراسات عن العالم العربي قبل الإسلام. وتميزت جامعة الكسليك ومطبعتا الآباء اليسوعيين والآباء البولسيين ودار الكتاب المفضل بزخم في النشر لم توقفه سنوات الحرب تناول دراسات وترجمات قيمة في اللاهوت والليتورجيا وتاريخ لكنيسة، وقد ساهم المركز الكاثوليكي للإعلام المنبثق عن اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام بترجمة ونشر جميع الوثائق البابوية. أما اللجنة المذكورة فقد أنشاها مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، ومنها تتفرع عدة مراكز أو أقسام، منها: قسم الإذاعة، ويبث برنامجا مسيحيا يوميا، وقسم التلفزيون، وله برنامج مسيحي أسبوعي، والقسم الثقافي والقسم القانوني، علما بان المركز الكاثوليكي للإعلام هو الذي ينسق بين الأقسام ويقوم بعملية التوثيق.

وهنا بادرني سؤال طالما أحببت مناقشته مع الأشقاء اللبنانيين حول وعي مسيحي لبنان للصلة التي تربطهم بسائر مسيحيي الشرق العربي، هل وجوههم إليهم، أم يولونهم ظهورهم جاهلين أو متجاهلين؟

­    الأب مونس: إننا نشعر في الأعماق بأننا جزء من الكنيسة المشرقية وإخوة

لأشقائنا مسيحيي الشرق العربي في الطقوس والتراث والمصير، وان لنا تجاههم مسؤوليات رسولية وراعوية.

ولكن الأب مونس اعترف متكلما عن زاوية الكنيسة المارونية – وهي الكنيسة الأقدم والأكبر في لبنان بان هذا الإحساس بالمسؤولية والتضامن قد اكتفت بعيشه داخل لبنان فقط حيث “استقبلنا وفتحنا قلوبنا وأديارنا وبيتنا لجميع مسيحيي العالم العربي ولجميع الأحرار العرب من ثوار وسياسيين وشعراء وفنانين ولكننا لم نع البعد الكنسي الحق بعد تجاه أشقائنا مسيحيي العالم العربي”.

كان الأب مونس يملي علي كلماته بهدوء وبطء وكان الحديث عن لبنان طقس ديني يؤديه من أعماقه. فبادرته بسؤال مباشر عن تصوره للبنان الغد، وجاء جوابه سريعا واضحا وكأني نقرت على وتر متحفز للوثوب:

­    الأب مونس: لبنان الغد أتصوره حرا، سيدا، مستقلا، موحدا، بشعبه وأرضه، محررا من جميع الاحتلالات، محافظا على بنيته التعددية في نظام ديمقراطي برلماني يوازن بين تراثات شعبه، مرتبطا بالعالم العربي جغرافيا وحضاريا واقتصاديا وقوميا، متجذرا في بيئته العربية دون عصبية أو سلفية، ومنفتحا في الوقت ذاته على الغرب، من دون ذوبان أو انصهار. إني أتصوره رائدا، كما كان دائما، في جميع مجالات الفكر والثقافة والروحانية والفن. هذا الوطن مدمن على الحرية ولا يعيش في المحذورات والممنوعات

حديث الأب مونس عن لبنان وعن الكنيسة في لبنان “وطاقتها المخزونة”

حديث مونس وتود لو يطول ويتشعب. ختمناه على عجل ونحن نرتشف قدح الشاي بالليمون بين جلسة طويلة مملة والحفل الختامي لمؤتمر روهبولدينغ. ولكن الحديث عن لبنان لا يمكن إلا أن يكون حديث شجون وألم ومعاناة، حديثا عن شعب يتمزق كل يوم منذ 15 ستة ولكنه يأبى الاستسلام للقدر، ووطن جريح يحتضر ولكنه يأبى الموت… ترى من يمر”سامري صالح” ونزيه حقا فينزل عن دابته لنجدته من دون المساس بكرامته!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: