مقابلة مع الاب فانسان دكوانونكل1983

مقابلة مع الاب فانسان دكوانونكل الرئيس العام للآباء الدومنيكيين

اب – ايلول 1983 

كادت الطائرة التي حجز على متنها الرئيس العام للآباء الدومنيكيين وسكرتيره تقلع من مطار صدام الدولي من دونهما مساء الثلاثاء 5 تموز الماضي بسبب هذه المقابلة. فقد اصر الاب العام على ان يحرر حديثه الى مندوبنا بخد يده وبحروف الدومنيكان في بغداد الى ساعة غير مقبولة “طيرانيا”… لولا همة بعض الاصدقاء!

والاب الرئيس العام لرهبانية الاخوة الواعظين (هذه هي التسمية الرسمية للآباء الدومنيكيين)، الاب فانسان دكوانونكل، هو الخليفة الثاني والثمانون للقديس عبد الاحد مؤسس الرهبانية (1216)، ولد عام 1916في كامبير من اعمال بريتانيا شماي غربي فرنسا، دخل الرهبانية الدومنيكية عام 1935. ورسم كتهنا عام 1943، انتخب رئيسا عاما في 1974، وقبل ان تنتهي ولايته في 28 آب 1983، اراد ان يحقق امنية قديمة وعزيزة عليه هي زيارة العراق.

ويجدر بالذكر ان  للآباء الدومنيكيين في العراق ديران، الاول –وهو بمقابة الدير الام– في الموصل ( حيث يرقى وجودهم الى 1748)، والثاني في بغداد (1965). واذا كان عددهم قد تضائل اليوم ( 4 عراقيون و 2 فرنسيان)، فقد لعبوا دورا هاما في تاريخ كنيسة العراق الحديث. ولا ينكر احد ما أعطوه لحركة تجديد وحيوية الجناح الكاثوليكي من هذه الكنيسة بمدارسهم ومواعظهم ومطبعتهم ومكتباتهم ومياتمهم، وبمعهدهم الكهنوتي (مار يوحنا الحبيب) الذي رفد الكنيستين الكلدانية والسريانية بثلثي كهنتها من تاسيسه عام 1878، وبجمعية الراهبات الدومنيكيات للقديسة كاترينا العراقيات التي تاسست في الثلث الاول من هذا القرن.. وغير ذلك من النشاطات الثقافية والراعوية التي يضعونها في خدمة كنيسة  العراق.

         “لقد قيل لي دوما: اذا اردت زيارة العراق فعليك ان تخصص لزيارتك اسبوعين على الاقل.. اذ لا يمكنك ان تمر بالعراق مر الكرام”.

هذا ما صرح به الاب دكوانونكل وهو يتامل فنجان القهوة الذي اعدته الاخت جان في اول صباح بغدادي من زيارته. وبينما راح يستذكر زيارة سلفه الاب فيرنانديز الى قرة قوش  عام 1964 حيث احتشدت البلدة لاستقباله بالنواقيس والاهازيج  وحيث تسمرت يده لاكثر من ساعة وهو يمدها لتقبيل المؤمنين حتى كلت فسندها احد معاونيه، ثم استطرد مبتسما:

         “وبما ان ايامي اصبحت معدودة ولم استطيع حتى الان توفير هذين الاسبوعين.. فقد رايت ان خمسة ايام افضل من لا شيء… فجئت!”.

         اهلا وسهلا!

         قالها الاب عبد السلام حلوة  رئيس الاباء الدومنيكيين في القطر باسم الاسرة الدومنيكية في

العراق، وباسم “الفكر المسيحي” التي اجرى الحديث التالي مندوبا عنها –وكان الاب العام قد زار مركز تحرير المجلة وادارتها-. واذا كانت الرهبانية الدومنيكية تتهيا لمؤتمرها العام الذي يعقد في روما من 28 آب – 2 ايلول (1983)، يوم انتخاب خلف الاب دكوانونكل فقد انصبت اسئلتنا حول خصوصية الدعوة الدومنيكية وحركة البحث اللاهوتي المعاصر، لما للاب من اطلاع واسع بحكم وظيفته واسفاره. وكان السؤال الاول فيه رائحة من التحدي:

الفكر المسيحي: هل لك ان تبين لقراء “الفكر المسيحي” بماذا يتميز الدومنيكيون؟

الاب دكوانونكل: هناك قناعة اساسية تتملكنا وهي ان كل انسان يطمح، على قدر الامكان، الى معرفة وفهم الحقيقة التي تعطي معنى لحياته. ونحن، في وعظنا -وهو في الواقع تعليم يتخذ مختلف الصيغ التعبيرية-  نحاول تحقيق هذه الرغبة والدخول في حوار مع جميع من يسيرون نحو الله، حتى اذا كانوا يجهلون ذلك.

الفكر المسيحي: في سبيل الوصول الى هذا الهدف، هل تركزون على صيغ معينة من التعليم والارشاد؟

الاب دكوانونكل: لقد حددت مؤتمراتنا العامة الاخيرة اربع اولويات وهي:

1) اعلان الانجيل بصورة خاصة لكل هؤلاء الواقعين تحت تاثير ايديولوجيات غريبة او حتى مضادة للايمان المسيحي –وهم ليسوا قلة اليوم– مثل: الالحاد، وروح العلمنة بمعنى نزع البعد الروحي عن كل امور الحياة، واشكال المادية المختلفة.. الخ. من هنا ياتي تركيزها على اساليب الخدمة الرسولية التي تضعنا في احتكاك مع هؤلاء الاشخاص وهذه الاوساط. وهذا ما ندعوه في قاموسنا “صيغ الوعظ الجديدة”.

2) دراسة هذه الايديولوجيات والتعرف على الاوساط التي تسير بها، وتحليل اسباب ظهورها. ووصولا الى تكوين فرق وهيئات مختصة بهذه  الدراسات.

3) معالجة القضايا التي يطرحها الظلم وانتهاك العدالة في العالم، والتعريف بمتطلبات العدل والمساواة واحترام حقوق الانسان وكرامته.. هذه الامور التي تعتبر من الاوجه الاساسية للتبشير بالانجيل

4) استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي العصرية مثل: الصحافة، النشر، الراديو، التلفزيون، السينما.. الخ كوسائط للتنشئة الانسانية والمسيحية.

الفكر المسيحي:  ما هي الوسائل التي بحوزتكم لتحقيق هذا البرنامج الذي يبدو لي، والحق يقال، ملتصقا بالواقع المعاش ومن وحيه؟

الاب دكوانونكل: عددنا 72.. راهبا، يضاف اليه 42… راهبة دومنيكية، نعمل واياهن في تناغم اكثر فاكثر، من منطلق التزاماتنا الرسولية بالذات.

لقد مررنا، كما مرت سائر المؤسسات الرهبانية بعد المجمع، بازمة دعوات، غير انني اشير الى تحسن في هذا المضمار في السنوات الاخيرة، لا سيما في ما يخص الرهبان. واذا كانت النوعية افضل الطرق الى الكمية، وليس العكس، فيسرني ان اوكد بان الشباب الذين يدخلون عندنا اليوم هم اكثر نضوجا واعمق تصميما، اذ انهم اختاروا هذا النمط من الحياة بعد اختبارهم حياة العالم بصورة اكثر جدية من السابق.

فعلى هذا العدد وعلى هذه الطاقات نتكل في الواقع لتحقيق طموحاتنا الانجيلية. ان الاساس، في نظري، ليس مجرد تكميل ما رسم قبلنا، وانما هو ان نكون قادرين على النظر الى العالم من امامنا، ليس من ورائنا، وهذا ما دعوته “بشجاعة الامتداد نحو المستقبل”.

الفكر المسيحي: لقد ذكرتم عبارة “نمط لحياة”. هل ترى يختلف هذا “النمط” عما نراه لدى الكهنة الاخرين؟

الاب دكوانونكل:  نحن نعيش في جماعة، والعيش مع جماعة ليس هو مجرد العيش تحت سقف واحد، ان الحياة في الجماعة، بمعناها الاصلي، اكثر من التعايش الاخوي، اذ ينبغي ان تكون “اتحادا” بين اشخاص يوحدهم الهدف الواحد والحب الواحد. انها اخذ وعطاء، وهي تعني تبادلات في الخبرات الرسولية، وعملا جماعيا… اننا نجتمع بصورة منتظمة لمناقشة قضايانا ومكتشفاتنا، وكل يوم نصلي سوية. اما الدراسة  فينبغي ان تحتل جزءا مهما من نهارنا، وعندما تزورون ديرا دومنيكيا، كبيرا او صغيرا، فلا تفوتنكم زيارة المكتبة، ولا تستغربوا من اتساعها: انها اداة عمل ذات اهمية جوهرية للراهب الدومينيكي.

الفكر المسيحي:  اتوقع ان تكون الدراسات اللاهوتية من اهتماماتكم الكبرى. هل تلاقون صعوبات معينة في سياق ابحاثكم، سيما وقد سمعنا عن خطوات “تاديبية” اتخذتها السلطة الكنسية العليا في الاونة الاخيرة تجاه بعض اللاهوتيين، وبينهم لاهوتيون دومينيكيون؟

الاب دكوانونكل:  هذه الصعوبات ليست وليدة عصرنا. فعلى سبيل المثال لا الحصر. قد ادين القديس توما الاكويني اللاهوتي الكبير –وهو دومينيكي– بعد مماته بقليل..ولكن ما ينبغي ان يقال هو ان بعض هذه الابحاث التي كانت تمر تحت السكت سابقا، تصبح اليوم، بفضل وسائل الاعلام، مادة دعائية صاخبة.انه لصعب على اللاهوتي، اليوم، ان يعمل بصحبة اشخاص كفوئين في الخلوة. والحال ان مثل هذه الخلوة وحدها تتيح للباحث عناصر النضوج الفكري والطاقة اللازمة لمواجهة القضايا المستجدة التي قد لا تحد تاثيراتها اللاحقة. ومع ذلك اوكد ل كان السلطات الكنسية العليا لا تمنعها مثل هذه الحالات الفردية ان تضع ثقتها في رهبانية القديس عبد الاحد.

اما السؤال الاخير فقد القته “الفكر المسيحي” على الاب فانسان دكوانونكل وهو في السيارة نحو المطار ينساب مسرعا من تقاطع الى اخر عبر شبكة الطرق  السريعة وعشرات الجسور العائمة فوق الاسطح والساحات، ما يجعل بغداد اليوم كلعبة “ميكانو” عملاقة.. لا يعرف سرها الا العارفون. وكان سؤالنا حول هذه الانطباعات الدقيقة التي سيحملها في حقيبته الى اصدقائه كحصيلة لرحلته العراقية. فحدثنا عما سماه “اكتشافه” للانسان العراقي، هذا الذي وصفه بالجي والمجد، وافرد دعما لهذا الانطباع امثلة الاحياء الجديدة التي تطغي على القديمة والعمارات التي ترتفع شامخة في سماء بغداد، وبعضها لم تغادر الرافعات رؤسها بعد، بينما لا زالت غيرها تغرز ركائزها في الاعماق. كما اشار الى حب الانسان العراقي للحياة الحرة الكريمة والاستقلال الى حد الانفة والتضحية. واستشهد بهذا الالتحام الرائع بين الشعب والقيادة في حرب دفاعية ضروس لم تمنع العراق من  الاستمرار في البناء والتخطيط والطموح. ولقد عبر الرئيس العام عن شكره وتاثره للحفاوة التي احاطه بها المسؤولون في الدولة، وكانت الجهات المختصة قد هيأت له استقبالا رسميا ووضعت تحت تصرفه طيلة مدة اقامته سيارة خاصة ومرافقا.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s